تحميل رواية ولما قالوا دي صبيه بقلم ميمي عوالي pdf
بقلم ميمي عوالي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يقال إن لكل منا نصيبًا من اسمه، وها أنا ذا أنتظر نصيبي هذا منذ ما يقرب من خمسة وعشرين عامًا، ولكنه لم يأتِ بعد. فرح... ذاك هو اسمي، والذي لا أعلم من أسماه به، وما زلت أنتظر نصيبي منه. ولكنني إلى الآن لم تربطني باسمي أي علاقة سوى شهادة ميلادي، والتي اقترنت بشهادة طلاق أمي لأنها أنجبتني أنثى. نعم، فقد تزوج أبي منصور من أمي فاطمة منذ قرابة الثلاثين عامًا. فأنجبت له شقيقتي الكبرى رحمة، والتي تبلغ من العمر تسعًا وعشرين عامًا. ثم أنجبت له شقيقتي الوسطى ندا، البالغة من العمر سبعًا وعشرين عامًا. حين أقس...
رواية ولما قالوا دي صبيه الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ميمي عوالي
ليلة برعب تحتضن رأس ابنتها وتقول:
لا يا كامل حرام عليك، بنتي مالهاش ذنب. وأنا واقعة في عرضك تنقذها، دي مريضة ومحتاجة مساعدتك.
كامل بجمود:
أنا ما بتعاملش مع نصابين يا ليلة، ولازم تعرفي إني هبلغ عنك البوليس.
ليلة بفزع:
بوليس ليه يا كامل؟
كامل بسخرية:
إنتي ناسيه البيانات المزورة اللي كتبتيها في استمارة الدخول بتاعة بنتك؟ وجوزك اللي مات من سنين.
ليلة تنحني على يد كامل لتقبيلها:
أبوس إيدك يا كامل، أنا عمري ما آذيتك. أنا عملت كده عشان نفسي إن بنتي تعيش زي باقي العيال وتخف وترجع تضحك من تاني من غير ما تنهج من الوجع.
يدير كامل رأسه بعيدًا عنها قائلًا:
وأنا مش هعمل لبنتك العملية.
تقف ليلة أمامه مرة أخرى وهي تنشج بالبكاء، وكان أحمد يتشبث بثيابها وهو يردد اسمها بقلق.
وقالت:
إنت عمرك ما كنت قاسي كده، إيه اللي حصل لك؟
كامل وهو يربت على وجهها ببعض العنف:
اللي حصل إني مبقتش أثق فيكي يا مرة سيد.
لتسمع ليلة نداء أحمد وهو يقول بصوت عالٍ:
يا ماما، اصحي فيه إيه؟
لتفتح ليلة عينيها وتتلفت حولها بفزع لتجد نفسها على الفراش المقابل لفراش مي، وتنام بجوار أحمد الذي يربت على وجهها بقوة وهو يقول بقلق:
مالك يا ماما؟
ليلة وهي تضع يدها على صدرها براحة:
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.
أحمد:
فيه إيه؟
ليلة وهي تضم أحمد لصدرها وعيناها تترقرق بالدموع:
أبدا يا حبيبي، أنا بس كنت بحلم.
أحمد:
إنتي كنتي عمالة تعيطي جامد، فكرت في حاجة بتوجعك.
ليلة وهي تزدرد لعابها:
أختك هي اللي واجعاني يا ابني، خير يا رب، اللهم اجعله خير. أكيد ربنا بيديني إنذار، يا ترى الدنيا هتعمل فيكي إيه تاني يا ليلة.
في إحدى المخازن التابعة لمنصور، كان سيد يقوم بترتيب البضاعة المستلمة ورصها بعناية.
ليسمع صوت منصور من خلفه وهو يقول:
الله ينور يا سيد.
يلتفت سيد إلى منصور قائلًا بامتنان:
الله يبارك لنا فيك يا حاج.
منصور وهو يتابع العمل بعينيه:
وبنتك أخبارها إيه دلوقتي؟ بيكلموك؟
سيد وهو يحك رأسه بكف يده:
أيوة يا حاج نحمد ربنا، بس البت ليلة قالت لي حاجة غريبة كده ومش عارف هي فهمت صح ولا غلط.
منصور:
حاجة إيه دي؟
سيد:
إن يعني المستشفى اللي اديتنا عنوانها دي، تبقى بتاعة الدكتور كامل ابن الحاج إبراهيم أخوك.
منصور بعدم مبالاة:
آه وفيها إيه؟
سيد:
يعني يا حاج، اللفة اللي لفيناها دي، كان بتليفون صغير منك لابن أخوك، كان...
منصور مقاطعًا:
وإنت فاكر إن ابن أخويا ناسيني إني حرمته من مراتك.
سيد ببعض الغضب:
كلام إيه ده يا حاج اللي بتقوله؟
منصور:
بقول إن من ساعة ما حصل اللي حصل زمان وأنا وابن أخويا مفيش مابيننا عمار. ولو كنتوا روحتوله عادي كده ما كانش هيقبل ياخد البت ولا يعالجها، ولا كان ممكن يبنجها ويموتها في العملية عشان ينتقم منك ومن أمها.
سيد برعب:
كلام إيه ده يا حاج؟ ليه؟ هي البلد ما فيهاش قانون؟
منصور:
قانون إيه؟ عيلة صغيرة وحالتها حرجة وماتت في العملية، إيه دخل القانون بقى؟ إنما لما مراتك تقول إنها أرملة وإنها اتبهدلت من بعدك هي وعيالك، هتصعب عليه وهيأملها اللازم كله ومن غير ولا مليم.
سيد باقتناع:
أنا كده فهمت، أنا برضه استغربت لما البت ليلة حكت لي ومبقتش فاهم ليه اللفة دي كلها، بس كده إنت عندك حق، وجميلك على راسي من فوق كمان.
منصور بسخرية قبل أن ينصرف:
خليه على راسك، وخد بالك من المخزن، أوعى تسهى عنه.
سيد بنبرة غضب وهو يحادث ليلة على الهاتف:
ما قلت لك على اللي فيها، إنتي ليه مش عاوزة تفهمي؟
ليلة:
أنا فهمت، بس مش مقتنعة. طب لو اللي قاله ده حقيقي، ما قالش لبنته ليه؟ ما كان ممكن يبعتنا لبنته وكانت الليلة برضه هتخلص من غير كل الكدب ده. أنا من ساعة الحلم اللي حلمته وأنا مش متطمنة يا سيد.
سيد بتنهيدة:
استهدي بالله يا بنت الحلال واهدي كده، وبعدين يعني إحنا مش شيوخ يا ليلة عشان أحلامنا تتحقق.
ليلة:
يمكن ما تتحققش بحذافيرها يا سيد، بس أنا بقلق من الأحلام بتاعتي، وحاسة إني بعمل حاجة غلط، مخنوقة يا سيد، وحاسة إني متكتفة ومش عارفة أتصرف.
سيد:
إنتي بس ركزي مع البت ومصلحتها وبطلي قلق مالهوش داعي.
ليلة بقلة حيلة:
حاضر يا سيد، حاضر، وربنا يسترها علينا من عنده وما يفضحناش.
في منزل إبراهيم، كان إبراهيم جالسًا حين أتى عليه كامل وهو يحمل كوبين من الشاي ووضعهما على منضدة صغيرة أمامهما وقال:
كوبايتين شاي بقى إنما إيه... وصاية.
إبراهيم بحب:
تسلم إيدك يا ابني، عقبال ما أشربه في بيتك كده من إيد مراتك إن شاء الله.
كامل بابتسامة:
إن شاء الله يا بابا.
ثم قال بفضول:
الأ قول لي يا بابا، فاكر حضرتك ليلة اللي كانت شغالة معاك زمان؟
إبراهيم بدهشة:
وإيه اللي فكرك بيها دلوقتي يا ابني؟
كامل:
هو لما جوزها مات، مات في شغل مشترك بينك وبين عمي ولا شغل يخص عمي لوحده؟
إبراهيم باستغراب:
هو سيد مات؟ لا إله إلا الله، إمتى حصل الكلام ده؟
كامل باستغراب:
هو حضرتك ما كنتش تعرف ولا إيه؟
إبراهيم:
أبدا يا ابني، أنا أول مرة أسمع الكلام ده، إنما إنت عرفت منين الكلام ده؟
كامل وهو يرتشف الشاي:
من ليلة.
إبراهيم:
وإنت شفتها فين؟
ليقص كامل على أبيه ما حدث.
ليقول إبراهيم:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله يا ابني لو كنت أعرف كنت اتكفلت بيها هي وأولادها وما سبتهاش في الضيقة دي أبدا. بس يعني عمك اقتنع أهو بقيمة بنته وشطارتها.
كامل بسخرية:
ما أعتقدش يا بابا.
إبراهيم:
ما تعتقدش إيه بقى؟ ماهو باعت لها الناس على اسمها أهو.
كامل:
الحقيقة يا بابا أنا مش هاضم الحكاية دي ولا عارف أبلعها، ومتأكد إن عمي له هدف تاني خالص من ورا الحكاية دي.
إبراهيم:
ما تبقاش شكاك زيادة عن اللزوم، ومش كل ما هيعمل حاجة هنسيء الظن بيه.
كامل ضاحكًا:
إنت اللي طيب بزيادة يا عم إبراهيم.
إبراهيم:
أصله يعني هيستفيد إيه مش فاهم.
كامل بشرود:
مش يمكن بيحاول يكسب نقط عند فرح.
إبراهيم:
ولو...
كامل: ولما ليلة تحكي اللي حصل معاها بطريقة تتفهم إن المقصود منها إنها تفهمك إنها لوحدها.
إبراهيم: لوحدها إزاي مش فاهم؟
كامل: يعني إنها اترملت واتبهدلت هي وولادها، وإن مابقالهاش حد، وإن الدنيا جاية عليها بزيادة.
إبراهيم: جري إيه يا كامل؟ أوعى تكون دماغك بتوزك إنك...
كامل: بتوزني لإيه بس يا بابا؟
إبراهيم: يعني يا ابني إنك توصل القديم من تاني.
كامل: أنا مابقيتش خالي يا بابا عشان أعمل كده.
إبراهيم: وانت لو كنت خالي كنت هتعمل إيه؟
كامل: برضه ماكنتش هعمل غير اللي عملته. صدقني أنا شيلت ليلة من حساباتي من زمان. بس لما تجيلي المستشفى بحالتها دي، وبعد ما خطبت فرح، ويبقى عمي اللي باعتها، يبقى الحكاية فيها إن.
إبراهيم: مش فاهم.
كامل: مفكر إني لما هشوف ليلة هحنلها، وده طبعًا المفروض إنه هيبوظ صورتي قدام فرح، فنسيب بعض.
إبراهيم: يااااه على دماغك! إيه يا ابني اللفة دي كلها؟ لا طبعًا ما أعتقدش.
كامل: طب ممكن تفكرني آخر مرة عمي اهتم بحد غلبان ولا عيان عشان يعمل معاه كده؟ بلاش... يعني الراجل يموت في حادثة تبع الشغل، وبدل ما يعوض أهله لأنها إصابة عمل، يقوم يستغل جهلهم وحاجتهم، ويمرط مراته وابنه اللي لسه عيل ويشغلهم عنده عشان يعرفوا يلاقوا لقمة ياكلوها. يقوم دلوقتي الحنية دي فجأة كده ليه؟ رغم إن البنت مريضة من زمان.
إبراهيم: أيوه يا ابني، بس مش يمكن يكون بس بيحاول يعمل حاجة كويسة يقرب بيها من فرح؟
كامل: والله يا بابا أتمنى. بس زمن المعجزات خلص من زمان.
***
في منزل منصور... كان نبيل يجلس مع أخيه في غرفتهما وهما يرتبان سويًا خطواتهما القادمة في الجامعة، بعد أن تم قبولهما بكلية التجارة.
نادر: طب هنروح نجيب الجدول من أول يوم، ولا نصبر شوية ولا إيه؟
نبيل: هنبتديها صبر من أولها. إيه؟ انت غيرت رأيك ومابقيتش عاوز تدرس في الجامعة زي ما كنت بتقول ولا إيه؟
نادر: لا طبعًا ماغيرتش رأيي ولا حاجة. بس أقصد إن أول يوم بتبقى الدنيا فوق بعضها وإحنا لسه مانعرفش حد هناك.
نبيل: ما هو عشان مانعرفش حد فلازم نعتمد على نفسنا من أولها.
نادر: هو أنا ليه حاسك مش مظبوط؟ انت تعبان؟
نبيل: عندي صداع جامد أوي.
نادر: طب ما تاخد مسكن.
نبيل: أخدت وماعملليش حاجة.
نادر: إيه؟ محتاج نروح لدكتور؟
نبيل: لو ما راحش لبكرة هبقى...
وفجأة نهض نبيل مسرعًا إلى الحمام وقام بإفراغ جميع ما بمعدته وسط إرهاق وتوجع شديد، ونادر يقف بجواره وهو يسند كتفيه ويربت على ظهره بحنان ممتزج بقلق. وعندما انتهى نبيل، قام نادر بمساعدته في غسل فمه ووجهه وهو يقول: الدنيا ابتدت يبقى فيها لسعة برد. لا تكون خدت برد؟ ولا تقلت في الأكل ولا إيه؟
نبيل: مش عارف.
نادر: طب هو انت أول مرة يحصل كده ولا حصلت وانت ماقلتش؟
نبيل: حصلت أكتر من مرة بعد ما خلصنا امتحانات المعهد.
نادر: طب وليه ماقلتش يا نبيل؟ المفروض كنت قلت طالما اتكررت، وكنا روحنا لدكتور، أو حتى كنت قلت لأختك ولا لكامل عشان نتطمن على الأقل.
نبيل: مش عاوز. أنا تعبت وزهقت من دايرة الدكاترة والأدوية دي. مش هقدر أدخلها تاني.
نادر: وهو انت عشان مصدع شوية يبقى لازم في حاجة وحشة؟ بس إحنا برضه لازم نتطمن. وبعدين ما انت كنت لسه بتقول لو الصداع ماراحش لبكرة هتروح للدكتور.
نبيل: أنا ماقلتش كده. أنا بس كنت هقول إني هغير نوع المسكن.
نادر: تبقى بتهزر. إحنا هنروح للدكتور يا نبيل. الكلام ده ما ينفعش يتسكت عليه.
نبيل: ممكن تسيبني أنام يا نادر؟ يمكن أروق شوية.
نادر: طب أعملك حاجة سخنة تشربها.
نبيل: لا. مش عاوز. أنا هحاول أنام. أطفي أنت بس النور وسيبني لوحدي شوية. يمكن أنام.
نادر: ماشي.. أنا هخرج أقعد برة شوية. لو احتجت حاجة انده عليا أنا مش هنزل.
ليخرج نادر مغلقًا الباب وراءه بعد أن أظلم الغرفة. ليجد والده ووالدته يجلسان سويًا أمام التلفاز، فالتفتت إليه والدته قائلة: أومال نبيل نام ولا إيه؟
نادر: ااه. قال إنه مصدع شوية وهيحاول ينام.
دولت: طب كويس. شكله مش عاجبني بقاله كام يوم.
منصور: وانت قررت هتعمل إيه في الكلية؟ هتروح ولا إيه؟
نادر: ااه يا بابا إن شاء الله.
منصور: بتشوف أخواتك البنات اليومين دول ولا مابقيتوش تروحوا عندهم؟
نادر: لا بشوفهم. كنا معزومين على العشا عند مامتهم من كام يوم.
منصور: ومين اللي كان عازمكم؟
نادر: أحمد.
دولت: هم على طول بيعزموكم يا نادر. ماتبقى يا ابني اعزمهم عندنا مرة.
نادر: ماينفعش يا ماما. وبعدين عادي يعني. دول أخواتنا. وإن كان على أحمد، أنا ونبيل بنعزمه بره، وساعات بنروح النادي. بنتصرف يعني.
منصور: ومين بقى كانوا معاكم في العزومة دي؟
نادر: كلهم. حتى كمان عمي وكامل.
منصور: وإيه المناسبة بقى للمة دي؟
نادر: كامل كان عاوز يحدد معاد الجواز.
منصور: امممم. ربنا يهني سعيد بسعيدة.
نادر: أنا هقعد في البلكونة شوية.
منصور: ااه وماله. ماهو انت مابقيتش تقدر تقعد معانا.
ليذهب نادر إلى الشرفة دون أن يعلق بأي كلمة. وما إن جلس بمفرده حتى قام بالاتصال على فرح. وما إن أجابته حتى قال: أزيك يا فرح؟
فرح: أهلاً يا نادر. إزيك عامل إيه وإزاي نبيل؟
نادر: مانا بكلمك عشان عاوز أسألك على حاجة تخص نبيل.
فرح: ماله نبيل؟
نادر: أنا اكتشفت النهاردة إنه بقاله فترة بيعاني من صداع وكمان بيرجع.
لتصمت فرح. وعندما طال صمتها قال نادر: فرح انتي معايا؟
فرح: الكلام ده من إمتى يا نادر؟
نادر: اللي عرفته إنه من واحنا في الامتحانات.
فرح: وإزاي ما تقولوش حاجة زي كده؟ ده الدكتور محذر ومنبه. وبعدين هو عمل الفحوصات الدورية اللي الدكتور كان كاتبها ولا لأ؟
نادر: عملها والمفروض إن النتيجة كمان طلعت.
فرح: يعني إيه المفروض؟ ماهو يا طلعت يا ماطلعتش.
نادر: أصلي ما رحتش معاه وهو بيستلم النتيجة. يومها أنا رحت أخلص إجراءات في الكلية عشان أنا وهو، وهو راح عشان يستلم النتيجة لوحده، وبعدها لما سألته، قالي كله تمام.
فرح: تجيبهولي وتبقوا المستشفى حالا. أنا عندي نوبطشية.
نادر: بس هو مش راضي يكشف.
وقص عليها نادر الحوار الذي دار بينه وبين نبيل. فقالت فرح: خلاص. سيبني أنا أتصرف.
نادر: طب ممكن ماتقوليلهوش إني قلتلك حاجة؟ مش عاوزة ياخد مني موقف ولا يخبّي عليا تعبه. ده لولا إني كنت موجود ولاحظت إنه تعبان وكمان رجع قدامي، يمكن ما كانش قال لي حاجة.
فرح: ماشي يا نادر. أنا هشوف هعرف أتصرف إزاي. بس هي التحاليل كانت في نفس المستشفى ولا في حتة تانية؟
نادر: أيوه.
فرح: خلاص. أنا هتصرف.
بعد انتهاء المكالمة، اتجهت فرح على الفور إلى مكتب كامل الذي يصر على تواجده بالمستشفى أثناء نوبات العمل الليلية التي تكون من نصيبها. وما إن وصلت لمكتبه حتى طرقت الباب بلهفة ودخلت فور سماعها السماح بالدخول. وما إن رآها كامل حتى هب من مكانه بقلق قائلاً: إيه يا فرح. مالك؟ وشك أصفر كده ليه؟ إيه اللي حصل؟
لتقص عليه المحادثة التي تمت مع شقيقها. ليقول كامل: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. تفتكري الفحوصات كان فيها حاجة ونبيل عارف ومخبي؟
فرح: مش عارفة. بس إحنا عشان نفهم لازم نعرف نتيجة الفحوصات الأخيرة.
كامل: دي بسيطة. أنا ممكن أكلم دكتور المعمل وأعرف منه.
فرح: وهو ممكن يقول لك؟
كامل: أنا هكلم الدكتور الجراح بتاعه. وهو هيتصرف. أعتقد إننا كوننا علاقة مش بطالة وقت العملية. ولو لا قدر الله فيه حاجة أكيد مش هيخبّي.
فرح: لو طلع فيه حاجة. المرة دي مش هتبقى سهلة أبداً يا كامل. ده كده المخ.
كامل: اهدى شوية واجمّدي حبة. إحنا مش هنبني نتائج على احتمالات وغير أكيدة كمان ونقوم الدنيا من غير دليل.
فرح: طب اتصل بالدكتور دلوقتي. على الأقل لو في حاجة نقدر نتصرف بسرعة.
***
بعد مرور ساعة من الزمن وبمنزل منصور، كان يعلو صوت جرس الباب. ليذهب نادر مستطلعاً الزائر ليتفاجأ بكامل وفرح أمامه فيقول بصدمة: فرح...
أهلاً يا فرح، اتفضلي.
فرح بلهفة: فين نبيل؟
نادر والقلق يعلو ملامحه: إيه اللي حصل؟
فرح وهي تتقدم لداخل المنزل: نبيل لازم ييجي معانا المستشفى حالا.
نادر بفزع وهو يجول بعينيه بين فرح وكامل: ليه يا فرح؟ انتوا عرفتوا حاجة؟
ليأتي منصور من الداخل على صوت الجلبة التي حدثت، وعندما يرى فرح وكامل سوياً يقول بسخرية: إيه ده؟ الدكتورة والدكتور جايين بنفسهم لحد بيتي؟ يا ترى خير.
ليتقدم كامل إلى منصور ويقول بهدوء: إحنا جايين لنبيل يا عمي.
منصور باستغراب: وإشمعنى يعني؟ ماله نبيل؟
كامل: للأسف يا عمي، إحنا عرفنا إن نبيل تعب تاني ومخبّي عن الكل، وده طبعاً بيأخر في العلاج، وعشان كده أنا وأخته جايين ناخده معانا عشان نقدر نلحق الموضوع.
منصور بعدم تصديق: إيه الكلام الفارغ ده؟ ما خلاص.. عمل العملية وخف وبقى زي الفل. انتوا هتبشروا عليه ليه تاني؟
دولت بأسى ولهفة وهي تضع يدها على صدرها: لا يا منصور، نبيل مش طبيعي خالص بقاله فترة. حتى اللقمة مابقاش ياكل عدل، ووشه متغير ودبلان، وكل ما أسأله يقولي مصدع ومابنامش كويس.
ليلتفت إليها منصور قائلاً بحدة: وماقولتيليش الكلام ده ليه قبل كده؟ وافرضوا حتى إن ده حصل، مش معنى كده أبداً إنكم تيجوا وعايزين تاخدوه زي اللي قابضين عليه.
كامل بتعقل: نبيل عارف إنه تعبان ومخبّي، وكمان عرفنا من أخوه إنه رافض العلاج.
منصور وهو ينظر لنادر: وانت كمان كنت عارف؟ وأنا يعني آخر من يعلم؟ إزاي تخبوا عليا حاجة زي كده؟ بقى رايح تقول للدكتورة والدكتور اللي عاملين لي عدو ليهم وتخبّي عليا أنا أبوك وأبوه؟
نادر والدموع تملأ عيناه: أنا ماعملتش غير إني قلقت على أخويا وحبيت أعرف هو ماله وأتطمن عليه. وربنا قال: "واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"، وهم أهل الذكر مش أنت.
فرح موجهة كلامها لنادر: لو سمحت يا نادر، إحنا كده بنضيع وقت. فين نبيل؟ اندهوه لي.
منصور بغضب: انتي اتجننتي؟ ومين قال لك إني هسمحلك انتي ولا هو إنكم تاخدوه مني؟
فرح بجمود يعلوه الغضب: نبيل ماهواش محل نزاع أصلاً مابيننا. أنا مش عاوزة غير إنه يقتنع إنه يتعالج. عاوزين نلحقه وعلى الأقل نعرف الورم وصل لأنهي مرحلة.
منصور وكأنه لم يستوعب الحدث: هو عشان تعبان شوية يبقى الورم رجع له تاني؟ ولا انتي بس اللي عاوزة تباني إنك فاهمة وعارفة كل حاجة وتعملي كبيرة عليا؟
كامل بغضب: هو انت مافيش فايدة فيك؟ بنقول لك ابنك تعب تاني. ده بدل ما تساعدنا إننا نعالجه تقف ترازي فينا وتعاند وخلاص.
منصور بغضب: مش أما أعرف الأول انتوا جبتوا الكلام ده منين.
كامل: من الفحص الأخير اللي عمله وخبّى نتيجته عن الكل.
منصور: ولما هو خبّى نتيجته، سيادتكم بقى جبتوا الكلام ده منين؟
كامل بفراغ صبر: لما نادر شك في التعب اللي جاه وكلم أخته بلغها، كلمنا الدكتور المعالج بتاعه، واللي عرفنا منه النتيجة.
منصور بصدمة: وإزاي الدكتور ما يبلغنيش حاجة زي كده؟
كامل وهو يزفر أنفاسه: لأن نبيل أقنعه إنه هيسافر بره يعيد الفحوصات دي تاني وهيعرض النتائج على دكاترة متخصصين هناك. يعني مبيت النية إنه ما يتعالجش من الأساس.
ليهتز منصور بوقفته، ليتهادى متكئاً على الجدار قائلاً ببهوت: يعني إيه؟ المرض الخبيث رجع له تاني؟
كامل بحزن: للأسف المرة دي الاحتمال الأكبر إنه في المخ.
لتشهق دولت شهقة عالية وهي تضع إحدى كفوفها على فمها وتقول: ابني.. ابني يا كامل؟ إزاي كده؟ إزاي بسرعة كده؟ إحنا ما لحقناش نفوق.
كامل باشفاق على دولت: إن شاء الله لو بدأنا العلاج بسرعة يمكن الحالة ماتتأخرش وتستجيب للعلاج.
فرح بفراغ صبر: فين أوضته يا نادر؟ عاوزة أتكلم معاه.
نادر وهو يمسح عينيه من أثر البكاء: تعالي يا فرح اتفضلي. أنا مش عارف إزاي ما خرجش على الدوشة دي كلها.
ليأخذها متجهاً إلى غرفته مع أخيه، ويقوما بالدلوف إلى الحجرة. وما إن أضاء الأنوار حتى تفاجأوا بنبيل ملقى أرضاً دون حراك ووجهه ملئ بالدماء. لتهرع فرح إليه وهي تصرخ على كامل لنجدتها. ليقوم كامل ونادر بحمله من الأرض ووضعه على الفراش مرة أخرى وهو غائب عن الوعي. لتسرع فرح بتنظيف وجهه من الدماء لتكتشف أنها نزيف من الأنف. وبعد جس نبضاته، رفعت وجهها لكامل وقالت بصوت يخنقه العبرات: محتاجين الإسعاف تيجي تنقله بسرعة. النبض ضعيف أوي.
وقبل أن تمر نصف ساعة، كانت سيارة الإسعاف تحمل نبيل متجهة به إلى المستشفى المتخصص، والذي قد قام نبيل بإجراء الجراحة السابقة بداخله. وكان في استقبالهم الطبيب المتابع لحالة نبيل، والذي أسرعوا بإدخاله إلى قسم الحالات الحرجة بالرعاية المركزة.
وكانت فرح وكامل قد أصرّا على الدلوف معه إلى الداخل للوقوف على حقيقة التطورات الخاصة بالحالة. ليقول كامل موجهاً حديثه للطبيب: أنا مش عارف إزاي يكون الورم بالحجم اللي اكتشفتوه ده وما حدش اكتشفه قبل كده.
الطبيب: للأسف نبيل، الحالة اللي كان الكبد بتاعه بيمر بيها خلانا ربطنا كل الأعراض بيه وبس. لكن لما بعد العملية الفحوصات كانت لسه بتطلع إن الجسم فيه أورام، ابتدينا نفحص الجسم بالكامل، لحد ما حددنا مكان الورم.
وخصوصاً إن نبيل ماكانش متعاون معانا أبداً في الفحوصات الأخيرة، لدرجة إنه كان رافض إنه يعملها أصلاً. لحد ما قلت له: "خلاص براحتك، بس أنا لازم أكلم منصور بيه عشان أخلي مسؤوليتي قدامه". لولا كده ماكانش عمل الفحوصات من الأساس.
فرح: والنزيف اللي جاه من مناخيره ده بسبب الورم مش كده؟
الطبيب: للأسف أيوه. الورم ضاغط بشدة على المخيخ وحجمه مش صغير أبداً زي ما الأشعة موضحة. ونزيف الأنف ده مش أول مرة تحصل له. لكن يمكن تكون دي أول مرة يصاحبها فقدان وعي. وده رحمة من ربنا لأن الألم المصاحب ليه بيبقى شديد جداً.
كامل: طب حضرتك هو الورم من أنهي درجة؟
الطبيب بأسف: للأسف من الدرجة الأولى.
فرح بصدمة: يعني إيه؟ ما فيش علاج؟ ما فيش عملية؟
الطبيب: طبعاً العملية موجودة. لكن للأسف في حالة نبيل، نسبة نجاحها مابتتعداش تلاتين في المية.
لتنشج فرح بالبكاء وسط مراقبة منصور ودولت ونادر من خلف الزجاج الفاصل بينهم بقلق بالغ. لتقول دولت ببكاء: أخته بتعيط أوي ليه كده؟ ابني ماله؟ حد يطمني عليه.
وبعد مشاورات ومداولات بين كامل وفرح والطبيب، تخرج فرح ودموعها مازالت تملأ عينيها. وما إن تلاقت عينيها مع منصور حتى قالت بقهر: طول عمري بكرهك ومش مسامحاك على اللي عملته معايا. لكن النهاردة كرهي ليك زاد أضعاف. حرمتنا من بعض ولما افتكرتني عشان مصلحتك اللي مامشيتش زي ما انت عاوز. حاولت إنك تفرقنا من تاني بغلك وعنجهيتك. وأدينا هنفارق غصب عننا كلنا.
منصور ببهوت: أخوكي ماله يا بنتي؟
فرح بغل وهي تحاول خفض نبرة صوتها: بقى أخويا دلوقتي؟ وبقيت بنتك كمان؟ أنا عمري ما كنت ولا هكون بنتك. حاولت تسرق حتة من كبدي قبل كده من غير ما تفكر حتى في مستقبلي ولا رد فعلي. والنهاردة، النهاردة الحارة سد. بس لو كنت أقدر أديله حتة من مخي كنت أديتهاله عن طيب خاطر. بس أكيد مش عشانك. لأ. عشانه هو. عشان حبيته وحبني. عشان نضيف مش شيطان زيك.
كان نادر يراقب ردود أفعال والده وهو يخشى أن ينال من فرح. ولكن تفاجأ بوالده وهو يتلفت حوله بتيه، ثم استقر بصره مرة أخرى على نبيل من خلف الزجاج وقال: كان خف. كان بقى كويس. وخلاص الغمة اتزاحت. ليه كده؟ ليه تاني؟ ولادي...
ليسقط منصور أرضاً وهو يمسك صدره بألم واضح على وجهه. ليسرع كامل ونادر ودولت إليه. بينما تنظر له فرح باستياء وكره وتتركهم عائدة إلى الداخل مرة أخرى لتظل بجوار نبيل.
رواية ولما قالوا دي صبيه الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ميمي عوالي
كانت فرح تجلس بجوار نبيل بغرفة الرعاية، تتابع مؤشرات الأجهزة بعينيها التي تموج بالعبرات، ليدخل عليها كامل بهدوء قائلاً:
"ايه يا فرح، هتفضلي قاعدة كده؟"
فرح دون أن تنظر إليه:
"وأنا في إيدي إيه أعمله غير كده يا كامل؟"
كامل:
"بس قعدتك دي لا هتفيدك ولا هتفيده."
فرح:
"عاوزة أبقى جنبه أما يفوق، مش عاوزاه يفتح عينيه يلاقي نفسه لوحده، بتوجع يا كامل، بتوجع أوي."
كامل بعدم فهم:
"هي إيه دي اللي بتوجع؟"
فرح:
"الوحدة يا كامل، إننا نبقى عايشين عمرنا كله وسط الناس لدرجة إننا ساعات ما بنبقاش قادرين نتنفس عدل من كتر الزحمة اللي حوالينا، ونيجي وقت ما نقع، نلاقي نفسنا لوحدنا وكأن الدنيا فضيت فجأة من حوالينا."
كامل بفضول:
"وإنتي إمتى كنتي لوحدك يا فرح عشان تجربى الإحساس ده؟"
لتنظر إليه فرح للحظة، ثم تعود بنظرها إلى نبيل وتكمل فرح بتنهيدة تنم عن وجع عميق بداخل نفسها وتقول:
"وإمتى ماكنتش لوحدي.. أنا طول عمري وأنا لوحدي."
ليسحب كامل مقعداً ويضعه بجوارها قائلاً:
"بس إنتي كنتي بتبقي لوحدك بإرادتك يا فرح، أو إوعي تنكري ده.. على الأقل عشان ما تحمّليش حد وزر وحدتك من غير ذنب."
فرح بسخرية وهي تمسح العبرات الهاربة من عينيها:
"قال إيش رماك على المر، قال الأمر منه.. يمكن زي ما بتقول إن أنا اللي اخترت ده، لكن اختياري ده كان أهون ألف مرة من اللي كان بيحصل."
كامل وهو يحاول ثبر أغوارها:
"وإيه اللي كان بيحصل؟"
فرح بشرود:
"عارف إحساس إنك تبقى شايل شيلة مش شيلتك وماشي بيها غصب عنك، ولا منك قادر ترميها ولا منك حتى عارف هتفضل شايلها لأمتى، الكل كان محملني ذنب طلاق منصور لأمي، حتى أمي نفسها، عمري ما هقدر أنسى نظراتها ليا لما كانت تيجي سيرته، كنت بحسها نظرات اتهام، كنت بجري على سريري أنام وأستغطى كأني بستخبى من وحش ولا حرامي هييجي يخطفني، عمر ما حد حس بيا ولا باللي جوايا، عمر ما حد سأل نفسه ولا حتى سألني وقال لي مالك ولا فيك إيه، ولا حتى قاعدة بعيد لوحدك ليه."
"من كتر ما كرهت اللي عمله.. كرهته وكرهت الكلمة اللي ياما كنت بسمع أصحابي بيتغنوا بيها وهم بيحكوا عن آبائهم، كلمة بابا اللي عمري ما نطقتها، حتى لما عمو عادل وماما حاولوا معايا إني أناديه بيها رفضت، وماما وقتها زعلت مني وعنفتني واتهمتني إني بنغص عليها سعادتها اللي ياما اتحرمت منها، ورغم سني الصغير وقتها إلا إني ما تهزيتش، وما غيرتش رأيي، لدرجة إني لما كبرت شوية وبدأت أقدر أعبر عن اللي جوايا، لقيت عمو عادل في مرة قالي.. أنا عارف إنك حاسة إني ما استحقش أكون مكان أبوكي."
"يومها قلتله.. بالعكس، صدقني هو اللي ما يستحقش يبقى مكانك."
ثم نظرت فرح لكامل قائلة:
"بكرهه يا كامل، عمري ما عرفت الكره في حياتي غير ليه هو وبس."
كامل وهو يقيس رد فعلها:
"جتله ذبحة صدرية."
لتعود فرح بعينيها مرة أخرى إلى الأجهزة وهي تقول:
"في ناس مرضها بيبقى ابتلاء، وناس بيبقى تكفير ذنوب، وناس بيبقى انتقام، وأتمنى إن مرضه ده يبقى من النوع الأخير."
كامل بذهول:
"إنتي دكتورة يا فرح، ولازم تقفي على مسافة واحدة من كل المرضى حتى لو كانوا أعدائك."
فرح:
"عندك حق، بس عمر الحنظل ما تطرح غير الحنظل."
ليسمعوا صوت نبيل قائلاً بخفوت:
"أنا فين؟"
فرح بلهفة:
"حمد الله على سلامتك يا حبيبي، كده برضه يا نبيل تخضنا عليك بالشكل ده."
نبيل وهو يدير عينيه بالغرفة:
"إنتو ليه جبتوني هنا؟"
كامل:
"كنت عاوز تروح فين؟"
نبيل:
"ولا حتة، أنا عاوز أروح، مش عاوز أقعد في مستشفيات أنا."
فرح بعتاب:
"ليه يا نبيل، ليه خبيت علينا نتيجة الفحوصات بتاعتك؟"
نبيل بوهن:
"لأنها محصلة بعضها يا فرح، لزمتها إيه بقى، أنا عاوز أعيش وسطكم الحبة اللي باقيين لي في هدوء، عاوز أعيش طبيعي كأني هفضل لحد ما أكبر وأعجز، هروح الكلية وأدرس وأذاكر كأني هلحق أتخرج، مش عاوز أتنقل من جهاز لجهاز ومن إشعاع لإشعاع، مش عاوز أتبهدل وأبهدلكم معايا."
فرح بنشيج خافت:
"ومين قال لك إن ده هيحصل، إنت كويس وزي الفل، إنت بس لو اتعالجت هت..."
نبيل بمقاطعة:
"ها إيه يا فرح، إنتي ما بتعرفيش تكدبي، لِتكدبي المرة دي، المرة دي مفيش رجوع يا فرح وأنا عارف ومتأكد من الكلام ده."
فرح ببعض الغضب:
"هو إنت كنت دخلت في علم ربنا، مش يمكن..."
ليضحك نبيل قائلاً:
"استغفر الله العظيم، يابنتي إنتي هتقوليني كلام ماقلتوش ليه بس، ثم نظر لفرح بابتسامة قائلاً: أنا راضي يا فرح، صدقيني راضي ومبسوط كمان، حاسس إن ربنا بيحبني وعشان كده رزقني بالابتلاء ده، عشان يكفر عني ذنوبي والحمد لله إني لحقت نفسي بسرعة ورجعت عن الطريق اللي كنت ماشي فيه، الحمد لله، ادعيلي إنتي بس، أنا مش محتاج غير دعاكم ليا."
كامل بتنهيدة:
"أيوه يا نبيل، بس ربنا أمرنا بالسعي، وإحنا طول ما إحنا عايشين لازم نسعى ويبقى عندنا أمل في ربنا."
نبيل:
"ومين قال لكم إني ما عندي أمل، أو إني مش هسعى، بالعكس، أنا عندي أمل إن ربنا يخفف عني الألم، وهسعى إني أختم أيامي اللي جاية باللي يرضي ربنا عني."
فرح:
"والعلاج يا نبيل، لازم تتعالج."
نبيل:
"إنتي عارفة وأنا عارف إن مافيش منه أي لازمة، يبقى نسيبه لغيري يمكن يفيده."
فرح وقد غلبها البكاء:
"ليه بتقول كده، إحنا المفروض نكمل الفحوصات والأشعات ونشوف الحالة واصلة لفين وإن شاء الله نقدر نعالجك."
نبيل:
"طب توعديني إنك لما تتأكدي من كلامي تسيبيني براحتي، أنا تعبت من الحقن والعلاج، فلو كده كده ميت سيبوني أعيش الفترة اللي باقيالي طالت أو قصرت من غير مرمطة وبهدلة.. أوعديني وأنا أعمل لكم كل اللي أنتم عاوزينه."
لتتبادل فرح النظرات مع كامل الذي قال:
"خلونا نكمل الفحوصات الأول وبعد كده نتكلم."
نبيل برفض:
"لأ يا كامل، أنا مصمم على كلامي."
كامل:
"وإحنا يا ابني نملك من أمرك إيه عشان نوافق على كلامك ده أو نرفضه، المفروض عمي ومرات عمي هما اللي يوافقوك أو يخالفوك مش إحنا."
نبيل:
"أنا مش محتاج موافقة حد ولا رفضه، أنا بس مش عاوز يبقى فيه نقاش تاني في الموضوع ده، آه، وعندي طلب تاني."
فرح بفضول:
"طلب إيه التاني ده كمان؟"
نبيل بابتسامة:
"عاوز أبقى وكيلك في كتب كتابك إنتي وكامل."
فرح بذهول:
"وكيلك؟"
نبيل بدعابة:
"آه وكيلك، أهو أبقى مريت على المأذون ونلت شرف مجالسته وإن إيدي اتحطت مع إيده تحت المنديل الأبيض حتى لو وكيل مش عريس."
فرح:
"بس أنا بفكر أجل..."
نبيل مقاطعاً إياها:
"لأ.. بالله عليكي، سيبيني أعيش اللحظة."
فرح بتنهيدة:
"إن شاء الله ربنا يقدم اللي فيه الخير."
نبيل:
"هو بابا ونادر وماما فين؟"
كامل بحمحمة:
"عمي بس تعب شوية و..."
نبيل برهبة:
"ماله بابا، فيه إيه؟"
فرح:
"ما تقلقش يا حبيبي هو بس عشان اتخض عليك."
نبيل وهو يعتدل بالفراش:
"طب وادوني ليه أطمن عليه، هو فين؟"
كامل:
"خليك مكانك، وهو أما يفوق أكيد هيجيلك، لأنه حالياً نايم، وإنت كمان، محتاج تنام كمان شوية وترتاح، وأنا هروح أطمن عليه مع أختك."
فرح باعتراض:
"روح إنت يا كامل، أنا هف..."
كامل بإصرار وهو يسحبها معه:
"يللا يا فرح عشان كمان نطمن نادر وبابا."
***
أمام غرفة منصور، كان يجلس نادر بصحبة أمه وعمه الذي حضر إليهم فور ما أبلغه كامل بما حدث، وكان الصمت يخيم عليهم جميعاً، ما عدا بعض شهقات البكاء الصادرة من دولت التي كانت تدفن وجهها بين كفوفها وتستند بذراعيها على قدميها، وما أن لمحوا كامل بصحبة فرح في اتجاههم، إلا ونهض نادر مسرعاً لملاقاتهم قائلاً بلهفة:
"نبيل فاق؟"
تومئ فرح برأسها علامة الموافقة قائلة:
"أيوه فاق، بس أكيد هينام تاني بسبب المسكنات."
دولت ببكاء:
"طمنوني عليه، قولولي إنه كويس وما فيهوش حاجة، قولولي إنه هيحضر جنازتي وهيترحم عليا لما أموت، قولولي إني مش هشرب ناره أبداً طول ما أنا عايشة."
إبراهيم:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إيه بس لازمة الكلام ده يا دولت، استهدي بالله واستغفري وادعيله."
كان نادر طوال الوقت يتفحص وجه فرح وردود أفعالها التي لم تستطع كتمانها، بل وجد عينيها غارقة في الدموع، فقال لها بهلع ممزوج بعدم التركيز:
"هو لما فاق.. كان لسه موجوع؟ هتعيدوا له الفحوصات بتاعته تاني ولا هتعملوا إيه، أنا عاوز أشوفه."
كامل:
"لازم نسيبه يستريح يا نادر، أنا ما صدقت خرجت أختك، قلة النوم بتتعبوا بزيادة وهتخليه يحس بالألم أسرع."
نادر برجاء:
"طب طمنني يا كامل، هي حالته واصلة لحد فين؟"
كامل باستياء:
"للأسف يا نادر، الحالة فعلاً ما تطمنش، بس إحنا محتاجين نعمل فحوصات أدق من كده عشان نعرف الحالة واصلة لأنهي مرحلة بالظبط وطرق التعامل معاه."
دولت بهم كبير:
"يعني خلاص يا كامل، استعوض ربنا في ابن عمك، نبيل هيموت خلاص."
كامل بتعاطف:
"مين فينا مخلد يا مرأة عمي، كلنا رايحين وماحدش أبداً يعرف مين هيروح الأول."
دولت ببكاء:
"بس الشواهد بتقول إنه خلاص هيمشي ويسيبنا، اللهم لا اعتراض يارب، يارب خفف عنه وجعه، أنا راضية بوجع قلبي، بس مش هتحمل وجعه قدام عيني أبداً يارب."
ليحتضنها نادر وهو يبادلها البكاء قائلاً:
"بس يا ماما عشان خاطري، ادعيله إن ربنا يشفيه."
دولت:
"كل دقة في قلبي بتدعيله يابني."
كانت فرح قد جلست بجوار إبراهيم وهو يجلس متكئاً على عصاه بصمت حزين، وهي تراقب ما يدور حولها وهي لا تستطيع حبس دموعها المنهمرة دون توقف، لينظر إليها إبراهيم قائلاً:
"عمري ما شفت دموعك بالشكل ده قبل كده، معنى كده إن مفيش أمل.. خلاص كده؟"
فرح بنشيج:
"مش عارفة يا عمي، أحياناً بنقف متكتفين قدام المرض، لكن أوقات بنتفاجئ بمعجزات ربنا اللي بتمنيها لنبيل من كل قلبي."
إبراهيم بقلة حيلة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم تلطف بنا وبأقدارنا وألطف بمن لا حيلة له إلا الرجاء إليك."
ثم التفت إلى فرح قائلاً برجاء:
"ادخلي يا بنتي لأبوكي، طمنيني عليه."
فرح بجمود وهي تجفف دموعها:
"ما الدكتور اللي هنا شافه يا عمي."
إبراهيم:
"أيوه يا بنتي عارف، بس أنا عاوز حد يفهمني، إنما الدكتور هنا اتعامل بمهنية وقال كلمتين وجرى، وأنا مش فاهم حاجة."
فرح وهي تزدرد لعابها بحرج:
"معلش يا عمي اعذرني، وبعدين أنا ماليش صفة هنا عشان أدخل أكشف عليه."
إبراهيم:
"يابنتي إنتي بنته ولا نسيتي؟"
فرح:
"أرجوك يا عمي بلاش نتكلم كلام لا هيقدم ولا هيأخر."
إبراهيم:
"طب بلاش بصفتك بنته خلينا بصفتك دكتورة."
لتنهض فرح قائلة بجمود:
"الدكتور المختص قام بالواجب، وأنا عاوزة أرجع لنبيل."
ليقول كامل:
"استني يا فرح."
ثم يلتفت لأبيه وزوجة عمه قائلاً:
"فيه حاجة يا جماعة لازم تعرفوها."
إبراهيم ببعض القلق:
"خير يا ابني، فيه إيه تاني؟"
كامل:
"فرح كانت عاوزة تأجل الجواز عشان خاطر نبيل، لكن نبيل رفض وصمم إن كل حاجة تبقى في معادها، وطلب من فرح إنه هو اللي يبقى وكيلها في كتب الكتاب."
إبراهيم بتنهيدة:
"الله يشفيه ويرفع عن ما عليه يارب العالمين، شوفوا يا ابني إنتو عاوزين تعملوا إيه وأنا معاكم، بس نتطمن على عمك الأول."
***
بعد مرور بضعة أيام، بمستشفى كامل، كانت ليلة بجوار ابنتها بالغرفة ليمر عليها أحد الأطباء لمتابعة حالة مي، وبعد أن قام بإعطاء بعض التعليمات للممرضة وقام بالانصراف، قالت ليلة للممرضة:
"هي الدكتورة فرح بقالها كتير مختفية ليه؟"
الممرضة:
"أخوها تعبان أوي ومحجوز في مستشفى تانية وهي معاه."
ليلة بفضول:
"ألف سلامة، ربنا يشفيه ويشفي بنتي وكل مرضانا يارب، طب ودكتور كامل؟"
الممرضة:
"بييجي، بيخلص شغله وبيروح لهم على طول."
ليلة:
"طب والعملية بتاعة مي، دي بعد تلات أيام، مين هيعملها؟"
الممرضة:
"متقلقيش، فيه جراح متخصص في حالتها هو اللي هيعمل لها العملية والدكتور كامل هيبقى موجود معاه وكله هيبقى تمام."
ليلة:
"يارب."
وبالفعل.. يتم إجراء العملية لمي وسط قلق بالغ من ليلة وسيد الذي حضر وقت إجراء العملية الجراحية وهو يدعي أنه عم مي ليكون بجوار ابنته وزوجته في هذا اليوم العصيب.
وبعد خروج مي من غرفة العمليات، وانقضاء ساعات القلق بداخل غرفة الرعاية الفائقة حتى استعادت وعيها واطمأن الأطباء عليها، يخرج كامل من غرفة الرعاية ليقول لليلة وهو ينزع كمامته الواقية:
"اطمني يا مدام ليلة، دلوقتي بس أقدر أقول لك إن بنتك الحمد لله بقت زي الفل، أي نعم هتاخد شوية وقت على ما تقدر تتعافى تماماً وهيبقى فيه شوية تعليمات واحتياطات لازم نتبعها، لكن الحمد لله الخطر زال."
لتنكب ليلة على يد كامل وهي تحاول تقبيلها قائلة:
"أنا مش عارفة أشكرك إزاي ولا عارفة أودي جميلك ده فين، هفضل طول عمري مديونالك بعمر بنتي الجديد اللي انكتب من تاني على إيديك."
كامل وهو يسحب يده:
"استغفر الله العظيم، إحنا مش أكتر من أداة بننفذ بيها إرادة ربنا ومشيئته."
ليلة:
"وسبب في شفاء عباده، ربنا يكرمك ويسعدك."
كامل:
"ومش عاوزك تحملي هم حاجة ولو في أي وقت احتجتي أي حاجة، تعاليلي أو تعالي لدكتورة فرح، وزي ما وعدتك أنا ممكن أوفر لك فرصة شغل هنا في المستشفى."
ليلة وهي تمسح دموعها المنسالة على وجنتيها:
"أنا بعد جميلك اللي في رقبتي ده، مش هقدر أكدب عليك أكتر من كده، أنا عاوزة أعترفلك بحاجة مهمة."
كامل بفضول:
"حاجة إيه؟"
لتقص عليه ليلة كل ما قد كان، وبعد أن فرغت من حديثها قال كامل:
"من وقت ما سمعتك بتحكي لفرح على ظروف معرفتك بيها وأنا عارف إن عمي ماعملش الحكاية دي كده لله، بس أنا من البداية كنت حاسس إن عمي يقصد حاجة مش سليمة من ورا تصرفه ده، لكن إنتي يا ليلة، ليه تطاوعيه؟"
ليلة بخجل:
"سامحني، إنت لسه ماتعرفش غلاوة الضنا، أنا كنت مستعدة أبيع عمري كله عشان خاطر سلامة بنتي، ورغم إن لحد دلوقتي ما أعرفش هو كان يقصد إيه، ورغم إني متأكدة إن نيته مش سليمة، لكن ما قدرتش أشوف باب بيتفتح لبنتي وأقفله في وشها.. ارجوك سامحني وما تخلينيش أندم إني صارحتك بالحقيقة."
ليقول كامل أثناء انصرافه:
"ماتقلقيش، بنتك مش هتتحرك من هنا قبل ما علاجها يتم للآخر إن شاء الله."
***
أصرت فرح على انتقال نبيل إلى المستشفى الخاص بكامل، مع استدعاء طبيب متخصص في الأورام ليشرف على العلاج الخاص به خاصة بعد رفض نبيل الصارم لخضوعه لأي جلسات إشعاعية.
وبعد أن علمت فرح من الطبيب المختص بأن خطورة العملية الجراحية لاستئصال الورم قد تكاد تكون أعظم من تركه، إذا.. فلا إشعاع ولا جراحة، فقررت عدم الضغط على نبيل بعد أن قال لها الطبيب:
"إنتي دكتورة وفاهمة الكلام اللي أنا هقوله دلوقتي، أحياناً الطب بيقف عاجز قدام بعض الحالات اللي بتبقى وصلت لمرحلة متقدمة من المرض، وحالة نبيل للأسف لو عملنا العملية.. فالعملية ممكن تؤدي لفقدانه الذاكرة أو إنها تؤدي لحالة أخطر من المرض نفسه، لأنها ممكن تسبب له ضمور في الأعصاب واللي هتحوله لإنسان لا حول له ولا قوة ومش هيبقى عنده تحكم في أي عملية حيوية في جسمه واللي هتخليه محتاج لمرافق أربعة وعشرين ساعة للعناية به لما يتحول لطفل فاقد الأهلية."
كامل:
"طب هو إحنا لو سفرناه برة مش ممكن يبقى في أي وسيلة تانية للعلاج؟"
الطبيب:
"رغم إني لسه راجع من المؤتمر اللي كان معمول مخصوص في إنجلترا عن حالات الورم اللي زي اللي بيعاني منها نبيل، وعارف إن مافيش أي جديد، لكن لو أنتم عندكم المقدرة إنكم تعملوا ده عشان ماتحسوش إنكم قصرتوا معاه، خدوه وسافروا، وأنا هرشحلكم المصحة اللي تقدروا تتعاملوا معاها بثقة، رغم إني شايف إنكم تحاولوا تبقوا معاه وحواليه وتسعدوه على قد ما تقدروا في الفترة دي."
فرح وهي تكتم بكاءها:
"فاضل له قد إيه؟"
الطبيب:
"علميًا مجرد شهور، لكن الأعمار بيد الله يابنتي، يا عالم أحياناً ربنا سبحانه وتعالى بيبقى له تصريف تاني خالص غير اللي إحنا بنبقى متوقعينه."
كامل:
"طب والعلاج؟"
الطبيب:
"إحنا طبعاً مانقدرش نوقف العلاج، لكن هنكثف جرعات المسكن على فترات، لأن مع الوقت مش هيتحمل الألم، ربنا يكون في عونه، وشدوا حيلكم."
وبعد انصراف الطبيب تقول فرح باصرار:
"أنا هاخده معايا المستشفى عندك يا كامل، مش هسيبه هنا، عاوزاه دايماً قدام عيني."
ليوافقها كامل ويقوم بنقل نبيل ومنصور أيضاً وسط امتعاض فرح، ولكنها فضلت عدم التعليق لجل خاطر عمها ونادر ونبيل.
وبعد مضي بضعة أيام يتعافى منصور ويغادر المشفى كمريض، ولكن يظل مرافقاً لنبيل معظم الوقت وسط شرود دائم منه بعد علمه بكل تطورات حالة ولده، وكانت فرح تلازم نبيل معظم فترات راحته وهي تحاول الترفيه عنه بمساعدة نادر وجميع أخوتها وسط مراقبة منصور الصامتة دائماً، حتى جاء يوم كان الجميع ملتف حول نبيل بغرفته فقال لها نبيل:
"أنا عاوز أخرج بقى، أكيد مش هفضل هنا كده على طول، ده أنا لو كنت عملت العملية كنتوا هتخرجوني مش هتحبسوني كده."
فرح:
"حبيبي ده أنا مخلياك هنا عشان تفضل جنبي وأبقى دايماً متطمنة عليك."
نبيل:
"بس أنا عاوز أخرج، وعاوز أشتري بدلة عشان أحضر بيها فرحك، إنتي اشتريتي فستان الفرح ولا لسه؟"
فرح:
"لسه."
لينظر نبيل لكامل قائلاً:
"ده كلام يا كامل، ده الفرح فاضل عليه عشر أيام، إزاي يعني ما جبتوش الفستان لحد دلوقتي؟"
كامل بمرح:
"يا عم هو إحنا هنعرف نجيب حاجة من غيرك."
فرح بدهشة:
"إنت تقصد إيه يا كامل؟"
كامل:
"أقصد إنه ياخد إجازة من المستشفى شوية، وينزل معانا يوم الجمعة إن شاء الله نشتري اللي إحنا عاوزينه."
فرح بقلق:
"أيوه بس هيبقى إرهاق عليه."
كامل بابتسامة:
"وقت مانحس إنه تعب هنرجع على طول."
رحمة:
"مش هيتعب ولا حاجة إن شاء الله، أنا هوَديكم أتيليه حلو أوي عندهم كل لوازم العرايس والعرسان، يعني مش هتلفوا ولا هتتعبوا."
نبيل:
"أهو رحمة حلتها."
فرح:
"طب هترجع على هنا تاني؟"
نبيل برجاء:
"لأ يا فرح عشان خاطري، اديني إجازة بس لحد الفرح بتاعك، وأوعدك إني بعد الفرح إن شاء الله هنفذلك كل اللي هتقوليلي عليه."
فرح بتردد:
"طب لو تعبت؟"
نبيل:
"هقول لك على طول أو هقول لكامل.. وعد."
فرح باستسلام:
"حاضر يا نبيل.. ماشي.. اللي يريحكم."
بالفعل تم لنبيل ما أراد فبرغم ذبوله الملاحظ للعيان إلا أنه رافقهم حتى أتموا شراء كل ما تبقى وسط سعادة بالغة منه ومرح دائم وكأنه كان يحاول مداراة آلامه التي كانت لا تنقطع عنه في الفترة الأخيرة.
***
في منزل منصور، كان نادر ونبيل يجلسان بغرفتهما، حين دخل عليهما منصور قائلاً لهم:
"عاملين إيه يا ولاد؟"
ليرددا:
"الحمد لله يا بابا."
ليجلس بجوار نبيل وهو يربت على قدمه قائلاً:
"وإنت يا نبيل، أخبارك إيه؟"
نبيل بوهن:
"في نعمة يا بابا، الحمد لله، وكويس إنك جيت.. كنت عاوزك في كلمتين."
منصور:
"خير يا ابني؟"
نبيل:
"أنا لما طلبت من فرح إني أبقى وكيلها في كتب الكتاب، عملت كده عشانك إنت."
منصور بجمود:
"وعشانى أنا ليه؟"
نبيل:
"لأني عندي أمل إن علاقتكم تتصلح ببعض في يوم من الأيام، ما هانش عليا إن قسيمة جوازها تفضل طول العمر واسم جوز مامتها يبقى في خانة الوكيل، حبيبت وكيلها يبقى على اسمها وتبقى شايلة اسمه. إنت ظلمت أخواتنا البنات أوي يا بابا، وآ آن الأوان إنك تصلح اللي عملته."
منصور وهو يحاول السيطرة على رد فعله:
"إنت شايف إني ظلمت أخواتك لما حاجيت عليك إنت وأخوك، وكنت عاوزكم تبقوا أحسن ناس في الدنيا كلها؟"
نبيل:
"كل الآباء بيتمنوا ده لولادهم، بس بيتمنوه لكل ولادهم مش حد آه وحد لأ."
منصور:
"إنتوا صلبي وعزي واللي..."
نبيل بمرارة:
"واللي إيه بس يا بابا، ربنا ما بيتعاندش، طلقت طنط فاطمة عشان خلفتها بنات واتجوزت ماما عشان تجيبنا، وفعلاً ربنا رزقك بيا أنا ونادر، بس إنت عملت إيه، شكرته؟ قلت الحمد لله إن ربنا أطعمك بالبنين والبنات وخدتنا كلنا تحت جناحك؟ قلت بناتي ما يتربوش بعيد عني ولا يتربوش مع جوز أم زي ما بنسمع مع ناس كتير، حاولت حتى تشوفهم وتتطمن عليهم وتحسسهم إنك موجود جنبهم وإنك ضهرهم وسندهم في الدنيا دي، بالعكس.. إنت اخترت ونقيت وعزلتنا عن بعض، حتى لما اكتشفت إني مريض أول حاجة فكرت فيها إنك تحييني حتى لو كان على حساب موت واحدة من أخواتي، لكن سبحان الله، ربنا دايماً بيبقى له تدابير إحنا مانعرفش عنها حاجة."
منصور:
"أنا ما فكرتش في كده، أنا كنت عارف إن مافيش خطورة من العملية على المتبرع."
نبيل:
"بأمارة إنك كنت رافض إن نادر يعمل الفحوصات من الأساس، وبأمارة اللي عملته في فرح لما عرفت إن مش هي اللي عملت العملية، طب اديني عملت العملية وبعد ما فكرنا إن خلاص، لقينا إن لسه عقاب ربنا ما خلص."
و عندما صمت منصور أكمل نبيل قائلاً:
"أنا آسف يا بابا سامحني إني بكلمك بالأسلوب ده، بس أنا حاسس إن ربنا بيعاقبك بيا، بيقول لك أنا ما بتعاندش، بيقول لك إنت عملت كذا وكذا عشان الصبيان، لكن أنا بعد ما اديتهملك هاخدهم من تاني. أنا نفسي أسيبكم وإنتوا مش كده.. يا بابا حضرتك عملت حيطة بينك وبين أخواتي وخليت فرح شبه معقدة، نفسي بعد عمر طويل لحضرتك أخواتي يدعولك ما يدعوش عليك."
ليقول منصور بجمود:
"سيبك من كل الكلام ده يا نبيل وخليك في صحتك وبس."
نبيل:
"أرجوك يا بابا حاول تصلح اللي انكسر، أنا عارف إن اللي انكسر لا يمكن يتصلح أبداً بسهولة، بس حاول عشان خاطري، دي وصيتي ليك يا بابا، وخصوصاً فرح.. فرح أكتر واحدة فيهم شربت مرار اللي حضرتك عملته وأكتر واحدة اتظلمت وشالت الهم على أكتافها."
رواية ولما قالوا دي صبيه الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ميمي عوالي
كان منصور يستمع إلى نبيل وهو لا يدري إن كان سيستطيع تنفيذ وصية ابنه أم لا. فهو يعلم تمام العلم أن فرح ترفض تماماً التعامل معه، ولكن في ذات الوقت لا يريد أن يدخل في جدال يشق على ولده. فنظر إليه وقال:
"سيبها على الله يابني، وعاوزك تهتم بعلاجك وتعليمات الحكماء بتوعك."
نبيل بارهاق:
"ماشي يا بابا، بس كمان عاوزك تحضر الفرح."
منصور باعتراض:
"يابني أحضر إيه؟ هو أنا كان حد عزمني؟"
نبيل:
"المفروض إن انت اللي تعزم الناس يا بابا، مش تتعزم أبداً. خلي الناس تعرف إنك عايش وإنك عاوزها وبتحبها، حتى لو هي رافضة ده دلوقتي، لكن شوية بشوية هتقبل ده وهتحبه ويمكن كمان تطلبه. اهتم بيهم يا بابا، صدقني أنت اللي هييجي وقت وهتندم إن ما عملتش ده من زمان."
لينهض منصور وهو يتنهد قائلاً:
"ربك ييسرها يابني، أنت بس زي ما قلت لك ماتسهش عن الأدوية بتاعتك."
وعندما هم للانصراف قال نبيل بفضول:
"هتحضر الفرح؟"
منصور بقلة حيلة:
"حاضر يا نبيل، هعمل لك كل اللي أنت عاوزه."
نبيل:
"وياريت أنت كمان تبقى عاوزه يا بابا."
ليتركهم منصور ويخرج من الغرفة وهو يومئ برأسه. وبعد أن أغلق الباب قال نادر:
"تفتكر هينفذ الكلام ده بجد؟"
نبيل وهو يدس نفسه بالفراش استعداداً للنوم:
"أعتقد إن المرة دي هينفذ يا نادر.. فاضل فرح."
نادر بنبرة يأس:
"أهي فرح دي اللي الكلام معاها في الموضوع ده بالذات وإقناعها بيه درب من الخيال."
نبيل:
"بس لازم أحاول، وأنت لازم تساعدني. أنا لو نجحت في المحاولة دي، هيبقى بالنسبة لي أكبر نجاح نجحته في حياتي."
نادر بمرح:
"وهو أنت كنت بتنجح في حاجة غير بالزق أصلاً؟"
نبيل بمرارة:
"كانت خيبة وقلة فهم، ضيعنا عمرنا على الفاضي. يا خوفى من اللحظة اللي هقف فيها بين إيدين ربنا ويسألني قضيت عمري وضيعته في إيه."
نادر:
"رحمة ربنا واسعة قوي يا نبيل، وإن شاء الله تكون العمرة اللي عملناها مبرورة ومقبولة ونكون رجعنا منها زي يوم ما اتولدنا."
نبيل:
"يارب يا نادر.. يارب."
قبل موعد الزفاف بيوم واحد، كان الجميع مجتمعين بمنزل فاطمة وهم يستعدون للزفاف في جو مبهج وسعادة بالغة. ويتردد صدى الضحكات من الجميع على الرقص المتبادل بين أحمد ومحمود ونادر وزوجي شقيقتيهما حسن وحسين. وكان نبيل يحاول الاندماج معهم في مرحهم، ولكنه كان يجلس بمكانه بجانب فرح وكامل والكبار الذين انضمت إليهم دولت، التي طلب منها نبيل الذهاب معهم. وغاب عنهم منصور كالعادة، فقد رفض بشدة طلب نبيل في الذهاب بصحبتهم بحجة أنه لا يستطيع دخول منزل طليقته وزوجها.
وكان نبيل كل حين وآخر يميل على شقيقته يقبلها بحب وهو يهنئها ويتمنى لها السعادة والهناء. حتى حان موعد انصراف الجميع لكي يستعدوا لليوم التالي. فطلب نبيل أن يتحدث مع فرح أمام المقربين، فقال لها:
"كنت عاوز أكلمك في موضوع كده يا فرح ممكن؟"
لتقول له فرح بحنان:
"آه طبعاً يا حبيبي، تحب ندخل جوة؟"
نبيل برفض:
"لا يا حبيبتي، اللي هقوله مش سر."
فرح:
"طب قول أنا سامعة."
نبيل:
"عاوزك تسامحي بابا يا فرح."
فرح بهدوء:
"حبيبي ياريت ماتشغلش بالك بالكلام ده، الموضوع ده شبه منتهي."
نبيل:
"أنا عارف إنك موجوعة منه، بس عشان خاطري، خلينا نقفل الصفحة دي بقى."
فرح:
"عشان خاطري أنا يا نبيل، بلاش أنت بالذات تكلمني في الحكاية دي."
نادر:
"ولو قولنالك إن دي أمنيتنا الوحيدة."
فاطمة بتعاطف مع نبيل:
"ما خلاص بقى يا فرح، إحنا مش هنفضل العمر كله نتكلم في الحكاية دي، ومهما كان ده أبوكي، يعني مش هنقدر نغير ده مهما حصل."
فرح بصدمة:
"أنتي اللي بتقولي كده؟ أنتي اللي عاوزاني أرجع علاقتي بيه وأسامحه؟ طب إزاي؟ إزاي وأنتي اتهامك ليا إني سبب خراب حياتك هو اللي وصلني للمرحلة اللي أنا فيها دي؟"
فاطمة بإنكار:
"أنا اتهمتك.. إمتى ده؟ الكلام ده عمره ما حصل."
فرح بغضب:
"ولما رميتيني وأنا لسه مولودة لخالي ومراته بالشهور من غير حتى ما تعرفي شكلي.. يبقى ما حصلش؟ لما كنتي دايما تبصيلي بغضب كل ما كنت أغلط أي غلطة كل الأطفال بيغلطوها عادي وكنتي دايما تقوليلي كفاياكي بقى.. كفاية اللي حصل لي من تحت راسك ما كانش اتهام؟ ولما رفضتي إني أقول لعمو عادل يا بابا زي إخواتي ورغم إني كنت لسه عيلة صغيرة ومش فاهمة حاجة.. ما قلتيليش إني عاوزة أخرب حياتك من تاني زي ما خربتها أولاني؟"
فرح وهي تحاول التقاط أنفاسها:
"أوعي تكوني فاكرة إني عشان كنت صغيرة وقتها إني نسيت أو ما فهمتش، لا، ده أنا خزنت جوايا كل كلمة اتقالتلي منك ومن الكل. اتعاملت طول عمري على إني قدم الشؤم من الكل وأنتي كنتي أولهم. فكريني كده خدتيني في حضنك إمتى زي أي أم.. أنا أقول لك، عمرها ما حصلت. آه كنتي بتحاولي تردي عني شوية من اللي كانت مرات خالي بتقوله عني أو لو سمعتي حد بيقول كلمة كده ولا كده، بس عينك كانت دايما بتقولي عكس اللي كنتي بتقوليهولهم. أنا كرهت منصور من رفضك ليا قبل رفضه هو ليا. يمكن رجعتي تاني خدتيني وما رميتينيش زيه، لكن أنتي عملتي كده عشان الناس والمجتمع، وعمرك ما اعترفتي حتى بينك وبين نفسك إني ماليش ذنب وإني مش أنا اللي طلقتك يا أمي.. وإن منصور هو اللي طلقك."
كان الجميع يستمع لفرح وسط ذهول تام من حديثها، فهي للمرة الأولى تصرح بتلك المشاعر المدفونة بداخلها، أو بتعبير أدق.. تلك الاتهامات الموجهة إلى أمها وتلك النيران التي تحاول إخمادها بداخلها على طول سنوات عمرها. ولكن كانت فاطمة أكثرهم ذهولاً، فهي لم تشعر يوماً بما اقترفت يداها مع ابنتها، ولكن كانت صدمتها الأشد أن فرح لم تكذب أبداً. فكانت تنظر لابنتها بصدمة والدموع تملأ مقلتيها، ليس حزناً مما قالته فرح، ولكن تصديقاً على حديثها وما كان منها إلا أن نهضت من مكانها متجهة إلى فرح وأخذتها بين أحضانها وهي تبكي قائلة:
"أنا آسفة يا بنتي، عمري ما حسيت أبداً إني كنت بوجعك بالشكل ده، حقك عليا، أنتِ عندك حق في كل كلمة قلتيها."
وبعد بضع دقائق قال نبيل في محاولة لتهدئة الموقف:
"ممكن تقعدي يا فرح عشان أنا لسه ما خلصتش كلامي."
فرح وهي تحاول مداراة الغضب الكامن بداخلها:
"أرجوك يا نبيل، بلاش تبقى طرف في الصراع ده، أنا عمري ما هسامح منصور، وعمري ما هصفاله أبداً."
ليتنهد نبيل بألم ثم يقول بتمني:
"نفسي أرجع لربنا وأنا شايف لمتكم حوالين بعض، هي الأمنية دي كتيرة عليا للدرجة دي."
فرح بنشيج:
"ماتمسكنيش من إيدي اللي بتوجعني يا نبيل، بلاش عشان خاطري."
نبيل بأسى:
"صدقيني يا فرح أنا بعمل كده عشان خاطركم، يمكن ماتفهميش دلوقتي، لكن أكيد هييجي يوم وتفهمي. أنا طلبت من بابا يحضر الفرح، ووافق، وبطلب منك إنك تتقبلي ده وتعتبريها بداية.. أرجوكي."
لينظر كامل إلى فرح قائلاً بهدوء وهو يشير بطرف عينيه إلى نبيل الذي يسكن الوهن على محياه:
"وافقي يا فرح… عشان خاطر نبيل، ومش لازم يعني نسيح السمن على العسل، كل واحد هيبقى في حاله برضو، بس مايبقاش في القطيعة اللي مضايقة أخوكي دي."
فرح:
"أنت اللي بتقول كده بعد كل اللي عمله معاك ومعانا."
كامل:
"كله يهون عشان خاطر نبيل."
نبيل وهو يحاول إضفاء المرح:
"تسلم يا ابن عمي، هو ده العشم برضو."
ليحضر منصور حفل الزفاف بالفعل وسط فرحة نبيل ونادر، واللذان لم يخفى عليهما فرحة رحمة وندا اللتان كانتا طوال الحفل تنظران بسعادة اتجاه أبيهما الذي كان يرسم ابتسامة دبلوماسية على وجهه وهو يحيي المدعوين.
كان حفلاً بسيطاً ولكنه كان مليئاً بالحب والسعادة لكامل وفرح، حتى سليم لم يستطع أن يعكر صفو فرح كعادته برغم تجهمه طوال الحفل والذي أرجعه البعض إلى عدم وجود خطيبته بصحبته. إلا أنه قدم التهاني بصحبة أمه وأبيه وجلس بجوارهم وهو يتابع فقرات الحفل بشرود واضح. حتى قالت له سامية بخفوت:
"ما تفرد وشك ده شوية، أنت هتفضل طول القاعدة مكشر كده."
سليم:
"عاوزاني أعمل إيه يعني."
سامية:
"لا أنت أول ولا آخر واحد تتفسخ خطوبته يعني، إيه المشكلة، عروسة راحت وبكرة ييجي ست ستها."
لتأتي عليهم فاطمة مرحبة بهم وتقول بتساؤل:
"أومال لمياء فين؟ أنت ما عزمتهاش يا سليم ولا إيه؟"
وقبل أن يجيب سليم قال سعد:
"ما خلاص بقى يا أختي، النصيب اتقطع لحد كده."
فاطمة بعبوس:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه كده بس، دول روحهم في بعض."
سامية وهي تنظر لسعد باستياء:
"عين وصابتهم يا فاطمة، زي ما يكون حد عمل لهم عمل."
فاطمة برفض:
"إيه الكلام الفارغ ده… عمل إيه وهبل إيه، يقعدوا مع بعض ويتصافوا كده وإن شاء الله الأمور ترجع لمجاريها تاني."
سامية بإيعاذ:
"فضلوا زي الفل لحد ما كانوا عندك في البيت في حفلة نجاح اسم النبي حارسة محمود، ومن ساعتها وهم أكنهم هيولعوا في بعض."
لتنظر لها فاطمة بضيق بعد أن فهمت تلميحاتها المريضة وقالت لسليم:
"خلاص يا سليم، أما تبقى تصالحها يا ابني إن شاء الله ماتبقاش تجيبها عندنا تاني عشان ماتتخانقوش مع بعض تاني."
سعد باحراج من تلميحات زوجته:
"أنتي فهمتي إيه بس يا فاطمة، سامية ماتقصدش، ما أنتِ عارفاها مدب وما بتعرفش تختار كلامها."
فاطمة وهي تتركهم للذهاب لباقي المدعوين:
"عادي يا سعد، مانا عارفة يا أخويا."
وبعد أن تركتهم فاطمة نظر سعد بغيظ لسامية قائلاً:
"هو أنتِ ما فيش فايدة في لسانك اللي عاوز ينقص حتة ده."
سامية باعتراض:
"وهو أنا قلت إيه؟ مش هو ده اللي حصل؟ رقعوا الواد وخطيبته عين جابوهم الأرض."
سعد برفض:
"هم برضه اللي رقعوه عين، ولا المحروس ابنك اللي اتغاظ وغار لما عرف إن فرح هتتجوز."
سامية:
"وهيغير ليه إن شاء الله؟"
سعد:
"عشان بيحبها طول عمره يا ست سامية، بس منها لله بقى اللي كانت كل ما تتكلم تزم فيها وتطلع عليها كلام ما يتقالش، وهو فضل ماشي ورا الكلام وهو متغمي لحد ما فاق وهي رايحة منه."
سامية بغضب وهي تحاول السيطرة على نبرات صوتها:
"أنت شكلك كبرت وخرفت."
سعد بكيد:
"ولمياء كمان خرفت، أهي هي اللي فهمت لوحدها وعشان كده بعدت واشترت كرامتها، وأهو بعد ما كنتي بتعايريها وتسمي بدنها في الرايحة والجايه، ابنك اللي خاب وقعد جنبك بحسرته، منك لله يا شيخة."
كان سليم يتابع كل كلمة تدور بين أبويه وهو ينظر بوجوم لفرح، والتي وإن كانت تبدو عليها بعض مظاهر الرهبة إلا أنها كانت رائعة الجمال في ثوب زفافها، وكامل الذي تبدو السعادة على وجهه وضحكاته التي لم تنقطع لحظة واحدة.
حتى جائت لحظة عقد القران ليذهب نبيل وهو يسحب فرح بحب اتجاه المائدة المعدة لعقد القران، ومعهم كامل ليضع كامل يده في يد نبيل وأخذا يرددان وراء القاضي الشرعي ما يمليه عليهما من كلمات باركت زواجهما. وما إن استدعى القاضي الشاهدان للتوقيع إلا وفوجئت فرح أن الشاهدان لم يكونا سوى منصور وإبراهيم. فنظرت بعتاب غاضب إلى نبيل الذي دسها بين أحضانه ومال على أذنها قائلاً:
"افرحي يا فرح، عيشي اللي جاي وانسى اللي راح بقى، وأقسم لك إني عملت كده عشانك أنتِ مش عشان حد تاني.. أوعي تزعلي مني.. أنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه."
لتتنهد فرح وتبادله الاحتضان وتقول:
"ماشي يا نبيل مش هزعل منك بس عشان خاطري بطل تفاجئني تاني."
نبيل بشرود:
"المفاجأة المرة الجاية مش هتبقى بمزاجي صدقيني."
فرح بريبة:
"تقصد إيه؟"
ليبتسم نبيل ويقول بمرح:
"أقصد إني لو ماسيبتكيش دلوقتي حالا كامل ممكن يغتالني."
ليقبل رأسها ويقدم التهنئة لكامل قائلاً:
"ألف مبروك يا ابن عمي، ربنا يسعدك."
ليستمر الاحتفال لبعض الوقت، حتى انتهى الزفاف وودع المدعوون الزوجان اللذان انطلقا إلى عشهما الجديد، بعد أن أوصت فرح شقيقها نادر بأن يصطحب نبيل إلى المشفى مرة أخرى للاطمئنان عليه، ولكن نبيل طلب الذهاب للمنزل هذه الليلة ثم العودة إلى المشفى في اليوم التالي.
وصلت فرح بصحبة كامل إلى منزلهما بصحبة أشقائها جميعاً وهم يزفونها في جو من البهجة. ووضعت شقيقاتها لهما الكثير من المأكولات والمشروبات والحلوى في البراد وغادر الجميع وسط الدعوات الصادقة لهما بالسعادة والهناء.
وبعد أن خلا المنزل عليهما، كانت فرح تكاد تفقد الوعي من رهبتها، وكأنها عند موافقتها على الزواج كانت تعتقد أنه لن يصل أبداً إلى تلك الخطوة الجدية التي طالما رفضتها سابقاً. وعندما لاحظ كامل عليها ذلك قال:
"إيه يا فرح مالك.. حاسة إنك متخوفة وخايفة كده ليه؟"
فرح:
"بصراحة ما كنتش فاكرة أبداً إننا هنوصل للحظة دي."
كامل بمرح:
"ليه يعني، عمرك ما دخلتي لعبة ووصلتي فيها ليفل الوحش؟"
لتنظر له فرح بريبة قائلة:
"تقصد إيه؟"
كامل بضحكة صغيرة:
"أقصد إني مش هاكلك يا فرح. ثم مد يده إليها بهدوء قائلاً: تعالي اقعدي.. في كلمتين أحب أقولهملك."
لتجلس فرح معه وهي تنظر إليه بانتباه فيقول:
"في شوية حاجات أحب إنك تعرفيها من البداية عشان إن شاء الله نفضل في سعادة طول عمرنا.. أولاً.. كل شيفتاتنا في المستشفى هتبقى مع بعض، لأني طبعاً ما أحبش إني أرجع البيت ومراتي في الشغل، ونشوف بعض بالصدفة، أكيد مش هتبقى حلوة أبداً."
"ثانياً.. زي ما أنتِ أكيد عرفتي عني.. أنا راجل متعاون جداً، يعني تأكدي إن الحاجة اللي أكون بعرف أعملها هتلاقيني بعملها معاكي من غير ما تطلبي مني، لكن في المقابل.. أنا راجل بحب النظام والترتيب والنضافة في كل حاجة وفي كل وقت.. يعني مش معنى إني بساعدك إني ألاقيكي تهملي في واجباتك."
"ثالثاً.. إن شاء الله لما ربنا يرزقنا بأولاد.. يوم ما أحس إنك مش قادرة توفقي بين شغلك وبينهم رغم مساعدتي ليكي اللي عمرها ما هتنقطع إلا إني وقتها ممكن أفضل مصلحة ولادنا على مصلحة شغلك."
كانت فرح تستمع إليه وترتسم على وجهها علامات البلاهة، وكأن كامل يتحدث بلغة لا تفهمها. ولكن عندما قال جملته الأخيرة وجدها تقول بجدية:
"بس أنا مش عاوزة ولاد، ومش ناوية أخلف يا كامل."
كامل بتعجب:
"وليه مش عاوزة ولاد.. عشان شغلك؟"
فرح برفض:
"لا مش عشان شغلي، لكن عشان ده قرار أنا واخداه من سنين."
كامل بفضول:
"وقرار إيه ده بقى اللي أنتِ واخداه من سنين يا ترى؟"
فرح:
"إني مش هجيب للمجتمع حد معقد من تاني، المجتمع مش ناقص."
كامل وكأنه يثبر أغوارها:
"تقصدي إيه بحد معقد من تاني، هو مين الأولاني؟"
فرح وهي تنظر أمامها بجمود:
"أنا."
كامل:
"وأنتي شايفة إنك معقدة؟"
فرح وقد بدت عليها علامات الخجل:
"أيوه."
كامل:
"رغم إني مش شايف أبداً إنك كده، بس أنتِ كدكتورة، ليه ما لجأتيش لحد متخصص وطلبتي المساعدة؟"
فرح:
"تقصد أروح لدكتور نفساني؟"
كامل:
"وليه لأ، طالما أنك حاسة إن عندك خلل من جواكي."
فرح وهي تزدرد لعابها:
"أيوه، بس المرضى بتوعي إزاي هيثقوا فيا لو حد فيهم عرف إني بتعالج عند دكتور نفسي."
كامل:
"وهما هيعرفوا منين وإزاي، ثم إن الدكتور النفساني دلوقتي زي أي دكتور، أعتقد إن الناس مفهومها للحكاية دي اتطور. ما بقاش زي زمان."
فرح برفض:
"مش حقيقي، في حاجات بتفضل راسخة جوانا مهما العلم والتطور حاربها بتفضل متأصلة جوانا بجذورها ما بتتخلعش أبداً."
كامل:
"ورغم ذلك برضه مش عذر، وأنا ممكن أساعدك وأشوف لك حد ثقة."
فرح بذهول:
"أنت؟"
كامل ببساطة:
"أيوه أنا، المفروض إني دلوقتي بقيت جوزك، وإني أكتر واحد يهمني مصلحتك."
فرح بحمحمة:
"نبقى نتكلم في الموضوع ده بعدين."
كامل برفض:
"لا يا فرح مش بعدين، ودي رابع حاجة لازم تعرفيها عني.. إني ما بحبش الهروب، بحب المواجهة، زي ما بيقولوا بحب أقطع عرق وأسيح دمه. دايماً المواجهة بتبقى أقصر الطرق لحل المشاكل، وأنتي لازم تتصالحي مع نفسك لأني مش هتنازل أبداً إن يبقى عندي ولاده رغم إن بكلامك ده ظلمتيني لأنك حطيتيني في كفة واحدة مع منصور واتهمتيني إني ممكن أغدر بيكي وبولادنا زي ما هو عمل."
فرح باحراج:
"أنا ما قلتش كده."
كامل بتنهيدة:
"كلامك معناه كده يا فرح، بس أنا عشان مقدر اللي حصل معاكي مش هعاتبك ولا هلومك، بس هقوم بواجبي ناحيتك."
فرح:
"واجبك ناحيتي اللي هو إيه بالظبط؟"
كامل بابتسامة حنونة:
"إني أثبتلك إني نسخة تانية خالص من الرجالة ما اتعاملتيش معاها قبل كده…. وزي ما هثبت لك برضه إني مش منصور……"
كان نبيل قد قضى ليلته بمنزل منصور ثم عاد إلى غرفته بالمشفى مرة أخرى في اليوم التالي. وكانت فرح تتحدث إليه هاتفياً كل صباح وهي توصيه بنفسه وتوصي نادر بأن يتابع مع طبيبه المختص ويبلغها كل المستجدات أولاً بأول.
وفي اليوم الرابع، قامت فرح بمهاتفة نبيل كالعادة لتسمع صوته يأتيها واهناً بشدة وهو يقول:
"فرح.. الحمد لله إني سمعت صوتك."
فرح بجزع:
"مالك يا نبيل، أنت تعبان؟ نادر فين وما كلمنيش ليه؟"
نبيل وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة والألم يبدو بشدة على نبرات صوته:
"أنا منعته يكلمك."
فرح:
"أنا جايلك حالا."
لتغلق الهاتف وهي تنادي كامل بصوت كالصراخ قائلة:
"الحقني يا كامل!"
ليأتيها كامل منزعجاً وهو يقول بلهفة:
"في إيه؟"
فرح وهي تتناول ملابسها وترتديها بسرعة وصوتها يرتعش من الانفعال والقلق:
"نبيل يا كامل، نبيل تعبان قوي لازم نروحله حالا."
وما هي إلا نصف الساعة حتى كانت فرح بصحبة كامل بحجرة نبيل بالمشفى، والتي وجدوا بها منصور ونادر ودولت وهم في حالة يرثى لها من البكاء والحزن. فاتجهت فرح من فورها إلى فراش نبيل الذي كان يرقد عليه بضعف وهن شديدين فقالت برهبة:
"إيه اللي حصل؟ أنت كنت كويس امبارح.. إيه اللي حصل؟"
نبيل وهو يهز رأسه برفض:
"عمري ما كنت كويس يا فرح، كل الحكاية إن قدرتي على التمثيل راحت، ما بقيتش قادر أمثل أكتر من كده. ثم نظر لكامل قائلاً… عاوز مسكن قوي يا كامل، الدكتور اتأخر قوي، والألم بقى فوق احتمالي."
ليخرج كامل هاتفه من جيب بنطاله ويقوم بمهاتفة الطبيب المعالج الذي تعثر في الوصول بسبب الطريق. وبعد قليل كان يحقن نبيل بنوع من أنواع المسكنات ذات القدرة العالية على تسكين الألم. وبعد مرور ما يقرب من العشر دقائق ابتسم نبيل بوهن قائلاً:
"سامحوني، أنا عارف إني حملت على أعصابكم بزيادة بس خلاص هانت."
فرح بنشيج:
"ما تقولش كده، أنا محتاجالك جنبي."
لتجد دولت تردد من بين دموعها:
"يارب ابني ونور عيني، ضنايا وحتة من قلبي، مش قادرة أشوفه بيتوجع يارب، اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحييه ما كانت الحياة خير له وتوفاه إن كانت الوفاة خير له، وأسألك الإخلاص في القول والشهادة وأسألك الرضاء بالقدر وأعوذ بك من ضراء مضرة ومن فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين يارب العالمين، راضية بقدرك يارب.. اللهم لا اعتراض.. اللهم لا اعتراض." ثم تنخرط في بكاء حار وهي تضم رأس نبيل المستسلم بين أحضانها بهدوء وبابتسامة عذبة تزين ثغره الباهت.
أما نادر فكان يبكي في صمت وهو ينظر إلى توأمه في أحضان أمه تارة وإلى أبيه تارة أخرى بقلق بالغ. فكان منصور هو الآخر يبكي في صمت وعيناه مرتكزتان على ولده لم تطرف أبداً. وظلوا هكذا حتى سمعوا شهقة مكتومة من دولت ثم أخذت تردد في خفوت متقطع.. "لله ما أعطى ولله ما أخذ.. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله."
بعد مرور شهرين على وفاة نبيل كان هناك الكثير من الأحداث التي جرت بسرعة شديدة على غير العادة.
قرر نادر السفر إلى الخارج لاستكمال دراسته، وصرح للجميع عن رغبته في الهجرة وعدم العودة نهائياً إلى أرض الوطن. و قام بالفعل بمراسلة إحدى الجامعات بالخارج وقام بإنهاء كافة الإجراءات ومغادرة البلاد بعد أن عانى من رفض الجميع لتلك الخطوة.
أما دولت فبعد موت نبيل وسفر نادر فقد دخلت في حالة من الزهد في الحياة، وكانت تقضي يومها في العبادة وقراءة القرآن.
أما منصور فقد انقطع تماماً عن الكلام، فهو لم ينطق كلمة واحدة منذ شيع نبيل إلى مثواه الأخير. دخل في حالة من الاكتئاب الحاد الذي حاول إبراهيم إثناء نادر عن السفر بسببها، ولكن إصر على الابتعاد. لكن إبراهيم بعد أن وجد أن حالة منصور تسوء يوماً بعد يوم قرر أن يصطحبه معه إلى منزله بالقوة وأصر أن يصطحب دولت أيضاً. واستعان بجليسة مقيمة لتقوم على خدمتهم ورعايتهم جميعاً.
أما فرح، فقد دفنت مع نبيل كل ما قد يُنعش روحها. فأهلكت نفسها في العمل، ولولا إصرار كامل على عودتها للمنزل بصحبته لكانت واصلت الليل بالنهار وهي تتابع المرضى وتمرضهم بنفسها مع هيئة التمريض.
حتى جاء يوم، كانت فرح قد عادت إلى المنزل بصحبة كامل الذي ذهب لإعداد بعض الطعام وتركها تصلي فرضها. وبعد أن عاد إليها وجدها تبكي أثناء سجودها وهي تدعو لنبيل وتشكو إلى الله حنينها إليه. فجلس بجوارها حتى فرغت من صلاتها وقال لها:
"مش آن الأوان يا فرح إننا نفوق لحياتنا شوية؟"
فرح:
"أنا آسفة يا كامل، أنا عارفة إني مقصرة في حاجات كتير، بس صدقني غصب عني. حاسة إني عاملة زي الطفلة الصغيرة اللي فرحت بلعبة جديدة وبلبس جديد، وقبل حتى ما تتلفّت، أخده منها من تاني، ما لحقتش أشبع منهم يا كامل، راحوا الاتنين سوا، وحشوني قوي."
كامل:
"ومين قال لك بس إن نادر راح هو كمان؟"
فرح:
"كلمني النهاردة وقال لي إنه مش راجع تاني أبداً."
كامل:
"ده بس عشان لسه صدمة نبيل مؤثرة عليه، لكن مع الوقت هيبتدي يستسلم للأمر الواقع، وهيلاقي نفسه محتاجكم زي ما أنتم محتاجينه بالضبط."
فرح وهي تمسح دموعها:
"اللي أنا مستغربة له موقف منصور، كنت معتقدة إنه هيثور وهيرفض، لكن……"
كامل:
"منصور الله يكون في عونه، اللي حصل مش شوية أبداً. ربنا يصبره هو وطنط دولت."
فرح بتنهيدة:
"طنط دولت، الست دي كل يوم بيعدي بستغربها قوي. لما كان نبيل لسه موجود كان إعجابي بيها بيزيد يوم ورا التاني وأنا شايفة إيمانها وثباتها، كنت شايفاها ست مؤمنة قوي يا كامل، والصراحة كنت دايما بسأل نفسي وأقول إزاي وقعت مع واحد زي منصور، لكن حالة الزهد اللي دخلتها بعد كده خلتني متلخبطة ومش فاهمة."
كامل وهو يجذبها لتنهض من الأرض:
"ربنا يعينها ويقويها، مهما كان إيماننا، لكن من حقنا نحزن، وأعتقد إن سفر نادر أثر عليها بزيادة، لكن إن شاء الله برضه حاسس إن كله هيبقى كويس بإذن الله."
رواية ولما قالوا دي صبيه الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ميمي عوالي
فى احدى الليالى بمنزل رحمة، كانت تحاول ارسال صغيرها الى النوم و هى تجلس بجواره على الفراش تمسد على رأسه بشرود، حتى دخل عليها حسن بهدوء و قال لها بهمس:
ايه يارحمة، انتى هتفضلى قاعدة كده كتير.
لتلتفت اليه رحمة قائلة:
اول بس ما آدم ينام هاجى على طول.
حسن و هو يشير الى صغيره الغارق فى النوم:
آدم نام من بدرى و قرب يصحى، ايه اللى واخد عقلك.
لتلتفت رحمة الى صغيرها للتأكد من حديث زوجها لتجده بالفعل مستغرقا فى نومه، لتهندم غطائه و تطمئن على شقيقته و تطفئ الانوار و تتجه الى خارج الغرفة بصحبة زوجها، و ما ان دلفت الى غرفتها حتى قال لها حسن بحنان:
مش ناوية تفوقى بقى يا رحمة.
رحمة:
افوق ازاى مش فاهمة.
حسن بلين:
يعنى يا حبيبتى تنفضى بقى الحزن ده من على اكتافك، انا كل ما اقول انك فوقتى، الاقيكى رجعتى من تانى لنفس الحالة، احنا بقالنا على الموال ده خمس سنين دلوقتى.
رحمة باستغراب:
ياااه، خمس سنين بحالهم.
حسن:
ايوة يا حبيبتى خمس سنين، فوقى بقى يارحمة ولادك محتاجينك.
رحمة:
بس انا مش مقصرة مع الولاد يا حسن.
حسن:
حبيبتى انا عارف و متاكد كمان من الكلام ده، انا اقصد ان آدم دلوقتى خلاص دخل المدرسة و بولان هى كمان كلها سنة و هنقدملها فى البيبى كلاس، و انتى مجهودك هيتضاعف بزيادة، يعنى محتاجة تكون نفسيتك تمام عشان تقدرى تواصلى.
رحمة بحزن:
و ايه اللى بيحصل حوالينا بس يساعد ان نفسية الواحد تبقى متظبطة.
حسن:
يا حبيبتى قولى الحمدلله، احنا احسن من غيرنا بكتير.
رحمة:
الحمدلله، انا بس صعبان عليا اخواتى و برغم كل شئ الا انى برضة صعبان عليا بابا و خصوصا بعد موت طنط دولت الله يرحمها، حاساه بقى عايش فى دنيا تانية و احنا متكتفين و مش عارفين نعمل حاجة.
حسن بتنهيدة:
و نادر راخر اللى ساب البلد و هج و مصمم انه مايرجعش تانى.
رحمة بحزن:
محمل بابا كل اللى حصل لنبيل، و اخر مرة كلمنا بعض فيها لما حاولت اقنعه يرجع حتى عشان خاطر بابا، قال لى كلام يوجع اوى يا حسن.
حسن بفضول:
قال ايه.
رحمة بدموع:
قال لى انا اتكويت بموت نبيل و من بعده ماما اللى ماتت من حزنها، ويمكن يكون كل اللى حصل ده عشان ربنا بيعاقب بابا على كل اللى عمله، و كل اللى بيقرب منه بياخد نصيبه وجع و فراق.
حسن باستياء:
لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، مين بس اللى قال الكلام ده، هو احنا هنقعد بقى نفند و نفسر كل حاجة على كيفنا، و بعدين مين فينا يقدر يعترض على ارادة ربنا.
رحمة:
حاشالله، استغفر الله العظيم، ربنا يعفو عنا و يعافينا يارب، بس انا كلامه وجعنى و خلانى افتكرت كل اللى حصل معانا السنين اللى فاتت دى كلها، افتكرت يتمنا انا و اخواتى و ابونا عايش على وش الارض، افتكرت اول مرة شفته لما عمى صمم يعزمنا كلنا قبل مانتجوز، افتكرت ان عمى كان شارى خاطره رغم ان عمره ما اشترى خاطر حد فينا، افتكرت عنجهيته و قسوته، افتكرت كسرة خاطرى و خاطر ندا فى كل كلمة كان بيقولهالنا على مصاريف جوازنا و اكنه بيمن علينا بيها، افتكرت فرح و اصرارها انها تبعد عنه و تعاقبه بنفس اسلوبه، افتكرت نبيل الله يرحمه و هو بيشحتهولنا انا و اخواتى و هو كان بيبصلنا بكل صلف و غرور و عنجهية و محسسنا ان مجرد كلامه معانا انه بيمن علينا.. و ان كوننا شايلين اسمه فده فى حد ذاته جميل كبير له فى رقبتنا، و رغم كل ده.. الا انى برضة موجوعة عشانة.
حسن:
هنفضل نقلب فى المواجع كده كتير.
رحمة:
انا اسفة يا حسن، انا عارفة انك مستحملنى بقالك فترة كبيرة و مش عاوز تزعلنى.
حسن و هو يجذبها لاحضانه:
حبيبتى انا مش متحملك و لا حاجة، انا بس متضايق عشانك، و حاسس انى متكتف و مشلول و انا مش قادر اعمل لك حاجة.
رحمة بامتنان:
حبيبى كفاية انى احس انك حاسس باللى فيا، دى لوحدها عندى حاجة كبيرة اوى.
حسن:
انا شايف بابا متمسك بعمى انه يفضل عنده، لكن لو تحبى انا ممكن اقنع بابا يسيبه ييجى يقعد عندنا و لو حتى كام يوم اكنه بيغير جو.
رحمة و هى تبحث فى وجه حسن عن اى معالم للمراوغة:
انت بتتكلم جد يا حسن، ممكن فعلا نستقبل بابا عندنا و هو فى الحالة دى.
حسن:
لو انتى عاوزة ده، فانا ما عنديش اى مانع، و من الصبح هكلم بابا و اقنعه كمان.
رحمة بتفكير:
طب اسمع، ندا مجمعانا عندها يوم الخميس بالليل، ايه رأيك نقول لعمو يجيب معاه بابا، و ييجى معانا على هنا.
حسن و هو يدير التفاصيل بذهنه:
ماشى، هكلم بابا و ارتب معاه.
فى مستشفى كامل، كان كامل قد انهى عمله و يجلس بمكتبه فى انتظار فرح و هو يراجع بعض الاوراق الخاصة بالعمل، حتى دلفت اليه فرح و هى تقول:
انا جاهزة يا كامل، تحب تمشى دلوقتى و اللا قدامك شوية.
كامل بانتباه:
انا كمان جاهز، هوصلك و ارجع على هنا اكمل شوية اداريات كده و هرجعلك تانى فى ميعادك.
فرح بتعاطف:
انت عملت كذا عملية النهاردة و واقف على رجلك طول اليوم، خليك انت مرتاح و انا هروح، و لما اخلص هكلمك و نتقابل فى البيت او حتى عند ماما و انا بجيب الولاد.
كامل و هو يلملم اوراقه و يضعها بمغلفها:
لا يا ستى ماتشغليش بالك بيا، انا هبقى متطمن اكتر اما اوصلك و ارجع اخدك و نروح نجيب الولاد سوا.
فرح بقلة حيلة:
على راحتك، انا كنت عاملة على تعبك.
كامل بابتسامة:
لا يا ستى ماتقلقيش انا مابتعبش و انا معاكى.
ليتجها معا الى السيارة و ينطلقا بطريقيهما، حتى هبطت فرح من السيارة و هى تقول:
بعد ساعة و نص بالظبط ان شاء الله هتلاقينى واقفة مستنياك.
ليومئ لها كامل بابتسامة و يدير السيارة و يبتعد بها و هو يراقب فرح بمرآة السيارة و هى تدلف الى مدخل العقار الراقي و هو يتذكر ما دار بينه و بين فرح منذ ثلاث سنوات مضت.
فلاش باك.
كانت فرح بالمطبخ تعد طعام الغداء بمساعدة كامل كعادتهما سويا، و اثناء حديثها مع كامل لاحظت صمته على غير العادة فقالت:
مالك يا كامل، حاساك مش على طبيعتك انت فى حاجة شغلاك او مضايقاك.
كامل:
ابدا, بس عندى ضرس بيوجعنى و حاسس انه مقريفنى.
فرح:
اكيد طبعا، سلامتك.. طب ماخليتش دكتور صلاح يبصلك عليه ليه قبل مانروح.
كامل:
بصلى عليه و عمللى اشعة، و ادانى مضاد حيوى عشان اللثة ملتهبة، و قاللى خد مسكن و مستنى اتغدا عشان اقدر اخد.
فرح:
طب ياللا خلاص الاكل جهز، كل و خد المسكن، بس هتاخد ايه.
كامل:
هبقى اخد قرص من عندك.
فرح:
ماشى، وطبعا ماجيبتش عشان عارف ان شنطتى دايما لا تخلو من المسكن.
بعد الغداء، اتجهت فرح الى تنظيف المائدة و الاوانى و هى تقول:
روح انت اغسل ايدك على ما انضف الدنيا واعمللك حاجة تشربها مع المسكن.
ليتجه كامل الى حجرتهم بعد ان غسل يديه و هو يقول بالم:
انا هاخد قرص مسكن من شنطتك يا فرح.
و لكن فرح لم تستمع اليه نتيجة صوت المياة، ليتجه كامل الى حقيبة يدها و يقوم بفتحها، و عند النظر بداخلها وجد اكثر من شريط بحتوى على اقراص دوائية، و عندما جذبهم لينتقى الاقوى وجد من بين الشرائط نوعا لا ينتمى للمسكنات، بل هو مانع للحمل، ليسقط فى يده، فهو يتذكر مصارحة فرح له ليلة زفافهم انها لا تريد الانجاب و لكنه بعد حديثهما معا و اقناعه لها بان ترتاد احدى عيادات الطب النفسى للتخلص من مخاوفها، اعتقد انها قد تخلصت من بعض تلك الوساوس.. خاصة بعد تقبلها الجزئى للتعامل مع منصور، و برغم انه لم يكن تعاملا كابنة و ابيها الا ان الجميع قد اعتبر ذلك تطورا عظيما.
ظل كامل ينظر الى الشريط الدوائى بيده و هو غارق فى تفكيره و التساؤلات تكاد تفتك برأسه، الا انه عندما سمع صوت خطواتها تقترب منه، اعاد شرائط العقارات سريعا الى حقيبتها، و اعاد الحقيبة مكانها، و عندما دخلت عليه فرح و بيدها كوبا من الماء، فوجدته واقفا جامدا مكانه فقالت:
ايه يا كامل.. اجيبلك بقى المسكن.
ليتجه الى الفراش و يجلس عليه بهدوء قائلا:
ااه ياريت.
لتناوله فرح المسكن و الماء، ليتناوله ثم قال:
شكرا يا فرح، انا كنت عاوز اسألك، انتى عاملة ايه مع دكتورة ايمان.
فرح بتركيز:
دكتورة ايمان مين.
كامل:
الدكتورة النفسية بتاعتك.
فرح:
اااه، عادى.
كامل:
يعنى ايه عادى، حاسة انك بتتقدمى معاها و اللا لسه خايفة.
لتنظر فرح لكامل وكأنها تستشف ما يدور برأسه ثم تقول:
انا طبعا حاسة ان فى فرق.. بس لسه.
كامل:
لسه ايه بالظبط.
فرح بلجلجة:
لسه يا كامل، لسه مش حاسة انى رجعت لروحى.
كامل بتنهيدة تحمل الالم:
كنت عاوز اسألك سؤال مهم.
فرح:
اسأل.
كامل:
يا ترى مشاعرك ناحيتى ما اتحركتش.
فرح بخجل:
تقصد ايه.
كامل و هو يجذبها لتجلس بجواره:
اقصد اننا متجوزين دلوقتى بقالنا سنتين و بقى فى بيننا عشرة و ود و رحمة، هل العشرة دى ما حركتش مشاعرك من ناحيتى، هل احساسك بكامل النهاردة هو نفس احساسك بكامل يوم ما اتجوزنا.
فرح و هى تنظر ارضا:
لا طبعا، اكيد فى فرق.
كامل:
و يا ترى بقى ايه الفرق.
فرح:
يعنى يا كامل، العشرة اكيد غيرت حاجات كتير بس انا مش هعرف اشرح لك بالظبط.
ليمد كامل انامله الى ذقنها و هو يرفع وجهها لتتلاقى اعينهم ليقول بفضول يتملكه الامل:
حبيتينى يا فرح.
فرح و هى تحاول ان تهرب بعينيها لتستطيع السيطرة على خجلها:
انت ايه اللى حصل لك النهاردة، هو كل اللى اسنانه بتوجعه بيبقى كده.
كامل باصرار:
حبيتينى يا فرح و اللا لسه ماعندكيش ثقة فيا.
فرح باستغراب:
انا بثق فيك يا كامل، انت ليه بتقول كده.
كامل و هو يتجول بين عينيها:
لو كنتى بتثقى فيا.. ماكنتيش صممتى تنفذى اللى فى دماغك من غير ماتصارحينى.
فرح بدهشة:
اصارحك بايه، انا مش فاهمة حاجة.
كامل و هو يشير بعينيه الى حقيبتها:
طلعى شرايط الادوية من شنطتك.
ليسقط بيد فرح، فقد تيقنت على الفور ماهية ما يتحدث عنه كامل، لتنظر الى حقيبتها ببهوت ثم تنظر لكامل بتردد و تقول:
ماقدرتش.. سامحنى.
كامل و قد بدأت تتغير نبرة صوته لتنم عن الالم:
ببساطة كده، اسامحك بالبساطة دى و انتى بتضحكى عليا و بتغشينى يافرح.
فرح بصدمة:
انا بغشك يا كامل.
كامل بغضب لم تراه منه فرح من قبل:
اومال انتى مفكرة اللى عملتيه ده ايه، لما تعملى حاجة زى كده من ورايا يبقى اسمه ايه، من يوم ما اتجوزنا و انا مفهمك انى اكتر حاجة بحبها الصراحة و الصدق، ليه تكدبى عليا.
فرح و الدموع تهدد عينيها بالانحدار:
انا ماكذبتش عليك.
كامل بحزم:
خبّيتى عليا حاجة عملتيها، كنا اتفقنا عليها انها ماتتعملش يا فرح.
فرح بنشيج:
ماقدرتش.
كامل باستنكار:
ماقدرتيش على ايه بالظبط، ماقدرتيش تثقى فيا؟
فرح برفض:
انا بثق فيك، و بحبك.
كامل بغضب:
مش حقيقى، رفضك الخلفة من البداية كان عدم ثقة فى الرجالة اللى انا منهم من وجهة نظرك، و لو كنتى حبيتينى زى ما بتقولى كنتى على الاقل وثقتى فيا، و ماكنتيش تخدعينى.
فرح برفض و وسط بكاء شديد:
مش حقيقى.. خوف مش عدم ثقة، خوف منى مش منك، خوف يطلعوا مشوهين من جوة زيى، خوف انك تزهق من الهوة اللى جوايا و تبعد عنى و يبقى مصيرهم نفس مصيرى، خوف من انى ما اقدرش اخليهم يحبوا الدنيا و الناس زى البشر الطبيعيين، خوف من انى ابقى ام فاشلة ماتقدرش تحسس ولادها بالحنان و الحب اللى اتحرمت منهم طول عمرى لان فاقد الشئ لا يعطيه يا كامل، تقدر تقوللى امتى حسيت بحبى ليك رغم انك بقيت النفس اللى بتنفسه، طبعا ماحصلتش.. تعرف ليه، لانى اتصبيت فى قالب جامد من سنين و فضلت فيه طول عمرى لحد ما ضاق عليا و خنقنى و مش عارفة حتى اخرج منه، اوقات كتير و احنا قاعدين نتفرج على فيلم و اللا مسلسل و ييجى مشهد رومانسى، ببقى نفسى ابصلك و اصرحلك بحبى اللى عمرى ما فكرت انه يحصل فى يوم من الايام، لكن ماكنتش بقدر، لسانى كان بيتربط، فى عز الاوقات اللى كنت بتصارحنى فيهم بحبك كنت ببقى نفسى حتى اقدر اقول لك و انا كمان، بس ماكنتش بعرف، كنت بحس بقمة الفشل و انا فى حضنك، مش عاوزة اجيب ولاد يورثوا الفشل منى يا كامل.
كانت فرح تتحدث من وسط نشيجها المتواصل و الحار فى نفس الوقت، و كان كامل يراقب انفعالها و هو جامد مكانه للمرة الاولى دون محاولة تهدئتها و عندما انتهت من حديثها نظر لها نظرة ملؤها العتاب و الالم و اتجه الى خارج الغرفة لتنهض فرح بفزع و تتشبث به قائلة:
لا يا كامل ارجوك، اوعى تسيبنى و انت زعلان منى.. مش هقدر.
كامل بمرارة:
رغم انك قدرتى تخدعينى.
لتتشبث به بقوة اكبر و هى تقول:
انا عارفة انى غلطت و غلطة كبيرة اوى كمان، لكن ارجوك سميها اى حاجة تانية الا الخداع يا كامل ارجوك.
كامل:
اى تسمية تانية هتأدى لنفس المعنى و نفس النتيجة يا فرح.
فرح برعب:
نتيجة ايه يا كامل، هتسيبنى.. هتسيبنى يا كامل، مع اول مشكلة هتتخلى عنى يا كامل.
كامل:
انتى شايفة ان دى مشكلة.
فرح بانهاك من اثر البكاء:
غلطة يا كامل، غلطت، ما عنديش ثقة فى نفسى، اقف جنبى زى عادتك و ساعدنى انى ارجع ثقتى فى نفسى، لا.. غلط.. انا عمرى ما كان عندى ثقة فى نفسى.. يبقى تساعدنى ان يبقى عندى الثقة دى.
كامل بالم:
سيبينى شوية يا فرح.. محتاج اقعد مع نفسى شوية.
فرح و هى تمسد جبهتها باضطراب و عدم تركيز و هى تنظر تارة لكامل و تارة الى اللاشئ:
طيب انااااا.. انااا هحاول انااام، انااا حاسة انى تعبانة اوى و مش قادرة افتح عينى.
و استدارت لتذهب الى الفراش و لكنها سقطت ارضا قبل ان تكمل اولى خطواتها، ليسرع كامل اليها ليجدها عبارة عن كتلة من اللحم البارد و الشحوب، ليحملها الى الفراش ثم بدأت محاولاته لاعادتها الى الوعى والتى بالكاد استجابت لها بعد أن كاد كامل ان يحملها الى المشفى.
و ما ان بدأت تستعيد الوعى و تتذكر ما حدث و هى تراقب اللهفة والقلق فى عينا كامل حتى قالت بخفوت:
و الله بحبك و بثق فيك، بس مابثقش فى روحى يا كامل.
ليلتقط كامل انفاسه و كأنه قد نسى التنفس من فرط قلقه عليها، و مد يده ليحتضن رأسها بين جنبات صدره قائلا:
ماشى يا فرح هصدقك، لانى بحبك و لانى عاوز اصدق ان انتى كمان بتحبينى.
فرح بأمل:
ااه و الله يا كامل بحبك، بس اصبر عليا شوية عشان خاطرى، اوعدك انى هبذل مجهود اكبر عشان اعمل لك كل اللى انت بتتمناه.
ليشير كامل الى حقيبة يدها قائلا:
اول حاجة تتوقفى تماما عن الاقراص دى، و هنركز اكتر مع جلسات الدكتورة ايمان، مش عاوزين نضيع ولا معاد، و لو عاوزانى احضر معاكى الجلسات انا ما عنديش مانع.
فرح و هى تنظر لعينيه و كانها تبحث عن صدق حديثه:
بجد يا كامل، لو انا احتاجتك جنبى هتيجى معايا.
كامل بتنهيدة:
و من امتى وعدت و اخلفت يا فرح، و من امتى احتاجتينى جنبك و اتخليت عنى.
لتندس فرح بين احضانه قائلة بخفوت:
عمرك..، سامحتنى.
كامل:
لا.
لتتجمد للحظة قبل ان ترفع رأسها اليه و بعينيها حيرة و تساؤل ليقول لها كامل:
انا صدقتك يا فرح، لكن لسه ماسامحتكيش على تصرفك اللى اتصرفتيه من ورايا، و هحتاج وقت عشان انسى اللى حصل.
فرح بدموع:
و الوقت ده هيبقى اد ايه.
كامل و هو يقبل رأسها:
انتى و شطارتك، كل ما هشوف اصرارك على انك تلتزمى و تتقدمى، هتلاقينى انا كمان بنسى و بسامح.
فرح:
اوعدك انى هبذل اقصى مجهودى.
و لم تمضى سوى شهور قلائل، لتزف اليه خبر حملها ليرزقهم الله بتوأم.. ابراهيم و نور، و من وقتها و هى تواظب على جلسات العلاج النفسى مع طبيبتها المختصة وسط تقدم ملحوظ فى تعاملاتها مع الاخرين و خاصة منصور و لكن كامل لم يسمح لها بالتوقف عن تلك الجلسات حتى تعلن الطبيبة بان فرح قد تخلصت تماما من عقدتها.
عودة من الفلاش باك.
ليلة الخميس بمنزل ندا.
كان الجميع يتبادلون الاحاديث التى يغلفها الود المتبادل، و كانت فرح بصحبة شقيقتيها و هم يعدون بعض المشروبات للجميع، ليأتيهم كامل و هو يحمل ابراهيم الصغير بين احضانه و هو يحاول الهائه عن البكاء و قال لفرح:
خدي ابراهيم يا فرح و شوفي ماله مش مبطل عياط.
لتمتد يدا فرح لصغيرها الذى تشبث بها على الفور لتقول بحب:
مالك يا هيما، ايه ياحبيبي.
ليهدأ بكاء الصغير بعض الشئ و هو بين أحضان امه لتقول ندا:
هو تلاقيه بس مخضوض من الدوشة، دخلوه يقعد مع ولاد خالاتهم و هو هينشغل بيهم و هينسى اى حاجة تانية.
كامل:
الولاد قاعدين برة مع جدودهم، مش فى اوضة ريتاچ، و محمود و احمد نزلوا.
رحمة:
يبقى عشان كده، خلاص قعدوه هو كمان وسطهم، الولاد الصغيرين فى السن ده بيحبوا يبقوا بين الاطفال.
ندا:
خلاص روحى انتى يا فرح بابنك و اقعدى معاهم برة عشان يتطمن.
لتأخذ فرح صغيرها و تذهب للجلوس بالقرب من امها التى كانت تحمل نور على اقدامها، و عمها اللذان يتبادلان الاحاديث مع عادل و يراقبهم منصور بحالة من الشرود، و ما ان جلست فرح حتى مد ابراهيم الصغير يده باتجاه ريتاچ و آدم، و بولان الجالسة على قدم ابراهيم الكبير، ليقول كامل:
الظاهر رحمة كان عندها حق، هو عاوز يقعد بين الولاد، هاتيه لما اقعده وسطهم.
ليأخذه كامل الى ابيه ليضعه على قدمه الاخرى و هو يقول بمرح:
معلش بقى يا بابا، ابراهيم الصغير طمعان فى رجلك الفاضية.
ليضم الجد حفيده بحب قائلا:
يا سيدى يشرف.
و ما ان احتضن الجد الصغير حتى تفاجئ الجميع بنور الصغيرة و هى تشير بيدها على تجمع الصغار و كأنها تريد الانضمام اليهم لتقول فاطمة بضحك:
هتروحى فين بقى يا نور، الاماكن كلها اتاخدت.
ليتفاجئوا مرة اخرى بمنصور و هو يمد يده اتجاه نور، و كأنه يدعوها للذهاب اليه، فينظر الجميع تجاه فرح و كامل الذى نظر بدوره لفرح ليعلم رد فعلها، ليجدها قد ذهبت باتجاه فاطمة و انحنت حاملة الصغيرة، ثم استدارت عائدة الى شقيقتيها مرة اخرى و هى تقول:
انا هاخدها معايا جوة عشان ما تعيطش زى اخوها.
وعندما عاد كامل ببصره الى منصور وجده منكسأ رأسه ينظر للارض دون اى حركة او حديث تحت نظرات ابراهيم المتألمة لاجله.
و عند خروج رحمة و ندا و فرح اليهم مرة اخرى تظل فرح متشبثة بنور و لا تسمح لها بالابتعاد عنها حتى انتهت سهرتهم و قد اقنعت رحمة عمها لان تصطحب معها منصور لبضعة ايام كنوع من التغيير، و عندما سأل ابراهيم اخيه عن رأيه وجده يومئ رأسه بالموافقة بقلة حيلة و عدم حماس، فكاد ان يثنى رحمة عن طلبها و لكنه وجدها اقتربت من ابيها و قبلت رأسه و هى تقول بحماس:
و الله هتنبسط اوى يا بابا، و يمكن ماترجعش تقعد مع عمى تانى.
ابراهيم بمرح:
بقى دى اخرتها يا ست رحمة، عاوزة تاخدى اخويا منى.
حسن:
طب و ناخده منك ليه با بابا، ماتيجى حضرتك تقعد معانا و معاه.
رحمة بحماس:
ااه و الله يا عمى، تعالى و اهو انت كمان تغير جو.
ابراهيم برفض:
لا يا ستى، انا مابعرفش انام غير على سريرى.
حسين:
طب ماتجرب السرير عندى يابابا.
حسن بامتعاض:
احنا هنقطع على بعض يا سى حسين و إللا ايه.
ندا:
مش قسمة العدل، رحمة تاخد بابا، و احنا ناخد عمى.
لينهض كامل قائلا:
و انا هاخد مراتى و عيالى و اروح.
فاطمة بضحك:
ايه مش عاوز ينوبك من الحب جانب انت كمان.
كامل ببساطة:
انا عاوزهم يتفقوا و ينفذوا، و لو نجحوا فى اللى بيقولوه ده.. يبقى كل واحد ياخد دوره بالعدل.
لتنتهى سهرتهم و يذهب منصور بصحبة رحمة و حسن، و يصر ابراهيم على العودة لمنزله بعد ان يوصل منصور الى منزل حسن و رحمه و يطمئن عليه بنفسه، و يعود كامل الى منزله بصحبة فرح و ابنائه، و بعد ان ارسلت فرح الصغار الى النوم و ذهبت الى فراشها وجدت كامل يقول بهدوء:
ممكن اسالك على حاجة.
فرح و هى تهرب بعينيها:
حاجة مهمة يعنى ماينفعش تتأجل للصبح.
كامل:
لا يا فرح ماينفعش تتأجل.
فرح بامتعاض حاولت مداراته:
اسأل يا كامل رغم انى تقريبا عارفة انت عاوز تسالنى على ايه.
كامل:
خلاص.. يبقى تجاوبى على طول، و لازم تفهمى انى و لا معاكى و لا ضدك، بس عاوز افهم.
فرح و هى تزدرد لعابها و دون النظر لكامل:
مش عارفة.
كامل بفضول:
هو ايه ده اللى مش عارفاه.
فرح:
مش عارفة انا ليه عملت كده، انا لما لقيته مد ايده لنور و هو بيبصلها و كأنه بيبتسم لها حسيت انه مش من حقه.
كامل باستنكار:
مش من حقه ايه، دى حفيدته.
فرح بشبه ثورة مدفونة:
و انا امها و اللى المفروض بنته، بنته اللى عمره ما اخدها فى حضنه و اتسبب فى حرمانها من حضن امها، وبعدين ده حتى عمره ما سلم عليا بالايد.
كامل:
بس دايما احنا اللى بندخل عليه و انتى اللى مابتسلميش عليه يافرح.
فرح باستنكار:
انت عاوزنى انا اللى اسلم عليه.
كامل:
يعنى لو هو اللى سلم عليكى هتسلمى.
فرح بجفاء:
لا.
كامل بتنهيدة:
احنا مش كنا اتخطينا شوية من الجزئية دى و ابتديتى تتعاملى عادى، رغم انك لحد النهاردة مابتقوليلهوش غير يا حاج و عمرك ماقلتيله يا بابا، بس اعتقدت انك اتخطيتى جزء من المشكلة، يافرح انتى عارفة موقفى من الموضوع ده، بس كمان، انسانيا حتى، عمى شبه منتهى، الذبحة اتكررت اكتر من مرة، و شبه مابيتكلمش الا كل فين و فين و حتى حركته بقت قليلة اوى، يعنى لو عايش النهاردة يا عالم بكرة هيبقى فين، انا بس خايف عليكى لا تأنبى روحك بعد كده.
لتنحدر دموع فرح على وجنتيها، ليقول كامل بامتعاض:
انا مش بقوللك كده عشان تعيطى، انا بقوللك كده لانى عاوزك تتخطى بقى كل ده.
فرح:
دكتورة ايمان قالتلى ماتعمليش اى حاجة غصب عنك.
كامل:
و انا كمان بقول لك نفس الكلام، بس عاوزك تصفى يا فرح، انا حاسس انك حتى مش قادرة تفرحى بحاجة، كل حاجة بتاخديها بمنظور الماضى و لو كان منصور عمل او ما عملش، شيليه بقى من خطوات حياتك اللى فاتت و حاولى تصفى من جواكى اكتر من كده، بلاش تتعاملى معاه على انه منصور اللى رفضك، اتعاملى معاه على انه منصور الانسان المريض اللى محتاج المساعدة.
فرح و هى تومئ برأسها:
حاضر يا كامل، اوعدك انى هحاول.
كامل و هو يضمها اليه مقبلا مفرق رأسها:
هى دى حبيبتى أللى دايما بفتخر بيها و اللى عاوزها تبقى احسن و احن ست فى الدنيا كلها.
رواية ولما قالوا دي صبيه الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ميمي عوالي
فى منزل رحمة ، كان ابراهيم قد ذهب بصحبتهم حتى يطمئن على راحة منصور ، و استأذن حسن و رحمة ان ينفرد به لبعض الدقائق بغرفته قبل ذهابه.
وبعد ان تركهم حسن و رحمة ، قال ابراهيم : اسمع يا منصور ، عاوزك تعرف ان لو عليا انا مش عاوزك تبعد عنى لحظة واحدة و خصوصا بعد ما الدنيا فضيت علينا احنا الاتنين ، بس انا شايف ان دى فرصة ليك انك تقرب من بناتك ، بناتك بيحبوك و نفسهم يشوفوك مرتاح و مبسوط ، جرب و صدقنى مش هتخسر حاجة ، لكن لو فى اى وقت حسيت انك مش عاوز تقعد هنا ، كلمنى … و هتلاقينى عندك فى اقل من نص ساعة ، و كمان حسن و رحمة اتفقوا معايا انى هتغدا معاكم كل يوم .. ها .. اتفقنا ؟
ليومئ منصور برأسه علامة الموافقة دون ان ينبث بكلمة و بشئ من اللا مبالاة و كأنه ماعاد يفرق معه شيئا ، لينظر اليه اخاه بشئ من الحسرة ، فعلى الرغم من اعتراضه طيلة حياته على تصرفات اخيه ، الا انه يشعر بالأسى تجاه التغيير الذى حدث له ، فكان يتمنى ان يكون تغيره بناء على تفهم و اقتناع و ليس تغيرا ناتج عن القهر و الفقدان.
و من صباح اليوم التالى كانت رحمة تولى اباها الكثير من الاهتمام و الرعاية ، و تتفنن فى ارضائه و محاولة فتح احاديث قد تجذبه للاشتراك بها و لكنه كان دائما يستمع لها دون اى تعليق ، و لا يجيبها الا اذا سألته عن شئ كانت اجابته بلا او بنعم ، فكان تفاعله الاوحد بامائة من رأسه علامة القبول او الرفض ، و لكن رحمة لم تيأس و كان حسن دائما يساندها و كذلك ابراهيم وقت مشاركته لهم.
حتى مر اسبوع ، و كانت رحمة قد قررت دعوة ندا و فرح و زوجيهما للعشاء معا و تمضية سهرة الخميس معا ، و بعد ان انجزت ما يلزم عمله اتجهت الى ابيها الجالس فى الشرفة و هو يراقب الغروب فى هدوء ، فانحنت عليه و قبلت رأسه و قالت : ايه يا بابا ، مش حابب تريح شوية قبل ما اخواتى يوصلوا.
ليرفض منصور بحركة رأسه المعتادة ، لتسحب رحمة مقعدا و تضعه أمام منصور وتجلس عليه و هى تنظر بعينا ابيها الذى لفت نظره ما فعلته ، لتقول بتنهيدة عميقة : و بعدهالك يا بابا ، هتفضل كده لحد امتى ، انا تقريبا ماسمعتش صوتك من يوم ما جيت غير مرة واحدة كل يوم الصبح و حضرتك بتصبح عليا ، ليه يا بابا ، ليه حطيت نفسك جوة القمقم ده ، مش كفاية كده ، يا بابا اللى راح مابيرجعش ، صدقنى كلنا اتوجعنا بموت نبيل ، نبيل الله يرحمه كان اسم على مسمى كان اسمه نبيل و هو كان فعلا انسان نبيل ، و كان مؤمن و راضى بقضاء الله ، و رغم ان يمكن حضرتك ماتصدقنيش ، لكن اقسملك ان كلنا زعلنا برضة على طنط دولت الله يرحمها ، الست دى على الرغم من ان الكل ممكن يشوفها على انها الست اللى اخدت مكان امنا ، لكن و الله كلنا كنا بنحبها و بنحترمها لانها كانت جميلة من جواها ، لكن خلاص دى ارادة ربنا يا بابا ، و لازم نكمل حياتنا ، اى نعم عمرنا ماهننساهم ، لكن ما ينفعش الدنيا تنتهى معاهم ، و احنا محتاجينلك ، محتاجين نحس بوجودك فى حياتنا ، يمكن تكون شايف ان انا و اخواتى ما نستحقش اهتمامك ، لكن صدقنى … رغم كل ده .. احنا شايفينك تستحق اهتمامنا و حبنا.
كان منصور قد نظر باتجاه اخرى ما ان بدأت رحمة حديثها ، كان ينظر بعيدا و لكنه كان يستمع الى كل كلمة بتركيز ادركته رحمة من معالم وجهه التى كانت تموج بالحنين لولده و زوجته ، و لكنه ما ان استمع الى الجملتين الاخيرتين حتى عاد بنظراته الى عينا رحمة و التى احست بانتصار ما ان جذبت اهتمامه اليها ، فابتسمت و قالت : طول عمرك كنت حارمنا من حبك ، ادينا فرصة نحسسك احنا بحبنا ، يمكن تقدر تحبنا زى ما بنحبك ، نفسى ولادى ذاكرتهم تسجل وجودنا مع بعض و يشوفوا حبك اللى فى قلبنا ، و تبقى ذكرى حلوة ليهم لما يكبروا يحكوا عليها لاصحابهم.
انا و اخواتى اتحرمنا من الذكريات دى ، ادينا فرصة نبنى غيرها معاك و مع ولادنا.
لتختتم رحمة حديثها بقبلة حنونة على جبين منصور ، و تعود الى الداخل تاركة اياه يموج بين الحاضر و الماضى و هو يواصل كشف حساب قد بدأه مع نفسه منذ سنوات دون علم احد.
ليمر الوقت و يبدأ الجميع فى الحضور و بصحبتهم ابراهيم كالعادة و الذى يعشقه الصغار و دائما يلتفون حوله فى بهجة و سعادة و هم يتمتعون بدفء احضانه و لاحظ الجميع ان ابراهيم يلف كف يده برباط طبى ، و عندما سألته عنه رحمة بقلق فور رؤيته فقالت : سلامتك يا عمى ، مال ايدك ، اوعى تكون وقعت و لا حاجة بعد الشر.
فقال لها ابراهيم باطمئنان : ابدا بسيطة ، بس الظاهر انها اتجزعت منى و انا بقفل بوابة العمارة ورايا امبارح.
لتقترب منه ريتاج و تقول بتأثر و هى على وشك البكاء : هى بتوجعك اوى يا جدو.
ابراهيم بحنان : ابدا يا روح جدو ، مابتوجعنيش.
ريتاج : طب خلى عمو كامل يكشف عليها هو و خالتو فرح عشان تخف بسرعة.
ابراهيم و هو يضمها الى صدره بحب : حاضر يا حبيبة جدو ، و ان شاء الله لما تكبرى تبقى دكتورة و انتى اللى تكشفى عليا.
ريتاج بحب : لا يا جدو ، انا عاوزاك تبقى كويس ، مش عاوزاك تبقى تعبان.
حسن و هو يحمل ريتاج بمرح : ايه يا بت الرقة دى ، انتى عارفة لو بولان ماطلعتش حنينة و عسولة زيك كده ، هخلى خالتك ترجعها تانى.
ليقول ابراهيم و هو ينظر لبولان تارة و لنور ابنة كامل تارة اخرى : بناتنا كلهم حنينين يا حسن ، واخدين حنيتهم من امهاتهم.
حسين بمرح : ااه طبعا و مين يشهد للعروسة ، خليك انت مدلعهم كده و ناصرهم دايما علينا.
كامل : هو عشان بيقول الحقيقة يبقى بينصرهم عليكم.
حسين بامتعاض مرح : يا عم خليك انت فى النحنحة بتاعتك مش ناقصاك ، مش كفاية انت السبب انى اغسل المواعين.
ندا بتوعد : و بعدهالك يا حسين ، مش قلنا شئوننا الداخلية دى بيننا و بين بعضينا.
حسين باستياء : حاضر يا جناب الكوماندا المهمل.
ليستمروا لبعض الوقت فى جو من المرح و البهجة وسط مراقبة منصور الصامتة ، حتى قالت لهم رحمة : طب ياللا نتعشا الاول عشان الاكل مايبردش و اللا ايه.
ليلتف الجميع حول مائدة الطعام ، لتولى رحمة ابيها اهتمامها الاوحد ، و تتولى ندا مساعدة عمها فى تحضير صحنه و تناوله ، اما فرح فقد اولت اهتمامها بكل الصغار بمساعدة كامل وسط مشاكسات حسن و حسين.
و كان منصور طوال الوقت يراقب بناته الثلاث و اهتمامهن و حنوهم على الجميع ، و كم هن سندا لبعضهن البعض دون اتفاق مسبق او تذمر او شكوى فكان يتنقل بعينيه بين رحمه و هى تضع له الطعام بصحنه بعد تهيئته الكاملة ليتناوله دون اى مشقة ، و كانت البسمة على محياها لم تفارقها ابدا ، و كان كلما يتوقف عن الطعام تدس له شيئا بفمه و هى تحايله كالصغار.
و عندما كان يتابع ندا .. كان يجدها تفعل مع شقيقه ما تفعله رحمة معه و بذات المحبة و الابتسامة الصافية التى و ان نمت عن شئ فانما تنم عن حب صادق لا رياء فيه.
اما فرح ، فكان يتابعها بشئ من الحذر ، فكان يلاحظ انها تبادله بعض النظرات و هى تختلس النظر اليه و الى رحمة و هى تساعده و تعتنى به ، كان يشعر بحنوها على الصغار ، و لكنه عند تلاقى أعينهم كان يجد نظرة لم يراها بعينيه من قبل ، فكان فى السابق و حتى موت نبيل كان كلما تلاقت اعينهم لا يجد الا كل رفض و حدة ، لتتحول النظرة رويدا رويدا الى لوم و عتاب يطفح بالمرارة ، حتى بدأت تلقي اليه كلمة من هنا تارة و من هناك تارة اخرى ، و لكنها قلما ما كانت تتعدى جملتها الأشهر و التى تكاد تكون الاوحد … ازيك يا حاج ، و كانت تصاحبها نظرة زجاجية لا تفصح عن اى معنى.
اما اليوم فعينيها تمتلئ بنظرة غامضة ، لا .. ليست نظرة غضب كالسابق ، و ليست عتاب ايضا ، و لكنه فشل فى تفسيرها فشلا ذريعا جعله ينشغل بمتابعتها عله يستطيع فهم تلك المعضلة الغامضة.
بعد انتهاء الطعام ، انشغلت الشقيقات بتنظيف المكان كالعادة ، ليجتمع الرجال و الاطفال معا و هم يتبادلون الاحاديث وسط انشغال منصور بمتابعة حركة بناته و احفاده ، و فى اثناء تجمع الصغار و لهوهم حول ابراهيم ، كانت نور تمسك بيدها ثمرة فاكهة تأكلها ببطء شديد ، ثم تتعثر لتقع تحت اقدام منصور و تتدحرج ثمرة الفاكهة بعيدا ، ليسرع منصور بانتشالها و مساعدتها على الاعتدال ، و هو يمد يده لها بثمرة فاكهة جديدة ، لتأخذها من يده و هى تحاول الصعود فوق اقدامه ، ليساعدها كى تستقر بين احضانه و بدأت فى قطم الفاكهة و هى تتابع ما يدور من حولها دون ضجة و هى تستند لصدر جدها بين ذراعه الذى التف حول جزعها باحكام.
و كان كامل يتابع صغيرته و ما ان شاهد ما حدث توجه بعينيه على الفور اتجاه فرح ليعلم ان كانت رأت ما حدث ، و ما ان التفت للوراء حتى رآها و هى تلملم بقايا الطعام من فوق المائدة ، و لكنها ما ان رأت ما حدث حتى توقفت عن ما كانت تفعل ، و ظلت تنظر لمنصور الذى وجدته يربت براحة يده بهدوء على قدم نور و هو يبادلها النظرات و هو ينتظر ان تنزعها من بين احضانه فى اقرب لحظة ، و لكن فرح ظلت تنظر اليه فينة و الى ابنتها المستمتعة بجلستها فينة اخرى ، ثم استدارت و عادت الى شقيقاتها ، ليبتسم كامل براحة و هو يدعو الله ان يغسل صدرها من كل الم مر عليها.
و بعد مضى بعض الوقت ، كانت الفتيات قد عدن لمجالسة ازواجهن و الجميع ، لتلاحظ فرح ان نور قد ذهبت فى سبات عميق باحضان جدها الذى ضمها الى صدره بحماية و يده لم تنقطع عن الربت عليها بهدوء ، ليقول لها كامل : تاخدى نور تنيميها جوة يا فرح و اللا اخدها انا.
لتقول فرح بانتباه : انا هاخدها ، لتنهض متجهة الى ابيها و ما ان كادت ان تميل عليه لتتلقى صغيرتها الا تفاجئت بمنصور ينهض بهدوء و هو يحتضن نور و قال : انا هدخلها.
فرح بتردد : عنك انت يا حاج ، انا هدخلها ، عشان اغطيها.
منصور : تعالى غطيها ، بس انا هدخلها.
لترضخ فرح لما قاله منصور الذى لم ينبث بذلك العدد من الكلمات منذ شهور عدة .. بل لسنوات ان صح التعليق ، و تركته فرح يذهب امامها ، فوجدته يذهب الى الغرفة التى خصصتها له رحمة ، فلم تحاول الاعتراض ، و ذهبت ورائه و هى لاتعلم كم العيون التى تشيعهم فى ذهول ممزوج بالفضول الشديد .. اذ قال حسين بخفوت و هو ينظر لكامل : هو ايه الحكاية ، من امتى عمى بيهتم كده ببنت من البنات.
ابراهيم بتمنى : يمكن يا ابنى ربنا يكون رايد له ان الغمامة اللى كانت على عينيه انها تتشال.
حسن : الحقيقة اللى انا مستغربله اكتر هو رد فعل فرح مش تصرف عمى ، انا ملاحظ ان عمى انكسر بموت نبيل و طنط دولت الله يرحمهم و كمان بعد نادر و احساسه ان نادر رافضه و رافض يتعامل معاه ، لكن فرح الصراحة اللى فاجأتنى برد فعلها ده ، انا تخيلت انها هتعمل زى اما كنا عند ندا.
ندا : يا جماعة احنا لازم نشوف حل مع نادر ، و لازم نحط حد للحالة اللى هو فيها دى ، انا خايفة بابا يحصل له حاجة فى اى وقت و نادر مش هنا.
ابراهيم : و الله يا بنتى انا غلبت فيه ، و كل مرة بيبقى رده اسوأ من اللى قبلها ، محمل ابوه مسئولية موت نبيل و موت امه ، و مابيبطلش يقول ان اللى حصل ده مش اكتر من انتقام ربنا فى اللى ابوه عمله زمان مع اخواته البنات و غلبت كلام معاه باللين مرة و الشدة مرة ، و مرة بالعقل و مرة بالدين ، و فى كل مرة مش بلاقى منه غير العند و المكابرة و بس.
رحمة بتردد و هى توجه الكلام لكامل : بقولك يا كامل ، ما تروح ورا فرح و بابا ، و اتاكد كده ان كله تمام ، انا قلقانة على بابا لا فرح تقول له كلمة كده و اللا كده.
كامل : ماتقلقيش يا رحمة ، فرح لو كانت عاوزة تقول له حاجة مش هتستنى لما تبقى معاه لوحده ، و بعدين من امتى اصلا و هى بتوجه له اى كلام.
ابراهيم : معلش يا كامل ، قوم برضة وراهم اكنك حتى رايح الحمام بص عليهم كده من بعيد.
كامل بانصياع : حاضر يا بابا ، رغم انى مش شايف ابدا اى سبب للقلق ده.
رحمة بمحايلة : للاطمئنان بس يا كامل .. معلش.
كان منصور قد وصل الى فراشه ، و كانت فرح من خلفه تنتظر ان يضع نور على الفراش لتقوم بوضع الغطاء عليها ، و لكنها بدلا من ذلك ، وجدت منصور يرقد على الفراش و هو مازال محتفظا بنور بين احضانه ، و بعد ان اعتدل بنومه قال بخفوت و هو يراقب ردود افعالها بالمرآة : انا هنام انا كمان شوية … غطينا سوا و سيبيها معايا .. ماتقلقيش.
لتقف فرح كالتائهة و هى لا تدرى كيفية التصرف و كانت تنتقل بعينيها الى ظهر ابيها و وجه ابنتها المندس بين احضان جدها فى هدوء و سكينة ، و لكنها قالت بتردد : بس احنا احتمال نمشى كمان شوية و هحتاج اخدها و انت هتبقى نايم و كده هقلقك.
لينظر اليها منصور من خلال المرآة و قال : سيبيها معايا .. ماتقلقيش عليها مش هأذيها.
كانت نبرته تحمل الرجاء بين طياتها ، لتتجه فرح بنظرها الى المرآة لتقابل عينا ابيها التى يمرح فيها شبح اليأس بفخر و اعتزاز ، لتقابله فرح باضطراب احتل كيانها بالكامل لترتجف حدقتاها و هى تزدرد لعابها و تتقدم من الفراش لتمد يدها و هى تسحب الغطاء عليهما معا ، ثم تلتف من الجهة الاخرى لتؤمن غطاء ابنتها و لكنها قبل الوصول لهدفها وجدت يد ابيها قد سبقتها و دثرت ابنتها جيدا ثم احتضنها مرة اخرى و اغمض عينيه سريعا حتى خيل اليها انه ذهب فى النوم فى التو و اللحظة ، لتظل مكانها و هى تراقبه فى نومه لتلاحظ ان ملامحه هادئة .. ساكنة .. و كأنه رجل عاش حياته بالكامل فى سلام داخلى و خارجى ، لتسأل حالها .. من هذا الرجل المتوسد باحضان ابنتى بكل هذه السكينة ، و اين ذهب هذا المنصور المتعجرف القاسى الذى قتل براءة مهدها قبل ان تعى العالم من حولها.
لتفيق على يد كامل و هى تهزها برفق و هو يقول بهمس اثناء مراقبته للمشهد : مالك يا حبيبتى ، ليه واقفة كده.
فرح : هااا ، لااا ابدا.
كامل : هو عمى كمان نام.
فرح : ايوة ، قال انه عاوز ينام شوية.
كامل : طب مش مشكلة ، سيبيهم و تعالى برة ياللا.
فرح و هى تذهب معه : ياللا.
و عند عودتهم الى الخارج قالت رحمة بدهشة : الله .. اومال بابا فين.
كامل : نام هو كمان جنب نور.
ندا : معقول هينام من دلوقتى للصبح.
فرح ببعض التوتر : قال هينام شوية.
رحمة : اصله صاحى من بدرى و ما نامش تانى من ساعتها.
ابراهيم : يبقى هينام للصبح.
فرح بتردد : ايه … طب كامل يجيب نور بقى عشان نمشى احنا.
رحمة باعتراض : تمشوا تروحوا فين ، لسه بدرى ، احنا يادوب اتعشينا ، اقعدى يا فرح و استهدى بالله.
و بالفعل تستمر جلستهم حتى وجدوا ابراهيم ينهض قائلا : الوقت سرقنا و انا كمان عاوز انام ، هتوكل انا بقى على الله يا اولاد.
لينهض الجميع تباعا استعدادا للرحيل ، لتلتفت فرح الى كامل قائلة : ادخل انت هات نور.
رحمة : طب ماتسيبيها بايتة معانا النهاردة يا فرح و اهى تلعب و تنبسط مع بولان.
كامل و هو يتجه الى الداخل : معلش يا رحمة عشان لما تصحى ماتتخضش اننا مش معاها.
و عند دلوف كامل الى غرفة عمه ، وجد نور مستيقظة و تجلس باحضان جدها و هى تعبث بشعره و شاربه و تصدر صوتا مرحا كالزقزقة ، و عندما رأت اباها نهضت واقفة على الفراش بفرحة لملاقاته ، و عند التقاط كامل لها تقع عيناه على وجه منصور ليجده شاحبا على غير العادة ، غارقا بقطرات العرق التى تنضح من جبينه ، لينزل نور من بين يديه مرة اخرى و يذهب الى عمه ليمسك يده و هو يتحسس نبضه ، ليخرج هاتفه بتوتر و يهاتف مشفاه طالبا منهم ارسال عربة اسعاف على وجه السرعة ، ثم رجع الى الخارج مسرعا و هو يقول : انا طلبت الاسعاف.
ندا بلهفة : اسعاف .. لمين .. بابا حصل له حاجة.
كامل و هو ينظر لفرح : نبضه ضعيف و محتاج يدخل العناية فورا.
ليحدث كل شئ بسرعة ، و فى خلال نصف الساعة كان منصور على فراش غرفة الرعاية المركزة و كامل بصحبة فريق اطباء الرعاية بالكامل حوله و هم يوصلونه بالاجهزة و بالمحاليل ، ليبدأ منصور فى الاستجابة لهم بعد نصف الساعة ليلتقط الجميع انفاسه بعد فترة طويلة من التوتر ، و كان ابراهيم و حسن و حسين و فرح يراقبون كل ما يحدث من الخارج ليستمعوا الى رنين هاتف حسن الذى التقط هاتفه و رد قائلا : ايوة يا رحمة . اتطمنوا .. ابتدى يفوق الحمدلله.
رحمة : انا عاوزة اشوفه يا حسن ، انا مش فاهمة ازاى تسيبونا هنا و تروحوا انتو لوحدكم معاه بالشكل ده.
حسن : طب ازاى بس يا حبيبتى ، و كنا هنسيب الولاد بس مع مين ، و بعدين اكيد هيتمنع عنه الزيارة لحد ما حالته تستقر.
رحمة : طب هو انت ما عرفتش اللى حصل ده كان سببه ايه.
حسن : مستنيين كامل بس يخرج من عنده عشان يفهمني.
رحمة : هو كامل لسه ماخرجش من عنده ، اومال انت بتقول انه فاق ازاى.
حسن : و الله فاق يا حبيبتى و فتح عينيه ، احنا شايفينه من الازاز قدامنا اهو ، و كامل بيتكلم معاه.
رحمة : طب و فرح معاه و اللا كامل بس.
حسن : كامل معاه تلت دكاترة جوة ، و قال لفرح تفضل معانا برة.
رحمة : طب اديهالى لو سمحت.
ليمد حسن يده بالهاتف لفرح التى تقف و عيناها مثبتة على عينا منصور الذى يبادلها النظرات من وراء الزجاج بوهن واضح على معالمه ، لتنتبه فرح الى صوت حسن و هو يقول : خدى يا فرح طمنى اختك احسن مش مصدقانى.
لتلتقط فرح الهاتف من يد حسن و تضعه على اذنيها وهى تعيد عيناها الى عينا منصور مرة اخرى و تقول : ايوة يا رحمة.
رحمة بقلق : طمنينى على بابا يا فرح ، هو فاق بصحيح و اللا حسن اللى بيطمننى و خلاص.
فرح بخفوت : لا اطمنى .. فاق و باصصلى.
رحمة : طب ماعرفتيش ايه سبب اللى حصل له ده.
فرح : غاليا ذبحة تانية ، الاجهزة مبينة ضربات قلبه مش منتظمة.
رحمة باستغراب : و ايه اللى سبب له الذبحة بس المرة دى ، ده كان قاعد وسطنا و كويس لحد ما دخل ينام ، يعنى لو ماكانش كامل اخد باله و هو بيجيب نور كان لاقدر الله حصل له حاجة و احنا مش واخدين بالنا.
فرح بشرود و هى تتنقل بمقلتيها بين تقاسيم وجه ابيها التى تغضنت بالحزن : ايوة ، اكنه كان عارف ان ده هيحصل و عشان كده صمم ياخد نور معاه .. زى ما يكون كان بيتحامى فيها و عارف انها هتبقى السبب فى انقاذه.
رحمة : طب هنعرف ندخل له امتى يا فرح ، انا عاوزة اجيله ، انا كلمت ماما و بابا عادل و هييجوا ياخدوا الولاد كمان شوية.
فرح : زى ماتحبى ، تعالوا ، هتشوفوه .. بس من ورا الازاز.
لتمر ثلاثة ايام على منصور و هو بغرفة الرعاية و كامل يمنع عنه الزيارة تماما ، رغم انتباه منصور لهم و متابعته لوجودهم الدائم امام غرفته ، الا ان طبيب الرعاية طلب منع الدلوف او التحدث اليه منعا لاجهاده.
و كانت رحمة و ندا قلما تتحركان من امام الزجاج ، وكانتا ترتسم على ملامحهما القلق المستمر و كانت رحمة قلما تجف عينيها من الدموع المسترسلة و هى تخشى ان لا ينجو اباها من تلك المحنة ، فكانت السعادة قد بدأت فى مداعبة قلبها و هى تشعر ان العلاقة بينها و بين اباها قد بدأت تأخذ منحنى يقرب للطبيعة و لكن القدر لم يمهلها لاكمال الطريق.
اما فرح ، فكانت ترفض الدلوف اليه تماما ، و كانت تفضل الوقوف بجانب شقيقتيها دون اى حديث و هى تواصل النظر اليه ، حتى كان مساء الليلة الثالثة حين قال لهم كامل : عمى ان شاء الله من بكرة الصبح هيروح اوضة عادية ، فياريت كله يروح يستريح الليلة دى ، عشان على الاقل تبقوا قادرين تواصلوا معاه لما يخرج بالسلامة.
رحمة برفض : مش هقدر امشى و اسيبه لوحده.
كامل : مش لوحده يا رحمة ، انا و اختك اللى سايبة شغلها من ساعة ما عمى وصل هنا .. نبطشية الليلة دى ، يعنى اتطمنى مش هنسيبه ، اختك طول ما انا فى المستشفى ما بتباتش فى البيت لوحدها.
رحمة برجاء لفرح : هتفضلى جنبه يا فرح و مش هتسيبيه.
لتومئ فرح برأسها موافقة دون اى تعليق.
لتقول رحمة بشفقة : انا عارفة انك لسه موجوعة منه ، بس مهما ان كان بابا مابقالوش حد غيرنا دلوقتى يا فرح ، و صدقينى .. انا حاساه اتغير كتير … بس يمكن ما عندوش لسه الشجاعة الكافية اللى تخليه يعترف بغلطته.
فرح بهدوء دون ان تفصل عينيها عن ابيها : روحى يا رحمة ، روحوا كلكم و ماتقلقيش .. انا هفضل موجودة قدامه.
ابراهيم : طب افضل انا يا ابنى قدامه على الاقل يبقى متطمن شوية.
كامل : انت بالذات يا بابا لازم تمشى ، عاوزك تروح تستريح و تنام كويس ، انت من ساعتها و انت تقريبا ما نمتش و ده غلط عليك و على علاجك ، روحوا كلكم و تعالوا بكرة وقت ماتحبوا هتلاقوه مستنى.
ينصرف الجميع و هم يتقاذفهم القلق و يتركون فرح تقف بمفردها بعد ان تركها كامل هو الاخر ليتابع مرضاه ، و اثناء وقفتها المراقبة لابيها تلمح يده و هو يشير اليها طالبا منها الدخول و الاقتراب منه ، و بعد ان ظلت مكانها رافضة الدخول بينها و بين نفسها ، الا ان اصراره جعلها ترضخ لطلبه ، فتذهب لتعقم نفسها و تخطو الى الداخل و تقترب من فراشه بهدوء و تقول بخفوت و هى تزدرد لعابها بصعوبة شديدة حتى تجلى صوتها : خير يا حاج ، محتاج حاجة.
ليقول منصور و هو ينظر بعينيها : نادر عنده حق.
فرح بعدم فهم : عنده حق فى ايه.
منصور : ان ربنا انتقملك منى انتى و اخواتك ، و عاقبنى ببعد ولادى الصبيان الاتنين عنى ، واحد بالموت اللى مامنوش رجوع ، والتانى غاب عنى زى غياب يوسف عن يعقوب ، بس انا ماكنتش يعقوب و عشان كده ربنا مش هيردلى يوسف من تانى ، حتى دولت اللى عمرها ماشافت منى سند .. راحت منى هى كمان ، الدنيا فضيت عليا من الكل ، مابقاش فاضل حواليا غيرك انتى و اخواتك البنات ، اكن ربنا بيقوللى ادينى دوقتك من اللى كان نفسك فيه ، لكن عشان ماصنتش النعمة .. ارادتى برضة هى اللى هتمشى.
ربنا انتقملك منى شر انتقام ، و استجاب لكل دعوة دعيتيها عليا … ياترى لسه قلبك لسه ناقم عليا بعد كل اللى حصل لى ، و اللا ربنا كتبله السلام اللى انكتب عليا انى اتحرم منه طول عمرى اللى باقى.
رواية ولما قالوا دي صبيه الفصل السادس عشر 16 - بقلم ميمي عوالي
منصور وهو مازال يكمل حديثه بإنهاك: ربنا انتقم منك شر انتقام، واستجاب لكل دعوة دعوتيها عليا... يا ترى لسه قلبك ناقم عليا بعد كل اللي حصل لي، ولا ربنا كتب لي السلام اللي انكتب عليا إني أتحرم منه طول عمري اللي باقي؟
كانت فرح تستمع إليه وهي لا تستطيع السيطرة على رجفة قلبها. كانت تتنقل بين عينيه كالأيام السابقة، وهي تبحث عن أي لمحة حقد تعيد إليها اتزانها وصمودها أمام هذا الرجل. كانت تبحث عن أي دليل على أن هذا الرجل الراقد أمامها في فراش المرض، هو نفسه ذاك الذي أذاقها كؤوس المرار من اليتم والحرمان.
ولكنها لم تجد. لم تجد غير الضعف والحزن والآلام. لم تجد غير تل من الهموم يطل عليها من مقلتيه اللتين ألْهَبَتْهُما الدموع، فجعلتها ككؤوس من الدماء المنسكبة على الأرض المقفرة. لتشربها سريعا، تاركة آثارها على الرمال، ليكون الدليل الأوحد على وجودها.
لتتذكر جلستها الأخيرة مع طبيبتها المعالجة النفسية بالأمس.
*فلاش باك*
إيمان: طب أنتِ حاسة بإيه جواكِ دلوقتي من ناحيته بعد الأزمة اللي حصلت له؟
فرح بتيه: مش عارفة.. مش قادرة أحدد.
إيمان: لازم تحددي يا فرح.. لازم تعرفي مشاعرك من ناحيته اتغيرت ولا لسه زي ما هي عند نقطة الصفر.
فرح بنوع من اليأس: مش عارفة.. مش قادرة.
إيمان: طب ما حاولتِش تدخليه مع كامل أو مع أي حد من الدكاترة؟
فرح: ما قدرتش.
إيمان: وإيه اللي خلاكي ما تقدريش؟
فرح بتردد: حسيت إني هقف قدامه عاجزة. حسيت إني فجأة نسيت كل اللي اتعلمته ودرسته. بقيت واقفة أراقبهم وهما بيسعفوه وأنا حاسة إني ما كنتش هقدر أعمل اللي هم عملوه. آه... كنت فاهمة اللي عملوه، بس بعد ما اتعمل، دماغي كانت شبه مشلولة ومش قادرة أفكر صح.
إيمان: أنتِ عارفة إمتى الدكتور بيجيله الإحساس ده؟
لتنظر إليها فرح بفضول، لتكمل إيمان حديثها قائلة: لما يكون المريض بيحتل منزلة عالية جداً عند الدكتور. معنى كلامك ده إن إحساسك بمنصور فعلاً اتغير. بقيتي تقلقي وتخافي عليه.
فرح باعتراض: مش دليل أبداً.
إيمان: فاكرة أول مرة وقع فيها منصور.. كان وقت ما عرفتوا إن المرض الخبيث رجع لنبيل من تاني.. فاكرة؟
فرح بشرود: أيوه فاكرة.
إيمان: يومها سبتيهم ورجعتي لنبيل وما فكرتيش حتى تسألي عنه. كنتِ بتعرفي تطورات الحالة بالصدفة، وإنتِ تقريباً الإحساس الوحيد اللي تملكك وقتها كان الشماتة.
لكن المرة دي، إنتِ مرابطة قدام أوضته ورافضة حتى إنك تقومي بشغلك رغم إنه في نفس المكان. وعرفت من كامل إنك كنتِ رافضة تحضري الجلسة النهاردة، لكن هو اللي صمم إنه يجيبك في ميعادك.
فرح بمحاولة للمراوغة: ما أقدرش أسيب أخواتي لوحدهم.
إيمان: طب ما أنتِ سبتيهم في كل المرات اللي فاتت.
فرح بإصرار: بس أنا ما سامحتوش.
إيمان: ليه؟
فرح بشرود: لأني جعانة.. جعانة أوي، وحاسة بالجوع بينهش في صدري وضلوعي.
إيمان: ويا ترى جوعك من أنهي نوع؟
فرح وعينيها تمتلئ بالدموع: جعانة لحضنه.. لحنيته. لما حاول ياخد نور أول مرة، حسيت بثورة من جوايا وعند.. عند خلاني أخدتها واختفيت من قدامه. ولما رجعت فضلت محاوطاها وأنا مانعاها تروح ناحيته. وقتها قلت إنه مش من حقه. ولما كامل حاول يخليني آخد الأمور ببساطة أكتر من كده، حاولت فعلاً إني أتصرف بحيادية. لكن لما خدها في حضنه من يومين ونام بيها وهو ضاممها بين ضلوعه، حسيت بالغيرة.
إيمان: غيرتي منه ولا من نور؟
لتنظر لها فرح بنوع من الأسى ثم قالت: غيرت عليه.. من نور. هي دي الحقيقة اللي بحاول أنكرها وأهرب منها من وقتها. كان جوايا رغبة شديدة إني آخدها من حضنه وأصرخ وأقول له: أنا أولى بالحضن ده منها. كنت عايزة أقول له: أنت حرمتني من الحضن ده سنين عمري كله.. مش من حقك تديه لغيري من غير إذني حتى لو غيري ده يبقى بنتي أنا وحتة منّي أنا.
طول عمري كنت ببص للبنات مع آبائهم وأنا جوايا غيرة بحاول أدها بعيد وما أبينهاش أبداً قدام أي حد. بس عمري ما اتصورت إني أغير من بنتي. لقيتني بقول لروحي: نور الطفلة اللي عمرها ما كملت سنتين عندها حضن أبوها اللي يكفي كل أطفال الدنيا، وحضن عمها اللي بيحبها أكتر من عينيه. لكن كمان تاخد حضن منصور اللي أنا اتحرمت منه، الحضن اللي المفروض كان يبقى ملكي أنا وليا أنا طول السنين دي.
لتنظر فرح إلى إيمان وتقول بسخرية مختلطة بالمرارة: مش قلتلك إني إنسانة مشوهة وما فيش مني رجا. بغير من بنتي لما بتدخل حضن منصور أو حتى في حضن أمي اللي برضو اتحرمت منه سنين طويلة بسببه لحد ما فقدت الأمل إني ممكن أبقى إنسانة طبيعية.
إيمان بابتسامة: بالعكس يا فرح، أنا شايفة إنك في الفترة الأخيرة بتتقدمي وتقدم ملحوظ كمان.
فرح باستغراب: إزاي وأنا جوايا كل الحرب دي؟
إيمان: يكفي إنك فاهمة سبب الحرب دي، حتى لو بتحاولي تنكريها، لكن في الآخر بتعترفي بيها. وده في حد ذاته شيء مرضي جداً بالنسبة لي.
فرح: بس أنا مش عارفة أعمل إيه. حاسة إني مش لاقية نفسي وسط كل الخراب ده. ساعات بحس إنه لازم يتعاقب عقاب مخلد على اللي عمله، وساعات تانية بلوم أمي أكتر إنها هي اللي زرعت جوايا كل الكره ده من ناحيته. ويمكن لو ما كانتش عملت كده من البداية ما كنتش وصلت للي أنا فيه ده. بس برجع تاني ألوم عليه إنه ما سألش فينا ولا افتكرني غير أما احتاج ياخد حتة من جسمي لنبيل. نبيل اللي لو كنت أملك أديله جزء من عمري ما كنتش هتأخر.
مابقيتش عارفة مين فيهم اللي غلطان أكتر. مابقيتش عارفة دمي محنى كفوف مين فيهم أكتر.. أمي ولا منصور. نفسي أحس إني بني آدمة طبيعية من غير غل ولا سواد من جوايا لأي حد بس مش قادرة. نفسي أبرهم زي ما ربنا أمرنا، بس ربنا عالم بالحرب اللي جوايا. مش هنكر إني بقيت أحس إني متعاطفة معاهم بس بعاند ده و بدفنه جوايا.
دليني أعمل إيه.. ساعديني.. لو تقدري تقيدي لي شمعة تنور العتمة اللي جوايا دي قيديها.. يمكن.. يمكن أحس إني قادرة أعيش وأحس إني طبيعية ومش مريضة.
إيمان: امشي ورا قلبك يا فرح، شوفي قلبك بيقول لك إيه ونفذيه فوراً، عشان ما ترجعيش تندمي إنك ما استغليتيش الفرصة. ولازم تقتنعي من جواكي إن الناس مش ملايكة، وكل إنسان وله أخطاءه. لو حسيتي إنه ندم وبيحاول يكفّر عن أخطاءه ساعديه إنه يعمل ده. وحتى لو هو ما حاولش يعمل ده، لو حسيتي إنك محتاجة تقربي عشان خاطر فرح.. قربي عشان خاطر فرح. فرح تستاهل منك إنك تحاولي عشانها، وإنك تتنازلي عشانها، عشان اللوم والندم ما يوجعهاش لو فات الأوان.
*عودة من الفلاش باك*
تنتفض فرح من مكانها عندما لمس منصور كف يدها ليعيدها إلى وعيها، فتقول بصوت مرتجف وهي تنظر بعينيه بأسى: عمري ما اتخيلت إني ممكن أتوجع في يوم من الأيام عشانك، ولا عمري فكرت أبداً إني ممكن أدعيلك من جوايا إن ربنا يسلمك أو ياخد بإيدك.
كل يوم بعد كل فرض بصليّه.. كنت بدعي ربنا إنه يهدي نادر ويرجع لنا من تاني ويعيش وسطنا، لأننا بنحبه وعايزينه. لكن ما توقعتش أبداً إني لما أدعي بده، أدعي إن ده يحصل عشان يرد لك روحك من تاني.
وما تسألنيش إزاي ولا إمتى عشان ما أعرفش. وبرضه ما تسألنيش كنت سامحتك ولا لأ، لأني برضه ما أعرفش.. كل اللي أنا عارفاه إني مش عايزك تموت وأنت بالوجع ده.
منصور وهو يومئ برأسه إيماءة خفيفة: النسيان طريقه طويل يا بنتي.
فرح بذهول: بنتك!!!!! من إمتى بتعترف إن ليك بنات؟
منصور: يوم ما نبيل وصاني عليكم قبل ما يقابل رب كريم.
فرح بحنين: وصاك علينا.. ووصاني عليكم.
منصور بدهشة: وصاكي عليا؟
فرح: أيوه.. وصاني أنسى وأسامح.
منصور: ويا ترى قدرتي؟
فرح: لو تعرف تعبت قد إيه.
منصور: يعني أنتِ بتحاولي تسامحي؟
فرح بوجع: لأ.. بقاوم بكل قوتي. في حرب جوايا بسببك، جزء عاوزني أنسى وأسامح عشان أقدر أعيش وأكمل، والجزء الأكبر رافض وبيشدني بكل قوته وهو بيحاصرني في الوجع اللي عيشته طول عمري بسببكم.
منصور بندم: أنا عارف إني غلطت.
فرح بسخرية: غلطت!!! أنت عارف أنت عملت فيا إيه؟ عارف كانوا بيتهموني بسببك بإيه؟ عارف وصمتني بإيه طول عمرك؟
أحب أعرفك بنفسي.. أنا فرح منصور.. وش البومة.. قدم الفقر.. النحس اللي أبوها طلق أمها يوم ولادتها.. كأن أنا السبب في تحديد نوعي. أنا اللي اتحرمت من حضن أمي من يوم ما وعيت على الدنيا وهي دايماً بتبص لي بلوم إني كنت السبب في طلاقك ليها. أنا اللي أول حب في حياتي رفضني وكان بيعايرني بطلاقك لأمي. أنا اللي أبويا رفض يستلمني من الدكتور يوم ما اتولدت وساويني بأولاد الخطيئة لأني اتولدت بنت.
منصور بذهول: وليه ده كله؟ ما ياما رجالة بتطلق ستاتها.
فرح بجمود: بس هات لي حد فيهم رفض بنته زيك. هات لي حد بعت ورقة طلاق مراته مع شهادة ميلاد بنته زيك. هات لي حد فضل فوق العشرين سنة من غير ما يفكر يشوف بناته زيك.
منصور بحزن: عندك حق في كل كلمة قلتيها، بس حاولي تلاقي لي عندك أي مبرر يخليكي تعدي كل ده.
فرح: مبرر!!!! ألاقي لك مبرر إزاي وأنت خليتني أغير من بنتي؟
منصور: أكيد لما قارنتيني بكامل.
فرح بسخرية: تصدق لأ. غيرت منها لما حاولت تاخدها في حضنك لما كنا عند ندا، وغيرت منها تاني واحنا عند رحمة.. لما خدتها في حضنك وأنت قاعد وكمان لما روحت تنام. أنا ما افتكرش أبداً وأنا في سنها إن حد خدني في حضنه بالشكل ده، حتى أمي. عمري ما افتكر لها إنها عملت كده معايا زي ما كانت بتعمل مع أخواتي.
طول عمري كنت عايشة وأنا جوايا فراغ واحتياج. طول عمري كنت محتاجة حضن يضمني ويطبطب عليا. حتى بعد ما كبرت وصاحبت واتصاحبت، كنت بحس إني دايماً لوحدي، لأني عمري ما حسيت إن ليا سند. حتى لما اتجوزت.. كنت خايفة أخلف بنت ولا ولد وما أقدرش أحبهم ولا أخليهم يحبوني، وكأنك كنت لعنة متسلطة عليا طول عمري.
لحد ما كامل خد بإيدي، ووداني لدكتورة نفسية بتعالج معاها بقالي خمس سنين، ويا دوب قدرت أحاول إني أتعامل معاك.
منصور بصدمة: دكتورة نفسية!!!
فرح بتنهيدة: أيوه، وأديها بقالها سنين بتحاول تروي الأرض البور اللي جوايا، وتقنعني إني أنسى اللي فات وأعيش اللي باقي من عمري من غير وجع ولا قهر.
منصور بحزن: أنا عارف إن الاعتذار بعد كل ده مالهوش فايدة، بس أنا عملت كشف حساب لروحي من سنين، من قبل موت نبيل. من يوم ما وقع وقعته الأخيرة وانتِ وقفتي قدامي وصارحتيني باللي جواكي. يومها لما وقعت ما وقعتش من قلقي على نبيل وبس.. لأ.. وقعت لأنك فجأة حطيتي مراية قدامي ورّيتيني فيها شكلي اللي عايش جواكم السنين دي كلها. الندم ابتدى ينخر فيا يوم ورا التاني. عارف إن ندمي مش هيفيدك ولا هيفيد أخواتك، ولا أسفي كمان هيفيد، بس هقدملك اعتذاري عن طيب خاطر.. أنا آسف يا بنتي… سامحيني.
فرح بعيون يملأها الألم: بحاول صدقني.
منصور بأمل: يعني في أمل إنك ممكن تسامحيني؟
فرح بتنهيدة: صدقني بحاول، ومش هكدب عليك وأقول إني بعمل كده عشانك.. لأ، أنا بعمل كده عشان ولادي وكامل وأخواتي.. وعشانّي أنا كمان.
منصور: ويمكن ييجي يوم يبقى عشانّي أنا كمان.
لتتنقل بين مقلتيه قائلة: أعتقد إن الأيام هي بس اللي ممكن تجاوب على الكلام ده.
وعندما تخرج فرح من غرفة الرعاية تجد كامل يراقبها بحنان بالغ وتلقاها بين أحضانه مقبلاً رأسها قائلاً بتساؤل: أحسن!!!
لتومئ فرح برأسها وتقول بإرهاق: حاسة إني محتاجة أنام.
كامل: تحبي أروحك تريحي شوية، أو لو تحبي أوديكِ لطنط فاطمة وأهو تبقى مع الولاد.
فرح برفض: وعدت البنات ما أسيبوش لوحده يا كامل.
كامل بحب: حبيبتي أنا معاه وكل الدكاترة حواليه، ما تقلقيش. وهو الحمد لله حالته استقرت.
فرح: معلش، سيبني برضه عشان خاطري.
كامل: خلاص تعالي ريحيلك ساعتين في أوضتي وارجعي له تاني.
لتلتفت فرح بعينيها لتنظر إلى أبيها مرة أخرى لتجده يبتسم لها بوهن، فتومئ برأسها وتذهب بصحبة زوجها لتنال قسطاً ولو ضئيلاً من الراحة، ولكنها تتفاجأ بأنها تنام نوماً عميقاً لليوم التالي، لا تتذكر أنها نامت مثله من قبل.
وفي صباح اليوم التالي.. يتوافد الجميع على غرفة منصور ليلتفوا حوله باهتمام بالغ. واستمر الحال لثلاثة أيام أخرى، والشقيقات الثلاث يتبادلن الأدوار في المبيت مع والدهن والقيام بكل شئونه بحب خالص وسط تدليلهن له وكأنه طفل لم يتجاوز الخامسة من عمره. وكان الملاحظ للجميع أن فرح كانت تتسابق معهن لتلبية جميع متطلباته.
وقبل مغادرة منصور للمشفى، وفي الليلة التي كانت فرح بصحبة أبيها، كانت زيارة فاطمة وزوجها عادل مع ولديها أحمد ومحمود. وبعد أداء التحية والسلام تقول فاطمة بمودة: ألف سلامة عليك يا أبو نادر، ما تأخذناش إننا ما جيناكش قبل كده، بس أنت عارف البنات سايبين الولاد عندي، وما صدقت إن ندا ورحمة جم يشوفوا الولاد ويقعدوا معاهم النهاردة فجيناك على طول.
منصور بخجل: تعبتوا نفسكم بزيادة يا أم أحمد.. كتر خيركم.
عادل: ألف سلامة يا أستاذ منصور، وإن شاء الله خير وما تتكررش تاني وتبقى أزمة وعدت.
منصور بامتنان: كتر خيرك يا أستاذ عادل.
أحمد: ألف لا بأس عليك يا عمي.
منصور وهو ينظر بإمعان لأحمد: كتر خيرك يا ابني.. ثم قال بتردد.. هو نادر ما بيتصلش بيك؟
أحمد بلجلجة: بيتصل، بس مش دايماً.. يعني ساااعااات وساعات.
منصور وهو يومئ برأسه: ربنا يصلح له حاله.
الجميع: يارب.
منصور وهو ينظر لعادل بتردد: ما تأخذنيش يا أستاذ عادل، بس بستأذنك أقول كلمتين لأم البنات.
عادل بإحراج: اتفضل يا أستاذ منصور.
منصور وهو يتبادل النظرات بينه وبينه فاطمة وفرح: عاوزك تسامحيني يا أم البنات، أنا عارف إني ظلمتك ووجعتك كتير، وعارف إني قهرتك وقهرت بناتي، بس صدقيني كنت حاسبها غلط، وأهو ربنا انتقم لكم كلكم مني شر انتقام.
فاطمة بطيبة: انتقام إيه بس يا أبو نادر اللي بتتكلم عنه؟
منصور بتصحيح: أبو رحمة يا أم البنات، أبو رحمة وندا و… فرح، بناتي اللي غلطت في حقهم ياما، بس هم ماسابونيش، فضلوا جنبي وراعوني وشالوني في عينهم، بدونى على بيتهم وأجوازهم وعيالهم. ولو إني عرفت أنا خسرت قد إيه في عمري اللي فات وأنا بعيد عنهم وهم بعيد عني.
فاطمة: مهما حصل بناتك وأنت أبوهم ولا عمرهم يقدروا يستغنوا عنكم.
منصور: لا يا أم البنات.. يقدروا. ثم أكمل وهو يركز نظراته على فرح بمرارة: لو حبوا يستغنوا هيقدروا، أنا بس اللي ما كنتش واخد بالي.
فاطمة: اللي فات مات وإحنا ولاد النهاردة، انتبه بس لصحتك وإن كان على بناتك، بناتك بيحبوك وبيمنولك دايماً كل خير.
بعد انصراف الجميع، لم يتبقى سوى فرح وكامل.. الذي ساعد فرح في تغيير ملابس أبيها استعداداً للنوم، وبعد أن أسنده على وسادته، أمسك منصور بيد كامل وقال: أنت اللي فاضل يا كامل.
كامل باستغراب: فاضل في إيه يا عمي؟
منصور: إني أعتذر لك يا ابني.
كامل وهو يشيح بنظراته بعيداً عنه ويتشاغل بتنظيم الأدوية الموضوع بجواره: ما فيش بينا اعتذار يا عمي.
منصور: لا يا ابني، أنت ليك عندي بدل الاعتذار تلاتة.
كامل: خلاص يا عمي، صدقني مش مستاهلة.
منصور بإصرار: مستاهلة يا ابني، ومستاهلة أوي كمان، على الأقل أكون خلصت ذمتي قدام ربنا، وكمان لو عرفت بعد كده ما يرجعش قلبك يتغير من ناحيتي من تاني.
ثم التفت لفرح وأكمل: وعشان كمان مراتك تسامحني على ده كمان.
فرح بفضول: حصل إيه.. أنا مش فاهمة حاجة.
منصور: زي ما حرمتك زمان من اللي عايرك بيا، حرمته هو كمان من اللي قلبه راح لها. بس صدقوني.. كنت فاكر ساعتها إني بعمل لك خدمة هتشكرني عليها.
كامل بابتسامة: طب ما أنا فعلاً بشكرك عليها، لأنك لولا عملت كده، ما كنتش بقيت حمايا دلوقتي.
لتبتسم فرح، ويعاود منصور حديثه قائلاً: لكن حاولت أفرق بينك وبين فرح مرتين مش مرة واحدة. مرة وأنا بحاول أبعدها عن شغلها معاك بأني أجوزها واحد من عندي وأعيد اللي عملته مع ليلة من تاني.
والتانية لما بعتت لك ليلة وخليتها فهمتك إنها أرملة وكنت فاكرك هتحنّ لها من تاني وتبعد عن فرح.
كامل بابتسامة: ما تقلقش.. أنا عارف كل حاجة، وليلة صارحتني بالحقيقة كلها، وصدقني مش زعلان، لأن سبحان الله.. كأنك كل مرة كنت بتقرب مابيننا أكتر وتجمعنا مع بعض أكتر.
منصور بارتياح: يعني مسامحني يا ابني؟
كامل بابتسامة: مسامحك جداً، وعايزك تطمن جداً كمان. وأنت خلاص بقيت زي الفل وإن شاء الله هنكتب لك على خروج بكرة الصبح، والكل اتفق إن حضرتك هتخرج على بيت ندا وتعمل حسابك إن كل أسبوع هتقضيه مع حد فينا وكمان بابا هيبقى معاك.
في منزل كامل، كانت فرح تعد الطعام بمساعدة كامل، وكان كامل يلاحظ أنها تركز بصرها عليه بنوع من الفضول الشديد وكأنها تبحث عن شيء ما، ليتوقف كامل عما يفعله وهو يقول بمداعبة: أنتِ فيه حاجة ضايعة منك وبتدوري عليها في وشي؟
فرح بتردد: هو أنت عرفت موضوع ليلة اللي بابا حكالك عليه ده إمتى وإزاي، وليه ما قلتليش؟
كامل بذهول: أنتِ قلتي إيه؟
فرح: بقول لك لما أنت عرفت موضوع ليلة.. ليه ما قلتليش من ساعتها؟
كامل: لا.. ما أقصدش دي.
فرح باستغراب: مش فاهمة.
كامل: فرح.. أنتِ قلتي بابا!!
فرح: أنا.. إمتى ده؟
كامل: حبيبتي أنتِ لسه قايلاها حالا دلوقتي وأنتِ بتسأليني.. أنتِ عارفة ده معناه إيه؟
فرح بعدم فهم: معناه إيه؟
كامل وهو يقبل رأسها ويضمها إلى صدره: معناها إنك قربتي تستغني عن جلسات العلاج النفسي بتاعك.
فرح: اشمعنى؟
كامل: لأنك من غير ما تحسي وصفتي عمي ببصلته بيكي اللي كنتِ دايماً بتنكريها.
فرح بأمل: تفتكر يا كامل؟
كامل: دكتورة إيمان قالت لي إنك يوم ما هتقدري تندهي له بالكلمة دي، هتبقي تخلصتي من تسعين في المية من مشكلتك.
لتشرد فرح قليلاً ثم تعود لسؤالها مرة أخرى وتقول: برضه ما قلتليش ليه على حكاية ليلة؟
كامل ببعض الخجل: خفت ترجعي في كلامك.
فرح: أنهي كلام؟
كامل: اتفاقنا على الجواز، وقتها.. كان نبيل الله يرحمه في أيامه الأخيرة، وكنت خايف إنك لو عرفتي تفضي الليلة كلها وأنا كنت ما صدقت إنك وافقتي.
فرح بابتسامة: تقصد إنك كنت مصمم على جوازنا؟
كامل: طبعاً يا حبيبتي، وهو أنا كنت أقدر أكمل من غيرك بعد ما وقعت فيكي لشوشتي.
فرح بحب: ربنا ما يحرمنيش منك أبداً.
كامل: طب وأنتِ؟
فرح: أنا إيه؟
كامل بفضول: يعني.. هل موضوع سليم لسه مأثر فيكي؟
فرح وهي تحاول انتقاء كلماتها: تصدقني لو قلت لك إني بعد ما حبيتك اكتشفت إني عمري ما حبيته. أنا بس.. تحس كده إنه كان بينطبق عليا المثل اللي بيقول.. القط ما يحب إلا خناقه. لكن أقسم لك إني من يوم ما اتجوزنا وأنت بالنسبة لي رجالة الدنيا كلها.
كامل بضحكة جذابة: لاااا، ده إحنا تفوقنا على نفسنا بمراحل. يلا بقى نخلص عشان أنا جعت أوي، وكمان عشان تلحقي ميعاد المكالمة بتاعة نادر.
في الموعد المحدد كان صوت الهاتف ينذرهم بمهاتفة نادر لتسرع فرح بالتقاط هاتفها وضبطه على مكالمة الفيديو لتقول وهي تمعن النظر إلى وجه أخيها باشتياق جارف: نادر يا حبيبي، وحشتني أوي.
نادر باشتياق وحب متبادل: أنتِ وحشتيني أكتر يا حبيبتي، عاملة إيه، طمنيني عليكم كلكم.
فرح: إحنا كلنا كويسين الحمد لله مش ناقصنا غيرك يا حبيبي، مش هترجع بقى يا نادر؟
نادر: مش كل مرة هنضيع المكالمة على الموضوع ده يا حبيبتي، أنا عايز أطمن عليكم وأشبع منك.
فرح: حبيبي إحنا كلنا كويسين الحمد لله بس بابا كان تعبان أوي الأسبوع اللي فات.
نادر باستغراب: بابا مين؟
فرح: بابا يا نادر، بابا منصور.
نادر بذهول: بابا.. ده من إمتى؟
ليتلقى كامل الهاتف من يد زوجته ويقول بمرح: نادر باشا اللي وحشنا ووحش مصر كلها.
نادر بمرح مماثل: عمنا وعم دكاترة مصر، إزيك يا كامل وحشتني والله.
كامل: يا أخويا لو وحشناك تعالى شوفنا.
نادر بملل: ييييه، يا جدعان بقى الله يبارك لكم، شوفوا لنا سيرة تانية.
كامل: قبلوك في شغل الجامعة؟
نادر: لسه، بس إن شاء الله فيه بشاير خير.
كامل: رغم إنك ممكن تتخطف عندنا.
نادر: كل شيء نصيب.
كامل بجدية: حالة والدك الصحية مش مستقرة، والأزمة الأخيرة لولا ستر ربنا وإننا لحقناه في الوقت المناسب، الله أعلم كان إيه اللي ممكن يحصل.
نادر بجمود: ربنا يشفيه.
لتجلس فرح تحت قدمي كامل وتلتقط منه الهاتف لتطل على أخيها قائلة: اسمع يا نادر، اللي راح راح، ما فيش داعي نضيع اللي باقي من عمرنا في الغضب والبعد. الله أعلم اليوم اللي بيروح هييجي غيره ولا لأ.
نادر: أنتِ اللي بتقولي كده يا فرح؟
فرح: أيوه أنا يا نادر، أي نعم خدت وقت طويل ومشيت طريق أطول، بس المهم إني في الآخر وصلت، واتصالحت مع نفسي الحمد لله، ومش ناوية أرجع خطوة واحدة من الطريق اللي وصلت له.
كامل: اسمع يا نادر، عمي غلطاته كانت كتير أوي، لكن صدقني، عمي ندم على كل حاجة، لدرجة إنه حتى اعتذر لطنط فاطمة، واعتذر لي والأهم إنه اعتذر لكل بناته وأولهم فرح.
نادر: وأنتِ يا فرح، قبلتي اعتذاره؟
فرح: الحقيقة يا نادر أنا اكتشفت إني سامحته من قبل حتى ما يعتذر لي، لما شفته بيروح مني وهو قدام عيني، كان كل همي إنه يخف ومش مهم أي حاجة تانية.
نادر بحزن: ربنا انتقم منه تمام.
كامل: وليه ما تقولش إن ربنا كان بيديله فرصة باللي حصل ده؟ أكم من ناس ربنا بيديها إنذار واتنين وألف وما بتتعظش، لكن على الأقل عمي قدر إنه يلحق نفسه. أنا معاك إنه اتأخر وأوي كمان، بس المهم إنه وصل، وإحنا مش أنبياء يعني يا نادر، وصدقني أبوك موجود النهاردة، والله أعلم بكرة هيبقى فين. لو عندك فرصة إنك تخليه يشوفك وتسعده ما تترددش، لأنك ممكن تندم في يوم من الأيام لو ما عملتش ده. وبعدين نبيل وطنط دولت الله يرحمهم قابلوا ربنا في معادهم وربنا بيسبب الأسباب.
نادر: سيبها على الله يا كامل. واللي فيه الخير يقدمه ربنا.
لتمر الأيام وتنفذ الشقيقات اتفاقهن، ليأتي دور فرح في استقبال أبيها في منزلها، وكان عمها بصحبته حسب الاتفاق. ولكن عند وقت النوم قال إبراهيم: ما تأخذونيش بقى يا أولاد، بعد إذنك يا كامل أنا هقرأ وردي الأول في أوضة المكتب وبعدين هنام.
كامل: البيت بيتك يا بابا.
فرح: حضرتك مش محتاج استئذان يا عمي، وأنا هقعد مع بابا شوية على ما حضرتك تخلص.
في غرفة منصور… تقول فرح بعد أن استكان منصور في فراشه: ها يا بابا، تحب أقرأ لك حاجة قبل ما تنام؟
منصور وهو يربت على الفراش بجواره: عايزك تيجي في حضن أبوكي يا دكتورة.
فرح بتوتر: مش عايزة أضايق حضرتك.
منصور وهو يفرد جناحيه لها: تعالي في حضن أبوكي يا بنتي، ده أنا مستني اليوم ده من ساعة ما كنا في المستشفى.
لتستلقي فرح بجوار أبيها وهي تسند رأسها على كتفه ليضمها إليه بحنان لم تجربه من قبل، دفء من نوع خاص يحفه خطوط بارزة من الحماية والأمان لتغوص به باستمتاع دون أن تنبس بكلمة واحدة حتى قال منصور بهدوء: تعرفي؟
فرح دون أن تتحرك انش واحد: هممممم.
منصور: مش أنتِ بس اللي اتحرمتي من الحضن ده، أنا كمان اتحرمت منه. لو كنت أعرف إن حضنكم حلو كده ما كنتش فضلت السنين دي كلها وأنا حارم روحي وحارمكم منه.
لتربت فرح على صدر أبيها قائلة: انسى يا بابا، أنا نسيت، أنت كمان لازم تنسى.
منصور: تعرفي إيه أكتر حاجة مفرحاني؟
فرح: إيه؟
منصور: إنك أخيراً قدرتي تقول لي يا بابا.
فرح: وممكن أقول لك على خبر تاني هيفرحك أكتر وأكتر.
منصور: والله يا بنتي أنا الحمد لله كده راضي.
فرح: حتى لو قلت لك إن نادر راجع بعد أسبوعين، وخلاص مش هيسافر تاني، وإنه راسل الجامعة هنا عشان يشتغل فيها ومستنيهم يردوا عليه.
منصور: ولو الجامعة ما قبلت؟
فرح: إن شاء الله يقبلوه، بس حتى لو ما حصلش نصيب، مش هنسيبه يبعد عنك ولا عننا من تاني أبداً.
منصور وهو يشدد على احتضانها: كل واحد بياخد نصيبه يا بنتي، أنا كل اللي طالبه من ربنا، إني أقضي اللي باقي من عمري وسطكم وأنتم بتحبوني وملمومين حواليا.
استكانت فرح بيت أحضان منصور الذي كان يضمها تحت جناحه وهي تحدث نفسها قائلة: ما أعرفش إني سامحتك ولا لأ، بس أنا محتاجة حضنك ده، ومحتاجة كمان حضن ماما اللي بقت على طول مدخلاني فيه، قررت أرمي كل حاجة ورا ظهري عشانّي أنا…. عشان فرح، عشان أقدر أحس إني بقيت طبيعية زي بقية الناس.