بعد مرور عدة أيام، خرجت خلالهم دهب من المشفى بعد أن تحسن وضعها الصحي كثيراً. وأمس زارها حماها السيد عبد القادر، ولكن لم يعلم شيئاً بخصوص مرضها وإصابتها بالسكري. حاول كثيراً أن يخفف عنها، طالباً منها العودة إلى المنزل من أجل صغيرها، وهو بدوره سينفذ لها ما تطلبه.
فطلبت منه دهب الانفصال عن يونس. وافق عبد القادر على هذا الطلب بعد إلحاح كبير من دهب، متفقاً معها على أن تعود إلى المنزل اليوم لتكون مع صغيرها بمنزلهم، على أن يتم الطلاق اليوم. فوافقت دهب، وبالفعل ها هي تجهز حالها للعودة إلى المنزل بصحبة صديقتها دينا. فهي طلبت منها أن تظل معها هذه الفترة، لأنها تشعر بأنها ليست على ما يرام وستحتاج وجودها إلى جانبها. فوافقت دينا على ذلك من أجل صديقتها التي هي بمثابة أخت لها.
ها هم جميعاً يجلسون بصحبة المأذون ينتظرون حضور يونس، فهو لم يحضر بعد. وبعد مرور عشر دقائق، انفتح الباب أخيراً ودلف منه يونس الذي يغلف الجمود ملامح وجهه. نظر إلى دهب نظرات مبهمة، لا يستطيع أحد فهمها. فاختلست هي الأخرى نظرات سارقة له دون أن يلاحظها أحد، وكادت أن تهبط منها دمعة حزينة. لاحظتها دينا، فرفعت يديها ممسكة بكفها ضاغطة عليه بحب ودفء تحاول أن تبثها بالقوة والثبات.
بالفعل تماسكت دهب ومدت يديها بجمود إلى الشيخ تعطيه هويتها الشخصية، قائلة بنبرة يشوبها الجمود: "أتفضل يا شيخنا." فانطق الشيخ بعمله: "يا أخونا راجعوا نفسكم تاني، إن أبغض الحلال عند الله الطلاق." فاستطردت دهب بجمود: "خلاص يا شيخنا مالوش لازمة الكلام ده، إحنا خلاص اتفقنا على كل حاجة." فبدأ الشيخ بالفعل في الإجراءات اللازمة لإنهاء تلك الزيجة. وبعد ما يقرب من نصف ساعة، هتف الشيخ أخيراً بعد أن أنهى كافة الإجراءات:
"ودلوقتي لازم ترمي عليها اليمين." يونس بتصنع الجمود على عكس ما يشعر به من نيران بداخله: "انتي طالق يا دهب." ومن ثم نظر يونس إلى دهب يراقب تعبيرات وجهها. فوجد الجمود يغلف ملامحها، لا يبدو عليها أي مشاعر أخرى سوى الجمود. فشعرت دهب بأنها على حافة الانهيار، فهبت واقفة متجهة صوب الباب. فأوقفها صوت عبد القادر قائلاً بنبرة حانية: "رايحة فين يا حبيبتي، استني اتعشى معانا." فأجابته دهب بمرارة استشعرها عبد القادر جيداً:
"مرة تانية يا عمي إن شاء الله." ثم لم تعطِ لأحد فرصة بالحديث معها أكثر من ذلك، واتجهت مسرعة إلى شقتها تحاول أن تتماسك وألا تخونها عبراتها. فاستأذنت دينا هي الأخرى ولحقت بدهب مسرعة. وما أن وصلت إليها حتى أسرعت دهب إلى غرفتها غالقة الباب خلفها، مستندة بظهرها عليه وأجهشت في بكاء مرير. ظلت تبكي إلى أن لم تسعها قدماها على حملها، فسقطت في مكانها وهي لاتزال تبكي.
وتبكي بحرقة، ودينا تقف كل هذا خلف الباب وتطرق عليه بعنف وهاتفه باسم دهب بحزن شديد ولهفة: "متعمليش في نفسك كده يا دهب، أرجوكي، والله ما يستاهل دمعة واحدة من عيونك، والله يا دهب، عشان خاطري افتحي، عشان خاطري، أنا مش هقدر أشوفك كده، أرجوكي يا دهب عشان خاطر صحتك وعشان خاطر ابنك وخاطري لو لينا خاطر عندك." فردت عليها دهب بوجع من بين عبراتها:
"سبيني يا دينا شوية مع نفسي، أنا محتاجة أختلي بنفسي شوية، أول ما أحس إني كويسة وهقدر اتكلم هنده عليكي." فتركتها دينا على مضض وقلبها يتأكلها على صديقة عمرها. بمجرد ما أنهى المأذون كافة الإجراءات وأعلن طلاقهم بشكل رسمي، وانصرفت دهب ودينا، حتى خرج يونس هو الآخر وصعد سيارته وقادها بسرعة متجها بها إلى منزل السيوفي. ظل شارداً طوال الطريق مسهماً، لا يعرف كيف فعل هذا؟ كيف تركها هكذا؟
تذكر ذكرياته معها، عندما التقى بها أول مرة، تذكر يوم زفافه عليها، تذكر كيف كانت جميلة وناعمة. تذكر عندما كانت تحمل بصغيرهم و عندما ولدت وأحضرت له مالك. وتذكر معاملتها مع والديه وكيف احتوتهم. تذكر أخيراً عندما واجهها بحبه لأخرى وبكائها وانهيارها. تذكر عندما رمى عليها اليمين منذ قليل وحينها شعر بأن قلبه هوى بين قدميه. فاق من شروده هذا عندما انفتح باب السيارة وصعدت إلى جواره نادين واضعة قبلة رقيقة أعلى وجنته مردفة بحب:
"حبيبي وحشتني أوي." فابتسم لها يونس ابتسامة باهتة. فنطقت نادين بسعادة: "حبيبي هيوديني على فين؟ فابتسم لها يونس بتشتت وتابع: "انتي حابة تروحي فين؟ قالت نادين بتفكير: "اممممم، ممكن نروح ريستوران نتعشى سوا." فأومأ لها يونس برأسه وبدأ في قيادة السيارة دون أن ينطق بنصف كلمة. وبعد مرور عشر دقائق، وصل يونس بصحبة نادين إلى أقرب مطعم من منزلها.
وهبط من السيارة ذاهباً إلى الجانب الآخر منها ليفتح الباب لنادين. وبالفعل هبطت هي الأخرى وتأبطت ذراعه، ودلفا إلى المطعم سوياً. فأسرع هو ساحباً لها الكرسي الخاص بها لتجلس وجلس هو الآخر قبالها. فتساءلت بفضول: "يونس انت كويس؟ فانتبه لها يونس وتفوه وهو يتصنع الابتسام: "أنا كويس." فنظرت له نادين بأستغراب وتابعت بهدوء: "انت متأكد إنك كويس؟ ثم أضافت وهي تتصنع الحزن: "هو ده شكل عريس فرحه كمان كام يوم." فتنهد
يونس ثم نطق بنبرة حانية: "صدقيني يا نادين غصب عني." ثم واصل بحزن: "أنا النهارده طلقت دهب." وبمجرد ما نطق يونس بهذه الجملة حتى ابتسمت نادين ابتسامة عميقة تكشف عن أسنانها وتابعت بسعادة: "انت بتتكلم بجد يا يونس؟ " ثم نظرت له بأستغراب وضيق عينيها: "هو انت زعلان يا يونس إنك طلقتها وإنك هتجوزني؟ فوضع يونس وجهه بالأرض ثم نطق بحزن:
"أكيد لا، أنا أسعد إنسان في الدنيا عشان هتجوزك، بس في نفس الوقت دهب تبقى أم ابني ومش حابب الولد يتأثر بالانفصال، ده كل اللي مضايقني وحازز فيا، ومتنسيش برضه إن أنا ودهب كان بينا عشرة لسنين طويلة." فردت نادين بحدة: "كانت مراتك بس أنت مبتحبهاش، أنت بتحبني أنا، مش ده كلامك ليا؟ فأومأ يونس برأسه مسرعاً قائلاً بتأكيد وهو يمسك بيديها الموضوعة أعلى الطاولة:
"أكيد يا حبيبتي، أنا بحبك أوي يا نادين و معاكي حسيت بمشاعر واحاسيس عمري ما حسيتها قبل كده، أنا كل زعلي عشان خاطر ابني بس مش أكتر." فنطقت نادين بهدوء: "صدقني يا حبيبي، ابنك كده هيبقا أحسن له، تخيل كده لما طفل في عمره يعيش بين أب وأم بينهم مشاكل ومليش حب بينهم، الطفل ده ممكن يحصله إيه، لكن دلوقتي ابنك هيتربى بين أب وأم محترمين بعض." فأومأ يونس برأسه ثم ابتسم بحب. وبعد مرور أسبوع.
اليوم هو يوم زفاف يونس. اليوم سيزف زوجها، حبيبها على امرأة أخرى غيرها. اليوم ستكتب على اسمه زوجة أخرى له. هبت واقفة من مكانها ثم سارت باتجاه التسريحة خاصتها، ونظرت إلى حالها بالمرآة. نظرت إلى حالها ولكنها لم تتعرف على نفسها. مألت برأسها قليلاً ثم رفعت يديها على المرآة وبدأت تسير بأناملها أعلى ملامحها وبدأت دموعها في الهطول، تبكي وتبكي.
تبكي على مرارة هذه اللحظة، تبكي على حب ظنته يوماً أمانها، تبكي على الرجل الوحيد الذي أحبته. تبكي بحرقة. ظلت تبكي وهي شاردة الملامح تنظر إلى حالها لما يقرب من الخمس دقائق، ثم بدأت شهقاته تعلو وتعلو إلى أن تحولت إلى صرخات مكتومة. ظلت تصرخ إلى أن شعرت بأن أحبالها الصوتية لم تسعها على الصراخ، فهبطت على الأرض تبكي بحرقة وقهرة على حالها. وتبكي وتبكي إلى أن علت شهقاتها، وهنا انفتح الباب بعنف ودلفت منه دينا جالسة على الأرض
بجانبها قائلة بلهفة وحزن: "دهب، دهب مالك فيكي إيه؟ نظرت لها دهب ونطقت بوجع: "أنا بموت يا ديناااا، بموت أنا مش قادرة أتنفس حاسة إن روحي بتطلع، أنا عاملة زي المدبوحة يا ديناااا ومش عارفة حتى أفضفض." فأجذبتها دينا إلى داخل أحضانها رابته عليها مرددة بحزن على حالها: "بعد الشر عليكي يا نور عيني، انتي قوية يا دهب، انتي مش ضعيفة عشان تعملي في نفسك كده." فخرجت دهب من بين أحضانها مرددة بوجع:
"عايزاني أعمل إيه يا دينا، عايزاني أتحزم وأروح أرقصله في فرحه عشان أبقى قوية، عايزاني أكتم قهرتي وحسرتي وأموت بقهرتي ووجعي عشان أبقى قوية." فقاطعتها دينا بقوة: "ما هو عشان هو بيحب وبيتجوز ومبسوط في حياته، لازم انتي كمان تنبسطي وتعيشي زيه." فنظرت لها دهب وكأنها تفكر فيما تتفوه به دينا، ثم هتفت بتسهيم: "يعني أعمل إيه؟ " ثم أكملت بدموع وهي تمسك بيد دينا بلهفة:
"قوليلي أعمل إيه يا دينا بالله عليكي، قوللي أخرج من الوجع اللي جوايا ده إزاي؟ فابتسمت لها دينا وتفوهت بحب: "إنك تهتمي بنفسك، وتغيري أستايلك، وترجعي تاني لدراستك اللي سبتيها من سنين، وتشتغلي وتبني نفسك وتعملي كارير وتثبتي ليونس ولكل اللي حواليكي إنك تقدري." فقالت دهب بشرود وهي لا تزال تفكر بهذا الحديث: "طب إزاي هعمل كل ده، وإزاي هرجع بعد السنين دي كلها أدرس وأدخل وسط الطلاب دول كلهم وأنا أكبر منهم بكتير؟
فتابعت دينا بحماس: "بسيطة أوي، من ناحية الكلية تقدري تقدمي انتساب وتروحي على الامتحانات بس، ومن ناحية الشغل، الشركة اللي أنا بشتغل فيها طالبين محاميين تحت التدريب وبعد ما يخلصوا تدريب بيتثبتوا في الشركة ويكون مرتبهم عالي أوي." أكملت وهي تغمز لها بعينها: "أما بقى شكلك وأستايلك فده سيبيه عليا أنا، وأنا هروقك وإنتي طبعاً عارفاني في الحتة دي بالذات معنديش ياما أرحميني." فابتسمت لها دهب بحماس متناسية وجعها هذا:
"ايوه يعني هتعملي فيا إيه؟ فوكزتها دينا في كتفها بمرح ثم أكملت بحماس: "هروقك، مبدئياً كده هاخدك لبيوتي سنتر أغيرلك لون شعرك وأقصره شوية، وهنروح لدكتور تغذية نتابع معاه إحنا الاتنين عشان نخسسنا كام كيلو كده، وبعدين هننزل نشتري أحلى لبس في الدنيا لأحلى وأجمل بنت." فهتفت دهب بتخوف وارتباك: "دينا أنا خايفة أوي من كل الحاجات دي وها اتكسف أنا عارفة نفسي، أنا بغرق في شبر ميه." فأجابتها دينا بحب وحماس:
"ما عشان كده كمان قررت أروح أنا وإنتي لمعالج نفسي، لأن في حاجات كتير أوي في شخصيتنا وأسلوب حياتنا محتاجة تتعدل عشان نقدر نتكيف مع الظروف اللي حوالينا." ردت دهب بحزن: "عندك حق إحنا في حاجات كتير أوي في حياتنا لازم تتغير." فابتسمت لها دينا ابتسامة ذات مغزى واستطردت بحماس: "يبقى اتفقنا يا دهوب، ومن بكرا هنبدأ ننفذ كل اللي اتفقنا عليه."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!