ظل سليم يتحرك في الغرفة ذهاباً وإياباً، والغيظ يتآكله من ذلك المدعو عماد الذي تطاول عليها وقام بلمس يدها. الذي أراد بشدة قطعها حتى لا يفعلها ثانية، فقرر مراقبتها ومعرفة سبب مجيئها معهم إلى هنا. وازداد سخطه عليها للسماح لنفسها بالجلوس معه وحدهم. ظل على تلك الحالة حتى سمع طرقات على باب المنزل، فأسرع بفتحه لتدخل إيمي قائلة بقلق: ماذا بك سليم؟ لما طلبت مني المجيء الآن؟ أشار لها سليم بالدخول للمنزل وترك الباب على مصراعيه.
جلست إيمي على المقعد وجلس سليم قبالتها قائلاً: أريد منكِ العثور على مراقب. عقدت إيمي حاجبيها باستغراب وقالت: لمن هذا المراقب؟ أجابها سليم وهو يحدق في اللاشيء أمامه يفكر بما ينتويه: هقولك. وبعد أن أخبرها سليم كل شيء كي تقوم بمساعدته، سألته إيمي قائلة بإعجاب من هذا الحب الذي يربطهم: إذا ماذا ستفعل بالمراقبة؟ رد سليم وقد سيطرت عليه الغيرة الحارقة وتلك الصورة التي حاول فيها ذلك العماد لمس يدها لم تترك مخيلته، فرد قائلاً
بغضب يحاول السيطرة عليه: أريد أن أضع المراقب له كي أعرف تحركاته، وأن كان يقابلها دائماً، أم هذه هي المرة الأولى. قالت إيمي: وهي؟ ضغط سليم على أسنانه كي يسيطر على أعصابه: لا، هي ستكون تحت أنظاري أنا، لن أسمح لغيري بالنظر إليها. أندهشت إيمي من غيرته المتملكة تلك وقالت: أنت شديد الغيرة عليها سليم. رجع سليم بظهره للوراء وأخرج من صدره آه عميقة وقال: صورته وهو معها وحدهم ويضع يده على يدها لم تفارق ذهني حتى الآن.
كنت أريد الذهاب إليه وتلقينه درساً لن ينساه، وأخبره أنها ملكي الخاص أنا، لا يمكنك الاقتراب منها، لكن الصدمة ألجمتني وجعلتني عاجزاً لا أقوى على فعل شيء. لاحت علامات الإعجاب على وجه إيمي من عشقه الشديد لها وتمنت كثيراً أن يصادفها مثل هذا الحب يوماً ما، فهي تفتقد ذلك الشعور الذي يرضي غرورها كأنثى ويشعرها بأهميتها. وقالت بصدق: كم هي محظوظة حبيبتك سليم، أتمنى أن أصادف هذا الحب يوماً ما. ثم عادت تقول بجدية:
سيكون المراقب جاهزاً منذ الآن إذا أردت. حسناً، فليقوم بالمراقبة الآن إذا أمكن. لكن ماذا ستفعل في عملك إذا كنت ترفض مراقبة غيرك لها؟ قام سليم متجهاً إلى النافذة الزجاجية ورد عليها وهو ينظر منها قائلاً بشرود: لا تقلقي إيمي فأنا أعرف جيداً كيف أتصرف. قامت إيمي ووقفت بجواره قائلة: كل ما أستطيع فعله الآن هو تعيين فتاة في الفندق المقيم به وتجلب لك الأخبار. التفت لها سليم وقال: كيف ذلك؟ ردت إيمي بثقة وهي
تحمل حقيبتها وتهم بالذهاب: اترك الأمر لي، ولا تشغل بالك. إلى اللقاء سليم. خرجت إيمي من المنزل وهي تجري اتصالاتها كي تجد من يقوم بتعيين فتاة في الفندق للرقابة. واستطاعت بسهولة العثور على المراقب المكلف بمراقبة عماد. عاد سالم لغرفته يعاتب نفسه على قسوته الشديدة عليه. لكن لا بد من ذلك حتى تفيق لنفسها ولا تضيع المزيد من الفرص. وعند دخوله وجد ورد تخرج من المرحاض وعلامات الألم ظاهرة عليها. فأسرع سالم إليها قائلاً بقلق:
مالك يا ورد، في إيه؟ لم تستطع ورد التحامل على نفسها أكثر من ذلك فردت عليه بألم شديد: الحقني يا سالم، مش قادرة، هموت. انقبض قلب سالم خوفاً عليها لرؤيتها تتألم بذلك الشكل، فحملها بين يديه وقام بوضعها على الفراش. ثم أسرع بالذهاب إلى ليلى وإخبارها بما يحدث مع ورد، فأسرعت بالولوج معه إلى الغرفة فوجدوا ورد تصرخ من شدة الألم. فأسرعت ليلى إليها تمسك يدها وقالت بخوف: مالك يا ورد، في إيه؟ ردت ورد عليها
من بين صرخاتها قائلة بألم: مش عارفة يا ليلى، باين لي بولد، مش قادرة، هموت. أسرع سالم بفتح الخزانة وإخراج ملابسها وناولهم لليلى التي أخذتهم بسرعة وقامت بمساعدتها في ارتدائهم. وقام سالم بالاتصال بعماد، كي يوصلهم لأقرب مشفى بالسيارة التي تم استئجارها مدة إقامتهم بالولاية. أسرع سالم بحمل ورد التي ملأت صرخاتها أركان المكان. والذهاب بها إلى خارج الفندق فوجد عماد ينتظرهم بالسيارة، فوضعها برفق بالسيارة وجلست ليلى بجوارها.
وجلس سالم في الأمام بجوار عماد. وضعت ليلى رأس ورد في حضنها وتمنت لو تستطيع التخفيف عنها. حتى وصلوا إلى المشفى. أسرع سالم بالنزول وحملها والذهاب بها داخل المشفى، فأسرعت الممرضات بالذهاب إليه ووضعها على الترولي، فتركها لهم سالم بقلب ممزق. كذلك ليلى التي أجهشت بالبكاء وأرتمت في حضن أخيها.
كان سليم راقداً بفراشه يفكر فيما سيفعله مع ليلى، حتى رن هاتفه فوجدها إيمي، فرد عليها لتخبره عن المعلومات التي علمتها من المراقب الذي كلفته بمراقبة عماد. فأجابها سليم وهو يقوم مسرعاً: أنتِ متأكدة؟ ردت ليلى من الجانب الآخر قائلة: بالطبع سليم، فقد أخبرني بذهابه معهم إلى المشفى. أسرع سليم بإخراج ملابسه من الخزانة وهو يقول: أعطيني العنوان. أملته إيمي عنوان المشفى ثم قالت: سأرسل لك السيارة، ستسهل عليك الكثير.
شكرها سليم بامتنان وقام بإبدال ملابسه، وانتظر حتى أرسلت له السيارة، فصعد بها مسرعاً إلى المشفى. خرج الطبيب من الغرفة فأسرعوا إليه جميعاً، فسأل سالم الطبيب بلهفة عن وضعها. فرد عليه الطبيب بعملية وأخبره بأنها في ولادة مبكرة. انقبض قلب سالم خوفاً عليها وسأل الطبيب قائلاً: وهل هناك خطورة عليها؟ رد عليه الطبيب قائلاً:
بالطبع لا، هي بصحة جيدة، وأكدت لنا الفحوصات التي أجريناها بذلك، وأنها الآن في أنهت الأسبوع الثالث والثلاثون (بداية الشهر التاسع) وأيضاً تأكدنا من سلامة طفلتك من السونار، لكننا سنقوم بوضعها بالحضانة حتى تطمئن أكثر. ثم أمرهم بالذهاب إلى الاستقبال ليدونوا البيانات. وعاد الطبيب إلى غرفة العمليات. اتجه عماد مع سالم إلى الاستقبال تاركين ليلى وحدها أمام غرفة العمليات، فجلست على الأريكة بإرهاق شديد.
وبعد مرور لحظات، شعرت ليلى بالخوف عندما أحست بأنها مراقبة، فظلت تتلفت حولها، لكن المكان كان خالياً إلا من الأطباء والعاملين في المشفى الذين يمرون ذهاباً وإياباً في الممر. لكن ما لفت انتباهها أكثر تلك الرائحة العطرة التي تعرفها جيداً، فخرج اسمه من بين شفتيها بدون وعي منها قائلة: سليم. فتوقف قلبه عن ضخ دمه داخل أوردته عند خروج اسمه من بين شفتيها. وأراد بشدة الذهاب إليها ويأكد لها وجوده هنا بجواره.
لكنه تراجع، فحتى الآن ما زالت كلماتها لعماد تتردد في عقله وقلبه. فظل يختلس النظر إليها حتى عاد سالم وعماد إليها. وبعد مرور وقت طويل وقد أخذ القلق مبلغه معهم، خرجت الممرضة من الغرفة فأسرع سالم إليها قائلاً بقلق بالغ: كيف حال زوجتي؟ ردت الممرضة قائلة بهدوء: للأسف الولادة متعسرة، لكن لا تقلق، فهذا يحدث دائماً في المرة الأولى. ثم ذهبت تاركة سالم يقاوم عبراته من النزول. عادت ليلى للجلوس على مقعدها وهي تدعو لورد.
تحت أنظار عماد الذي يلتهمها بعينيه، فجلس بجوارها. لا يعلم شيئاً عن ذلك الذي يضغط على قبضته حتى ابيضت مفاصله عندما وجد عماد يجلس بجوارها. ونظراته التي تكاد تلتهمها، فلم يستطع السيطرة على أعصابه أكثر من ذلك وهم بالذهاب إليهم وأخذها من بينهم. لولا خروج الطبيب من الغرفة ليخبرهم بولادة ورد. عاد ثانياً إلى مخبئه يستمع لهم. فأسرع سالم إليه قائلاً: طمئني أيها الطبيب، كيف حالها؟ أجابها الطبيب بابتسامة:
اطمئن، زوجتك بأفضل حال رغم صعوبة ولادتها، لكن الطفلة تم وضعها في الحضانة لأيام قليلة للتأكد من عدم حدوث أي مضاعفات. حمد الله سالم على نجاتها وقام عماد وليلى بتهنئته. وبعد وقت قصير خرجت ورد من غرفة العمليات وما زال جسدها ينتفض من المعاناة التي شعرت بها أثناء الولادة، فأسرع إليها سالم وليلى.
وعند رؤيتها تنتفض بذلك الشكل سأل سالم الممرضة عن سبب ذلك، فأخبرته أن ولادتها كانت متعسرة وقد أعطوها منوماً حتى ترتاح قليلاً بعد تلك المعاناة. وبعد دخولهم للغرفة. حملها سالم بين يديه ووضعها على الفراش. وقامت الممرضات بوضع المحاليل لها ثم خرجوا من الغرفة. جلس سالم على المقعد المجاور لها بارهاق شديد ممسكاً يدها يقبلها بحب جارف، فاقتربت منه ليلى تربت على كتفه قائلة بحزن شديد:
متخافش يا سالم، إن شاء الله هتكون كويسة، بس ادعيلها. أمسك سالم يدها التي تربت بها على كتفه وقال: إن شاء الله، المهم أنتي لازم ترجعي الفندق دلوقتي، الوقت متأخر. رفضت ليلى قائلة: لأ طبعاً، أنا هفضل معاها، مقدرش أسيبها. أصر سالم قائلاً وهو يخرج هاتفه ليتصل بعماد: مينفعش احنا الاتنين نفضل هنا، وأنا مش هقدر أمشي وأسيبها وهي في الحالة دي. فرد على الهاتف عندما أجابه عماد فقال له: عماد أنت فين؟ أخبره عماد أنه في الخارج
أمام المشفى فقال له: خلاص عدّي خد ليلى معاك عشان تروحها لأن الوقت متأخر. ثم أغلق معه تحت نظرات ليلى الحانقة من ذهابها معه. حاولت مع سالم لتركها معها لكنه أصر على ذهابها معه. شعر عماد بالسعادة عندما أخبره سالم بأخذها معه إلى الفندق وأسرع بالعودة إلى المشفى والصعود للغرفة. وقبل أن يطرق البابان، فتح ليخرج منه ليلى وهي تحاول كبت الشعور بالنفور منه وقال بسعادة: اتفضلي ياليلي.
ذهبت ليلى معه على مضض حتى وصلوا للسيارة وقام عماد بفتح باب السيارة لها وأغلقه بعد ولوجها. ثم صعد بجوارها وانطلق بالسيارة. ظلت ليلى ملتزمة الصمت واكتفت بالنظر للطريق حتى قاطع عماد صمتها قائلاً: ليلى فكرتي في اللي قولتهولك؟ أغمضت ليلى عينيها تحاول ضبط أعصابها من الانفعال وقالت ببرود ينافي تماماً ما بداخلها من ضيق: أظن إن ده مش وقته. قال عماد برجاء صادق: ليلى أنا بس بسألك مش أكتر. ازداد ضيقها الشديد منه وقالت:
وأنا قولتلك مش وقتها. ازداد رجاءه وهو يقول: ياليلى أنا بس كل اللي بطلبه منك إنك تدي نفسك فرصة تعرفيني كويس وأنا أوعدك إني هحاول أسعدك على قد ما أقدر بس ادي نفسك فرصة. لم تستطع ليلى السيطرة على أعصابها أكثر من ذلك فصاحت به قائلة: إصرارك ده هيخليني أتراجع عن قراري. حاول عماد تهدئتها فأوقف السيارة على جانب الطريق وهو يقول: خلاص ياليلي، خلاص براحتك بس اهدّي.
نظرت إليه ليلى بخوف شديد عندما أوقف السيارة في ذلك المكان، لكنها حاولت إظهار شجاعتها حتى سمعته يقول: بس بردوا أفهم من كده إنك وافقت؟ أشاحت ليلى بوجهها عنه بنفاذ صبر. فمد عماد يده يضعها على يدها التي تضغط بها على حقيبتها بعنف. انتفضت ليلى بشدة من فعلته وشعرت بالخوف منه وصاحت به: متلمسنيش. سحب عماد يده وقال بأسف: أنا آسف، مش قصدي أضيقك بس عايز أتأكد بس إنك موافقة ولو مبدئياً. ازداد خوفها الشديد منه وصاحت به: روحني.
رفض عماد قائلاً: مش قبل ما أطمن إنك موافقة. وبدون وعي فتحت باب السيارة وهمت بالنزول منها، لكن يد عماد أمسكتها من ذراعها يمنعها من النزول وهو يقول: استني يامجنونة رايحة فين؟ صرخت ليلى من لمسته تلك، وعادت إليها ذكرياتها مع حسين. فانهدش عماد مما يحدث له. لكن فجأة وبدون مقدمات، انفتح باب السيارة وجذبت يد قوية عماد وأخرجته من السيارة، ثم قام بضربه ضرباً مبرحاً تحت أنظار ليلى المصدومة.
وازدادت صدمتها أكثر عندما عاد للسيارة من جهتها وقام بفتح الباب وجذبها بشدة واضعاً إياها في سيارته. وصعد بجوارها وانطلق عائداً بها إلى وجهته. لم تصدق ليلى ما يحدث، ظلت تختلس إليه النظرات حتى تتأكد من وجوده حقاً. إذاً فقد صدق إحساسها، وكان انطباق فمه وقسوة نظراته تنذرها بغضب جحيمي، فألتزمت الصمت واكتفت بعودة الأمان لها. فأغمضت عينيها وغرقت في سبات عميق لم تنعم به منذ أن تركت منزله. وبعد وقت قصير.
أوقف سليم سيارته أمام منزله وألتفت إليها فوجدها ما زالت نائمة في سكون تام. ظل يتأمل ملامحها التي افتقدها كثيراً واشتاق إليها. أراد بشدة أخذها داخل أحضانه وتقبيل جبينها. لكن صورة عماد وهو يحاول التقرب منها أشعلت غضبه. وقام بإيقاظها بحده قائلاً: قومي ياهانم. فتحت ليلى عينيها ونظرت إليه بابتسامة صافية خطفت قلبه، ثم عادت ثانية إلى النوم.
استطاعت تلك الابتسامة الصافية كصفاء قلبها السيطرة على غضبه الذي تلاشى بسحرها الأخاذ ونزل من سيارته والتف ناحيتها وقام بفتح الباب وحملها بين يديه متجهاً إلى منزله. ولج سليم المنزل وأغلق الباب بقدمه ثم وضعها على الأريكة، و دخل بعدها غرفته جاذباً الغطاء وعاد إليها ليدثرها به. وجلس سليم على المقعد المجاور لها بارهاق شديد. وظل ينظر إليها بعدم استيعاب، هل يتخيل وجودها معه؟ هل بالفعل وجدها وهو الآن ينعم بدفء وجودها بمنزله؟
حتى صدح رنين هاتفه الذي جعلها تتحرك بنومها، فأسرع سليم بالإجابة عليه حتى لا يوقظها: نعم إيمي. نعم هي في منزلي الآن. بالطبع لن أستطيع الذهاب للعمل غداً. لا تقلقي، سأنهي كل الأعمال الآن وتأخذيها معكِ عندما تمرين في الصباح لأخذ السيارة. حسناً، إلى اللقاء. أغلق سليم الهاتف وأخذ حقيبته وأخرج منها الملفات المتعلقة بالشركة وبدأ بمراجعتها بجواره. بعد مرور وقت طويل لم يشعر به سليم.
نظر إلى ساعته فوجدها السابعة صباحاً، وليلى ما زالت نائمة في سكون تام، فظهرت ابتسامة متملكة على فمه وقال بخبث: بقى عايزة تتجوزي؟ ماشي ياليلي. رن جرس المنزل ينبئه بوصول إيمي كي تأخذ الملفات التي أنهاها. واستيقظت على أثره ليلى التي انتفضت من مكانها عندما فتحت عينيها ووجدت نفسها في مكان غريب. وتذكرت ما حدث تلك الليلة وتأكدت أكثر عندما وجدت سليم واقفاً على أعتاب منزله يتحدث مع فتاة شقراء شديدة الجمال.
فأخذت نصيبها أيضاً من الغيرة الحارقة وقامت من الأريكة واقتربت منهم تحاول فهم ما يقولون. شعرت بالضيق لكونها لا تعرف الإنجليزية، فلم تفهم شيئاً من حوارهم. قام سليم بإعطائها الملفات التي قام بإنهاءها هذه الليلة ثم أعطاها مفاتيح السيارة، لكنها رفضت قائلة: لا، فلتبقيها معك، فمنزلي قريب من الشركة ولا أحتاجها. شكرها سليم بامتنان على وقفتها معه ثم تركها ترحل.
عاد إلى المنزل فوجد ليلى تقف خلف الباب تستمع إليهم، فلم يعطيها اهتمام بل تركها ودلف غرفته وأغلق الباب خلفه. شعرت ليلى بالحنق منه وصاحت به وهي تقترب من باب الغرفة: ممكن أفهم أنت جايبني هنا ليه؟ لم تسمع منه رداً، فعادت تصيح به قائلة: رد عليا. خرج سليم من الغرفة بعد أن أبدل ملابسه وازاحها من أمامه ليتجه إلى المطبخ دون أدنى اهتمام بكلامها. ولجت ليلى المطبخ خلفه وقالت بحده: ممكن أفهم مش بترد عليا ليه؟
ترك سليم ما بيده وتقدم منها قائلاً بتحذير: صوتك ميعلاش، فاهمة. قال كلمته الأخيرة بحده بالغة، انتفضت من شدتها، ثم عاد يعد طعام الإفطار تحت انتظارها المندهشة من حدته معها، وكأنها لم تعرفه من قبل، فعادت تقول: طيب ممكن أفهم أنت جايبني هنا ليه؟ ليه ما ودتنيش الفندق؟ ازداد غيظه منها وأقترب منها قائلاً بحده بالغة: إيه كنت عايزاني أسيبك لوحدك تاني بعد اللي عمله معاكي؟ شعرت ليلى بالحرج من كلماته وقالت وهي تعاود النظر إليه:
عماد معملش... أطاح سليم ما بيده عند ذكر اسمه وصاح بغضب عارم وهو يضرب الحائط خلفها بيده قائلاً: اسمه ميتنطقش تاني على لسانك، فاهمه ولا لأ؟ لم تستطع ليلى الرد عليه واكتفت بإيماءة من رأسها دون إرادتها، فمن المؤكد أن من أمامها الآن ليس سليم الذي أحبته بل إنسان آخر لا ينتمي إليه. فأزاحت يده وأسرعت بالخروج من المطبخ دون قول شيء ودخلت غرفته مغلقة الباب خلفها وأرتمت على الفراش تبكي بألم على عشقها الخفي له.
شعر سليم بأنه قد تمادى معها، لكن ماذا يفعل في غيرته الشديدة التي كتبها عليه القدر. فلم يستطع تركها بتلك الحالة، فذهب إليها وطرق الغرفة قبل ولوجه داخلها، فوجدها جالسة على الفراش تبكي بألم شديد، فجذب مقعداً وجلس بجوارها قائلاً: أنا آسف ياليلي، بس أنا... قاطعته ليلى قائلة وهي تمسح عبراتها بظهر يدها: لو سمحت مش عايزة أسمع حاجة. كنتي قاعدة مع عماد في المطعم ليه؟ اتسعت عيناها ذهولاً من معرفته بالأمر وقالت:
أنت كنت بتراقبني؟ نفى سليم برأسه قائلاً بمشاعر متضاربة: لا ياليلي، أنا شفتك هناك بالصدفة وأنا رايح أتأكد من عماد، لأني بشتغل في الشركة اللي جايين تتعاقدوا معاها ولما قريت اسم عماد الصاوي صديق سالم، فحبيت أتأكد إذا كان هو. واتجننت لما شفتك معاه. وقتها مقدرتش أواجهك. نظرت ليلى إلى يده استغراباً عندما وجدتها خالية، فأرادت التأكد منه فسألته قائلة: آه صحيح، مبروك. ضيق سليم عينيه وسألها قائلاً: على إيه؟ شعرت ليلى
بالخوف من إجابته وقالت: على خطوبتك للدكتورة راندا. تأكد سليم من شكه ورد عليها قائلاً: ومين قالك كده؟ لم تستطع ليلى الإنكار وقالت بتلعثم: ه.. هي اللي قالتلي. حاول سليم بقدر الإمكان الثبات واعداً نفسه ألا ينفعل عليها، فقال بهدوء عكس ما بداخله من غضب: ومتأكدتيش مني ليه؟ ولا خدتيها فرصة عشان تعرفي تهربي كالعادة؟ عقدت ليلى حاجبيها وسألته قائلة: تقصد إيه؟ قام سليم من مكانه وقد طفح به الكيل وقال بحده بالغة:
اللي سمعتيه، فضلت الهروب على إنك تواجهيني وتتأكدي مني وخصوصاً إنك دايماً مصرة إنك حمل تقيل عليا، مع إني أكدتلك كتير إني مبسوط معاكي ورافض قصة الطلاق دي، مع ذلك صدقتي الكلام اللي عايزة تصدقيه وهربتي مني. شعرت ليلى بحماقتها حتى تترك تلك الفتاة تتلاعب بها بهذا الشكل. فأغمضت عينيها عندما قام سليم بغلق الباب بعنف.
وفي الصباح استيقظت ورد وقد شعرت بثقل على يدها، فوجدته سالم الذي شعر باستيقاظها، فقام مقترباً منها يقبل جبينها قائلاً: ورد حبيبتي عاملة إيه دلوقتي؟ شعرت ورد بألم شديد في بطنها وقالت بألم: أنا كويسة، بنتي فين يا سالم، أوعى يكون جرالها حاجة؟ طمأنها سالم قائلاً: لأ، اطمني بنتنا كويسة بس الدكتور حب يطمن أكتر وعشان كده حطها في الحضانة. عايزة أشوفها. جلس سالم بجوارها وما زال ممسكاً بيدها وقال: هتشوفيها بس أما تتحسني شوية.
أومأت ورد له. وانتبه على صوت الباب ودخول عماد بتلك الحالة وكدمات زرقاء بكامل وجهه من عنف سليم. فقام سالم متجهاً إليه خوفاً من حدوث شيء ما لليلى، فقال سالم: في إيه يا عماد؟ مين اللي عمل فيك كده؟ لم يريد عماد التحدث أمام ورد فأشار له بالخروج من الغرفة. خرج سالم وراءه وقال بخوف: طمني، في إيه؟ وفين ليلى؟ شرح له عماد ما حدث وأخذ سليم لـ ليلى، فلم يستطع سالم تصديق ما يقول، فقال بصدمة: سليم؟! وسليم هنا بيعمل إيه؟
وإزاي ياخدها؟ بصفته إيه؟ أخرج عماد الهاتف من سترته وقال: أنا عرفت أوصل لمكانه عن طريق تليفونها. قال سالم: طيب خليك هنا لحد ما أعرف إيه الحكاية. وخرج سالم من المشفى وهو لا يرى أمامه من شدة الغضب. خرجت ليلى من الغرفة بعد أن شعرت بخطئها، فوجدته واقفاً أمام الموقد يحضر الفطار، فوقفت بجانبه قائلة: سيب الأكل أنا هعمله. لم يستطع سليم رفض طلبها وترك لها الأمر وخرج من المطبخ. انتهت ليلى من تحضير الإفطار وقامت بوضعه على
الطاولة ونادت عليه قائلة: سليم الأكل جاهز. أومأ لها سليم وتقدم من المطبخ تحت أنظارها العاشقة له، فلن تخفي ذلك الشعور بعد الآن ولن تتخلى عن ذلك الدفء الذي يغمرها به حتى في قسوته. جلس سليم أمامها وهو ينظر إليها بعدم استيعاب، بعودتها له ثانية. أما هي فلم تفكر في شيء سوى الأمان والحب الذي فقدته يبعدها عنه. فقاطعت ليلى صمتهم قائلة: أنا كنت عايزة أطمن على ورد. رد سليم بتأكيد: أكيد، بس مش لوحدها. أندهشت
ليلى من برود حديثه قائلة: إزاي بصفتك إيه؟ أنت عارف لو سالم عرف إني بيت معاك لوحدنا هيعمل إيه؟ ظل سليم على بروده وقال وهو يقوم من مقعده: هو عرف، مش لسه هيعرف. تركها سليم وذهب إلى الصالة وجلس على الأريكة مخرجاً باقي الأوراق المتعلقة بالشركة لمراجعتها. وذهبت ليلى خلفه وقالت بعدم استيعاب: أنت عارف ده معناه إيه؟ رد سليم دون أن يرفع بصره عن الأوراق: عارف. صاحت به ليلى: سليم. رفع سليم بصره إليها وقال بأسلوب حذر:
بقولك للمرة الثانية صوتك ميعلاش. ثم عاد ينظر إلى أوراقه مرة أخرى. لا محال أن يكون هو، محال أن يكون سليم الذي عاشت معه أجمل أيامها، فقالت: اللي أعرفه عن سليم إنه إنسان ملتزم ميعملش حاجة تغضب ربنا. ورد سليم بثبات: ودي حقيقة. ما هذه الثقة التي يتحدث بها؟ فقالت: طيب وبياتي معاك في بيت واحد؟ تسميه إيه؟ اكتفى سليم بالصمت وتجاهل سؤالها. فعادت تصيح به حتى تستفزه قائلة: رد عليا. قام سليم مندفعاً ناحيتها وجذبها من ذراعها
مقربها منه وقال بغضب: لو صوتك علي تاني هتصرف معاكي تصرف ميعجبكيش. أرادت ليلى استفزازه أكثر وقالت بصوت عالٍ نسبياً: هتعمل إيه؟ لم ينتبه سليم لذلك التقارب بينهم، فنظر داخل عينيها التي كانت دائمة التواجد في مخيلته وخصلاتها المتمرده دائماً على حجابها. وآه من تلك الشفاه التي تمناها كثيراً.
وبدون وعي منه قرب وجهه منها أكثر متناولاً شفتيها بين شفتيه وهي تحت تأثير الصدمة التي ألجمتها وظل يتعمق بقبلته وهو لا يصدق أنها أخيراً أصبحت بين يديه. ازدادت قبلته طلباً وهو لا يستوعب ما يحدث حتى انتبه إلى عبراتها التي أغرقت وجهها، فأبتعد بوجهه قليلاً عنها لينظر إليها. فأخفت ليلى وجهها في صدره تعاتبه على فعلته وأخذت تبكي بين يديه وهو يقربها أكثر من صدره. ولم ينتبهوا لسالم الذي شاهدهم من النافذة الزجاجية.
عاتبته ليلى قائلة: ليه عملت كده؟ هم سليم بالإجابة عليها لولا صوت طرقات عنيفة على الباب وصوت سالم الذي قال: افتح ياسليم. ابتعدت ليلى عنه برعب واستنجدت به بخوف شديد: سالم أخويا. فطمئنها سليم بنظرة منه وذهب ليفتح لسالم الذي اندفع بقبضته على وجه سليم الذي استند على الباب قبل سقوطه قائلاً بغضب: بتمد إيدك على أختي ياحيوان. ثم اقترب من ليلى صافعاً إياها صفعة أسقطتها أرضاً قائلاً بغضب أعمى:
يظهر إني غلطت لما وثقت فيكي يافاجرة. وهم بصفعها مرة أخرى لكن يد سليم أوقفته عن ذلك قائلاً: متمدش إيدك عليها، أنا مغلطش، ليلى تبقي مراتي. وكأن الزمن يعيد نفسه مرة أخرى، فوضعت ليلى يدها على أذنها حتى لا تسمع المزيد وصرخت بهم قائلة: كفااااايه. ثم سقطت بين يدي سالم مغشياً عليها. سقط قلب سليم معها، وأسرع إليها يحملها من بين يدي سالم. الذي منعه من حملها قائلاً: متمدش إيدك عليها. جبل معرف يعني إيه مراته.
حملها سليم عنوة من بين يديه وقام بوضعها على الأريكة ثم دخل إلى غرفته وجاء بزجاجة عطر وقام بنثره على يده وقربه من أنفها. رمشت ليلى بعينيها قبل أن ترفع جفنيها وتنظر بتوهان إلى سليم، ثم نظرت إلى سالم الذي ما زالت نظراته تحمل الكثير من الغضب ناحيتها، فقالت له دون أن تنظر إليه: سالم أنا... قاطعها سليم قائلاً: متقوليش حاجة ياليلي. صاح به سالم قائلاً: خلاص، روح انتِ. تبع الفصل الثامن عشر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!