كيف يقف أمامها الآن ويطلب منها أن تعيش معه وكأن شيئًا لم يحدث؟ فما زال قلبها يبكي حزنًا على فراق أخيها الوحيد. بعد أن هربت والدتها مع ذلك الرجل وتركتهما، وهي تكتفي بوجوده بجانبها. وحتى عندما تزوج والده بامرأة أخرى، وكانت أحن عليهما من والدتها التي فضلت رجلًا آخر عليهما، إلا أنها ظلت في أحضانه، لا تنام إلا بجواره. حتى تركها أيضًا وغادر من هذه الحياة القاسية، تاركًا إياها في يد من ساهم في قتله.
انتبهت ورد على صوته يقول: "مفيش بعد كده خروج واصل من البيت إلا ورجلي على رجلك، فاهمة ولا لأ؟ أرادت ورد أن تؤلمه كما ألمها، فخرجت دون أن تلتفت إليه ولم تعبأ بكلامه ولا تنبيهاته. ستذهب إلى والدها تطلب منه أن يطلقها منه، فهي أصبحت لا تتحمل وجودها معه في مكان واحد. فقد مر على وجودها معه أربعة أشهر، فيكفي ذلك وتخرج إذًا من حياته.
ظلت سائرة في طريقها، تتردد خطواتها على الطريق، حتى وصلت لمنزل والدها، الذي تفاجأ من هيئتها، وخاصةً عندما ارتمت في أحضان زوجة والدها بدون مقدمات وأجهشت في البكاء. نظرت آمال إلى زوجها بقلق شديد خوفًا من أن يكون سالم ضربها أو أهانها، فقالت آمال وهي تربت على كتفها: "إيه يا ورد، جلجلتينا، إيه اللي حصل؟ ابتعدت ورد قليلًا عنها وهي تقول ببكاء شديد: "إني عايزة أطلق منه، مش قادرة أعيش معاه." ازداد قلق آمال وقالت لها:
"ليه بس، احكي لنا." أمسكت بيدها وأدخلتها الغرفة، وعندما تقدم صالح ليدخل معهم، منعته آمال قائلة: "سيبني الأول أقعد معاها وأشوف إيه اللي حصل وأخبرك." أومأ برأسه واتجه إلى غرفته وأغلق الباب. جلست آمال بجانبها تربت على ظهرها بحنان جارفة قائلة: "اهدّي يا ورد، الله يرضى عليكي، جلجلتيني، إيه اللي حصل وليه عايزة تطلقي منه؟ قالت ورد من بين شهقاتها: "مش قادرة أكمل معاه، كل ما أشوفه قدامي بفتكر غدرهم بآدم، الله يرحمه."
ظهرت العبرات في عيني آمال عند ذكره، وقالت وهي تبكي: "وهو ذنبه إيه بس يا ورد، وأنتي خابرة سالم زين، وخابرة إنه بيحبك ورايدك من زمان، متجيش عليه يابنتي." ابتعدت ورد عنها قليلًا ونظرت إليها باستغراب شديد: "رايدني؟ رايدني؟ "أومال لو مكنتيش خابرة كل شيء، وخابرة كيف تركنى ومسألش فيا واصل." أرادت آمال أن تخبرها برفض والده لها بسبب والدتها، لكنها عدلت عن ذلك خوفًا من إحراجها، فقالت:
"خابرة يابنتي، بس أكيد كان ليه عذرة، وبعدين هو بردك جه وطلبك من أبوكي." قاطعتها ورد قائلة: "من جالك إنه طلبني من أبوي؟ المجلس هو اللي طلب النسب ده عشان يفضوا التار مش أكتر من كده." صححت آمال لها قائلة:
"لا، هو اللي طالبك من أبوكي وجدام الكل، ولما أبوكي رفض أكدله إنه رايد الموضوع من زمان، ومراد ابن عمه أكد كلامه، ولما أبوكي أصر على رفضه، اترجاه كثير لحد ما وافق وهو رافع راسه جدام الكل. وهو بردك اللي بلغ عن حسين ولد عمه وساعدهم في القبض عليه. وخابرة كويس كان بيعز آدم الله يرحمه جد إيه. أخزي الشيطان يابنتي، وأرجعي لزوجك ومتشمتيش حد فيكي." أخفضت عينيها تهرب من عين والدتها وقالت بحزن: "معدش ينفع."
عقدت آمال حاجبيها قائلة: "يعني إيه؟ أنتي عملتي إيه يا ورد؟ ظهر الحزن واضحًا على ملامحها وقالت: "عملت كتير جوي يا أمي، واهنته كثير جوي، وهو من أصله اتحملني واتجى ربنا فيا، بس والله ما كنت أعرف اللي جولتيه ده، كنت فاكرة إنهم ضغطوا عليه إنه يتزوجني. وجبل ما يجي، سبت البيت غصب عني لما جالي إنه هيغير هدومه وياجي معايا، مش عارفة أعمل إيه دلوقت."
وقبل انتهاء حديثها، سمعوا صوت سالم بالخارج وترحيب والدها به. إذاً فقد جاء ليشكي لوالدها من تصرفها معه. فأسرعت بالخروج من الغرفة إليه كي تمنعه من الحديث مع والدها. خرجت من الغرفة فوجدته واقفًا معه، فتلاقت نظراتهم، هو بعتاب شديد، وهي برجاء ألا يخبر والدها. لاحظ صالح نظراتهم تلك، فطلب من سالم أن يأخذ زوجته للداخل كي يحلوا أمورهم دون تدخل من أحد.
وافق سالم على ذلك ودخل خلفها وأغلق الباب، والتفت إليها ونظراتها تحمل له أسفًا شديدًا على فعلتها الحمقاء. فحاولت الحديث معه، لكنه أوقفها قائلًا ضاغطًا على أسنانه بقوة: "مش عايز أسمع صوتك، وإن كنت جيت أهنه مش عشان خاطر عيونك، لا، أنا جيت أهنه لأن جوازنا مرتبط بتار هتروح فيه رجاب لو طلقتك." أخفضت عينيها خجلًا من تهورها، ثم عاد يقول بقسوة شديدة:
"وللسبب ده بس أنا هوافق إنك ترجعي معايا بعد ما دوستي على كرامتي وأهنتي رجولتي وخرجتي من البيت غصب عني، لجل خاطر العيلتين واللي ممكن يحصل بتهورك ده." لم تستطع ورد قول شيء، فهو محق بكل كلمة قالها، لكنها ستعتذر منه. فهو مخطئ أيضًا، لما لم يحاول شرح الموضوع لها وأنه تزوجها برغبة منه ورضا والدها وليس لأجل فض التار بين العائلتان. لكنها أيضًا لم تعطيه فرصة للحديث. حاول كثيرًا معها، لكنها ترفض حديثه وتنسحب فورًا من أمامه.
فاقت من شرودها على صوته يقول بحدة: "اتفضلي قدامي على الدار." أطاعته ورد بدون نقاش وخرجت معه، تعاتب نفسها على ذلك التهور الذي كاد أن يكون سبب بعدها عن حبيبها قبل أن يكون زوجها، لكنها ستحاول بكل الطرق أن تصلح ما أفسدته. خرجوا من الغرفة فوجدوا والدها وزوجته جالسين على الأريكة منتظرين خروجهم، فأقتربت منهم ورد وهي تفرك يديها بارتباك. فقال صالح وهو يرى ارتباكها: "واقفين ليه، تعالوا اجعدوا معانا." وقالت زوجة والدها:
"تعالي يا ورد." لكنها رفضت قائلة وهي تنظر لسالم: "لا، أحنا هنمشي." رفض والدها بشدة وقال بإصرار: "لا، لازم تتغدوا معانا. ثم وجه حديثها لسالم: إيه يا سالم يا ولدي، هتفضل واقف عندك ولا إيه." ثم قام من مكانه وتوجه إليه قائلاً: "تعالى نشربوا الشاي في المندرة لحد ما يجهزوا الغدا، بدّي أتحدت معاك شوية." وافقه سالم ودخل معه الغرفة، وقامت ريحانة زوجة والدها وأخذت بذراع ورد تجلسها بجوارها وقالت: "ها يا ورد، عملتي إيه؟
أخفضت عينيها وأجهشت في البكاء ندمًا على أفعالها، فربتت ريحانة على كتفها قائلة بقلق: "إيه بس يابنتي، أنتي ما عندكيش غير البكا، ردي عليّ." رفعت ورد عينيها لريحانة وقالت من بين بكائها: "أنا غلطت كتير جوي، وشكله أكده مش رايد يسامحني." تنهدت ريحانة بغلب منها وقالت: "أنتِ خابرة لو أنا اللي عملت أكده أبوكي كان هيعمل فيّ إيه؟ أبسط حاجة يرمي عليّ يمين الطلاق ومن غير رجعة." ازداد بكاؤها وقالت: "طيب أعمل إيه دلوقت؟ ريحان:
"متعمليش حاجة، سيبى الأمور ماشية زي ما هي ماشية، بس انتي تحاولي تراضيه على قد ما تقدري، وربنا ييسر الأمور. جومي بقى اغسلي وشك وتعالي نحضر الغدا مع بعض زي زمان، وحشتيني يا ورد." ابتسمت ورد لتلك المرأة الحنون التي عوضتها عن حنان والدتها، فأومأت لها وقاموا معًا يعدون الطعام. ***
وفي المساء، تجمع كل من مراد وسمر زوجته وعامر على طاولة الطعام. فقد انتقل مراد إلى منزل عمه منذ أن ترك سالم المنزل وتزوج بورد، الذي أصر والدها على عدم ولوجها إليه. فلم يستطع تركه وحيدًا، وقد هون عليه ذلك الطفل الذي أنجبته سمر وأسماه مراد آدم على اسم آدم التهامي.
ظل عامر ناظرًا إلى المقاعد الفارغة من أولاده ليلى وسالم، فكم اشتاق لها تلك التي مزقت قلبه حزنًا عليها. يعاتب نفسه على قسوته وحدته، وتمنى أن يعود الزمن بهم ويزوجها لمن اختاره قلبها. فلم يعاملها يومًا مثل سمر وسالم، رغم أن حبها في قلبه أشد منهم. لكنه عندما يراها يتذكر والدتها التي فارقت الحياة تاركة إياه يعيش على ذكراها، وأنها سبب موتها.
انتبه عامر على صوت حفيده الذي ظل يبكي بين يدي والده، فمد يده يأخذه منه، فرفض مراد قائلاً: "لا يا عمي، كمل عشاك الأول." قام عامر من مكانه، مادًا يده لذلك الطفل الذي لم يتعد الخمس شهور، أخذاً إياه بين أحضانه، فاستكان الطفل بين يديه وهدأ بكاؤه. فضحك عامر قائلاً: "شاكلك لئيم زي خالك سالم، مكنش يسكت غير في دراعاتي." ظهرت علامة الحزن واضحة عليه وقال: "بس دلوقتي مرتاح أكتر في حضن غيري، رغم جساوته عليّ، بس ربنا يهديه."
تعجب مراد من معرفته بالأمر، فلا يعرف أحد بمشاكله مع ورد سواه، حتى زوجته لا تعرف شيئًا. فرفع عامر نظره لمراد التي تظهر تعجبه من معرفته بهذا الأمر، قائلاً بخبث: "إيه، مستغرب إني عرفت منين، مش كده؟ تقدم عامر منه وهو ينظر إلى عيني مراد قائلاً بمكر: "أنت فاكر إني نايم على وداني ومش خابر باللي بيحصل معاه؟ نفى مراد برأسه قائلاً بارتباك: "لا... لا طبعًا يا عمي، خبر زين، بس اللي مستغربله يعني، عرفت منين؟
ضحك عامر بصوت عالٍ وقال وهو يوجه حديثه لآدم الصغير: "أبوك فاكرني كبرت ومبقتش خابر باللي بيدور من ورايا؟ لا، أنا خابر زين. (ثم رفع نظره لمراد وقال) وخابر زين مشاوير أبوك لمصر عشان يطمن على خالتك وهي في المستشفى. وخابر كمان إن خالك سالم ضهره اتقطم من النوم على الكنبة. (ثم عاد لنظره لآدم) إيه رأيك بقى لو نجيبله أوضة نوم جديدة ونبعتهاله الدار عنده، وأهو خدنا فيه ثواب."
ارتبك مراد من حديثه وهم بالذهاب من أمامه، لكنه أوقفه قائلاً: "استنى عندك، أنا مخلصتش كلامي." ظهر الخوف على وجه مراد ونظر لسمر التي جاءت على صوت والده، فناولها عامر الطفل واقترب من مراد الذي أخفض عينيه حرجًا منه. إذا فقد علم كل شيء وعلم بذهابه إلى القاهرة للاطمئنان على ليلى. فرفع نظره إليه قائلاً بخوف: "آسف يا عمي لو كنت عملت حاجة من وراك، بس أنا عملت كده عشان أطمن على ليلى." صاح به يمنعه من مواصلة حديثه قائلاً
وهو يضرب بعصاه: "جولت مش عايز أسمها يتردد في البيت ده تاني." حاولت سمر إقناعه بموقف مراد، لكنه منعها بإشارة من يديه وقال لمراد بتحذير: "أنا هعدي اللي حصل قبل سابق وهتغاضى عن مشاويرك لمصر، بس بعد كده هيكون ليا تصرف تاني معاك، فاهم؟ أومأ مراد برأسه دون قول شيء، وخرج من المنزل. ***
استيقظت ليلى من نومها وهي تشعر ببرد شديد يجتاح جسدها. فتحت عينيها فوجدت نفسها قد غفت في شرفة غرفتها وجسدها ينتفض من شدة البرد. نظرت في ساعتها فوجدتها الواحدة صباحًا، فقامت من مقعدها كي تدلف غرفتها تندثر تحت الغطاء لتشعر بالدفء، لكن عضلاتها قد تيبست وظلت تتعثر حتى وصلت لفراشها وزحفت تحت الغطاء تتلمس منه الدفء، لكنها شعرت بصداع شديد وألم في حلقها. تدثرت أكثر بالغطاء، لكن جسدها ظل ينتفض من شدة البرد. قامت من فراشها كي تذهب للمطبخ تعد شيئًا ساخنًا يشعرها بالدفء كي تستطيع النوم.
استيقظ سليم من نومه على صوت تخبط في المطبخ. نظر في ساعته مندهشًا من استيقاظها في ذلك الوقت. خرج من غرفته متجهاً للمطبخ، واجدًا إياها واقفة أمام الموقد وجسدها ينتفض بطريقة أشعرته بالقلق عليها. اقترب منها سليم يسألها قائلاً بصوت خافت حتى لا يفزعها: "بتعملي إيه يا ليلى في الوقت ده؟ التفتت ليلى إليه وقد ظهر الإعياء واضحًا عليها، فردت وهي ما زالت ترتجف: "مفيش حاجة، أنا بس بعمل حاجة دافية أشربها لإني بردانه قوي."
اندهش لارتجافها بهذا الشكل، إن الليلة شديدة البرودة، لكن ليس لتلك الدرجة. أشفق عليها سليم وطلب منها أن تذهب لفراشها وتتركه يعد لها الشراب. وافقت ليلى على طلبه وأسرعت بالانزواء داخل فراشها وقد اشتد ارتجافها. لحظات قليلة ودخل سليم بعد أن طرق الباب وأذنت له بالدخول، حاملاً بين يديه كوبًا من الأعشاب يساعدها على التدفئة. ومد يدها لها ببعض الحبوب قائلاً: "قومي خدي الحبتين دول واشربي الينسون ده، وأنتي هترتاحي."
أومأت له وحاولت الجلوس بجسدها الواهن من شدة الألم، فسألته قائلة: "إيه الحبوب دي؟ أشار لها قائلاً: "ده منوم عشان تعرفي تنامي. وأشار على الآخر: وده مضاد حيوي، لأن شكلك كده واخده دور برد جامد." نظرت للأدوية وقالت بخوف: "مضاد حيوي لأ، لأني عندي حساسية من مادة السلفي." نفى سليم برأسه قائلاً: "متقلقيش، ده مش فيه أي نوع من أنواعه."
مدت ليلى يدها كي تأخذ منه الحبوب بيد مرتعشة وتناولت الكوب من يده. وعندما وجد الكوب يهتز بيدها، أمسكه بيده يقربه من ثغرها كي ترتشف منه، فشعرت بالخجل من فعلته واحمرت وجنتيها. ولاحظ سليم رفضها، فقال بجدية: "ليلى، متنسيش إن أنا جوزك، يعني مفيش داعي للتحفظ ده." رمشت بعينيها مرات متتالية تشعر بالخجل من كلماته، وقالت وهي تأخذ منه الكوب: "لأ، شكرًا، أنا هشرب لوحدي." تركه لها بنفاذ صبر، وخرج من الغرفة.
تناولت ليلى الدواء واستلقت على الفراش وغرقت في سبات بفعل المنوم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!