الفصل 13 | من 16 فصل

رواية ولما قالوا دي صبيه الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ميمي عوالي

المشاهدات
21
كلمة
5,588
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

كان منصور يستمع إلى نبيل وهو لا يدري إن كان سيستطيع تنفيذ وصية ابنه أم لا. فهو يعلم تمام العلم أن فرح ترفض تماماً التعامل معه، ولكن في ذات الوقت لا يريد أن يدخل في جدال يشق على ولده. فنظر إليه وقال: "سيبها على الله يابني، وعاوزك تهتم بعلاجك وتعليمات الحكماء بتوعك." نبيل بارهاق: "ماشي يا بابا، بس كمان عاوزك تحضر الفرح." منصور باعتراض: "يابني أحضر إيه؟ هو أنا كان حد عزمني؟ نبيل:

"المفروض إن انت اللي تعزم الناس يا بابا، مش تتعزم أبداً. خلي الناس تعرف إنك عايش وإنك عاوزها وبتحبها، حتى لو هي رافضة ده دلوقتي، لكن شوية بشوية هتقبل ده وهتحبه ويمكن كمان تطلبه. اهتم بيهم يا بابا، صدقني أنت اللي هييجي وقت وهتندم إن ما عملتش ده من زمان." لينهض منصور وهو يتنهد قائلاً: "ربك ييسرها يابني، أنت بس زي ما قلت لك ماتسهش عن الأدوية بتاعتك." وعندما هم للانصراف قال نبيل بفضول: "هتحضر الفرح؟ منصور بقلة حيلة:

"حاضر يا نبيل، هعمل لك كل اللي أنت عاوزه." نبيل: "وياريت أنت كمان تبقى عاوزه يا بابا." ليتركهم منصور ويخرج من الغرفة وهو يومئ برأسه. وبعد أن أغلق الباب قال نادر: "تفتكر هينفذ الكلام ده بجد؟ نبيل وهو يدس نفسه بالفراش استعداداً للنوم: "أعتقد إن المرة دي هينفذ يا نادر.. فاضل فرح." نادر بنبرة يأس: "أهي فرح دي اللي الكلام معاها في الموضوع ده بالذات وإقناعها بيه درب من الخيال." نبيل:

"بس لازم أحاول، وأنت لازم تساعدني. أنا لو نجحت في المحاولة دي، هيبقى بالنسبة لي أكبر نجاح نجحته في حياتي." نادر بمرح: "وهو أنت كنت بتنجح في حاجة غير بالزق أصلاً؟ نبيل بمرارة: "كانت خيبة وقلة فهم، ضيعنا عمرنا على الفاضي. يا خوفى من اللحظة اللي هقف فيها بين إيدين ربنا ويسألني قضيت عمري وضيعته في إيه." نادر:

"رحمة ربنا واسعة قوي يا نبيل، وإن شاء الله تكون العمرة اللي عملناها مبرورة ومقبولة ونكون رجعنا منها زي يوم ما اتولدنا." نبيل: "يارب يا نادر.. يارب."

قبل موعد الزفاف بيوم واحد، كان الجميع مجتمعين بمنزل فاطمة وهم يستعدون للزفاف في جو مبهج وسعادة بالغة. ويتردد صدى الضحكات من الجميع على الرقص المتبادل بين أحمد ومحمود ونادر وزوجي شقيقتيهما حسن وحسين. وكان نبيل يحاول الاندماج معهم في مرحهم، ولكنه كان يجلس بمكانه بجانب فرح وكامل والكبار الذين انضمت إليهم دولت، التي طلب منها نبيل الذهاب معهم. وغاب عنهم منصور كالعادة، فقد رفض بشدة طلب نبيل في الذهاب بصحبتهم بحجة أنه لا يستطيع دخول منزل طليقته وزوجها.

وكان نبيل كل حين وآخر يميل على شقيقته يقبلها بحب وهو يهنئها ويتمنى لها السعادة والهناء. حتى حان موعد انصراف الجميع لكي يستعدوا لليوم التالي. فطلب نبيل أن يتحدث مع فرح أمام المقربين، فقال لها: "كنت عاوز أكلمك في موضوع كده يا فرح ممكن؟ لتقول له فرح بحنان: "آه طبعاً يا حبيبي، تحب ندخل جوة؟ نبيل برفض: "لا يا حبيبتي، اللي هقوله مش سر." فرح: "طب قول أنا سامعة." نبيل: "عاوزك تسامحي بابا يا فرح." فرح بهدوء:

"حبيبي ياريت ماتشغلش بالك بالكلام ده، الموضوع ده شبه منتهي." نبيل: "أنا عارف إنك موجوعة منه، بس عشان خاطري، خلينا نقفل الصفحة دي بقى." فرح: "عشان خاطري أنا يا نبيل، بلاش أنت بالذات تكلمني في الحكاية دي." نادر: "ولو قولنالك إن دي أمنيتنا الوحيدة." فاطمة بتعاطف مع نبيل: "ما خلاص بقى يا فرح، إحنا مش هنفضل العمر كله نتكلم في الحكاية دي، ومهما كان ده أبوكي، يعني مش هنقدر نغير ده مهما حصل." فرح بصدمة:

"أنتي اللي بتقولي كده؟ أنتي اللي عاوزاني أرجع علاقتي بيه وأسامحه؟ طب إزاي؟ إزاي وأنتي اتهامك ليا إني سبب خراب حياتك هو اللي وصلني للمرحلة اللي أنا فيها دي؟ فاطمة بإنكار: "أنا اتهمتك.. إمتى ده؟ الكلام ده عمره ما حصل." فرح بغضب: "ولما رميتيني وأنا لسه مولودة لخالي ومراته بالشهور من غير حتى ما تعرفي شكلي.. يبقى ما حصلش؟

لما كنتي دايما تبصيلي بغضب كل ما كنت أغلط أي غلطة كل الأطفال بيغلطوها عادي وكنتي دايما تقوليلي كفاياكي بقى.. كفاية اللي حصل لي من تحت راسك ما كانش اتهام؟ ولما رفضتي إني أقول لعمو عادل يا بابا زي إخواتي ورغم إني كنت لسه عيلة صغيرة ومش فاهمة حاجة.. ما قلتيليش إني عاوزة أخرب حياتك من تاني زي ما خربتها أولاني؟ فرح وهي تحاول التقاط أنفاسها:

"أوعي تكوني فاكرة إني عشان كنت صغيرة وقتها إني نسيت أو ما فهمتش، لا، ده أنا خزنت جوايا كل كلمة اتقالتلي منك ومن الكل. اتعاملت طول عمري على إني قدم الشؤم من الكل وأنتي كنتي أولهم. فكريني كده خدتيني في حضنك إمتى زي أي أم.. أنا أقول لك، عمرها ما حصلت. آه كنتي بتحاولي تردي عني شوية من اللي كانت مرات خالي بتقوله عني أو لو سمعتي حد بيقول كلمة كده ولا كده، بس عينك كانت دايما بتقولي عكس اللي كنتي بتقوليهولهم. أنا كرهت منصور من رفضك ليا قبل رفضه هو ليا. يمكن رجعتي تاني خدتيني وما رميتينيش زيه، لكن أنتي عملتي كده عشان الناس والمجتمع، وعمرك ما اعترفتي حتى بينك وبين نفسك إني ماليش ذنب وإني مش أنا اللي طلقتك يا أمي.. وإن منصور هو اللي طلقك."

كان الجميع يستمع لفرح وسط ذهول تام من حديثها، فهي للمرة الأولى تصرح بتلك المشاعر المدفونة بداخلها، أو بتعبير أدق.. تلك الاتهامات الموجهة إلى أمها وتلك النيران التي تحاول إخمادها بداخلها على طول سنوات عمرها. ولكن كانت فاطمة أكثرهم ذهولاً، فهي لم تشعر يوماً بما اقترفت يداها مع ابنتها، ولكن كانت صدمتها الأشد أن فرح لم تكذب أبداً. فكانت تنظر لابنتها بصدمة والدموع تملأ مقلتيها، ليس حزناً مما قالته فرح، ولكن تصديقاً على حديثها وما كان منها إلا أن نهضت من مكانها متجهة إلى فرح وأخذتها بين

أحضانها وهي تبكي قائلة: "أنا آسفة يا بنتي، عمري ما حسيت أبداً إني كنت بوجعك بالشكل ده، حقك عليا، أنتِ عندك حق في كل كلمة قلتيها." وبعد بضع دقائق قال نبيل في محاولة لتهدئة الموقف: "ممكن تقعدي يا فرح عشان أنا لسه ما خلصتش كلامي." فرح وهي تحاول مداراة الغضب الكامن بداخلها: "أرجوك يا نبيل، بلاش تبقى طرف في الصراع ده، أنا عمري ما هسامح منصور، وعمري ما هصفاله أبداً." ليتنهد نبيل بألم ثم يقول بتمني:

"نفسي أرجع لربنا وأنا شايف لمتكم حوالين بعض، هي الأمنية دي كتيرة عليا للدرجة دي." فرح بنشيج: "ماتمسكنيش من إيدي اللي بتوجعني يا نبيل، بلاش عشان خاطري." نبيل بأسى: "صدقيني يا فرح أنا بعمل كده عشان خاطركم، يمكن ماتفهميش دلوقتي، لكن أكيد هييجي يوم وتفهمي. أنا طلبت من بابا يحضر الفرح، ووافق، وبطلب منك إنك تتقبلي ده وتعتبريها بداية.. أرجوكي." لينظر كامل إلى فرح قائلاً بهدوء وهو يشير بطرف عينيه إلى نبيل

الذي يسكن الوهن على محياه: "وافقي يا فرح… عشان خاطر نبيل، ومش لازم يعني نسيح السمن على العسل، كل واحد هيبقى في حاله برضو، بس مايبقاش في القطيعة اللي مضايقة أخوكي دي." فرح: "أنت اللي بتقول كده بعد كل اللي عمله معاك ومعانا." كامل: "كله يهون عشان خاطر نبيل." نبيل وهو يحاول إضفاء المرح: "تسلم يا ابن عمي، هو ده العشم برضو."

ليحضر منصور حفل الزفاف بالفعل وسط فرحة نبيل ونادر، واللذان لم يخفى عليهما فرحة رحمة وندا اللتان كانتا طوال الحفل تنظران بسعادة اتجاه أبيهما الذي كان يرسم ابتسامة دبلوماسية على وجهه وهو يحيي المدعوين.

كان حفلاً بسيطاً ولكنه كان مليئاً بالحب والسعادة لكامل وفرح، حتى سليم لم يستطع أن يعكر صفو فرح كعادته برغم تجهمه طوال الحفل والذي أرجعه البعض إلى عدم وجود خطيبته بصحبته. إلا أنه قدم التهاني بصحبة أمه وأبيه وجلس بجوارهم وهو يتابع فقرات الحفل بشرود واضح. حتى قالت له سامية بخفوت: "ما تفرد وشك ده شوية، أنت هتفضل طول القاعدة مكشر كده." سليم: "عاوزاني أعمل إيه يعني." سامية:

"لا أنت أول ولا آخر واحد تتفسخ خطوبته يعني، إيه المشكلة، عروسة راحت وبكرة ييجي ست ستها." لتأتي عليهم فاطمة مرحبة بهم وتقول بتساؤل: "أومال لمياء فين؟ أنت ما عزمتهاش يا سليم ولا إيه؟ وقبل أن يجيب سليم قال سعد: "ما خلاص بقى يا أختي، النصيب اتقطع لحد كده." فاطمة بعبوس: "لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه كده بس، دول روحهم في بعض." سامية وهي تنظر لسعد باستياء: "عين وصابتهم يا فاطمة، زي ما يكون حد عمل لهم عمل." فاطمة برفض:

"إيه الكلام الفارغ ده… عمل إيه وهبل إيه، يقعدوا مع بعض ويتصافوا كده وإن شاء الله الأمور ترجع لمجاريها تاني." سامية بإيعاذ: "فضلوا زي الفل لحد ما كانوا عندك في البيت في حفلة نجاح اسم النبي حارسة محمود، ومن ساعتها وهم أكنهم هيولعوا في بعض." لتنظر لها فاطمة بضيق بعد أن فهمت تلميحاتها المريضة وقالت لسليم: "خلاص يا سليم، أما تبقى تصالحها يا ابني إن شاء الله ماتبقاش تجيبها عندنا تاني عشان ماتتخانقوش مع بعض تاني." سعد

باحراج من تلميحات زوجته: "أنتي فهمتي إيه بس يا فاطمة، سامية ماتقصدش، ما أنتِ عارفاها مدب وما بتعرفش تختار كلامها." فاطمة وهي تتركهم للذهاب لباقي المدعوين: "عادي يا سعد، مانا عارفة يا أخويا." وبعد أن تركتهم فاطمة نظر سعد بغيظ لسامية قائلاً: "هو أنتِ ما فيش فايدة في لسانك اللي عاوز ينقص حتة ده." سامية باعتراض: "وهو أنا قلت إيه؟ مش هو ده اللي حصل؟ رقعوا الواد وخطيبته عين جابوهم الأرض." سعد برفض:

"هم برضه اللي رقعوه عين، ولا المحروس ابنك اللي اتغاظ وغار لما عرف إن فرح هتتجوز." سامية: "وهيغير ليه إن شاء الله؟ سعد: "عشان بيحبها طول عمره يا ست سامية، بس منها لله بقى اللي كانت كل ما تتكلم تزم فيها وتطلع عليها كلام ما يتقالش، وهو فضل ماشي ورا الكلام وهو متغمي لحد ما فاق وهي رايحة منه." سامية بغضب وهي تحاول السيطرة على نبرات صوتها: "أنت شكلك كبرت وخرفت." سعد بكيد:

"ولمياء كمان خرفت، أهي هي اللي فهمت لوحدها وعشان كده بعدت واشترت كرامتها، وأهو بعد ما كنتي بتعايريها وتسمي بدنها في الرايحة والجايه، ابنك اللي خاب وقعد جنبك بحسرته، منك لله يا شيخة." كان سليم يتابع كل كلمة تدور بين أبويه وهو ينظر بوجوم لفرح، والتي وإن كانت تبدو عليها بعض مظاهر الرهبة إلا أنها كانت رائعة الجمال في ثوب زفافها، وكامل الذي تبدو السعادة على وجهه وضحكاته التي لم تنقطع لحظة واحدة.

حتى جائت لحظة عقد القران ليذهب نبيل وهو يسحب فرح بحب اتجاه المائدة المعدة لعقد القران، ومعهم كامل ليضع كامل يده في يد نبيل وأخذا يرددان وراء القاضي الشرعي ما يمليه عليهما من كلمات باركت زواجهما. وما إن استدعى القاضي الشاهدان للتوقيع إلا وفوجئت فرح أن الشاهدان لم يكونا سوى منصور وإبراهيم. فنظرت بعتاب غاضب إلى نبيل الذي دسها بين أحضانه ومال على أذنها قائلاً:

"افرحي يا فرح، عيشي اللي جاي وانسى اللي راح بقى، وأقسم لك إني عملت كده عشانك أنتِ مش عشان حد تاني.. أوعي تزعلي مني.. أنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه." لتتنهد فرح وتبادله الاحتضان وتقول: "ماشي يا نبيل مش هزعل منك بس عشان خاطري بطل تفاجئني تاني." نبيل بشرود: "المفاجأة المرة الجاية مش هتبقى بمزاجي صدقيني." فرح بريبة: "تقصد إيه؟ ليبتسم نبيل ويقول بمرح: "أقصد إني لو ماسيبتكيش دلوقتي حالا كامل ممكن يغتالني."

ليقبل رأسها ويقدم التهنئة لكامل قائلاً: "ألف مبروك يا ابن عمي، ربنا يسعدك." ليستمر الاحتفال لبعض الوقت، حتى انتهى الزفاف وودع المدعوون الزوجان اللذان انطلقا إلى عشهما الجديد، بعد أن أوصت فرح شقيقها نادر بأن يصطحب نبيل إلى المشفى مرة أخرى للاطمئنان عليه، ولكن نبيل طلب الذهاب للمنزل هذه الليلة ثم العودة إلى المشفى في اليوم التالي.

وصلت فرح بصحبة كامل إلى منزلهما بصحبة أشقائها جميعاً وهم يزفونها في جو من البهجة. ووضعت شقيقاتها لهما الكثير من المأكولات والمشروبات والحلوى في البراد وغادر الجميع وسط الدعوات الصادقة لهما بالسعادة والهناء. وبعد أن خلا المنزل عليهما، كانت فرح تكاد تفقد الوعي من رهبتها، وكأنها عند موافقتها على الزواج كانت تعتقد أنه لن يصل أبداً إلى تلك الخطوة الجدية التي طالما رفضتها سابقاً. وعندما لاحظ كامل عليها ذلك قال:

"إيه يا فرح مالك.. حاسة إنك متخوفة وخايفة كده ليه؟ فرح: "بصراحة ما كنتش فاكرة أبداً إننا هنوصل للحظة دي." كامل بمرح: "ليه يعني، عمرك ما دخلتي لعبة ووصلتي فيها ليفل الوحش؟ لتنظر له فرح بريبة قائلة: "تقصد إيه؟ كامل بضحكة صغيرة: "أقصد إني مش هاكلك يا فرح. ثم مد يده إليها بهدوء قائلاً: تعالي اقعدي.. في كلمتين أحب أقولهملك." لتجلس فرح معه وهي تنظر إليه بانتباه فيقول:

"في شوية حاجات أحب إنك تعرفيها من البداية عشان إن شاء الله نفضل في سعادة طول عمرنا.. أولاً.. كل شيفتاتنا في المستشفى هتبقى مع بعض، لأني طبعاً ما أحبش إني أرجع البيت ومراتي في الشغل، ونشوف بعض بالصدفة، أكيد مش هتبقى حلوة أبداً."

"ثانياً.. زي ما أنتِ أكيد عرفتي عني.. أنا راجل متعاون جداً، يعني تأكدي إن الحاجة اللي أكون بعرف أعملها هتلاقيني بعملها معاكي من غير ما تطلبي مني، لكن في المقابل.. أنا راجل بحب النظام والترتيب والنضافة في كل حاجة وفي كل وقت.. يعني مش معنى إني بساعدك إني ألاقيكي تهملي في واجباتك."

"ثالثاً.. إن شاء الله لما ربنا يرزقنا بأولاد.. يوم ما أحس إنك مش قادرة توفقي بين شغلك وبينهم رغم مساعدتي ليكي اللي عمرها ما هتنقطع إلا إني وقتها ممكن أفضل مصلحة ولادنا على مصلحة شغلك." كانت فرح تستمع إليه وترتسم على وجهها علامات البلاهة، وكأن كامل يتحدث بلغة لا تفهمها. ولكن عندما قال جملته الأخيرة وجدها تقول بجدية: "بس أنا مش عاوزة ولاد، ومش ناوية أخلف يا كامل." كامل بتعجب: "وليه مش عاوزة ولاد.. عشان شغلك؟ فرح برفض:

"لا مش عشان شغلي، لكن عشان ده قرار أنا واخداه من سنين." كامل بفضول: "وقرار إيه ده بقى اللي أنتِ واخداه من سنين يا ترى؟ فرح: "إني مش هجيب للمجتمع حد معقد من تاني، المجتمع مش ناقص." كامل وكأنه يثبر أغوارها: "تقصدي إيه بحد معقد من تاني، هو مين الأولاني؟ فرح وهي تنظر أمامها بجمود: "أنا." كامل: "وأنتي شايفة إنك معقدة؟ فرح وقد بدت عليها علامات الخجل: "أيوه." كامل:

"رغم إني مش شايف أبداً إنك كده، بس أنتِ كدكتورة، ليه ما لجأتيش لحد متخصص وطلبتي المساعدة؟ فرح: "تقصد أروح لدكتور نفساني؟ كامل: "وليه لأ، طالما أنك حاسة إن عندك خلل من جواكي." فرح وهي تزدرد لعابها: "أيوه، بس المرضى بتوعي إزاي هيثقوا فيا لو حد فيهم عرف إني بتعالج عند دكتور نفسي." كامل: "وهما هيعرفوا منين وإزاي، ثم إن الدكتور النفساني دلوقتي زي أي دكتور، أعتقد إن الناس مفهومها للحكاية دي اتطور. ما بقاش زي زمان."

فرح برفض: "مش حقيقي، في حاجات بتفضل راسخة جوانا مهما العلم والتطور حاربها بتفضل متأصلة جوانا بجذورها ما بتتخلعش أبداً." كامل: "ورغم ذلك برضه مش عذر، وأنا ممكن أساعدك وأشوف لك حد ثقة." فرح بذهول: "أنت؟ كامل ببساطة: "أيوه أنا، المفروض إني دلوقتي بقيت جوزك، وإني أكتر واحد يهمني مصلحتك." فرح بحمحمة: "نبقى نتكلم في الموضوع ده بعدين." كامل برفض:

"لا يا فرح مش بعدين، ودي رابع حاجة لازم تعرفيها عني.. إني ما بحبش الهروب، بحب المواجهة، زي ما بيقولوا بحب أقطع عرق وأسيح دمه. دايماً المواجهة بتبقى أقصر الطرق لحل المشاكل، وأنتي لازم تتصالحي مع نفسك لأني مش هتنازل أبداً إن يبقى عندي ولاده رغم إن بكلامك ده ظلمتيني لأنك حطيتيني في كفة واحدة مع منصور واتهمتيني إني ممكن أغدر بيكي وبولادنا زي ما هو عمل." فرح باحراج: "أنا ما قلتش كده." كامل بتنهيدة:

"كلامك معناه كده يا فرح، بس أنا عشان مقدر اللي حصل معاكي مش هعاتبك ولا هلومك، بس هقوم بواجبي ناحيتك." فرح: "واجبك ناحيتي اللي هو إيه بالظبط؟ كامل بابتسامة حنونة: "إني أثبتلك إني نسخة تانية خالص من الرجالة ما اتعاملتيش معاها قبل كده…. وزي ما هثبت لك برضه إني مش منصور……"

كان نبيل قد قضى ليلته بمنزل منصور ثم عاد إلى غرفته بالمشفى مرة أخرى في اليوم التالي. وكانت فرح تتحدث إليه هاتفياً كل صباح وهي توصيه بنفسه وتوصي نادر بأن يتابع مع طبيبه المختص ويبلغها كل المستجدات أولاً بأول. وفي اليوم الرابع، قامت فرح بمهاتفة نبيل كالعادة لتسمع صوته يأتيها واهناً بشدة وهو يقول: "فرح.. الحمد لله إني سمعت صوتك." فرح بجزع: "مالك يا نبيل، أنت تعبان؟ نادر فين وما كلمنيش ليه؟

نبيل وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة والألم يبدو بشدة على نبرات صوته: "أنا منعته يكلمك." فرح: "أنا جايلك حالا." لتغلق الهاتف وهي تنادي كامل بصوت كالصراخ قائلة: "الحقني يا كامل! ليأتيها كامل منزعجاً وهو يقول بلهفة: "في إيه؟ فرح وهي تتناول ملابسها وترتديها بسرعة وصوتها يرتعش من الانفعال والقلق: "نبيل يا كامل، نبيل تعبان قوي لازم نروحله حالا."

وما هي إلا نصف الساعة حتى كانت فرح بصحبة كامل بحجرة نبيل بالمشفى، والتي وجدوا بها منصور ونادر ودولت وهم في حالة يرثى لها من البكاء والحزن. فاتجهت فرح من فورها إلى فراش نبيل الذي كان يرقد عليه بضعف وهن شديدين فقالت برهبة: "إيه اللي حصل؟ أنت كنت كويس امبارح.. إيه اللي حصل؟ نبيل وهو يهز رأسه برفض:

"عمري ما كنت كويس يا فرح، كل الحكاية إن قدرتي على التمثيل راحت، ما بقيتش قادر أمثل أكتر من كده. ثم نظر لكامل قائلاً… عاوز مسكن قوي يا كامل، الدكتور اتأخر قوي، والألم بقى فوق احتمالي." ليخرج كامل هاتفه من جيب بنطاله ويقوم بمهاتفة الطبيب المعالج الذي تعثر في الوصول بسبب الطريق. وبعد قليل كان يحقن نبيل بنوع من أنواع المسكنات ذات القدرة العالية على تسكين الألم. وبعد مرور ما يقرب من العشر دقائق ابتسم نبيل بوهن قائلاً:

"سامحوني، أنا عارف إني حملت على أعصابكم بزيادة بس خلاص هانت." فرح بنشيج: "ما تقولش كده، أنا محتاجالك جنبي." لتجد دولت تردد من بين دموعها:

"يارب ابني ونور عيني، ضنايا وحتة من قلبي، مش قادرة أشوفه بيتوجع يارب، اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحييه ما كانت الحياة خير له وتوفاه إن كانت الوفاة خير له، وأسألك الإخلاص في القول والشهادة وأسألك الرضاء بالقدر وأعوذ بك من ضراء مضرة ومن فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين يارب العالمين، راضية بقدرك يارب.. اللهم لا اعتراض.. اللهم لا اعتراض." ثم تنخرط في بكاء حار وهي تضم رأس نبيل المستسلم بين أحضانها بهدوء وبابتسامة عذبة تزين ثغره الباهت.

أما نادر فكان يبكي في صمت وهو ينظر إلى توأمه في أحضان أمه تارة وإلى أبيه تارة أخرى بقلق بالغ. فكان منصور هو الآخر يبكي في صمت وعيناه مرتكزتان على ولده لم تطرف أبداً. وظلوا هكذا حتى سمعوا شهقة مكتومة من دولت ثم أخذت تردد في خفوت متقطع.. "لله ما أعطى ولله ما أخذ.. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله." بعد مرور شهرين على وفاة نبيل كان هناك الكثير من الأحداث التي جرت بسرعة شديدة على غير العادة.

قرر نادر السفر إلى الخارج لاستكمال دراسته، وصرح للجميع عن رغبته في الهجرة وعدم العودة نهائياً إلى أرض الوطن. و قام بالفعل بمراسلة إحدى الجامعات بالخارج وقام بإنهاء كافة الإجراءات ومغادرة البلاد بعد أن عانى من رفض الجميع لتلك الخطوة. أما دولت فبعد موت نبيل وسفر نادر فقد دخلت في حالة من الزهد في الحياة، وكانت تقضي يومها في العبادة وقراءة القرآن.

أما منصور فقد انقطع تماماً عن الكلام، فهو لم ينطق كلمة واحدة منذ شيع نبيل إلى مثواه الأخير. دخل في حالة من الاكتئاب الحاد الذي حاول إبراهيم إثناء نادر عن السفر بسببها، ولكن إصر على الابتعاد. لكن إبراهيم بعد أن وجد أن حالة منصور تسوء يوماً بعد يوم قرر أن يصطحبه معه إلى منزله بالقوة وأصر أن يصطحب دولت أيضاً. واستعان بجليسة مقيمة لتقوم على خدمتهم ورعايتهم جميعاً.

أما فرح، فقد دفنت مع نبيل كل ما قد يُنعش روحها. فأهلكت نفسها في العمل، ولولا إصرار كامل على عودتها للمنزل بصحبته لكانت واصلت الليل بالنهار وهي تتابع المرضى وتمرضهم بنفسها مع هيئة التمريض. حتى جاء يوم، كانت فرح قد عادت إلى المنزل بصحبة كامل الذي ذهب لإعداد بعض الطعام وتركها تصلي فرضها. وبعد أن عاد إليها وجدها تبكي أثناء سجودها وهي تدعو لنبيل وتشكو إلى الله حنينها إليه. فجلس بجوارها حتى فرغت من صلاتها وقال لها:

"مش آن الأوان يا فرح إننا نفوق لحياتنا شوية؟ فرح: "أنا آسفة يا كامل، أنا عارفة إني مقصرة في حاجات كتير، بس صدقني غصب عني. حاسة إني عاملة زي الطفلة الصغيرة اللي فرحت بلعبة جديدة وبلبس جديد، وقبل حتى ما تتلفّت، أخده منها من تاني، ما لحقتش أشبع منهم يا كامل، راحوا الاتنين سوا، وحشوني قوي." كامل: "ومين قال لك بس إن نادر راح هو كمان؟ فرح: "كلمني النهاردة وقال لي إنه مش راجع تاني أبداً." كامل:

"ده بس عشان لسه صدمة نبيل مؤثرة عليه، لكن مع الوقت هيبتدي يستسلم للأمر الواقع، وهيلاقي نفسه محتاجكم زي ما أنتم محتاجينه بالضبط." فرح وهي تمسح دموعها: "اللي أنا مستغربة له موقف منصور، كنت معتقدة إنه هيثور وهيرفض، لكن……" كامل: "منصور الله يكون في عونه، اللي حصل مش شوية أبداً. ربنا يصبره هو وطنط دولت." فرح بتنهيدة:

"طنط دولت، الست دي كل يوم بيعدي بستغربها قوي. لما كان نبيل لسه موجود كان إعجابي بيها بيزيد يوم ورا التاني وأنا شايفة إيمانها وثباتها، كنت شايفاها ست مؤمنة قوي يا كامل، والصراحة كنت دايما بسأل نفسي وأقول إزاي وقعت مع واحد زي منصور، لكن حالة الزهد اللي دخلتها بعد كده خلتني متلخبطة ومش فاهمة." كامل وهو يجذبها لتنهض من الأرض:

"ربنا يعينها ويقويها، مهما كان إيماننا، لكن من حقنا نحزن، وأعتقد إن سفر نادر أثر عليها بزيادة، لكن إن شاء الله برضه حاسس إن كله هيبقى كويس بإذن الله."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...