أخذ حسين السلاح من يد عمه قائلاً بحقد أعمى: "سيبلى أنا المهمة دي ياعمي." جذبه سالم من ذراعه قائلاً: "أوعاك تجرب منها." جذب حسين ذراعه من يد سالم وقال: "هتشوفوا." خرج مسرعاً يبحث عنها، وليس ليقتلها هي، بل لينتقم منها بقتل ذلك الذي فضلته عليه. وبعد ذلك يجبرها على الزواج منه وينتقم بطريقته. ارتمى عامر على مقعده وهو يتخيل الفضيحة التي ستتعرض لها عائلته عندما يعلمون بما حدث. فأمسك هاتفه متصلاً بمراد قائلاً
عندما سمع رده: "مراد خمس دقايق ولجيك عندي." وأغلق الهاتف. فقد أخذ مراد سمر وعادوا إلى منزلهم عندما أصر عامر على عودتهم خوفاً عليها. ارتمى سالم على الأرضية سانداً ظهره على الحائط، معاتباً ليلى في سره. كيف تفعل به ذلك؟ وليس به فقط، أنما بعائلتها جميعاً. فنظر إلى والده الذي جلس بلا حراك على المقعد راجعاً برأسه للخلف. يريد أن ينبهها بما انتواه حسين لهم. فأمسك هاتفه يبعث لها برسالة نصية دون أن يشعر والده. ***
وأثناء عودتهم بالسيارة، ظلت صامتة طوال الطريق. لم تتخيل يوماً أن تتزوج بتلك الطريقة، ومن دون عائلتها. تعلم جيداً أنها أخطأت، وأن عواقب فعلتها تلك ستكون جسيمة. لكن زواجها من حسين ستكون عواقبه أشد. فظلت تدعو ربها أن ينجيهم. حتى رن هاتفها برسالة نصية. فقامت بفتحها لتتسع عيناها ذهولاً وقالت: "آدم، أهلي عرفوا بهروبي." ضغط آدم على فرامل السيارة حتى كادت أن تنقلب بهم. ونظر إليها عاقداً حاجبيه قائلاً: "عرفوا كيف يعني؟
إحنا مكملناش نص ساعة." ردت عليه بخوف شديد: "مخبرش، سالم بعتلي رسالة بتقول أن حسين عرف بهروبي معاك وبيدور علينا. إني خايفة." قال آدم يحاول بث الاطمئنان بداخلها: "متخفيش، ميجدرش يعمل حاجة واصل. إنتي خلاص بجيتي مرتي، وأعلى ما في خيله يركبوا." اندهشت من بساطة حواره عن الموضوع كأن ما حدث منذ قليلاً أمر عادي. فقالت له بحيرة من أمره: "انت أزاى بتتكلم بالبساطه دي؟ أنت خابر هو ممكن يعمل فينا أيه؟
وعارف أنه هياخد اللى حصل ده فرصة عشان ينتجم منينا؟ رد آدم بلا مبالاة: "أيه يعني؟ هيجتلني مثلاً؟ طيب ماهو جوازه منك وبعدك عني جتل بردك، وكده ولا كده إحنا عارفين أن اليوم ده مسيره هيجى." تنهد من أعماقه وعاد يقول: "إحنا لازم نواجه أبوكي دلوجت يا أما يوافج على جوازنا يأما يجتلني." وانطلق بالسيارة قبل أن يسمع ردها. وأثناء عودتهم، حاولت ردعه عن فعلته، لكنه أصر على المواجهة حتى لو بها قتله.
دقائق قليلة وكانوا أمام منزلها. حاولت التراجع كثيراً، لكنه أجبرها على الدخول معه دالفين للمنزل. هو بخطوات واثقة، وهي بقلب مرتعَب، ليس عليها بل عليه هو، وما قد يحدث له على يد حسين. وإذا قام حسين بقتله، ماذا ستفعل هي؟ وما سيكون مصيرها؟ وكيف ستكون حياتها بدونه؟
إن كانت لها حياة بعد موته. ظلت هذه الأسئلة تدور برأسها حتى دلف المنزل. عندما وجده مفتوحاً على مصراعيه، ورأى عامر جالساً على المقعد بلا حراك وسالم بجواره. وعند رؤيتهم، والدها واقفاً وهو يراها تتدارى خلفه والرعب بادياً على وجهها. إذا فقد هربت منه إليه. فأقترب منهم كي يجذبها من خلفه، لكن يد آدم أوقفته ممسكاً بيده قائلاً: "أوعاك تمد يدك عليه."
نظر إليه ببغض وقال: "أوعى من جدامي. أنت حسابك تجيل قوي بس بعد ما صفى حسابي مع الفاجرة دي." أغتاظ آدم من كلمته تلك وقال بحزم: "محدش يمد يده على مرتي وأنا موجود." قال سالم بدون وعي: "أيه؟ مرتك؟ وظهر الذهول على وجه عامر وقال: "يعني أيه مرتك؟ ثم نظر لأبنته التي تقف خلفه تتحامى به منه هو، من والدها. ثم قال بعدم تصديق: "إنتي اتزوجتي من وراي ياليلى؟ هي دي أخرتها؟ نفت ليلى برأسها وقالت ببكاء: "مش أكده يابوي أنا...
قاطعها قائلاً بغضب: "اخرسي يا... رفع يده كي يهوي عليها، فمنعه آدم من الوصول إليها قائلاً: "قولتلك متمدش يدك على مرتي." فصاح به سالم: "متفهمنا يعني أيه؟ رد آدم وهو يجذبها خلفه: "يعني إحنا كتبنا الكتاب دلوقتي، ومعاد الفرح إنتوا اللي تحددوه." أمسكه سالم من تلابيبه قائلاً: "إنت اتجنيت أياك يعني أيه، كتبت كتابك عليها؟ وإزاي تعمل أكده من ورانا؟
نفض آدم يد سالم عن عباءته قائلاً: "أنا دخلت البيت من بابه وإنتوا اللي اضطريتوني أعمل أكده. وبعدين بنتكم صاغ سليم ملمستش أيدها حتى، لا دي أخلاقي ولا هي كانت هتسمحلي بكده. بنتكم أعلى من أكده بكثير، وأنا عملت أكده بس عشان متزوجهاش اللي أسمه حسين ده." قال عامر وهو يزمجر بشراسة: "يبجى هتموتوا على يدي انتوا التنين."
فأسرع إلى غرفته وسحب بندقية معلقة على الحائط وعاد إليهم وهو يصوبها ناحيتهم. فأسرعت ليلى بالوقوف أمام آدم كي تحميه من تلك الرصاصة. لكن يد سالم رفعت السلاح للأعلى، فجاءت الرصاصة في سقف المنزل. ولكن رصاصة أخرى اخترقت ظهر آدم. شعرت بها ليلى والتفتت إليه فوجدت الدماء تخرج من فمه، فصرخت ليلى باسمه: "آدااااااااااااااام." ونظر الاثنين إلى جسد آدم الذي هوى أرضاً وظهور حسين خلفه حاملاً سلاحه.
شعرت ليلى حينها بأن قلبها تمزق إلى أشلاء صغيرة لرؤيته وهو يموت أمامها. ارتمت ليلى عليه جاذبة رأسه داخل أحضانها تصرخ باسمه. فرفع جفنيه بصعوبة وقد خرجت الدماء متدفقة من فمه، وبصوت ضعيف: "سليم أهر..بي بسر..عة عند..يه." نطق الشهادتين وفاضت روحه إلى بارئها. مزقت صرخاتها سكون المنزل حتى دلف مراد ورأى هذا المشهد أمامه. فنزل بركبتيه على الأرض لم يتحمل تلك الصدمة لرؤية صديقه غارقاً بدمائه وعلى يد ابن عمه.
أقترب حسين منها جاذباً إياها من شعرها وهوى عليها بصفعات متتالية تحت أنظار الجميع. فقد ألجمتهم الصدمة فأصبحوا لا يشعرون بما يحدث أمامهم. لكن صرخاتها نبهت سالم لما يحدث، فأسرع بجذب أخته خلفه كي يمنعه من مواصلة ضربه لها، صائحاً به: "متمدش يدك عليها." صاح به حسين قائلاً: "دي فاجرة ولازم تتربى." قاطعه سالم قائلاً: "يبجى أنا اللي أربيها مش أنت." أخرج مراد الهاتف من جيبه وهاتف المركز، شارحاً لهم كل شيء دون أن يلاحظ أحد.
نظر لها سالم نظرة عاتبة على فعلتها التي أدت بحياة الجميع قبل آدم. وإن كان من قبل يعارض زواجها من حسين، فاليوم يؤيده وبشدة. رفع حسين سلاحه مصراً على قتلها. لكن سالم وقف أمامه يمنعه من قتلها قائلاً: "جلتلك أوعاك تجرب منها." وصدم سالم عندما سمح له عامر بذلك قائلاً: "سيبوا يغسل عارنا ويريحنا منها." فصاح به سالم: "أنا أختي مش خاطية عشان تغسل عارها، وأني واثق فيها زي ما أني واثق في آدم أنه ميعملش أكده."
صاح عامر في حسين قائلاً: "جولتلك اقتلها." أمسك مراد يد حسين يحاول أخذ السلاح منه. وألتفت سالم لأخته قائلاً: "اهربي يا ليلى دلوجت اهربي."
أسرعت ليلى بالخروج من المنزل، فوجدت سيارة سليم التي جاؤوا بها ووجدت المفتاح بداخلها. فكرت بالهرب بها، لكنها لا تعرف القيادة جيداً. فقد علمتها صديقة لها في الجامعة تمتلك مثلها، لكنها لا تجيدها حتى تقودها وحدها. وعندما سمعت صوت حسين بالداخل، أسرعت بالصعود بها وأدارت المحرك وانطلقت بها. ظلت تتعثر بها لا تستطيع التحكم جيداً بالمقود حتى وصلت إلى منزله.
سمع سليم صوت سيارته بالخارج، فخرج من المنزل ظناً منه أنه آدم. لكنه فوجأ بدخول تلك الفتاة التي لم يرها من قبل، فقال مندهشاً: "انتي مين وعربيتي بتعمل أيه معاكي؟ وما كادت تنطق بكلمة حتى لفها الظلام وسقطت على الأرض مغشياً عليها. ***
رفعت ليلى جفنيها فوجدت نفسها داخل غرفة غريبة وامرأة تجلس على مقعد بجوارها تبدو في أواخر الخمسينات، ممتلئة الجسم قليلاً، بنفس ملامح سليم صديق آدم. وما كاد الاسم يجول بخاطرها حتى عادت إليها الأحداث وانفجرت في بكاء شديد. أقتربت منها المرأة وحاولت تهدئتها، وربتت على كتفها قائلة: "وحدي الله يابنتي في أيه بس؟ أنتي مين؟ وأيه حكايتك؟ حاولت الرد من بين بكاؤها قائلة وهى تحاول الجلوس: "لو سمحتي ممكن أشوف الدكتور سليم ضروري؟
لم تريد المرأة الضغط عليها وردت قائلة: "حاضر يابنتي." ونادت على سليم حتى سمعوا طرقاته على الباب ودخوله قائلاً: "أيوة يا أمي." أشارت له عليها بأنها تريد التحدث معه، فقال وهو يجلس على المقعد القريب منها: "اتفضلي." "مين حضرتك؟ وعربيتي بتعمل أيه معاكي؟ وليه آدم بعت العربية معاكي؟ قالت سلمى ببكاء يهشم القلوب: "آدم... اتقتل." لم يستوعب سليم كلماتها فقد ألجمت الصدمة لسانه وقال بعدم فهم أو يرفض تصديق ما قالته،
فقد عرفها الآن من صوتها: "آ... دم مين اللي اتقتل؟ ثم صاح بها قائلاً: "انتي بتقولي أيه؟ آدم لسه ماشي من عندي دلوقتي، مستحيل أصدق اللي بتقوليه ده." أزداد بكاؤها أكثر وقالت: "دي الحقيقة. آدم أصر أننا نواجههم واتقتل على ايد حسين ابن عمي، وكان هيقتلني لولا أخويا هربني منهم." كانت تحكي له وهو جالس سانداً مرفقيه على قدمه، واضعاً رأسه بين يديه يحاول كبت دموعه. وبعد انتهائها، رفع نظره إليها قائلاً
بحزن شديد: "إنا لله وإنا إليه راجعون." لم يرد عليه سوى بكاؤها المتواصل، فقالت والدته بقلق على ابنها الوحيد: "طيب انتي جايه له دلوقتي، أكيد هيعرفوا مكانك وممكن ابني كمان يتقتل فيها، وأنا مليش غيره." شعرت ليلى بحماقة فعلتها وقالت: "أنا آسفة إني جتلكم، بس آدم قبل ما يموت طلب مني إني ألجألك."
أغمض سليم عينيه فسقطت منها العبرات دون توقف. فقد أوصاه أيضاً عليها قبل ذهابه، إذا فقد كان يشعر بموعد أجله. لكنه الآن لا يعرف ماذا يفعل وكيف يتصرف. هل يهربها إلى القاهرة الآن وتظل مطاردة منهم؟ لكن إلى متى ستظل هاربة منه؟ إذاً الحل الوحيد الآن هو أن يتزوجها ويعمل بوصية صديقه ويحميها منهم. ظل يفكر هكذا حتى
سمع صوت والدته تقول لها: "أرجوكي يابنتي تمشي قبل ما حد ياخد خبر بوجودك هنا، وابني يتآذى فيها. أنا مليش غيره. خدي الفلوس اللي انتي عا... لكن صوت سليم أوقفها قائلاً: "أمي لو سمحتي بلاش الكلام ده. وبعدين آدم الله يرحمه كان موصيني عليها، وهي دلوقتي بقت في حمايتي." صاحت به والدته قائلة: "انت بتقول أيه؟ البنت دي لازم تمشي من هنا حالاً." قام
سليم من مكانه وقال بإصرار: "وأنا مش هتخلى عنها لأنها أمانة في رقبتي، وهبعت أجيب المأذون ونكتب الكتاب في حماية المركز." ردت والدته بإصرار أشد وقالت: "اللي انت بتقوله ده مستحيل يحصل، فاهم يعني أيه؟ أغمض سليم عينيه يحاول تهدئة أعصابه حتى لا ينفعل على والدته التي لا تفعل ذلك إلا خوفاً عليه. لكنه أيضاً يحافظ على أمانة صديقه الذي ضحى بنفسه لأجلها.
فقال بهدوء: "متخافيش يا أمي، لأننا هنكون في حماية الشرطة. مش هيقدروا يعملوا حاجة. وبعدين إحنا من أمتى بنقفل بابنا في وش حد؟ لم تقتنع والدته بكلامه، فأدارت وجهها إليها قائلة: "وإنتي موافقة على كده؟ لم تسمع منها رداً، فصوت إطلاق النار مازال يتكرر بداخل أذنها. فقال سليم لأمه: "أمي لو سمحتي كلامك معايا أنا، ملكيش دعوة بيها." قاطعته والدته قائلة: "وأنا عند رأيي، لأ يعني لأ." وخرجت من الغرفة.
مسح بيده على وجهه، فلا يعرف كيف يتصرف الآن. هل يحافظ على أمانة صديقه ويعصي والدته، أم يرضيها ويتركها تواجه مصيرها ويكون دم صديقه ضاع هباء. لكن رجولته ترفض ذلك وتجبره على مساعدتها. وأزداد إصراراً عندما رأى حالتها تلك، فأخرج هاتفه واتصل بالمأذون الذي عقد لهم منذ قليل وقال: "أيوه ياشيخنا، أسف أني بتصل عليك في وقت زي ده."
تركوها جالسة على الفراش، ناظرة أمامها تكاد لا تشعر بشيء من حولها. فلم تستطع أم سليم تركها بتلك الحالة، فعادت إليها فوجدتها جالسة على الفراش تكاد لا تشعر بشيء. فرق قلب أم سليم عليها، وأقتربت منها تربت على كتفها، فانتفضت ليلى على أثرها. فقالت أم سليم تهدئها: "ماتخفيش يابنتي، اطمني، أنتي هنا في أمان."
عادت ليلى تنظر أمامها والدموع تبلل وجهها. فجلست بجوارها جاذبة رأسها على صدرها، تربت على ظهرها بحنان جارف. فرفعت ليلى نظرها إليها قائلة بدون وعي: "جتلوه قدام عيني ومجدرتش أعمله حاجة." حاولت تهدئتها وهي تملس على رأسها كي تهدء. وعادت تقول: "ياريتني كنت سيبته يقتلني معاه." وأجهشت في البكاء. ***
تجمعت عائلة التهامى أمام منزل عامر كي يأخذوا ابنهم، ومعهم الشرطة دالفين المنزل يبحثون عن حسين. فقد أبلغهم مراد بما حدث بالهاتف بعد هروبه. فسقط والده على ركبتيه عند رؤيته لإبنه الكبير ملقى على الأرض غارقاً بدمائه. يكاد قلبه ينفطر حزناً عليه. لم يتخيل يوماً أن يحمل بيده نعش ابنه بدل أن يحمل ولده نعشه هو. فأصبح في القلب جرحاً لا يندمل. فرفع نظره إلى عامر قائلاً: "عملتك وعرة قوي ياعامر، وتمنها هيبجى غالي قوي."
لم يستطع عامر الرد عليه، بل ظل صامتاً يعاتب نفسه على ما ألت إليه الأمور. فهو من فعل ذلك وعليه أن يتحمل عواقب ذلك. ثم قال له: "حجك يا صالح، بس هو دلوقتي هربان ومنعرفش راح فين." قام صالح من جوار ابنه، ثم تقدم من عامر قائلاً بغضب عارم: "هنجيبه ولو تحت الأرض. بس ساعتها هيكون الحساب تجيل قوي ياعامر." ثم أشار إلى من معه بحمل آدم وأخذه. لكن الشرطة منعتهم حتى يتم التحقيق في القضية.
فقال له ضابط المركز: "مينفعش يا حاج صالح، مينفعش ابنك يدفن قبل ما تيجي النيابة وتحقق في الموضوع. أنت كده هتضيع حقه." قال صالح بتهكم: "وكانت فين النيابة لما ابني اتقتل بدم بارد أكده. أنا هاخد ولدي. وحجة أنا اللي هجيبه." لم يستطع الضابط الوقوف أمام أب فقد ابنه الوحيد بتلك الطريقة. فتركه يحمل ابنه ويخرج به من المنزل بقلب باكي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!