الفصل 12 | من 16 فصل

رواية ولما قالوا دي صبيه الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ميمي عوالي

المشاهدات
19
كلمة
5,373
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

كانت فرح تجلس بجوار نبيل بغرفة الرعاية، تتابع مؤشرات الأجهزة بعينيها التي تموج بالعبرات، ليدخل عليها كامل بهدوء قائلاً: "ايه يا فرح، هتفضلي قاعدة كده؟ فرح دون أن تنظر إليه: "وأنا في إيدي إيه أعمله غير كده يا كامل؟ كامل: "بس قعدتك دي لا هتفيدك ولا هتفيده." فرح: "عاوزة أبقى جنبه أما يفوق، مش عاوزاه يفتح عينيه يلاقي نفسه لوحده، بتوجع يا كامل، بتوجع أوي." كامل بعدم فهم: "هي إيه دي اللي بتوجع؟ فرح:

"الوحدة يا كامل، إننا نبقى عايشين عمرنا كله وسط الناس لدرجة إننا ساعات ما بنبقاش قادرين نتنفس عدل من كتر الزحمة اللي حوالينا، ونيجي وقت ما نقع، نلاقي نفسنا لوحدنا وكأن الدنيا فضيت فجأة من حوالينا." كامل بفضول: "وإنتي إمتى كنتي لوحدك يا فرح عشان تجربى الإحساس ده؟ لتنظر إليه فرح للحظة، ثم تعود بنظرها إلى نبيل وتكمل فرح بتنهيدة تنم عن وجع عميق بداخل نفسها وتقول: "وإمتى ماكنتش لوحدي.. أنا طول عمري وأنا لوحدي."

ليسحب كامل مقعداً ويضعه بجوارها قائلاً: "بس إنتي كنتي بتبقي لوحدك بإرادتك يا فرح، أو إوعي تنكري ده.. على الأقل عشان ما تحمّليش حد وزر وحدتك من غير ذنب." فرح بسخرية وهي تمسح العبرات الهاربة من عينيها: "قال إيش رماك على المر، قال الأمر منه.. يمكن زي ما بتقول إن أنا اللي اخترت ده، لكن اختياري ده كان أهون ألف مرة من اللي كان بيحصل." كامل وهو يحاول ثبر أغوارها: "وإيه اللي كان بيحصل؟ فرح بشرود:

"عارف إحساس إنك تبقى شايل شيلة مش شيلتك وماشي بيها غصب عنك، ولا منك قادر ترميها ولا منك حتى عارف هتفضل شايلها لأمتى، الكل كان محملني ذنب طلاق منصور لأمي، حتى أمي نفسها، عمري ما هقدر أنسى نظراتها ليا لما كانت تيجي سيرته، كنت بحسها نظرات اتهام، كنت بجري على سريري أنام وأستغطى كأني بستخبى من وحش ولا حرامي هييجي يخطفني، عمر ما حد حس بيا ولا باللي جوايا، عمر ما حد سأل نفسه ولا حتى سألني وقال لي مالك ولا فيك إيه، ولا حتى قاعدة بعيد لوحدك ليه."

"من كتر ما كرهت اللي عمله.. كرهته وكرهت الكلمة اللي ياما كنت بسمع أصحابي بيتغنوا بيها وهم بيحكوا عن آبائهم، كلمة بابا اللي عمري ما نطقتها، حتى لما عمو عادل وماما حاولوا معايا إني أناديه بيها رفضت، وماما وقتها زعلت مني وعنفتني واتهمتني إني بنغص عليها سعادتها اللي ياما اتحرمت منها، ورغم سني الصغير وقتها إلا إني ما تهزيتش، وما غيرتش رأيي، لدرجة إني لما كبرت شوية وبدأت أقدر أعبر عن اللي جوايا، لقيت عمو عادل في مرة قالي.. أنا عارف إنك حاسة إني ما استحقش أكون مكان أبوكي."

"يومها قلتله.. بالعكس، صدقني هو اللي ما يستحقش يبقى مكانك." ثم نظرت فرح لكامل قائلة: "بكرهه يا كامل، عمري ما عرفت الكره في حياتي غير ليه هو وبس." كامل وهو يقيس رد فعلها: "جتله ذبحة صدرية." لتعود فرح بعينيها مرة أخرى إلى الأجهزة وهي تقول: "في ناس مرضها بيبقى ابتلاء، وناس بيبقى تكفير ذنوب، وناس بيبقى انتقام، وأتمنى إن مرضه ده يبقى من النوع الأخير." كامل بذهول:

"إنتي دكتورة يا فرح، ولازم تقفي على مسافة واحدة من كل المرضى حتى لو كانوا أعدائك." فرح: "عندك حق، بس عمر الحنظل ما تطرح غير الحنظل." ليسمعوا صوت نبيل قائلاً بخفوت: "أنا فين؟ فرح بلهفة: "حمد الله على سلامتك يا حبيبي، كده برضه يا نبيل تخضنا عليك بالشكل ده." نبيل وهو يدير عينيه بالغرفة: "إنتو ليه جبتوني هنا؟ كامل: "كنت عاوز تروح فين؟ نبيل: "ولا حتة، أنا عاوز أروح، مش عاوز أقعد في مستشفيات أنا." فرح بعتاب:

"ليه يا نبيل، ليه خبيت علينا نتيجة الفحوصات بتاعتك؟ نبيل بوهن: "لأنها محصلة بعضها يا فرح، لزمتها إيه بقى، أنا عاوز أعيش وسطكم الحبة اللي باقيين لي في هدوء، عاوز أعيش طبيعي كأني هفضل لحد ما أكبر وأعجز، هروح الكلية وأدرس وأذاكر كأني هلحق أتخرج، مش عاوز أتنقل من جهاز لجهاز ومن إشعاع لإشعاع، مش عاوز أتبهدل وأبهدلكم معايا." فرح بنشيج خافت: "ومين قال لك إن ده هيحصل، إنت كويس وزي الفل، إنت بس لو اتعالجت هت... نبيل بمقاطعة:

"ها إيه يا فرح، إنتي ما بتعرفيش تكدبي، لِتكدبي المرة دي، المرة دي مفيش رجوع يا فرح وأنا عارف ومتأكد من الكلام ده." فرح ببعض الغضب: "هو إنت كنت دخلت في علم ربنا، مش يمكن... ليضحك نبيل قائلاً:

"استغفر الله العظيم، يابنتي إنتي هتقوليني كلام ماقلتوش ليه بس، ثم نظر لفرح بابتسامة قائلاً: أنا راضي يا فرح، صدقيني راضي ومبسوط كمان، حاسس إن ربنا بيحبني وعشان كده رزقني بالابتلاء ده، عشان يكفر عني ذنوبي والحمد لله إني لحقت نفسي بسرعة ورجعت عن الطريق اللي كنت ماشي فيه، الحمد لله، ادعيلي إنتي بس، أنا مش محتاج غير دعاكم ليا." كامل بتنهيدة:

"أيوه يا نبيل، بس ربنا أمرنا بالسعي، وإحنا طول ما إحنا عايشين لازم نسعى ويبقى عندنا أمل في ربنا." نبيل: "ومين قال لكم إني ما عندي أمل، أو إني مش هسعى، بالعكس، أنا عندي أمل إن ربنا يخفف عني الألم، وهسعى إني أختم أيامي اللي جاية باللي يرضي ربنا عني." فرح: "والعلاج يا نبيل، لازم تتعالج." نبيل: "إنتي عارفة وأنا عارف إن مافيش منه أي لازمة، يبقى نسيبه لغيري يمكن يفيده." فرح وقد غلبها البكاء:

"ليه بتقول كده، إحنا المفروض نكمل الفحوصات والأشعات ونشوف الحالة واصلة لفين وإن شاء الله نقدر نعالجك." نبيل: "طب توعديني إنك لما تتأكدي من كلامي تسيبيني براحتي، أنا تعبت من الحقن والعلاج، فلو كده كده ميت سيبوني أعيش الفترة اللي باقيالي طالت أو قصرت من غير مرمطة وبهدلة.. أوعديني وأنا أعمل لكم كل اللي أنتم عاوزينه." لتتبادل فرح النظرات مع كامل الذي قال: "خلونا نكمل الفحوصات الأول وبعد كده نتكلم." نبيل برفض:

"لأ يا كامل، أنا مصمم على كلامي." كامل: "وإحنا يا ابني نملك من أمرك إيه عشان نوافق على كلامك ده أو نرفضه، المفروض عمي ومرات عمي هما اللي يوافقوك أو يخالفوك مش إحنا." نبيل: "أنا مش محتاج موافقة حد ولا رفضه، أنا بس مش عاوز يبقى فيه نقاش تاني في الموضوع ده، آه، وعندي طلب تاني." فرح بفضول: "طلب إيه التاني ده كمان؟ نبيل بابتسامة: "عاوز أبقى وكيلك في كتب كتابك إنتي وكامل." فرح بذهول: "وكيلك؟ نبيل بدعابة:

"آه وكيلك، أهو أبقى مريت على المأذون ونلت شرف مجالسته وإن إيدي اتحطت مع إيده تحت المنديل الأبيض حتى لو وكيل مش عريس." فرح: "بس أنا بفكر أجل... نبيل مقاطعاً إياها: "لأ.. بالله عليكي، سيبيني أعيش اللحظة." فرح بتنهيدة: "إن شاء الله ربنا يقدم اللي فيه الخير." نبيل: "هو بابا ونادر وماما فين؟ كامل بحمحمة: "عمي بس تعب شوية و... نبيل برهبة: "ماله بابا، فيه إيه؟ فرح: "ما تقلقش يا حبيبي هو بس عشان اتخض عليك."

نبيل وهو يعتدل بالفراش: "طب وادوني ليه أطمن عليه، هو فين؟ كامل: "خليك مكانك، وهو أما يفوق أكيد هيجيلك، لأنه حالياً نايم، وإنت كمان، محتاج تنام كمان شوية وترتاح، وأنا هروح أطمن عليه مع أختك." فرح باعتراض: "روح إنت يا كامل، أنا هف... كامل بإصرار وهو يسحبها معه: "يللا يا فرح عشان كمان نطمن نادر وبابا." ***

أمام غرفة منصور، كان يجلس نادر بصحبة أمه وعمه الذي حضر إليهم فور ما أبلغه كامل بما حدث، وكان الصمت يخيم عليهم جميعاً، ما عدا بعض شهقات البكاء الصادرة من دولت التي كانت تدفن وجهها بين كفوفها وتستند بذراعيها على قدميها، وما أن لمحوا كامل بصحبة فرح في اتجاههم، إلا ونهض نادر مسرعاً لملاقاتهم قائلاً بلهفة: "نبيل فاق؟ تومئ فرح برأسها علامة الموافقة قائلة: "أيوه فاق، بس أكيد هينام تاني بسبب المسكنات." دولت ببكاء:

"طمنوني عليه، قولولي إنه كويس وما فيهوش حاجة، قولولي إنه هيحضر جنازتي وهيترحم عليا لما أموت، قولولي إني مش هشرب ناره أبداً طول ما أنا عايشة." إبراهيم: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إيه بس لازمة الكلام ده يا دولت، استهدي بالله واستغفري وادعيله." كان نادر طوال الوقت يتفحص وجه فرح وردود أفعالها التي لم تستطع كتمانها، بل وجد عينيها غارقة في الدموع، فقال لها بهلع ممزوج بعدم التركيز: "هو لما فاق.. كان لسه موجوع؟

هتعيدوا له الفحوصات بتاعته تاني ولا هتعملوا إيه، أنا عاوز أشوفه." كامل: "لازم نسيبه يستريح يا نادر، أنا ما صدقت خرجت أختك، قلة النوم بتتعبوا بزيادة وهتخليه يحس بالألم أسرع." نادر برجاء: "طب طمنني يا كامل، هي حالته واصلة لحد فين؟ كامل باستياء: "للأسف يا نادر، الحالة فعلاً ما تطمنش، بس إحنا محتاجين نعمل فحوصات أدق من كده عشان نعرف الحالة واصلة لأنهي مرحلة بالظبط وطرق التعامل معاه." دولت بهم كبير:

"يعني خلاص يا كامل، استعوض ربنا في ابن عمك، نبيل هيموت خلاص." كامل بتعاطف: "مين فينا مخلد يا مرأة عمي، كلنا رايحين وماحدش أبداً يعرف مين هيروح الأول." دولت ببكاء: "بس الشواهد بتقول إنه خلاص هيمشي ويسيبنا، اللهم لا اعتراض يارب، يارب خفف عنه وجعه، أنا راضية بوجع قلبي، بس مش هتحمل وجعه قدام عيني أبداً يارب." ليحتضنها نادر وهو يبادلها البكاء قائلاً: "بس يا ماما عشان خاطري، ادعيله إن ربنا يشفيه." دولت:

"كل دقة في قلبي بتدعيله يابني." كانت فرح قد جلست بجوار إبراهيم وهو يجلس متكئاً على عصاه بصمت حزين، وهي تراقب ما يدور حولها وهي لا تستطيع حبس دموعها المنهمرة دون توقف، لينظر إليها إبراهيم قائلاً: "عمري ما شفت دموعك بالشكل ده قبل كده، معنى كده إن مفيش أمل.. خلاص كده؟ فرح بنشيج: "مش عارفة يا عمي، أحياناً بنقف متكتفين قدام المرض، لكن أوقات بنتفاجئ بمعجزات ربنا اللي بتمنيها لنبيل من كل قلبي." إبراهيم بقلة حيلة:

"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم تلطف بنا وبأقدارنا وألطف بمن لا حيلة له إلا الرجاء إليك." ثم التفت إلى فرح قائلاً برجاء: "ادخلي يا بنتي لأبوكي، طمنيني عليه." فرح بجمود وهي تجفف دموعها: "ما الدكتور اللي هنا شافه يا عمي." إبراهيم: "أيوه يا بنتي عارف، بس أنا عاوز حد يفهمني، إنما الدكتور هنا اتعامل بمهنية وقال كلمتين وجرى، وأنا مش فاهم حاجة." فرح وهي تزدرد لعابها بحرج:

"معلش يا عمي اعذرني، وبعدين أنا ماليش صفة هنا عشان أدخل أكشف عليه." إبراهيم: "يابنتي إنتي بنته ولا نسيتي؟ فرح: "أرجوك يا عمي بلاش نتكلم كلام لا هيقدم ولا هيأخر." إبراهيم: "طب بلاش بصفتك بنته خلينا بصفتك دكتورة." لتنهض فرح قائلة بجمود: "الدكتور المختص قام بالواجب، وأنا عاوزة أرجع لنبيل." ليقول كامل: "استني يا فرح." ثم يلتفت لأبيه وزوجة عمه قائلاً: "فيه حاجة يا جماعة لازم تعرفوها." إبراهيم ببعض القلق:

"خير يا ابني، فيه إيه تاني؟ كامل: "فرح كانت عاوزة تأجل الجواز عشان خاطر نبيل، لكن نبيل رفض وصمم إن كل حاجة تبقى في معادها، وطلب من فرح إنه هو اللي يبقى وكيلها في كتب الكتاب." إبراهيم بتنهيدة: "الله يشفيه ويرفع عن ما عليه يارب العالمين، شوفوا يا ابني إنتو عاوزين تعملوا إيه وأنا معاكم، بس نتطمن على عمك الأول." ***

بعد مرور بضعة أيام، بمستشفى كامل، كانت ليلة بجوار ابنتها بالغرفة ليمر عليها أحد الأطباء لمتابعة حالة مي، وبعد أن قام بإعطاء بعض التعليمات للممرضة وقام بالانصراف، قالت ليلة للممرضة: "هي الدكتورة فرح بقالها كتير مختفية ليه؟ الممرضة: "أخوها تعبان أوي ومحجوز في مستشفى تانية وهي معاه." ليلة بفضول: "ألف سلامة، ربنا يشفيه ويشفي بنتي وكل مرضانا يارب، طب ودكتور كامل؟ الممرضة: "بييجي، بيخلص شغله وبيروح لهم على طول." ليلة:

"طب والعملية بتاعة مي، دي بعد تلات أيام، مين هيعملها؟ الممرضة: "متقلقيش، فيه جراح متخصص في حالتها هو اللي هيعمل لها العملية والدكتور كامل هيبقى موجود معاه وكله هيبقى تمام." ليلة: "يارب." وبالفعل.. يتم إجراء العملية لمي وسط قلق بالغ من ليلة وسيد الذي حضر وقت إجراء العملية الجراحية وهو يدعي أنه عم مي ليكون بجوار ابنته وزوجته في هذا اليوم العصيب.

وبعد خروج مي من غرفة العمليات، وانقضاء ساعات القلق بداخل غرفة الرعاية الفائقة حتى استعادت وعيها واطمأن الأطباء عليها، يخرج كامل من غرفة الرعاية ليقول لليلة وهو ينزع كمامته الواقية: "اطمني يا مدام ليلة، دلوقتي بس أقدر أقول لك إن بنتك الحمد لله بقت زي الفل، أي نعم هتاخد شوية وقت على ما تقدر تتعافى تماماً وهيبقى فيه شوية تعليمات واحتياطات لازم نتبعها، لكن الحمد لله الخطر زال." لتنكب ليلة على يد كامل

وهي تحاول تقبيلها قائلة: "أنا مش عارفة أشكرك إزاي ولا عارفة أودي جميلك ده فين، هفضل طول عمري مديونالك بعمر بنتي الجديد اللي انكتب من تاني على إيديك." كامل وهو يسحب يده: "استغفر الله العظيم، إحنا مش أكتر من أداة بننفذ بيها إرادة ربنا ومشيئته." ليلة: "وسبب في شفاء عباده، ربنا يكرمك ويسعدك." كامل:

"ومش عاوزك تحملي هم حاجة ولو في أي وقت احتجتي أي حاجة، تعاليلي أو تعالي لدكتورة فرح، وزي ما وعدتك أنا ممكن أوفر لك فرصة شغل هنا في المستشفى." ليلة وهي تمسح دموعها المنسالة على وجنتيها: "أنا بعد جميلك اللي في رقبتي ده، مش هقدر أكدب عليك أكتر من كده، أنا عاوزة أعترفلك بحاجة مهمة." كامل بفضول: "حاجة إيه؟ لتقص عليه ليلة كل ما قد كان، وبعد أن فرغت من حديثها قال كامل:

"من وقت ما سمعتك بتحكي لفرح على ظروف معرفتك بيها وأنا عارف إن عمي ماعملش الحكاية دي كده لله، بس أنا من البداية كنت حاسس إن عمي يقصد حاجة مش سليمة من ورا تصرفه ده، لكن إنتي يا ليلة، ليه تطاوعيه؟ ليلة بخجل:

"سامحني، إنت لسه ماتعرفش غلاوة الضنا، أنا كنت مستعدة أبيع عمري كله عشان خاطر سلامة بنتي، ورغم إن لحد دلوقتي ما أعرفش هو كان يقصد إيه، ورغم إني متأكدة إن نيته مش سليمة، لكن ما قدرتش أشوف باب بيتفتح لبنتي وأقفله في وشها.. ارجوك سامحني وما تخلينيش أندم إني صارحتك بالحقيقة." ليقول كامل أثناء انصرافه: "ماتقلقيش، بنتك مش هتتحرك من هنا قبل ما علاجها يتم للآخر إن شاء الله." ***

أصرت فرح على انتقال نبيل إلى المستشفى الخاص بكامل، مع استدعاء طبيب متخصص في الأورام ليشرف على العلاج الخاص به خاصة بعد رفض نبيل الصارم لخضوعه لأي جلسات إشعاعية. وبعد أن علمت فرح من الطبيب المختص بأن خطورة العملية الجراحية لاستئصال الورم قد تكاد تكون أعظم من تركه، إذا.. فلا إشعاع ولا جراحة، فقررت عدم الضغط على نبيل بعد أن قال لها الطبيب:

"إنتي دكتورة وفاهمة الكلام اللي أنا هقوله دلوقتي، أحياناً الطب بيقف عاجز قدام بعض الحالات اللي بتبقى وصلت لمرحلة متقدمة من المرض، وحالة نبيل للأسف لو عملنا العملية.. فالعملية ممكن تؤدي لفقدانه الذاكرة أو إنها تؤدي لحالة أخطر من المرض نفسه، لأنها ممكن تسبب له ضمور في الأعصاب واللي هتحوله لإنسان لا حول له ولا قوة ومش هيبقى عنده تحكم في أي عملية حيوية في جسمه واللي هتخليه محتاج لمرافق أربعة وعشرين ساعة للعناية به لما يتحول لطفل فاقد الأهلية."

كامل: "طب هو إحنا لو سفرناه برة مش ممكن يبقى في أي وسيلة تانية للعلاج؟ الطبيب:

"رغم إني لسه راجع من المؤتمر اللي كان معمول مخصوص في إنجلترا عن حالات الورم اللي زي اللي بيعاني منها نبيل، وعارف إن مافيش أي جديد، لكن لو أنتم عندكم المقدرة إنكم تعملوا ده عشان ماتحسوش إنكم قصرتوا معاه، خدوه وسافروا، وأنا هرشحلكم المصحة اللي تقدروا تتعاملوا معاها بثقة، رغم إني شايف إنكم تحاولوا تبقوا معاه وحواليه وتسعدوه على قد ما تقدروا في الفترة دي." فرح وهي تكتم بكاءها: "فاضل له قد إيه؟ الطبيب:

"علميًا مجرد شهور، لكن الأعمار بيد الله يابنتي، يا عالم أحياناً ربنا سبحانه وتعالى بيبقى له تصريف تاني خالص غير اللي إحنا بنبقى متوقعينه." كامل: "طب والعلاج؟ الطبيب: "إحنا طبعاً مانقدرش نوقف العلاج، لكن هنكثف جرعات المسكن على فترات، لأن مع الوقت مش هيتحمل الألم، ربنا يكون في عونه، وشدوا حيلكم." وبعد انصراف الطبيب تقول فرح باصرار: "أنا هاخده معايا المستشفى عندك يا كامل، مش هسيبه هنا، عاوزاه دايماً قدام عيني."

ليوافقها كامل ويقوم بنقل نبيل ومنصور أيضاً وسط امتعاض فرح، ولكنها فضلت عدم التعليق لجل خاطر عمها ونادر ونبيل. وبعد مضي بضعة أيام يتعافى منصور ويغادر المشفى كمريض، ولكن يظل مرافقاً لنبيل معظم الوقت وسط شرود دائم منه بعد علمه بكل تطورات حالة ولده، وكانت فرح تلازم نبيل معظم فترات راحته وهي تحاول الترفيه عنه بمساعدة نادر وجميع أخوتها وسط مراقبة منصور الصامتة دائماً، حتى جاء يوم كان الجميع ملتف حول

نبيل بغرفته فقال لها نبيل: "أنا عاوز أخرج بقى، أكيد مش هفضل هنا كده على طول، ده أنا لو كنت عملت العملية كنتوا هتخرجوني مش هتحبسوني كده." فرح: "حبيبي ده أنا مخلياك هنا عشان تفضل جنبي وأبقى دايماً متطمنة عليك." نبيل: "بس أنا عاوز أخرج، وعاوز أشتري بدلة عشان أحضر بيها فرحك، إنتي اشتريتي فستان الفرح ولا لسه؟ فرح: "لسه." لينظر نبيل لكامل قائلاً:

"ده كلام يا كامل، ده الفرح فاضل عليه عشر أيام، إزاي يعني ما جبتوش الفستان لحد دلوقتي؟ كامل بمرح: "يا عم هو إحنا هنعرف نجيب حاجة من غيرك." فرح بدهشة: "إنت تقصد إيه يا كامل؟ كامل: "أقصد إنه ياخد إجازة من المستشفى شوية، وينزل معانا يوم الجمعة إن شاء الله نشتري اللي إحنا عاوزينه." فرح بقلق: "أيوه بس هيبقى إرهاق عليه." كامل بابتسامة: "وقت مانحس إنه تعب هنرجع على طول." رحمة:

"مش هيتعب ولا حاجة إن شاء الله، أنا هوَديكم أتيليه حلو أوي عندهم كل لوازم العرايس والعرسان، يعني مش هتلفوا ولا هتتعبوا." نبيل: "أهو رحمة حلتها." فرح: "طب هترجع على هنا تاني؟ نبيل برجاء: "لأ يا فرح عشان خاطري، اديني إجازة بس لحد الفرح بتاعك، وأوعدك إني بعد الفرح إن شاء الله هنفذلك كل اللي هتقوليلي عليه." فرح بتردد: "طب لو تعبت؟ نبيل: "هقول لك على طول أو هقول لكامل.. وعد." فرح باستسلام:

"حاضر يا نبيل.. ماشي.. اللي يريحكم." بالفعل تم لنبيل ما أراد فبرغم ذبوله الملاحظ للعيان إلا أنه رافقهم حتى أتموا شراء كل ما تبقى وسط سعادة بالغة منه ومرح دائم وكأنه كان يحاول مداراة آلامه التي كانت لا تنقطع عنه في الفترة الأخيرة. *** في منزل منصور، كان نادر ونبيل يجلسان بغرفتهما، حين دخل عليهما منصور قائلاً لهم: "عاملين إيه يا ولاد؟ ليرددا: "الحمد لله يا بابا." ليجلس بجوار نبيل وهو يربت على قدمه قائلاً:

"وإنت يا نبيل، أخبارك إيه؟ نبيل بوهن: "في نعمة يا بابا، الحمد لله، وكويس إنك جيت.. كنت عاوزك في كلمتين." منصور: "خير يا ابني؟ نبيل: "أنا لما طلبت من فرح إني أبقى وكيلها في كتب الكتاب، عملت كده عشانك إنت." منصور بجمود: "وعشانى أنا ليه؟ نبيل:

"لأني عندي أمل إن علاقتكم تتصلح ببعض في يوم من الأيام، ما هانش عليا إن قسيمة جوازها تفضل طول العمر واسم جوز مامتها يبقى في خانة الوكيل، حبيبت وكيلها يبقى على اسمها وتبقى شايلة اسمه. إنت ظلمت أخواتنا البنات أوي يا بابا، وآ آن الأوان إنك تصلح اللي عملته." منصور وهو يحاول السيطرة على رد فعله: "إنت شايف إني ظلمت أخواتك لما حاجيت عليك إنت وأخوك، وكنت عاوزكم تبقوا أحسن ناس في الدنيا كلها؟ نبيل:

"كل الآباء بيتمنوا ده لولادهم، بس بيتمنوه لكل ولادهم مش حد آه وحد لأ." منصور: "إنتوا صلبي وعزي واللي... نبيل بمرارة: "واللي إيه بس يا بابا، ربنا ما بيتعاندش، طلقت طنط فاطمة عشان خلفتها بنات واتجوزت ماما عشان تجيبنا، وفعلاً ربنا رزقك بيا أنا ونادر، بس إنت عملت إيه، شكرته؟ قلت الحمد لله إن ربنا أطعمك بالبنين والبنات وخدتنا كلنا تحت جناحك؟

قلت بناتي ما يتربوش بعيد عني ولا يتربوش مع جوز أم زي ما بنسمع مع ناس كتير، حاولت حتى تشوفهم وتتطمن عليهم وتحسسهم إنك موجود جنبهم وإنك ضهرهم وسندهم في الدنيا دي، بالعكس.. إنت اخترت ونقيت وعزلتنا عن بعض، حتى لما اكتشفت إني مريض أول حاجة فكرت فيها إنك تحييني حتى لو كان على حساب موت واحدة من أخواتي، لكن سبحان الله، ربنا دايماً بيبقى له تدابير إحنا مانعرفش عنها حاجة." منصور:

"أنا ما فكرتش في كده، أنا كنت عارف إن مافيش خطورة من العملية على المتبرع." نبيل: "بأمارة إنك كنت رافض إن نادر يعمل الفحوصات من الأساس، وبأمارة اللي عملته في فرح لما عرفت إن مش هي اللي عملت العملية، طب اديني عملت العملية وبعد ما فكرنا إن خلاص، لقينا إن لسه عقاب ربنا ما خلص." و عندما صمت منصور أكمل نبيل قائلاً:

"أنا آسف يا بابا سامحني إني بكلمك بالأسلوب ده، بس أنا حاسس إن ربنا بيعاقبك بيا، بيقول لك أنا ما بتعاندش، بيقول لك إنت عملت كذا وكذا عشان الصبيان، لكن أنا بعد ما اديتهملك هاخدهم من تاني. أنا نفسي أسيبكم وإنتوا مش كده.. يا بابا حضرتك عملت حيطة بينك وبين أخواتي وخليت فرح شبه معقدة، نفسي بعد عمر طويل لحضرتك أخواتي يدعولك ما يدعوش عليك." ليقول منصور بجمود: "سيبك من كل الكلام ده يا نبيل وخليك في صحتك وبس." نبيل:

"أرجوك يا بابا حاول تصلح اللي انكسر، أنا عارف إن اللي انكسر لا يمكن يتصلح أبداً بسهولة، بس حاول عشان خاطري، دي وصيتي ليك يا بابا، وخصوصاً فرح.. فرح أكتر واحدة فيهم شربت مرار اللي حضرتك عملته وأكتر واحدة اتظلمت وشالت الهم على أكتافها."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...