نطقت دهب بخجل: أكمل، اتفضل. أكمل: أقعد. فأبتسم لها أكمل وجلس، ثم تحدث بحب: كنتي سرحانة في إيه؟ فأردفت دهب بنبرة مذبذبة: دي قضية كنت بفكر فيها، أصلها صعبة شوية. فرد أكمل بحب: وأنا واثق فيكي، وعارف إن مفيش حاجة في الدنيا بتصعب عليكي. ثم تابع بتساؤل وترقب: دهب، أنا كنت عاوز أعرف رأيك إيه في موضوعنا. فسكتت دهب للحظات ونظرت إلى الأوراق الموضوعة أعلى المكتب، ثم استطردت بخجل منه، فهي في موقف لا تحسد عليه ولا تريد خسارته،
فهو صديقها الوفي كما يقال: أكمل، أنا... فقاطعها أكمل بتفهم: أرجوكي يا دهب، متقوليش أي حاجة. أنا مش هقدر أسمعها منك، كفاية إني شوفتها في عيونك. ثم أضاف بحزن: إنتي كنتي وهتفضلي حلم كبير أوي نفسي أحققه، حلم مش بحلم غير بيه من ساعة ما شوفتك لحد دلوقتي.
ثم واصل بأسف: أنا عارف إن الحب والمشاعر مش بإيدينا، وإن قلبك ملك حد تاني حتى لو كان خدعك ومش معاكي، بس برضه أنا قلبي مش في إيدي ومش هقدر أمنعه من حبك. أنا كان أمنيتي في الحياة إني أسعدك وأعوضك إنتي ومالك عن أي حاجة وحشة حصلت في حياتكم، بس رفضك دلوقتي مش هيغير من الأمر شيء. إنتي هتفضلي دهب، البنت الجدعة اللي بـ 100 راجل، اللي تعرف عني اللي محدش في الدنيا يعرفه. أنا آسف يا دهب لو عرضي ده ضايقك أو زعلك، وصدقيني علاقتنا مش هتتأثر خالص برفضك، لأن زي ما قولتلك القلوب دي بتاعت ربنا، بيفتح بابها بس للي في النصيب.
فرفعت دهب نظرها إليه،
ثم نطقت بخجل: أنا آسفة جداً يا أكمل، أنا عمري ما قصدت أجرحك أو أوجعك، بس أنا لو كملت معاك هبقى بخدعك. إنت راجل كويس جداً وحنين وفيك كل حاجة حلوة تخلي أي بنت في الدنيا تتمناك، لكن أنا خلاص نصيبي من الدنيا أخدته وجربت حظي مرة، وحالياً مش بفكر إني أرتبط أو يكون في حياتي راجل. أنا اكتفيت بكل رجالة الكون بأبني مالك، ولو كنت أملك فرصة اختيار راجل تاني أو أكمل مع حد في حياتي، أكيد مكنتش هلاقي أحسن منك يا أكمل. أنا آسفة بجد.
فهز أكمل رأسه بتفهم وابتسم بإنكسار، ثم هتفت بحزن حاولت مداراته: متعتذريش يا دهب، إنتي مغلطيش عشان تعتذري. أنا اللي آسف إني قلبت عليكي المواجع. ثم هب واقفاً مردفاً بحزن: أنا همشي بقا عشان ورايا شغل كتير في المكتب، ويادوب ألحق. فهبت دهب هي الأخرى واقفة، مصافحة إياه. وما أن خرج من باب غرفة المكتب، حتى هبطت دهب أعلى الكرسي الخاص بها، ظافرة بتنهيدة: ياااااااا، زي ما يكون هم وانزاح من على قلبي.
ثم تمتمت بحمد: الحمدلله يارب، الحمدلله إنه أتفهم موقفي، أنا كنت خايفة لأخسره. وفي مساء اليوم التالي،
تجلس دهب بشقتها الخاصة بعد أن خرجت دينا بصحبة مالك ذاهبة معه إلى تدريب السباحة الخاص به. تراجع بعض الأوراق الهامة الخاصة بتلك القضية التي تتولى المرافعة عنها بإنهمام شديد. ولكنها في هذه الأثناء تستمع إلى طرقات متعددة أعلى باب المنزل. فأتجهت إلى فتح الباب دون أن تغير ملابسها الخاصة بالنوم، على اعتقاد أن الطارق ما هو إلا دينا وصغيرها. وما أن فتحت الباب وهمت بالحديث، إلا أنها انصدمت مما رأت. نطقت دون وعي: يووووونس.
فهو يقف أمامها بشحمه ولحمه. من انتظرته لسنوات، الآن يقف أمام عينيها. من كانت تحلم بوجوده حولها وتمنت أن يفتح عليها هذا الباب ذات يوم ويدلف منه كالسابق، يقف الآن أمام بابها.
وما أن استوعبت الموقف وأنه يقف أمامها يشبع عيناه من النظر إليها، انتبهت لما هي ترتديه، فهي كانت ترتدي قميص وردي اللون يصل إلى أعلى ركبتيها بكثير، ذو حمالات رفيعة للغاية. حتى أسرعت إلى الداخل فوراً، ساحبة ذلك الوشاح المفترش به تلك الطاولة لتغطي به جسدها. وبالفعل لفت حالها جيداً بذلك الوشاح. وما أن التفتت حتى وجدت يونس قد دلف إلى الداخل وأغلق الباب خلفه، متأملاً إياها ومتأملاً كل شيئ بداخل المنزل.
فكم هو نظيف للغاية ومرتب، تشع منه رائحة فواحة تنعش الأنفاس على عكس منزل الزوجية الخاص به هو وتلك نادين. فاق من تأمله كل هذا على صوت دهب المردد بحدة: إنت إيه اللي جابك هنا، وإزاي تسمح لنفسك إنك تدخل وتقفل الباب وأنا هنا لوحدي؟ فاستطرد يونس بنبرة حانية مليئة بالشجن: دلوقتي يا دهب بقيت غريب عنك، دلوقتي بتخبي نفسك مني، بعد ما كنتي بتستخبي من الدنيا كلها في حضني.
فنطقت دهب باستهزاء: أديك قولت أهو، كنت. كنت يا يونس، وإنت بالنسبة ليا دلوقتي أغرب من الغريب حتى. فأجابها يونس بمرارة: للدرجة دي يا دهب، للدرجة دي بقيتي بتكرهيني ومش طايقة وجودي؟ فتفوهت دهب باستنكار: تؤتؤ، بكرهك يعني إنت تشغلني أو تهمني أو بتاخد حيز من مشاعري حتى لو بالسلب. لكن إنت يا يونس أصغر بكتير أوي من إنك تحتل مكانة جوه قلبي حتى لو كانت كره.
لا ينكر يونس أنه انصدم وبشدة من ردها هذا، إلا أنه في الوقت نفسه يعلم بأنه فعل بها الكثير والكثير، وما تفعله أو تتفوه به الآن لا يأتي قطرة في بحر ما فعله وتفوه به هو في الماضي. فهتف يونس بحزن: دهب، أرجوكي. أرجوكي اديني فرصة أصلح فيها اللي عملته فيكي زمان، دهب أنا... وما كاد أن يكمل حديثه إلى أن أسكتته عندما جذبت تلك التحفة الموضوعة أعلى المنضدة وقامت برميها على الأرض بعنف شديد،
واستطردت بعد ذلك بقوة: لو تقدر ترجع التحفة دي زي ما كانت يا يونس وتصلحها، وقتها بس هتقدر تصلح اللي أنت عملته زمان فيا وفي ابنك. فأغمض يونس عيناه بألم،
ثم همس بحسرة ومرارة بالغة: أرجوكي يا دهب، أنا أخدت درس قاسي أوي في بعدك، أنا بموت من غيرك يا دهب، أنا مش عارف أعيش ولا أشتغل ولا أعمل أي حاجة في حياتي. أنا أصلاً مش بعمل حاجة غير إني بفكر فيكي طول الوقت. دهب أنا بحبك أوي صدقيني وندمان على كل اللي عملته فيكي. أنا عارف إني مستهلش وإني جرحتك كتير ووجعتك أكتر، بس أنا بحبك وعارف ومتأكد بأنك إنتي كمان بتحبيني. دهب إنتي لو وافقتي على جوازك من الراجل ده هتبقي بتغلطي نفس غلطتي. أنا مش هتحمل أشوفك مع حد غيري، أنا أموت فيها يا دهب والله.
فصاحت دهب بانفعال وغضب شديد: إنت بني آدم أناني. ثم هزت رأسها بعنف وتابعت وهي تؤكد على كل حرف تتفوه به: إنت بني آدم أناني يا يونس، أنا ما شوفتش في حياتي زيك. صدقني يا يونس لو في جايزة للحقارة والبجاحة، كنت إنت هتاخد فيها المركز الأول. إنت إيه الجبروت اللي إنت فيه ده. ثم أضافت بصراخ وعصبية: فوووووق يا يونس، فووووق، وكفاية أوي لحد كده. إنت صغرت في نظري بما فيه الكفاية، أرجوك خليك محافظ على اللي متبقي منك قصادي.
فهبطت دمعة هاربة من عيون يونس، أسرع بمدارتها دون أن تلاحظها دهب، وتابع بإنكسار: أرجوكي يا دهب بلاش تعملي كده، ده ربنا بيسامح يا دهب. فأردفت دهب بجبروت: وأنا مش ربنا يا يونس عشان أسامحك. أنا بني آدم لحم ودم بيتوجع وبيتقهر وبتذل على إيدك ذل ماشافوش حد ولا شافه، وعاوزني دلوقتي أسامحك؟ فأقترب يونس منها وكاد أن يلمسها، حتى ابتعدت عنه دهب ونطقت بحدة: عندك يا يونس، أوعى تقرب مني أحسن لك. فأبتعد
عنها يونس وهمس بترجي: دهب أرجوكي، أنا عاوز فرصة واحدة أكفر فيها عن ذنبي، فرصة واحدة وإنتي هتشوفي يونس اللي بيحبك ومحبش ولا هيحب غيرك. دهب أنا مش هقدر أشوفك مع حد غيري، أنا أساساً مش متحمل الفكرة، مش هتحمل إنك تكوني في حضن راجل تاني غيري يا دهب، إنتي حبيبتي أنا مش حبيبة حد تاني.
فصاحت دهب بهستيريا وصراخ: إنت خاين يا يونس وغدار، بترمي اللي ماسك فيك، وتمسك في اللي مش عاوزك. إنت غبي وأنانى، جاي دلوقتي تحرم عليا اللي إنت حللته لنفسك زمان، بس الفرق إنك كنت راجل متجوز وعندك ولد، لكن أنا واحدة مطلقة محلتش غير ابني. وأنا واثقة إن أكمل هيخلي باله مننا كويس وهييعوضنا عن كل القرف اللي شوفناه معاك. فسقطت هذه المرة عبراته بغزارة ولم يهتم حتى لمدارتها،
وتمتم من بين عبراته: أنا اللي هعوضكم يا دهب مش حد غيري، أنا بس اللي له الحق إنه يعوضكم عن اللي فات. أنا بحبك وإستحالة أسيبك تضيعي مني يا دهب، إستحالة. فنطقت دهب بنبرة مستميتة مليئة بالجبروت والقوة: وأنا هتجوزه يا يونس، هتجوزه وهحسرك عليا وعلى ابنك وعلى حياتك اللي هيعيشها مكانك راجل تاني. وحياة مالك يا يونس، لهتجوزه وهخلف منه كمان. فصرخ يونس بها بعصبية واستطرد بحدة
وهو يضع يديه أعلى فمها: بس بس، اسكتي، حرررررام عليكي اللي إنتي بتعمليه فيا ده، حرررررام. إنتي إستحالة تتجوزيه يا دهب، إستحالة تجيبي عيال تاني الدنيا دي غير عيالي أنا وبس. مش مسموح لك أساساً إنك تعيشي في أحضان راجل تاني غيري، إنتي فاهمة؟ فصرخت به دهب بحدة: وإنت مش حرام عليك اللي إنت عملته فينا زمان؟ مش حرام عليك إهانتك ليا ومعايرتك ليا بتربيتي وأهلي اللي سابوني والملجأ اللي اتربيت فيه؟ وأنا اللي في الآخر حرام عليا؟
يا أخي ده ربنا اسمه العدل وما بيرضاش بالظلم. وبعدين إنت مين أصلاً عشان تسمح ليا أو متسمحش؟ إنت مالكش وجود في حياتي يا يونس، إنت نكرة مش موجود بالنسبة لي. إنت حدودك بتنتهي عند ابنك وبس، ده إذا كان ليك حدود معاه أصلاً. ثم تابعت بتساؤل: إنت تعرف إيه عن ابنك؟ رد عليا، إنت تعرف هو في سنة كام حتى، بيأكل إيه، بيشرب إيه، بيلعب إيه. إنت ماضي في حياتي وأنا قفلت عليه يا يونس وإستحالة هرجعله تاني أو حتى هرجع للفترة دي. ثم ابتسمت
بنشوة وأردفت بكبرياء: بس عارف أنا بشكرك وممتنة ليك حقيقي من كل قلبي، عارف ليه؟ فضيق يونس عيناه حبيسة الدمع في تساؤل.
فردت دهب بجبروت: لأن بفضلك إنت أنا بقيت دهب جديدة، بقيت دهب فؤاد اللي لو شافت دهب القديمة اللي كانت معاك كانت تفت عليها وعلى حياتها معاك. أنا حقيقي بشكرك يا يونس لأنك عطيتني فرصة عمري، لأنك ساعدتني من غير ما تحس إني أوصل للي أنا فيه دلوقتي. بشكرك من كل قلبي على إنك عطيتني فرصة أعرف من خلالها راجل أنا عارفة وواثقة إنه هيحطني جوه عينيه وقلبه أنا وابني، راجل هيحتويني ويعوضني عن ظلمك وقرفك يا يونس، راجل هعيش معاه وأنا مطمنة وعارفة إنه مش هيغدر بيا في أي لحظة.
فأسودت عين يونس وجز على أسنانه من فرط غضبه وهمس بفحيح أفعى: ده على جثتي يا دهب، على جثتي إن أشوفك في حضن راجل غيري، صدقيني يا دهب وده وعد مني ليكي و"وعد الحر دين". فنطقت دهب بقوة: وأنا كمان يا يونس بوعدك إني هتجوزه و"وعد الحر دين". فنظر لها يونس نظرة أخيرة ثم أقترب من باب المنزل بحزم شديد، فحانت منه نظرة مترجية تجاه دهب، فشاحت هي بنظرها بعيداً عنه في جمود وصلابة، ففتح الباب وخرج يجر خلفه أذيال الخيبة.
وبمجرد ما أن أغلق الباب خلفه، حتى اتجهت دهب إلى هاتفها وأجرت اتصالاً بأحدهم. وبمجرد ما أتاها الرد حتى نطقت مسرعة: أكمل، أنا موافقة أتجوزك.
على الجانب الآخر، بمجرد ما أن خرج يونس من شقة دهب، حتى شعر بالاختناق والضيق الشديد، يشعر وكأنه لا يستطيع التنفس وكأن العالم يضيق به، والأرض لم تعد قادرة على حمله. يريد أن يبقى لحاله، ولكن في الوقت نفسه يريد أن يرتمي بأحضان أحدهم ويشكو إليه مما فعله وجناه على حاله. ولكن نادين هي آخر شخص يريد رؤيته الآن، لا يطيقها ولا يطيق قربها حتى. لا يعلم ما الذي فعله بحاله هذا، وما تلك الوقعة التي أوقع حاله بها.
أخذته قدماه إلى منزل والده ووالدته، وبمجرد ما أن فتح الباب ودلف إلى الداخل حتى وجد والدته جالسة تشاهد التلفاز بصحبة والده. وبمجرد ما أن رأته والدته حتى هتفت بلهفة: يووونس حبيبي. ثم أضافت بتساؤل واستغراب عندما لاحظت حزنه البادي على ملامحه: مالك يا ابني فيك إيه؟ فأرمى يونس بأحضان والدته يبكي بكاءً مرير، لم يبك هكذا قط في حياته. فقام عبد القادر بغلق التلفاز بفزع على وضع ابنه وتفوه بذعر وخوف شديد: مالك يا حبيبي فيك إيه؟
فاستمر يونس في البكاء متكوراً في حضن والدته، يبكي كالطفل الصغير الذي فقد والدته للتو. فأردفت زينب بنبرة باكية على بكاء صغيرها: مالك يا يونس فيك إيه يا حبيبي، متوجعش قلبي عليك يا نن عيني. فقال عبد القادر بجدية رغم خوفه البادي على ملامح وجهه: سيبه يا زينب، خليه يطلع كل اللي جواه، ولما هيهدى هيتكلم.
وفعلاً ظل يبكي في حضن والدته لما يقرب من النصف ساعة، ووالدته تحتضنه بشدة تبكي على بكاء صغيرها. إلى أن هدأ تماماً وكف عن البكاء فيما عدا شهقاته الصادرة عنه من حين لآخر. وما أن كف عن البكاء حتى قال عبد القادر بنبرة حانية بها الكثير من اللطف: قول لينا بقا مالك يا يونس. أمك يا حبيبي قلبها هيقف من كتر البكا معاك. يونس لا رد.
فنطقت زينب بنبرة حانية: طمني قلبي يا يونس الله يرضى عليك يا ابني، أنا مش مستحملة أشوفك في الوضع ده. فرفع يونس رأسه من على صدر والدته ولكن لا يزال بداخل أحضانها، وأردف بحزن دفين ومرارة عاشق: دهب، دهب هتتجوز يا ماما. ثم أكمل بنبرة
باكية يقطع لها نياط القلب: أنا بحبها، مش هستحمل أشوفها في حضن راجل تاني، مش هستحمل. أنا عارف إني جرحتها وندمان والله العظيم ندمان. ولو أقدر أرجع الزمن تاني هرجعه وهكون إنسان جديد وعمري ما هفكر في جرحها. أنا مستهلهاش أنا عارف، بس أنا موجوع أوي يا ماما. ثم رفع يديه يضرب بها أعلى قفصه الصدري وأكمل بحرقة: هناااا في ناااااار جوايا. أنا عارف إني أنا السبب فيها وإني أستاهل كل اللي أنا فيه، بس هموت لو اتجوزته، هموووووت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!