الفصل 10 | من 11 فصل

رواية ولد الهلالي الفصل العاشر 10 - بقلم نور بشير

المشاهدات
23
كلمة
2,934
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

أقترب منها يونس بتروي ثم جثى على ركبتيه أمامها، ومد يديه ساحباً كفها واضعاً إياه بين راحتي يديه. نظر لها نظرة زلزلت كيانها، نظرة لم ولن تنساها مهما حدث. ثم فرت دمعة هاربة من عينيه ونطق بحرقة من بين عبراته: "دهب، أنا بموت. بموت يا دهب. أنا دلوقتي بعيش آخر لحظات حياتي. اللحظة اللي هتوقعي فيها على عقد جوازك هتكوني بتوقعي على شهادة وفاتي يا دهب." ثم هبطت دموعه بغزارة وتابع بنبرة تقطع نياط القلب:

"أنا بحبك، بحبك ومش عارف أعمل أي حاجة في حياتي غير إني أحبك. دهب أنا ندمان على كل حاجة عملتها فيكي وجاي لحد عندك ببكي بدل الدموع دم ومستني عفوك عني وإنك تردي فيا الروح اللي فارقتني من يوم فراقك عني." ثم أخرج من سترته مصحفاً وأمسكه بين يديه ونطق بدموع:

"وحياة كتاب ربي ده أنا اتغيرت وندمان يا دهب، وأوعدك إني هكون يونس تاني خالص غير اللي عرفتيه وحبيتيه قبل كده. وأوعدك إنك هتعرفي يونس جديد وهتحبي يونس تاني غير يونس الأنانى الخاين بتاع زمان." ثم رفع المصحف واضعاً إياه أمام وجهه ونطق من بين عبراته:

"وحياة كتاب ربي ده أنا عمري ما هوجعك تاني أو أكون سبب في دموعك، بس إنتِ اديني فرصة واحدة يا دهب أكفر فيها عن ذنبي ده. أرجوكي يا دهب متعمليش فينا كده. أوعي تغلطي الغلطة اللي أنا غلطتها زمان، صدقيني المرة دي مش هينفع بعدها رجوع يا دهب. المرة دي إنتي هتكوني لراجل تاني غيري." ثم اختنقت نبرته من شدة بكائه عندما نطق بهذه الكلمات وتابع بإنهيار: "أرجوكي يا دهب أنا بترجاكي، وحياة ابننا مالك عندك، ادي لحياتنا فرصة جديدة."

ثم نظر لها مترجياً إياها بنبرة متوسلة: "دهب، ابننا. ابننا يا دهب فكري فيه. فكري إننا إحنا الاتنين لازم ناخد فرصة عشانه وعشان نفسنا." ثم رفع يديه محيطاً وجهها بين كفوفه وأضاف بنبرة متلهفة: "وحياتك عندي، وحياتك عندي يا دهب لهحطك جوه قلبي وعنيا ومش هتشوفي مني حاجة وحشة تانية. تعالي يا دهب نقفل على كل الوحش اللي فات من حياتنا ونبدأ من جديد. يونس ودهب جداد، بس وحياة مالك متعمليش فينا كده، متعمليش فينا كده يا دهب."

فنظرت له دهب ووجهها غارق بالدموع ولم تعط له رداً واحداً. نظراتها مبهمة، لا يستطيع تحديدها، لا يستطيع فهمها. ولكنها تبدو وكأنها في عالم آخر غير هذا العالم. تفكر كيف لها أن تستأمنه من جديد على حالها؟ كيف لها أن تشعر معه بالأمان ثانياً بعد أن جرحها وغدر بها في الماضي؟ كيف لها أن تنسى كل هذا وتبدأ من جديد؟ كيف لها أن تفعل مع أكمل ما فعله معها بالماضي؟

فما فعله هو كان شديد الوقع على نفسها، فكيف أن تظلم أحدهم كما ظلمت هي من قبل؟ كيف لها أن تكون ظالمة بعدما كانت هي المظلومة؟ كيف لها أن تجرحه وتغدر به كما جرحت هي من قبل؟ ولكن آخر شيء خطر على بالها هو صغيرها مالك. فمهما حدث، سيظل أكمل بالنسبة له مجرد زوج لوالدته. وستحرم صغيرها من العيش ضمن حياة مستقرة بين والده ووالدته. كيف لها أن تتصرف بأنانية هكذا مع صغيرها؟ كيف لها أن تشعره باليتم ووالده لا يزال على قيد الحياة؟

فهي شعرت وذاقت مرارة هذا الشعور في صغرها، وليس من العدل أن تجعل ولدها يشعر مثلما شعرت هي في زمانها. هي الآن موضوعة بين نارين كما يقال: نار أن تصبح ظالمة وتجرح أكمل مثلما جرحت هي على يد يونس، ونار أنها تصبح أم جاحدة على صغيرها. فهي إن وافقت على إكمال هذه الزيجة، ستجعل صغيرها يعاني بهذه الحياة، وإن كان أكمل سيعامله مثل ولده. ولكن زوج الأم مهما حدث يظل زوج أم وليس أب. يمكن أن يخاف على صغيره ويمده بالحب والحنان اللازم.

ظلت عبراتها تهبط بغزارة دون أن تصدر أي رد فعل منها، مما جعل يونس يشعر بفقدان الأمل والخيبة. فرفع يديه ماسحاً عبراته هو الآخر والتفت بجسده حتى ينصرف وهو يجر أذيال الخيبة خلفه، يشعر وكأنه كالمشلول، قدماه غير قادرة على حمله، لا يستطيع أن يخطو بهما ولو خطوة واحدة حتى. ولكن تحامل على نفسه وحاول أن يخرج خارج الغرفة، فهو لا يستطيع المكوث أكثر من ذلك، ولا يستطيع تحمل أن يشاهدها أكثر من ذلك بهذا الفستان الذي من المفترض أنها ستزف به على رجل آخر غيره. لا يتحمل حتى مجرد تخيله لهذا المشهد، فكيف له أن يتحمل بأنها ستصبح بأحضان رجل آخر غيره؟

يا الله، يشعر وكأن وجع العالم كله يقبع بداخله الآن، يشعر وكأنه سيموت لا محالة. ودهب واقفة خلفه ساكنة لا تتحرك ولا تصدر أي رد فعل يذكر، سوى الشرود والبكاء الساكن. تشعر وكأنها غير قادرة على التنفس حتى. وبمجرد ما وصل يونس إلى باب الغرفة ومد يديه فاتحاً للباب، إلا أنه استمع إلى صراخها باسمه قائلة بصوت عالٍ بعض الشيء ينم عن مرارتها:

"يووووووووونس، يوووونس متمشيش، أنا عشت خمس سنين من غيرك ومش هقدر أكمل أكتر من كده من غير وجودك، أنا اللي هموت يا يونس المرة دي بجد." فأقترب منها يونس ثم سحبها إلى أحضانه ساحقاً إياها في عناق طويل دام لبضع دقائق، يشبع فيه كلاهما اشتياقه للآخر من خلاله. ثم شدد يونس من احتضانه إياها، وهي تردد بلهفة: "بحبببببببك، بحبببببك، بحبك يا دهب." بعد مرور ساعتين.

قضاها الجميع في البحث عن دهب، فهي قد اختفت تماماً ولا أحد يستطيع العثور عليها حتى الآن. الجميع يتأكله القلق. لا يعلمون أين هي؟ وماذا حدث معها؟ ولماذا اختفت هكذا؟ وعلى الجانب الآخر، تقف دينا إلى جوار أكمل مبتسمة له ابتسامة امتنان وهدرت بتقدير وعرفان:

"أنا بجد مش عارفة أشكرك إزاي يا أكمل. إنت بجد شخص محترم جداً وأتمنى إنك تقدر تلاقي البنت اللي تحبك وتعوضك عن الدنيا كلها. أنا لو فضلت أشكرك من هنا لآخر عمري، عمري ما هوفيك حقك." فابتسم لها أكمل بانكسار ونطق بابتسامة حزينة:

"أنا معملتش غير واجبي يا دينا. أنا مكنتش هقدر أكمل مع واحدة مش بتحبني وقلبها مع غيري. بس لما إنتي كلمتيني وفهمتيني كل حاجة، وإنك عايزاني أوافقها على الجواز عشان نساعدها إنها ترجع ليونس، أنا عمري ما كنت هوافقها إننا نكمل وأنا عارف إنها بتحبه. أنا وافقتك بس عشان أنا عارف إنهم بيحبوا بعض، وإنك زي ما قولتيلي إن يونس اتغير فعلاً وبيحبها وإستحالة يغدر بيها تاني، خصوصاً بعد إنتي ما قابلتيه على السلم وعرفتي إنه طلق مراته

وندمان وشوفتيه وهو بيعيط. أنا لولا إني واثق إنك بتحبيها وعايزة ليها الخير، أنا عمري ما كنت وافقت ألعب معاكي اللعبة دي. إنتي بجد يا دينا مثال للصديق الوفي، وأنا بحسد دهب على إن ليها صاحبة زيك، ويمكن ربنا عمل كل ده وحطها في المشاكل دي كلها عشان بس يثبت ليها إنك أجدع من أي حد في حياتها. ولو حد لازم يشكر حد، فهو أنا، أنا اللي لازم أشكرك على إنك ادتيني الفرصة دي وخلتيني سبب في إسعاد قلبين بيحبوا بعض."

فمدت دينا يديها إلى أكمل مصافحة إياه بحب وتابعت بنبرة مليئة بالتقدير والاعتزاز: "أنا بجد بتمنالك كل خير من قلبي، لأن اللي زيك قليلين قوي وأنت تستاهل كل خير." فابتسم لها أكمل بحزن وتفوه بتحذير: "بس خدي بالك، إحنا مش عاوزين طنط زينب أو عمو عبد القادر يعرفوا حاجة خالص بخصوص إن دهب مع يونس، عايزينهم كده مفكرين إنها هربت عشان متحصلش مشكلة." فهزت دينا رأسها بتفهم ثم أضافت بقلق:

"ربنا يستر بجد، أنا خايفة والله لأحسن يزعلوا مني لما يعرفوا إني عارفة كل حاجة ومخبية عليهم." فنطق أكمل بحزن: "ربنا يستر." في مكان آخر. يصل يونس بسيارته إلى مكان مجهول بالنسبة لدهب تحت دهشتها وذهولها، فهتفت دهب بقلق: "يونس، إحنا فين؟ فهمس يونس لها بحب وهو يضع يديه أعلى شفتيها برومانسية: "ههششش، مش عايز أي أسئلة. إنهاردة مفيش غير دهب ويونس بس. دهب ويونس جداد بيكتبوا أول سطور في حكايتهم الجديدة."

ثم ترجل من السيارة واقترب منها فاتحاً الباب إليها، ثم ساعدها على النزول حاملاً لها ذيل فستانها الطويل للغاية. وما أن ترجلت دهب من السيارة حتى تفوهت بذهول: "يونس، إيه ده، وإزاي جبنا البحر كده؟ يونس زمانهم كلهم قلقانين علينا، إحنا لازم نرجع ونواجههم كلهم." فأقترب منها يونس محتضناً إياها مردداً بنبرة صافية مليئة بالحب: "دهب، إنسي كل حاجة. يولعوا كلهم، المهم إنك معايا وفي حضني وبقيتي مراتي من جديد."

ثم مد يديه مشبكة يديها بين أنامله وسار بها باتجاه شط البحر. وما أن وصلا حتى ساعدها على صعود الدرجات وسارا هما الاثنان في ممر طويل بعض الشيء تحت دهشة دهب وذهولها، إلى أن وصلا أخيراً إلى يخت كبير يقف في المرسى الخاص به، محفور على أطرافه حروف اسمها باللغة الإنجليزية (Dahab) فنظرت له دهب بعدم فهم ثم نقلت بصرها سريعاً بينه وبين ذلك اليخت في محاولة منها لفهم ما يحدث حولها، إلى أن نطقت دهب بذهول: "يونس، إيه ده؟

وإزاي اليخت ده مكتوب عليه اسمي؟ فسحب يونس يديها واضعاً قبلة حانية على باطن يديها ثم تابع بعشق: "اليخت ده مش بس مكتوب عليه اسمك، اليخت ده ملكك يا دهب ومتسجل باسمك كمان من ٤ سنين. وطول الأربع سنين دول وأنا بحلم باللحظة اللي هقدر أجيبك فيها هنا وأخطفك من الدنيا بحالها." فرفعت دهب يديها واضعاً إياها أعلى فمها بصدمة ثم أردفت بعدم تصديق: "لااااا يا يونس، لااااا مش معقول، أنا أكيد بحلم." فهز يونس رأسه بسعادة ثم نطق بعشق:

"إحنا الاتنين في واقع يا دهب مش حلم. ووعد مني إني طول ما أنا عايش وربنا مديني عمر، هتكون حياتنا كلها أحلام جميلة بنحققها سوا. أنا من انهاردة يونس جديد اتولد على إيدك يا دهب." فأقتربت منه دهب محتضنة إياه بحب شديد ثم نطقت بسعادة لا توصف: "أنا قلبي هيقف يا يونس من كتر الفرحة، أنا حاسة إن مفيش حد أسعد مني إنهاردة." فوضع يونس قبلة مليئة بالحب والدفء أعلى كتفها وهي لا تزال داخل أحضانه ثم تابع بعشق خالص:

"أنا لحد ما كتبنا الكتاب وأنا مكنتش مصدق إنك معايا، بس دلوقتي وإنتي في حضني أنا حاسس إني بملك الدنيا كلها. أنا عمري ما كنت فرحان في حياتي زي فرحتي بيكي دلوقتي وفرحتي برجوعك في حضني." فشدت دهب من احتضانه ورددت بحب وهي تشم رائحته بهيام معبئة رئتها بها، متمتمة بحب: "ربنا يجعل أيامنا الجاية كلها سعادة يا يونس."

ثم أصحبها يونس من يديها وصعد بها على متن اليخت، وبمجرد ما وصلا إلى مقدمة اليخت حتى نظر الاثنان إلى منظر السماء وظلامها الدامس الذي رغم عتمته يبدو منظراً بديعاً بوجود ضوء القمر المضيء في ليلة كماله، وكأنه قد اكتمل اليوم للتو مع اكتمال سعادة هؤلاء العشاق. وإلى جانبه تلك النجوم الصغيرة المتفرقة حول ضوء القمر مع حركات تلك الأمواج ونسمات الهواء اللطيفة التي تلفح بشرتهم هما الاثنان في مشهد رومانسي أقل ما يقال عنه بأنه ساحر خاطف للأنفاس، وكأنها لوحة فنية مرسومة باحترافية شديدة.

عند هذه النقطة التقطت عيونهما سوياً في اتصال من نوع آخر، فلا يوجد حديث يقال بتلك اللحظة، فلنترك مجال لحديث العيون إذاً.

ظل كل منهم شارداً بعين الآخر لما يقرب العشر دقائق، حتى أقترب يونس من دهب ملامساً وجنتها بنعومة شديدة ثم سحبها إلى أحضانه في عناق حار يروي اشتياقهم ويروي روحهم الذي كاد يصيبها الجفاف على أثر اشتياق روح كل منهم للآخر. ظلت دهب تربت بيديها على ظهر يونس في رومانسية شديدة. فروح كل منهم الآن ساكنة وكأنها وجدت مأواها أخيراً بعد سنوات من الغربة والحرمان. ظل كل منهم محتضناً الآخر إلى أن طالت بهم الدقائق واللحظات، فشد يونس من احتضانها يريد أن يدخلها بين ضلوعه ويغلق عليها حتى يروي عطشه لها، فضمته دهب إلى أحضانه بشدة هي الأخرى، ثم بدأت تدندن برومانسية وحب شديد

وهي تتمايل في أحضان زوجها: "يونس في بلاد الشوقاه يا ولد الهلالي بتونسني دموع العين وانا سايب اهالي اه يا ولد الهلالي لعليا ولابيا يا عزيزة يابنت السلطان لو يتغير الزمان وقابلتيني في أي مكان كنت اعشق من غير ماتقولي يووونس انا يونس كنت هقول اهو ده المحبوب ويدوب قلبي قبل ما ادوب اه يا ولد الهلالي لعليا ولابيا انا يونس ونسيت مين يونس والدنيا مالت عليا قلبي ضايع مين يلاقيه لي باين نسيتوا حدا اهلي ينفع احبك من غير قلبي

ماتردوا عليها وعليا اه يا ولد الهلالي لعليا ولابيا يا عزيزة يابنت السلطان لو يتغير الزمان وقابلتيني في أي مكان كنت اعشق من غير ماتقولي يووونس انا يونس كنت هقول اهو ده المحبوب ويدوب قلبي قبل ما ادوب اه يا ولد الهلالي لعليا ولابيا انا يونس ونسيت مين يونس والدنيا مالت عليا"

وهكذا ظلوا طوال الليل جالسين كلاهما في الهواء الطلق يشاهدان منظر السماء والبحر في رومانسية شديدة. فيونس كان جالساً على مقدمة اليخت محتضناً دهب من الخلف يتابعان منظر الشروق، لا يتحدثون ولكن يريد كل منهم أن يشبع اشتياقه للآخر فقط. فلا داعي للحديث في حضور العشاق. وفي صباح اليوم التالي.

حيث أصرت دهب على العودة إلى المنزل حتى يطمئن الجميع عليهما وحتى تطمئن صغيرها، فهي مدركة تماماً مدى خوفهم وقلقهم الشديد عليها. وهم بالأساس قد استشفوا جميعاً وجودها مع يونس، فهو حتى الآن لم يعد هو الآخر إلى المنزل وقام بغلق هاتفه حتى لا يستطيع أحد التواصل معه. وبمجرد ما أن دق جرس الباب وقام الصغير بفتحه حتى ارتمى بأحضان والدته ووالده في سعادة بالغة. وبمجرد دخولهما إلى الداخل حتى نطقت زينب بلهفة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...