سار سليم معها على كورنيش النيل بعد أن أنزلها من السيارة. ظل يتسامر معها حتى لا يعطيها فرصة للانشغال بمن حولها. فقال وهو يشير لها على أحد المقاعد كي تجلس عليها: "إيه رأيك لو نسأل بعض شوية أسئلة؟ إحنا مع بعض بقالنا ست شهور ومنعرفش حاجة عن بعض." ردت ليلى عليه قائلة: "اتفضل. اسأل أنت الأول." نظر إليها مطولاً وانزعج عندما وجد خصلة متمرّدة قد انفلتت من حجابها. لم تنتبه هي لها، فأشار لها كي تعدل حجابها. فأسرعت
بإدخالها قائلة بارتباك: "يظهر إني مخدتش بالي وأنا بلبسه." ثم غيرت مجرى الحديث قائلة: "ممكن أسألك سؤال؟ أومأ لها سليم قائلاً: "أكيد. اتفضلي." نظرت ليلى إليه وإلى ملامحه الرجولية. فهي حتى الآن لم تنظر له جيداً، لم تنتبه لتفاصيله، وخاصة تلك اللحية القصيرة التي زادته وسامة. فقالت بدون مقدمات: "انت ليه بتعمل معايا كده؟ صدمة سؤالها التي وجهته مباشرة له. لا يعرف ماذا يقول لها. هل يخبرها أنها أمانة آدم؟
أم يخبرها أنه سيفعل نفس الشيء لو كانت أي فتاة غيرها؟ أم يخبرها بالحقيقة بأنها لفتت نظره إليها منذ أن رآها واقفة أمام منزله قبل معرفته بهويتها وسقوطها مغشياً عليها بين ذراعيه؟ فأراد الهروب من السؤال بطريقة غير مباشرة: "كل اللي هقدر أقولهولك إن لو أي حد مكاني كان هيعمل كده، لأن انتي تستاهلي أكتر من كده." اكتفت ليلى بابتسامها المشرقة التي خطفت قلبه. فقال بمرح: "انتي شكلك كده بتزوغي عشان مسألش، بس متحاوليش."
ترددت ضحكتها الرقيقة التي يسمعها لأول مرة داخل أذنيه. فحاول عدم التركيز معها قائلاً: "عندك كام سنة؟ "يعني تقدر تقول ١٢ سنة." رفع سليم حاجبه بعدم تصديق قائلاً: "ياسلام." تصنعت ليلى الارتباك وقالت: "مممم... ٢٣. كويس؟ "يعني. وبالنسبة للدراسة، درستي إيه؟ "كلية آداب. وانت؟ "كلية الحقوق." ظل يتبادلون الأسئلة حتى طلب منها سليم تناول الغداء في مطعم قريب منهم. وفضلوا السير تاركين السيارة في مكانها.
وعند ولوجهم المطعم واقتراب النادل منهم وإعطائهم المنيو، قال سليم: "تحبي تاكلي إيه؟ نظرت ليلى به ثم أعادته للنادلة قائلة: "أنا من عشاق البوريك التركي. تحب تجربه معايا؟ أحب سليم مشاركتها معه في تناول الطعام، فأومأ لها بدون تردد. جلست ليلى معه على طاولة الطعام يتناولون غداءهم في صمت حتى قاطعته ليلى قائلة: "انت هترجع الجامعة امتى؟ شعر سليم بقلقها فقال:
"من بكرة. انتي عارفة الدراسة هتبدأ الأسبوع الجاي يعني كمان يومين ولازم أكون موجود. بس لو عايزة حد معاكي أنا ممكن أبعت للممرضة تاني، لأن ماما احتمال تطول شوية." نفضت ليلى قائلة: "لأ، لأ الممرضة دي." أساد الصمت بينهم قليلاً ثم عادت تقول بقلق: "بس انت بترجع امتى؟ نظر سليم إلى عينيها يرى بهم مدى خوفها وتحدث بطريقة بثّت الاطمئنان في قلبها:
"ليلى، قولتلك كتير قوي إني طول ما أنا عايش متخافيش من حاجة. حسين في السجن ومظنش إنه هيخرج منه بالحراسة دي كلها لأني موصي عليه توصية. تمام؟ ها اطمنتِ ولا لسه؟ خرجت ليلى تنهيدة قوية من صدرها، فقد أراحها كلامه الذي يؤكد لها شعورها بالأمان معه. فأكمل الاثنان طعامهم عائدين للصمت، فكل واحد منهم يفكر في أمر مختلف. هو يفكر في ذلك الحب الذي بدأ يزحف لقلبه، وهي تفكر بماضيها الذي يطاردها.
وبعد الانتهاء قررا العودة للمنزل. وأثناء عودتهم للسيارة مروا بجوار محل ذهب، فنظر إلى يدها الخالية من أي شيء، فقرر الولوج وشراء دبله ذهبية لها. فقال: "ليلى، أنا كنت عايز أشتري دبله. مينفعش تبقى متجوزة ومش لابسة دبله." فاجأها سليم بقوله هذا، لما يشتري لها دبله وهي بالنسبة له ليست سوى عمل إنساني قرر الوقوف بجانبها. فنظرت إليه وهي ترفض برأسها قائلة: "ماينفعش يا دكتور سليم. خلي الدبله دي للي تحبها وتكون من نصيبك بجد."
ثم أخفضت عينيها وقالت بانكسار: "دي بتبقى حاجة كبيرة قوي، مينفعش تضيع فرحتها معايا." أزعجها انكسارها بهذا الشكل. وليتها تعلم بمدى سعادته وهو يذهب معها ليختاروها معاً. فقال بإصرار: "بس أنا دلوقتي أسعد واحد في الدنيا إني بشتري الدبله دي ليكي انتي بالذات." ظنت ليلى من كلامه أنه لا يقول ذلك إلا ليرضيها ولا يقلل من شأنها. وعند ازدياد إصراره، أومأت له بالموافقة ودخلت معه.
وعندما طلب سليم من البائع انتقاء الدبله، عرض عليهم الكثير وظلوا يتبادلون الآراء حتى توافقوا على دبله رقيقة أعجبتها كثيراً، فأشار سليم للبائع بتغليفها. فلتفت نظره أكثر سلسلة ذهبية رقيقة بثلاث نجمات متلاصقين جنباً لجنب وتحكمه السلسة من الجانبين، فطلب من البائع تغليفها أيضاً دون علمها. وبعدها عادوا للمنزل.
كان سليم قد انتهى من تبديل ملابسه عندما سمع طرقات خفيفة على الباب. ولم تكن سوى ليلى، التي يعلم جيداً مدى خوفها من تركه لها. فتح الباب فوجدها واقفة أمامه بجمالها الشرقي الذي يخطف الأنظار، وتلك الملامح الطفولية التي تحمل براءة العالم، وشعرها الذي تخفيه بذلك الحجاب الموضوع بإهمال عليه وبعض الخصلات تمردت عليه وسقطت على جبينها فزادتها جمالاً. لكن ما يحزنه نظرات الخوف التي لا تفارق عينيها. انتبه على صوتها الذي يقول:
"أنا حضرتلك الفطار." ثم أخفضت رأسها بحزن وعادت تقول: "وياريت متتأخرش على الغداء." ثم ذهبت دون أن تسمع رده. جلس سليم على الطاولة قبالتها وقال وهو ينظر إليها نظرات ثاقبة: "إيه رأيك لو تكملي تعليمك؟ رمشت ليلى مرات متتالية وسألته قائلة: "إزاي يعني؟ أنا خلصت جامعة." رد عليها وعينيه لا تفارق وجهها: "أقصد يعني تعملي دبلومة." رفعت عينيها بفرحة عارمة وقالت بعدم تصديق: "بتتكلم بجد؟ اتسعت ابتسامته لفرحتها وقال بتأكيد:
"أكيد بتكلم جد. ولو عايزة من دلوقتي غيري هدومك وتعالي معايا." عاد الحزن يظهر على ملامحها ثانية كأنه أصبح موطنه الذي لا يريد مفارقته. وقالت: "لأ مش دلوقتي. حاسة إني مش هقدر أواجه الناس، وخصوصاً إني هشوف هناك ولاد عمي عايدة وسارة." "عايدة وسارة دول أخوات حسين؟ اكتفت بإيماءة من رأسها وعادت تنظر للطبق أمامها. فشعر بما يدور في خلدها الآن. فهو يريد أن يخرجها من تلك القوقعة التي تضع نفسها بداخلها. فأصر عليها قائلاً:
"بس أنا من رأيي إنك تكملي حياتك. الدنيا مبتقفش على حد. ويمكن دي فرصة من ربنا عشان تبدأي حياتك من جديد." رفعت نظرها إليه وقد عاد اليأس إلى عينيها عندما قالت: "معدش ينفع. طول ما أنا حاسة إني السبب في كل اللي حصل، سواء اللي حصل لآدم أو أهلي. صدقني مش هقدر أكمل." أنهت حوارها معه قائلة وهي تقوم من مكانها: "ثواني هعملك الشاي." شعر سليم أنها تهرب من الحوار فأوقفها قائلاً: "اقعدي يا ليلى، لسه مخلصناش كلامنا."
التفتت إليه وعلامات الضيق واضحة عليها وقالت: "انت عايز توصل لإيه؟ أطال النظر داخل عينيها يستشف سبب ضيقها ثم قال: "ممكن أفهم إيه اللي مضايقك دلوقتي؟ "أنا مش مضايقة، بس أنا عايزة أعرف انت إزاي بتطلب مني أنسى وأعيش حياتي ولا كأن حاجة حصلت؟ إزاي عايزني أنسى موت آدم قدام عيني وإني بقيت منبوذة من أهلي اللي لحد دلوقتي محدش فكر يسأل عليا راحت فين ولا إيه اللي حصلها؟ صمتت قليلاً ثم عادت تصيح بانهيار:
"وأنسى برضو إني مفروضة على واحد كل ذنبه إنه اتكتف بوعده لصاحبه. يبقى أنسى إزاي وأكمل حياتي إزاي؟ أنهت حديثها وأسرعت لغرفتها مغلقة الباب خلفها بإحكام وألقت نفسها على الفراش تنتحب بشدة.
ظل سليم مكانه يستمع لنحيبها الذي يمزق القلوب. يريد أن يذهب إليها معترفاً لها بعشقه وأنها أصبحت جزءاً هاماً في حياته لا يستطيع الاستغناء عنه. لكنه سيذهب إلى عمله أولاً، وبعد عودته سيخبرها أنها ليست حملاً عليه كما تدعي، ولم يتخل أحد عنها، بل ظل الجميع يحاولون مقابلتها لكن طبيبها من رفض ذلك. ذهب سليم إلى عمله في الجامعة وهو شارد الذهن لا يستطيع التركيز في شيء سواها.
دلفت سارة جامعتها برفقة عايدة توأمها التي تتلفت حولها تبحث عنه كي تنفذ مخططها كما وعدت والدتها، وهي الإيقاع بسليم. فنظرت إلى سارة قائلة: "أنا رايحة أحضر المحاضرة بتاعتي. عايزة حاجة؟
نفضت سارة برأسها وقد شعرت أن هذه فرصتها للذهاب إلى ليلى والعودة قبل بدء أولى محاضرتها. فعادت أدراجها خارجة من الجامعة وأشارت إلى إحدى سيارات الأجرة التي توقفت أمامها دالفة إليها طالبة من السائق الذهاب إلى ذلك العنوان الذي أخذته من سالم. فقد اشتاقت إلى رفيقتها التي كانت بمثابة أختًا لها وعوضها عن تلك البغيضة التي لا ترى سوى نفسها.
توقف السائق أمام العنوان الذي أعطته إياه، فشكرته بعد أن أعطته الأجرة ونزلت منها وهي تتأكد من العنوان الذي بيدها.
وقفت ليلى أمام المرآة تزيل ذلك الحجاب الذي بات يضايقها، فهي ترتديه أمام سليم ولا تنزعه إلا عندما تدلف غرفتها. نظرت إلى تلك الندبة على عنقها التي لم تزول بعد. وكم تمنت كثيراً أن تزهق روحها في ذلك الوقت وتنتهي حياتها وتريح الجميع. ملحقة بذلك الذي تركها وحيدة بلا قلب وبلا روح. تعاتب سالم أخيها على دفاعه عنها أمام حسين، فكان الأفضل أن تموت هي مع آدم. فلو يعلم سالم كم العذاب الذي تعانيه الآن لكان فضل لها الموت على ذلك العذاب.
فاقت من شرودها على طرقات خفيفة على الباب، شاعرة بالخوف من ذلك الذي يطرق الباب، فهي وحيدة ولا أحد يعلم بوجودها. لا تعرف ماذا تفعل الآن، وليس معها هاتف كي تتصل بسليم تخبره عن ذلك الطارق. اقتربت من الباب بخطوات مترددة وازداد خوفها أكثر عندما عاودت الطرقات ثانية تدق على الباب. فسألت الطارق بتلعثم: "ممم... مين؟
لم تصدق ليلى ذلك الصوت الذي رد عليها. الذي لم يكن سوى صوت ابنة عمها سارة. أسرعت بفتح الباب كي تتأكد من ذلك الصوت الذي اشتاقت إليه كثيراً وصدق سمعها عندما فتحت الباب ووجدت سارة واقفة تنظر إليها بشوق متلهفة لاحتضانها. لكنها تراجعت عندما وجدت ليلى ترجع للوراء بخطوات بطيئة والخوف يظهر على ملامحها. شعرت بحالتها، فقد أخبرها سالم بما عانته الفترة الماضية. فقالت لها بعتاب مرح وهي تدلف مغلقة الباب خلفها:
"أكده يابنت عمي مفيش أهلا؟ ياسارة نورتي مصر ولا حتى البيت بجد؟ مكنش العشم." مرّت بعينيها تلك الحركة التي تحدث تلقائياً عندما تشعر بالتوتر. فعادت سارة تقول بأسلوبها المرح: "أنا بقول أرجع الكلية بكرامتي أحسن، بدل مترجعيني من غير كرامة." والتفتت لتخرج، لكن يد ليلى أوقفتها قائلة برجاء حزين: "لأ، خليكي." أدارت سارة وجهها إليها وابتسامة مشرقة تظهر على ذلك الوجه البريء قائلة: "وحشتيني ياليلى. وحشتيني يابنت عمي."
وأرتمت بأحضانها. استيقظ سالم على صوت وردته التي تحثه على الاستيقاظ. فالساعة قد تعدت التاسعة وهو مازال نائماً. انتفض من نومه ينظر إلى ساعة يده وعندما تأكد من الوقت نهضا مسرعاً تحت أنظارها التي تهيم به عشقاً. أسفه على ظنها السيء به، فهو مازال حتى الآن يتجاهل وجودها. حاولت مراراً وتكراراً لكنه لا يأبى لمحاولتها.
خرج من الحمام يجفف خصلاته بالمنشفة وأمسك عباءته يرتديها متجاهلاً وجودها الطاغي عليه. يعلم جيداً أنه تمادى في قسوته عليها، وكم يؤلمه ذلك ويوجع قلبه، لكنه سيظل على موقفه حتى يتأكد من عدم تكرار أخطائها. وهم أن يذهب، لكن يد رقيقة على ذراعه أوقفته. ظل على ثباته يقاوم رغبته في أخذها داخل أحضانه يبثها عشقه. فسمعها تقول بحب صادق: "هتفضل متجاهلني أكده كتير؟ وقفت أمامه تحاول النظر إلى عينيه التي يبعدها عن عينيها.
ثم عادت تقول بعتاب: "غلطت واتأسفتلك. عايز إيه تاني؟ أعمل إيه أكتر من كده؟ وجلتلك إنه غصب عني اللي حصل لأخوي مش هين بردك." لمست نبرتها العاتبة قلبه ولم يستطع المقاومة أكثر من ذلك. فنظر لعينيها الباكية ورد عليها بحب جارف: "عارف ومقدر اللي انتي فيه، بس جلتلك بردك أحنا غصب عنينا اللي عامله آدم الله يرحمه مكنش هين، وهو خابر زين إن العملة دي مش بتداوي اللي بالجتل." ابتعد عنها قليلاً وأدار لها ظهره وعاد يقول:
"كان يجبل إني أعمل أكده معاكي، ولا أحرضك على الهرب معايا." اقتربت منه تواجهه قائلة بنبرة عاتبة: "بس هي وافقت على ده." أمسك بذراعها بغضب وصاح بها قائلاً: "أختي وقتها كانت بين نارين. يا إما تتجوز حسين وتعيش حياتها كلها في جحيم متقدرش تخرج منه، أو إنها تضغط على أبوي بزواجها من أخوكي على الورق وتجبره أنه يوافق عليه حتى لو فيها قتلها. هي صحيح غلطت غلط كبير واتسرعت في عملتها، بس هي عقابها كان أشد من الموت."
ابتعد عنها مقترباً من النافذة ينظر منها قائلاً:
"عايشة بعيد عن أهلها وعن بلدها منبوذة من الكل. غير كمان إنها شافتُه بيموت قدام عينيها ومقدرتش تعمله حاجة. غير كمان إنها تتجوز واحد متعرفش عينه حاجة غير إنه صديق آدم وتعيش معاه وتتحامى فيه بدل ما تتحامى في أهلها وفي أخوها اللي واقف يتفرج عليها. انتي مخبراش محبتي ليها جد إيه. هي الوحيدة اللي اتظلمت فينا. اتحرمت من حضن أمها وأتحرمت من حنان أبوها اللي شايلها ذنب موت أمنا اللي هي ملهاش ذنب فيه. وهي أكتر واحدة بتعاني من موتها."
ثم عاد يلتفت إليها ناظراً لعينيها النادمة وعاد يقول: "عرفتي بقى إن أحنا كلنا اتضرنا من اللي حصل." لا تعرف ورد كيف تجرأت وأرتمت داخل أحضانه تحوط عنقه بذراعيها وهي تجهش في البكاء. تردد سالم كثيراً قبل أن يلف ذراعيه حول خصرها ويجذبها داخل أحضانه يربت على ظهرها. وبعد أن هدأت أبعدها قليلاً لينظر لها ممسكاً ذقنها رافعاً وجهها إليه، ممسداً على وجنتيها. فقربها منه مقبل جبينها قائلاً بحب جارف وهو يمسح تلك
الدموع المتعلقة بأهدابها: "خلاص متعيطيش، أنا عاذرك بردك، وحاسس بيكي. مهما كان ده أخوكي وعارف إن محدش منا ليه ذنب في اللي حصل، بس ده قدر ربنا ولازم نرضى بيه. وبعدين أنا بفكر أشتغل في مصر وأخد شقة هناك، وأكون جنبك وفي ضهرها. قولتي إيه؟ اتسعت عينيها من السعادة لتلك الفكرة وقالت بفرحة عارمة: "أكيد موافقة." ابتسم لفرحتها وقال وهو يعاود تقبيل جبينها: "وأنا كلمت سليم وهو دلوقتي بيدور على مكان. وبالنسبة للشغل ربنا يسهل."
نظر إلى فرحتها التي تملئ وجهها وابتسامتها التي تنير ثغرها. وشعرت هي بما ينوي فعله، فأختفت ابتسامتها وظهر الحياء عليها. عندما أبعد حجابها ومال عليها يريد تقبيلها. وكاد أن ينال مراده لولا سماعه لرنين هاتفه. فأغمض عينيه بضيق مخرجاً الهاتف من جيبه، فوجده والده. فأبتعد عنها قليلاً وهو يقول: "ده الحاج. أنا لازم أمشي دلوقتي وأما أعود هنكمل كلامنا." ثم غمز لها بعينيه واقترب من ثغرها يخطف قبلة سريعة وقال قبل خروجه:
"تصبيرة بس. سلام." خرج سالم من المنزل تاركاً ورد في صدمتها من فعلته. فوضعت أناملها على شفاهها تتلمس آثار قبلته. ولجت المنزل وآثار الإرهاق بادية على وجهها، مغلقة الباب خلفها. ثم ألقت على المقعد، فسمعت رنين هاتفها. فأخرجته من حقيبتها فوجدتها صديقتها لمياء، فأجابتها بإرهاق قائلة: "أهلاً يا لمياء. أزيك؟ "إيه يابنتي؟ في مستشفى واحدة ومش بنشوف بعض خالص بقالنا فترة. حاسة إنك بتهربي مني. في إيه؟ استلقت
راندا على الأريكة قائلة: "أنا النهارده هلكت من العمليات. لدرجة إني مش قادرة أغير هدومي." "تعب بردو ولا الحلو اللي شاغلك؟ ابتسمت راندا بتهكم وقالت: "ما خلاص." "خلاص إيه؟ أخرجت تنهيدة قوية وقالت بيأس: "اتجوز." "انتي بتقولي إيه؟ اتجوز امتى؟ وأزاي؟ ردت راندا بكره: "مش عارفة. أنا اتفاجأت زيك. كانت تعبانة وبعتتلي أكشف عليها." "معقولة حامل كمان؟ "لأ مش حامل. كان عندها شوية برد مش أكتر." "وانتي إيه؟ هتسيبيه عادي كده لغيرك؟
ابتسمت راندا بغرور وقالت: "ودي تيجي؟ أسيبه كده بالساهل بعد مستنيته الفترة دي كلها؟ أسيبه كده عادي. بس أقرب منها الأول وأعرف شخصيتها وعلى أساس ده أعرف إزاي أسحبه منها." "وعلى كده جميلة؟ ازداد حقدها وقالت بغل: "للأسف جميلة. بس بردو هعرف أسحبه منها." أنهت راندا المكالمة معها وألقت الهاتف على المقعد المقابل لها وظلت تفكر في طريقة تقربها من ليلى.
هكذا تكون الحياة. من يزرع خيراً يحصد خيراً، ومن زرع شراً يحصد شراً. وكان هذا حال ذلك البغيض الملقى بأحد السجون يتوعد لها بالقتل. يحاول الفرار كي ينتقم منها بمساعدة والده الذي اتفق مع أحد العساكر كي يساعده على الفرار. وكان له ذلك، حيث ادعى حسين المرض بعد تناوله لأحد الأدوية التي تسبب هبوط مؤقت في الدورة الدموية وتم تحويله إلى مستشفى السجن. وهناك أعطى والده مبلغ هائل لذلك العسكري، مدعياً أنه هاجمه وقام بإصابة نفسه إصابة بسيطة كي يؤكد ذلك. وكانت إحدى السيارات تنتظره أمام الباب الخلفي للمشفى صاعداً إياها متجهاً حيث أمره والده.
مرت الأيام على الجميع وكله يفكر بما ينويه. فهناك من ينوي الخير للآخر ويتمنى سعادته وإخراجه من أحزانه التي أصبحت مثل دائرة ينقمع داخلها. وآخر ينوي الغدر بقلوب أتعبتها الآلام، لا تريد شيئاً سوى العودة للماضي وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وهناك أيضاً يدبر الشر ويخطط له كي لا يفشل تلك المرة. وكان له ما نوى. فهو الآن أمام منزلها يخطط كيف يستطيع الولوج إليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!