الفصل 9 | من 29 فصل

رواية وللقلب أقدار الفصل التاسع 9 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
17
كلمة
4,170
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 31%
حجم الخط: 18

رمشت بعينيها مرات متتالية تشعر بالخجل من كلماته، وقالت وهي تأخذ منه الكوب: "لأ شكراً، أنا هشرب لوحدي." شعر سليم بالضيق من تحفظها ذلك، ترك لها الكوب بنفاذ صبر، وخرج من الغرفة تحت أنظارها الأسيفة. تناولت الدواء بأرق شديد، واستلقت على الفراش، وما هي إلا دقائق معدودة حتى غرقت في سبات بفعل المنوم. بعد أن خرج سليم من غرفتها، ذهب إلى فراشه كي يعاود النوم، لكنه فضل الاستيقاظ حتى صلاة الفجر، وأيضاً كي يطمئن عليها.

جلس على فراشه سانداً ظهره على الوسادة، وأمسك بهاتفه يعبث به كي يبعدها عن تفكيره، لكن هيهات، فقد بدأ العشق يبث نفحاته داخل القلب ولن يستطيع منعه من التفكير بها. ألا يعرف لماذا هي الوحيدة التي احتلت قلبه وبتلك السرعة؟ ولكن عقله يرفض ذلك العشق، ويصر على أنها تعد خيانة لصديقه، الذي فضل الموت على أن تكون لأحد غيره. لكنه هو من بعثها له وأوصاه عليها. رد عقله بأن صديقه أراد بذلك حمايتها وليس الزواج منها.

فرد قلبه: وكيف يحميها وهي ليست زوجته؟ فمن المؤكد أنه أراد بذلك إنقاذها من براثين حسين والعيش بأمان داخلي. تعب سليم من التفكير في ذلك الأمر، ألقى هاتفه على المنضدة بجواره، وأخرج تنهيدة قوية من صدره، لعله يخرج معها تلك الآلام التي أصبحت ملازمة لقلبه. وقام ليتوضأ كي يستعد لصلاة الفجر وليفعل الله بأمره ما يشاء.

بعد انتهاء صلاته، خرج من غرفته كي يذهب للاطمئنان عليها، ولج إلى الغرفة دون أن يطرق الباب لعلمه بأنها مازالت نائمة، فأقترب منها فرأى جبينها يتعرق بشدة، وسمعها تهمهم ببعض الكلمات غير المفهومة، فاقترب أكثر يحاول فهم ما تقول، واضعاً يده على جبينها يتلمسه، فوجد حرارتها مرتفعة وتتعرق بشدة، ازداد قلقه عليها.

فحاول إفاقتها حتى يضع رأسها أسفل المياه الباردة لكي تهدئ من حرارتها حتى طلوع النهار ويذهب بها إلى الطبيب، لكنه تذكر تناولها للمنوم ولن تستيقظ الآن مهما فعل. تذكر سليم الدكتورة رندا التي تسكن بالمنزل المقابلة له. *** ولج سالم إلى منزله برفقة ورد التي تحاول قدر المستطاع أن تعتذر له على حماقتها، لكنه فضل الصمت على أن يثور بوجهها ويجرحها بكلامه، دالفاً غرفته دون أن يعبأ برجائها.

ارتمت ورد على المقعد تنتحب بشدة ندماً على أفعالها السابقة، فكيف طاوعها قلبها العاشق له أن تقسو عليه وتجرح كرامته بتلك الطريقة. لكنه الآن يستخدم أشد العقاب بتجاهله لها، وله الحق في ذلك. لكن ماذا ينتظر من فتاة قتل أخاها أمام عينيه وفي منزله وعلى يد ابن عمه دون فعل شيء سوى مهاتفة الشرطة والبلاغ عنه. تعلم جيداً أن آدم سيفعل نفس الشيء لو هربت هي مع سالم. لكن ماذا ستفعل وهي ترى دماء أخيها في أيديهم جميعاً.

سمع سالم بكاءها بقلب منفطر، ود لو يذهب إليها ويأخذها داخل أحضانه حتى تهدئ، لكن ليس قبل أن يعاقبها على فعلتها حتى لا تتمادى في ذلك. أبدل ملابسه واستلقى على الفراش، يفكر فيما آلت إليه الأمور. أدمعت عيناه عندما تذكر أخته التي لم يراها منذ أن تركها في يد سليم، حتى عندما كان يذهب مع مراد ليرها كان سليم يمنعه بناءً على تعليمات الطبيب التابع لحالتها. وظل على اتصال معه، يطمئن منه على حالها. سقطت دمعة

حارقة على وجنته وقال بقهر: "اتوحشتك جوي يا ليلى، جوي." *** طرق سليم الباب طرقات خفيفة محرجاً من طرقه عليهم في هذا الوقت، ففتحت له سيدة مسنة بملامح هادئة سائلة إياه بقلق: "أهلاً يا دكتور، في إيه؟ والدتك كويسة؟ أزداد حرجه من سؤالها وقال بتلعثم: "لأ أمي كويسة، مفيش حاجة بس المدام تعبانة شوية وكنت عايز دكتورة رندا تيجي تشوفها." ضيقت السيدة عينيها باستغراب وقالت: "أنت اتجوزت أمتى؟ خرجت رندا على صوتهم فوجدت والدتها واقفة

مع سليم فقالت باستغراب: "دكتور سليم؟ أهلاً بحضرتك، اتفضل، في حاجة ولا إيه؟ ردت والدتها قائلة بمغزى: "المدام بتاعته تعبانة شوية وعايزك تروحي تشوفيها." ظهرت الصدمة واضحة على وجه رندا وقالت بذهول: "انت اتجوزت إزاي؟ أأأقصد أمتى؟ رد سليم بنفاذ صبر نجح في إخفائه: "بعدين بعدين، بس المهم دلوقتي تيجي معايا لأنها تعبانة آوي."

أومأت برأسها وطلبت منه الانتظار حتى تبدل ملابسها التي اختارتها بعناية لتلفت نظره كما تفعل كل مرة تتعمد فيها الظهور أمامه، لكنه يصدها بغض بصره عنها. فهو رغم عيشته في القاهرة إلا إنه يفضل الزواج من فتاة محجبة تتقي الله في نفسها. خرجت رندا من منزلها معه بعد أن بدلت ملابسها وذهبت معها والدتها، داخلين منزلهم.

رحب بهم سليم وأشار لها على الغرفة، ولج معها كي تعاين حالتها تحت نظراتها الحاقدة، فمن هذه التي فضلها عليها وتزوجها بتلك السرعة. وتأكدت أكثر عندما وقع نظرها عليها، فهي ليست أجمل منها، بل جمالها هي لافتاً أكثر برأي كل من رآها. ولكن ما جذب انتباهها هو ارتداؤها لعباءة وعليها الحجاب، فأرادت أن تتأكد من كونها زوجته فقالت بخبث: "إيه ده يادكتور سليم، أنت بتغير عليها مننا ولا إيه؟ نظر إليها

يستفهم معنى كلامها فردت: "أقصد يعني إن الجو حر وقافل التكييف، وملبسها الحجاب وعباية بالشكل ده." ازداد ضيقه من تدخلها في هذه الأمور ولاحظت هي ذلك، فصححت قائلة: "أنا بقصد يعني إن الجو حر آوي وكده غلط عليها." سليم وهو يحاول أخفاء ضيقه: "ليلى متحفظة شوية، ولأني أصرت إني أجبلها دكتور، اضطرت إنها تلبس كده، مكنتش تعرف إني بغير عليها من الدكتور وإني هجيبك إنتي."

شعرت راندا بالحرج والتفتت إليها لتعاينها، ولم يخفَ عليها نظراتها الحاقدة عليها ظناً منها أنها أخذت ما هو ملكاً لها. خرجت رندا من الغرفة برفقة سليم الذي سألها مسرعاً: "ها يا دكتورة راندا، طمنيني." نظرت راندا لهفته الشديدة على زوجته وشعرت بغيرة قاتلة تنهش بقلبها وقالت بحقد نجحت في إخفائه: "أطمني يا دكتور سليم، هي برد خفيف وهتتحسن مع العلاج ده، بس شكلها ضعيف آوي ومحتاجة تغذية."

دونَت بعض الأدوية وأعطته إياها، فأخذها منها قائلاً لها برجاء: "طيب معلش ممكن بس خليكي جنبي لحد ما أجيب لها العلاج، مش هقدر أسيبها لوحدها." أومأت رندا بالموافقة، فأسرع سليم بالذهاب تحت أنظارها العاشقة له. أشفقت والدتها عليها فهي تعلم جيداً عشقها الخفي له، فقالت لها: "تعالي يا رندا." حاولت رندا مقاومة البكاء وقالت بابتسامة زائفة: "مراته شكلها حلوة آوي، بس إزاي يتجوز وميعزمناش على الفرح."

شعرت أم رندا بمحاولة ابنتها بإخفاء مشاعرها فقالت بحكمة: "رندا متحوليش تداري مشاعرك عني لأني أكتر واحدة حاسة بيها، سليم يا بنتي راجل صعيدي حتى لو اتربى هنا في القاهرة ده مينفعش طبعه اللي كلنا عارفينه، وعارفة آد إيه هو إنسان متعصب وأنتي عمرك ما هتتأقلمي على العيشة دي، أنتي حتى الحجاب مش راضية تلبسيه يبقى إزاي هتعيشي معاه بتعصبه ده." أنكرت رندا قولها وقالت بنفي: "مين قالك إني هرفض ألبسه؟ هو لو طلب مني مش هرفض طبعاً."

أكدت أمها قائلة: "وهو مش عايز واحدة تلبس الحجاب عشانه، لأ هو عايز واحدة لبساه خشية من ربنا، لأنك لو لبستيه عشانه في أول زعل هيحصل بينكم هترميه على طول، عشان كده سليم مش هتنفع معاه واحدة غير صعيدية زيه." قامت رندا من مكانها وقالت بحده: "ومين قالك إنها من الصعيد؟ شكلها مش بيدل على كده، لا لبسها ولا هيئتها تقول كده." تعبت أم رندا من الجدال معها وقالت: "وهي عشان من الصعيد لازم تلبس جلابية ورابطة راسها بالطرحة؟!

الصعيد دلوقتي اتقدم عن الأول، دلوقتي بيعلموا البنات ويدخلوهم جامعات مش زي ما كنا بنسمع عنهم، وحدي الله يا بنتي وادعي أن ربنا يعوض عليكي بابن الحلال." نفت راندا برأسها وقالت بحزن: "مينفعش يا ماما أكون لحد غيره، أنا بحبه." دخل سليم بعد أن أحضر الأدوية والمحاليل التي دونتها راندا، فاخذتها منه وقامت بتجهيزها وهي تقول: "هتاخد المحلول ده والصبح هتبقى كويسة." دخلت الغرفة معه وقامت بتركيب المحلول بمساعدته.

وبعد الانتهاء انتبهت راندا للسرير الآخر في الغرفة، فقالت بمكر: "غريبة آوي الأوضة دي تحسها برضه آوي مع إننا في الصيف، أكيد نامت فيها وشغلت التكييف عشان كده برد." علم سليم بمكرها فلم تخفِ عليه نظراتها العاشقة له، فرد ببرود: "أكيد لأ، كانت نايمة في أوضتنا بس لما تعبت خافت عليا وعشان كده فضلت إنها تنام هنا."

ازداد حنقها عليها واكتفت بإيماءة بسيطة من رأسها وخرجت من الغرفة بعد أن شرحت له كيفية أخذ الدواء وأخذت والدتها وخرجت. عاد سليم إليها بعد أن أغلق الباب فوجدها راقدة بلا حراك، فظل بجانبها حتى انتهاء المحلول وقام بنزعه من ذراعها، وحمد ربه عندما وجد حرارتها قد انخفضت. ذهب إلى الفراش المقابل لفراشها واستلقى عليه. ***

ساعات قليلة وأشرقت شمس الصباح تنير الأرض بضوئها، ونسمة هادئة تلفح وجهها وهي تفتح النافذة مرحبة بتلك النسمات الباردة. فتح سليم عينيه ملقياً نظرة على فراشها، منتفضاً من رقدته عندما لم يجدها في فراشها، باحثاً عنها بعينيه حتى وجدها واقفة في الشرفة. فأسرع إليها جاذباً إياها من ذراعها يمنعها من الوقوف أمام النافذة، لكنه تركها عندما شعر بانتفاضتها من لمسته، فتركها معاتباً إياها قائلاً: "إيه وقفك كده؟

إحنا مصدقنا إنك اتحسنتِ." وضعت يدها مكان ملمس يده لذراعها، فهي حتى الآن مازالت تنتفض عندما تشعر بملامسة أحد لها. وقالت بأسف وهي تهرب بعينيها منه: "أنا آسفة إن كنت صحيتك من النوم، بس خفت عليك من جو الأوضة فعشان كده فتحت البلكونة عشان أهوي الأوضة." مد يده ليغلق باب النافذة قائلاً بمرح: "أنتي شكلك كده عايزة تعيدي اللي حصل تاني." (ثم التفت إليها بعد إغلاقها) "وبصراحة بقى أنا هموت ونام." ابتسمت له ابتسامة

لم تصل لعينيها وقالت: "خلاص أفطر الأول وبعدين نام براحتك. أنا عارفة إني تعبتك معايا من يوم ما شفتني وأنت في مشاكل ومستشفيات وأقسام." قاطعها سليم قائلاً: "ليه بتقولي كده؟ عادت تقف أمام النافذة وهي تنظر للبعيد من خلف الزجاج: "لأنها الحقيقة. صدقني يا دكتور سليم استمراري معاك مش هتشوف منه غير المشاكل والقلق، وأكبر دليل على كده إنك سايب شغلك وآعد جانبي."

قاطعها مصححاً لها قائلاً: "أولاً أنا مش قاعد جنبك أنا بروحي الجامعة روتين بس لأن مفيش دراسة، ثانياً خدتها فرصة عشان أرتاح في البيت شوية قبل الدراسة لأن كلها أسابيع والدراسة هتبدأ وهرجع تاني." التفتت إليه لتأكد له قائلة: "أنا عارفة إنك بتقول كده عشان محسش نفسي تقيلة عليك، فأنا شايفة إن أنسب حل إن كل واحد فينا يروح لحاله، تطلقني وتعيش أنت حياتك بعيد عني وعن مشاكلي."

قاطعها سليم قائلاً: "ليلى أنا نبهتك كتير من الكلام في الموضوع ده، ليه مصره تقللي من نفسك بالشكل ده." أكدت قائلة: "لأنها الحقيقة ومحدش يقدر ينكرها، ليه تجبر نفسك تعيش حياتك مع واحدة محطمة زيي مشفتش من وراها غير المشاكل والهم، لو كنت عامل على وعدك لآد... قاطعها سليم قبل نطقها لاسمه وقال بحدة هادئة لا يريدها أن تلفظ اسم

رجل آخر حتى لو كان صديقه: "ليلى لو أنتي اللي حابة تخرجي من حياتي لأنك مش قابلاها، فأنا موافق، لكن غير كده أنا مش موافق، أنتي مراتي ومسؤولة مني وأنا معنديش أي نية في إني أطلقك، وياريت أنتي تتعاملي على إن دي حياتك وده بيتك." ثم حاول تغيير مجرى الحديث قائلاً بابتسامة زائفة: "وبعدين ينفع اللي أنتي عملتيه ده." اتسعت عينيها خوفاً وقالت: "عملت إيه؟ قال بمرح لم تراه هي من قبل: "إن الدكتورة تقول لي أنت مش بتأكلها كويس."

انتبهت على كلمة الطبيبة، عن أي طبيبة تتحدث؟ فسألته قائلة: "دكتورة إيه؟ حمد ربه بأن تخلص من المحاليل الفارغة حتى لا تعيد كلامها بأنها حملاً عليه، فهي ظلت نائمة لا تدري بشيء مما حدث هذه الليلة. قال: "مالك قلقتِ كده ليه؟ أنا بس حبيت أطمن عليكي فجبت الدكتورة راندا جارتنا وقالت إنك كويسة بس عندك برد على الخفيف كده وقالت لازم تاكلي كويس، ينفع كده؟ ضحكت ليلى على كلماته وعاد يقول: "عاجبك كده يقولوا مجوعها من دلوقتي."

نفت ليلى برأسها قائلة بابتسامة: "عندك حق مينفعش، بس المفروض أعمل إيه دلوقتي؟ أزداد مرحه وهو ينهض من أمامها قائلاً: "إنك تقومي دلوقتي تتوضي وتصلي الوقت اللي فاتك لحد ما أحضرلك الفطار." رفضت ليلى قائلة: "لأ أنا هصلي وبعدين هحضر الأكل." قاطعها سليم بلهجة لا تقبل النقاش: "قولت يلا صلي الأول لحد ما أحضر الفطار."

انتهى سليم من إعداد الإفطار، وانهت ليلى صلاتها وذهبت لتعد الإفطار فوجدت سليم قد انتهى من إعداده وقد وضعه على الطاولة، فظهرت ابتسامة صافية على ثغرها تحمل له المزيد والمزيد من الامتنان. ولاحظ هو نظراتها تلك فقال وهو يشير لها بالجلوس: "اتفضلي يا ستي، دوقي وقولي رأيك." اتسعت ابتسامتها وقالت وهي تجلس قبالته: "بس دي مش أول مرة أدوق فيها أكلك." شعر سليم بالسعادة عندما وجدها

تتجاوب معه وقال بمرح: "بس دي أول مرة أعملك أومليت، فياريت أعرف رأيك بصراحة." أخذت ليلى قطعة صغيرة وتناولتها تحت أنظاره المراقبة لها، وازدادت سعادته عندما قالت بصدق: "بصراحة أحلى أومليت أكلته في حياتي." عاد سليم بظهره للوراء مسنداً على المقعد وقال: "بما إنك جبرتي بخاطري ومرضتيش تزعليني، إيه رأيك لو نخرج انهاردة."

اختفت ابتسامتها وظهر الخوف واضحاً على محياها، فأراد سليم محو هذا الخوف وإجبارها على مواجهة مخاوفها حتى لا تظل داخل تلك القوقعة التي تنزوي داخلها، فعاد يقول: "ها إيه رأيك؟ اكتفت ليلى بهز رأسها، فهي لن تستطيع الخروج من داخل تلك الدائرة التي تعلم جيداً أنها ستظل تضيق عليها حتى تخنقها، فقالت: "مش هقدر." "ليه؟ اكتفى سليم بتلك الكلمة حتى يعرف سبب خوفها من مواجهة الناس في الخارج.

رمشت ليلى بعينيها مرات متتالية، لا تستطيع الإجابة عليه، فعاد سليم يطرح سؤاله: "ليه يا ليلى؟ "قولتلك مش هقدر." قالتها ليلى وهي تحرك رأسها يميناً ويساراً. فأراد سليم أن يضغط عليها أكثر فقال وهو يضع مرفقيه على الطاولة: "ردي يا ليلى، مش عايزة تخرجي ليه؟ إيه اللي مخليكي رافضة الخروج من الدايرة اللي من غير ما تاخدي بالك هتلاقيها بتضيق عليكي واحدة واحدة لحد ما تخنقك، ليه مصرة على كده؟

هربت ليلى بعينيها من عينيه وقالت وهي تنظر إلى

طبقها الذي لم تلمسه بعد: "بس أنا مرتاحة كده، وبعدين أنا مش من النوع اللي بحب الخروج، ومش بيفرق معايا، بالعكس بفضل دايماً إني أفضل في البيت، وخاصة بعد جواز سمر ومراد ونقلهم في بيت تاني، حسيت كأنها اتخطفت مني، وده اللي خلاني انعزل أكتر، بس سالم مكنش بيسبني في حالي، كان دايماً معايا، حتى لو بره البيت، كان بيكلمني في الفون، عشت حياتي كلها جوه البيت، على قد المدرسة والجامعة بعدها، يعني ده العادي."

اكتفى سليم بابتسامة هادئة ونظر إليها قائلاً: "مكنش ليكي أصحاب؟ نفت ليلى برأسها وقالت: "لأ، مكنش عندي أصحاب غير سارة بنت عمي، وبصراحة كنت مكتفية بيها، وبعد اللي حصل ده، وأظن إن علاقتي بيها خلاص انتهت." شعر سليم بالضيق من نظرة الانكسار داخل عينيها فأصر أكثر على رأيه قائلاً: "طيب إيه رأيك لو تجربى وتخرجى معايا، أنا عن نفسي عايز أخرج." ظل سليم معها حتى أقنعها بالخروج. ***

دلفت ليلى غرفتها وفتحت الخزانة تنتقي شيئاً لترتديه، فهي حتى الآن لم تنتبه لتلك الملابس التي وجدتها في الخزانة بعد رجوعها من المشفى، وكانت تكتفي بالعباءات التي ترتديها ولم تنتبه لتلك الفساتين المعلقة. فظلت تقلب بهم حتى لفت نظرها فستان أسود بخطوط ذهبية ومعه الحجاب المناسب له، وبدون تردد أخرجته من الخزانة ووضعته على الفراش، ثم ذهبت لأخذ حمام دافئ قبل ارتدائه.

انتهى سليم من ارتداء ملابسه التي هي مكونة من بنطال جينز أسود وعليه قميص أبيض، ارتدى ساعته وهو يخرج من الغرفة وقت خروج ليلى من غرفتها أيضاً، وكم أسره ذلك الجمال الشرقي الهادئ الذي يجذب الأنظار له وحياؤها الذي يزيدها سحراً باحمرار وجنتيها. *** في الصعيد دخل حافظ غرفته فوجد امرأته راقدة على الفراش تبكي على حال ابنها وما حدث له وبجوارها ابنتيها سارة وعايدة. دخل قائلاً

لها: "أنا رايح عند حسين وبعدين أعدي على المحامي وأشوفه عمل إيه." ردت زوجته بضعف من شدة نحيبها: "اديله اللي هو عايزه، بس المهم إنه يخرجه، أنا عايزة ابني." نظر إليها قائلاً بحدة: "اللي هو إزاي يعني؟ أنتي ناسيه إنها جريمة قتل." ردت إحدى بناته وتدعى عايدة طالبة بسنتها الأخيرة بكلية الحقوق: "بس يا بوي ده اسمه قتل للشرف، يعني مفهاش حكم." صاح بها قائلاً بغضب: "اخرسي يابنت، شرف إيه اللي بتتكلمي عنه." ردت سارة وهي توأم عايدة

وتدرس بكلية التجارة قائلة: "معلش يا بوي هي بس صعبان عليها اللي حصل لحسين، بس هي متقصدش." ردت عليها عايدة قائلة بحقد: "لأ أقصد، هي اللي تهرب مع واحد وتتزوجه من ورا أهلها، يبقى إيه؟ نهرتها سارة قائلة: "إيه اللي بتجوليه ده؟ مهما كان دي بنت عمنا مينفعش نجول عليها أكده، وبعدين هو مجاش عندها وعمل أكده بس عشان عمي رافضه، وضربها وكان عايز يزوجها غصب عنها، أيوه غلطت بس برضه مينفعش اللي عمله حسين ده واصل." ظهر الحقد واضحاً

على وجه عايدة وهي تقول: "أنتي بتدافعي عنها ليه؟ إيه السبب في محبتك ليها اللي تخليكي تيجي معاها على أخوكي بالشكل ده." تركهم حافظ وخرج من المنزل، فعادت أم حسين تندب ثانية، اقتربت سارة منها تربت على كتفها وقالت بحنان زائد: "بكفيّكي يا أمي بكي، جطعتي جلبي عليكي." أزاحت عايدة يدها قائلة بغضب: "لما هي جطعت قلبك، بتدافعي عن الحلوة ليه قدامها، وبتاجي على أخوكي عشانه."

تعبت سارة من الجدال معها ونهضت من الفراش وغادرت الغرفة دون قول شيء. اقتربت عايدة من والدتها وعلامات الخبث ظاهرة في كلامها: "متجلجيش يا أمي أنا اللي هاخد حق أخويا." التفتت لها والدتها قائلة: "إزاي يعني؟ ازداد خبثها أكثر وهي تقول: "هتعرفي، كلها أسبوعين والجامعة هتفتح وهقابل الدكتور سليم زوجها وهناك هنتقم بطريقتي." *** وفي أحد السجون جلس حافظ مع ابنه يحاول إقناعه بمحاولة الهرب قائلاً: "جولت إيه يا بوي هتساعدني ولا لا؟

تعب حافظ من الجدال مع ابنه الذي يصر على الهروب من السجن. فقال له بنفاذ صبر: "وبعد ما تهرب هتروح فين؟ عاد حسين بظهره للوراء مسنداً على المقعد، فهو يعرف جيداً أن والده لن يتركه. فقال: "مليكش صالح، أنا اتفجت مع جماعة هنا وهما هيخرجوني، بس بعد خروجي من هنا دورهم هينتهي، والباجي عليك." حاول حافظ أن يثنيه عن قراره لكنه أصر عليه. رد حافظ: "يابني أنا خايف عليك، وبعدين أنا مجوملك أكبر محامي و... قاطعه حسين قائلاً

بحدة: "هيعملي إيه المحامي بتاعك ده، متضحكش على نفسك يابوي القضية لبساني لبساني، جولت إيه؟ *** صدح صوت الهاتف موقظاً سالم من نومه ولم يكن المتصل سوى سارة ابنة عمه، فنظر في ساعته فوجدها التاسعة صباحاً، مندهشاً من اتصالها في هذا الوقت فرد قائلاً: "أهلاً يا سارة، كيفك؟ أجابته سارة من الجانب الآخر: "آسفة إني صحيتك بس كنت عايزة أطلب منك طلب." أكد لها سالم قائلاً: "اتفضلي." ردت سارة قائلة: "كنت عايزة عنوان الدكتور سليم."

عقد سالم حاجبيه ونهض من الفراش قائلاً: "ليه؟ "كلها يومين والجامعة تفتح، وكنت عايزة أعرف عنوانه عشان أشوف ليلى." سعادة غامرة هي ما شعر بها سالم من طلبها لرؤية أخته، فهو يعلم جيداً مدى محبتها لسارة. فقال: "أكيد هبعتلك العنوان في رسالة، بس إنتي مش خايفة من عايدة لما تعرف؟ أكدت له سارة قائلة: "لأ، أنا هروح من غير ما تعرف، متخافيش."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...