بدأ باران يضع مسافة صامتة بينه وبين ديلان. أحاديثه معها أصبحت نادرة، ونومه أصبح دائمًا بغرفة مراد. يبتعد عن فراشها، ونادرًا ما يشاركا الطعام كما اعتادا. ديلان شعرت بالحيرة، لكنها لم تضغط عليه. كانت تكتفي بالنظر إليه وهمس قلبها يردد: "ما يهم أنه بخير، وهنا أمامي." وبعد يومين... كعادته ذهب لينام بجوار مراد. لكن هذه الليلة، انتظرته ديلان طويلًا ولم يأتِ. قررت الذهاب إليه، خطواتها ثقيلة وقلبها أثقل.
جلست بجواره وتحسست وجنتيه بحنان. فتح عينيه لينظر إليها ببرود قاتل. همست له: "باران، ما هذا الجدار بيننا..! لماذا أشعر أنك تبتعد عني كل يوم أكثر؟ أشاح بنظره بعيدًا وهو يجلس باعتدال: "لا يوجد جدار ولا شيء مما تظنينه." قالت بإصرار: "إذًا، لماذا تتركني وتنام هنا؟! أجاب دون أن ينظر إليها: "مراد يريدني بجانبه." نظرت إليه بألم: "لا، هناك شيء يتغير فيك... أنا أشعر به؛ هيا أخبرني، ماذا يحدث معك؟! صمت لبرهة،
ثم زفر بقوة وقال: "علمتُ أن الحادث الذي أودى بعائلتي، كان مدبرًا." ثم رفع عينيه إليها وتابع: "وتعرفين ماذا يعني هذا؟ يعني أن الشخص الذي جاء إليكِ ذات يوم، كان له علاقة بالأمر..!! نظرت إليه بذهول وقالت: "وما ذنبي أنا؟! ماذا كنت سأفعل؟! أجاب بنبرة حادة: "كنتِ ستخبرينني! كنتِ سترسلين لي رسالة... أي شيء يا ديلان! قالت بصوت منكسر: "وهل هذا ذنبي؟ أنتَ حقًا تعتبره ذنبي؟! أجاب بثقل: "نعم... إنه ذنبك."
لم تستطع تحمل تلك الكلمات، نهضت ببطء والدموع متحجرة في عينيها. ثم توجهت لغرفتها بصمت موجع. وفي اليوم التالي، ظل الجمود سيد الموقف بينهما. حاولت ديلان الاقتراب منه وهو يقف أمام المرآة يرتب مظهره، لكنها لم تجد منه إلا التجاهل. وحين استدار ليخرج من الغرفة، تشبثت بذراعه وهمست بصوت مكسور: "باران... إلى متى سنظل هكذا؟! أجابها ببرود دون أن ينظر إليها: "ديلان صدقيني... لم أعد أستطيع الاستمرار."
نظرت إليه بذهول: "لم أفهم، ماذا تقصد؟! ابتلع غصة، وكأن الكلمات تؤلمه هو أيضًا، ثم قال: "ترككِ لي لم يكن سهلًا يا ديلان... ذلك الغياب وضع بيننا جدارًا كبيرًا. وعندما التقينا مجددًا ورأيت ارتباط مراد بكِ، ضغط علي العم أحمد أن نعود لبعضنا لأجل ابني. حاولت، أقسم أنني حاولت أن أبدأ معكِ من جديد... لكنني لم أستطع." سقطت كلماته على قلبها كالسيف. وقفت صامتة، مذهولة، لا تجد ردًا. كل ما بداخلها كان صدمة وألم يتكاثف في صدرها.
بقيت على حالها حتى المساء، تائهة بين كلمات لم تتوقعها منه أبدًا. نهضت، جهزت حقيبتها، وتوجهت نحو الباب. نعم قررت أن ترحل. ولكن إلى أين؟ لا تدري. كل ما تعرفه الآن، أنها لم تعد تنتمي لهذا المكان. كان باران منهمكًا في تصميم جديد داخل مكتبه في المنزل. وحين طرق الباب بخفة، أذن بالدخول دون أن يرفع نظره. دخلت ديلان، توقفت للحظة أمامه وهي تحاول أن تحبس أنفاسها. ردفت بهدوء: "باران، أنا سأذهب." لم يجب.
فقط ظل يهرب بعينيه منها، وكأن مواجهتها أصعب من أي شيء مضى. تابعت هي بصوت مرتجف: "قبل رحيلي، هناك شيء لا بد أن تعلمه!! أنا أحببتك، وقلبي لم يعرف النبض إلا بكَ ولكَ... حتى في فراقنا، حملت حبك في صدري كسر ثمين أخفيته عن العيون، حميته من الزمن. لكن الآن! لم يعد سرًا. الآن لا أستطيع إخفاءه، حتى لو ارتديت الكتمان ثوبًا كل يوم." نهض باران، كأن كلمتها الأخيرة حركته. اقترب وعيناه تسبحان في ألم صامت. نظرت إليه بعينين دامعتين،
وتابعت: "قُدر لنا أن نفترق من جديد... أحدنا يجب أن يختار طريقًا آخر. فلنفترق الآن ونحن نحب، قبل أن نؤذي بعضنا أكثر... وقبل أن يتحول كل جميل بيننا إلى وجع." لم يتحمل باران تلك الكلمات. دموعه تلمع في صمت. فمد يده بتردد نحو يدها. لكنها سحبتها وهي تحاول أن تتماسك. قالت بصوت منكسر: "لا تشفق علي!!
تعودت النهايات المحزنة حتى أصبحت كشجرة كاھلة، لا تنحني مهما اشتد الريح عليها. لا تقلق، سأتذكرك دائمًا بخير، لأنك لم تكن يومًا سيئًا. لكنك ببساطة؛ لم تكن قدري... فـ قدري هو أن أبحث دائمًا عن حب ضائع، وأن أظل وحيدة دون كتف يسندني، ودون قلب يأويني." عادت ديلان إلى منزل والدتها، ترتمي باكية بين ذراعيها. لا تدري كيف مضت تلك الليلة، ولا كيف ستبدأ يومًا جديدًا بدون باران. في صباح اليوم التالي.
كان باران يجلس بمكتبه في الشركة. يده على صدره وملامحه يغمرها الحزن. شاردًا في كلماتها الأخيرة التي مزقت قلبه دون رحمة. وحين دخلت داريا وجلست أمامه بثقة، وقبل أن تنطق، بادرها هو بصوت ضعيف: "انفصلنا أنا وديلان." اتسعت ابتسامتها بدهشة مصطنعة: "هل بهذه السرعة؟! رد وهو يبتلع غصة مؤلمة: "نعم… انفصلنا حقًا." قالت بفضول: "والطلاق؟ أجاب: "كرم يجهز الأوراق." لم تمضِ لحظات حتى دق الباب. دخل كرم وهو يلهث من التعب: "باران…! نهض
باران من مكانه بسرعة وهتف: "ماذا هناك؟! قال كرم وهو يحاول استجماع أنفاسه: "ديلان، تعرضت لحادث." تجمد باران وارتجف صوته: "ماذا تقول؟!! كرم بجدية: "وصلني الخبر للتو… هي بالمشفى الآن." اندفع باران خارج المكتب بسرعة، وكرم خلفه. استوقفته داريا بصوت حاد: "إلى أين؟! التفت إليها بنظرة غاضبة: "لا تنسي، إنها لا تزال زوجتي." في المستشفى. الجميع يقف بقلق أمام غرفة العمليات.
والدة ديلان تبكي بحرقة، والعم أحمد يمسك بيدها محاولًا تهدئتها. وقفت داريا على الجانب، ثم أخرجت هاتفها واتصلت بشيار: "هل أنت من فعل هذا؟! شيار بصدمة: "فعل ماذا؟! داريا: "الحادث… ديلان تعرضت له، هل لك يد فيه؟! شيار بذهول: "ديلان… لا، لم أفعل شيئًا. أقسم." أغلقت المكالمة دون رد وتوجهت للانضمام إلى الآخرين. وبعد قليل، خرج الطبيب من غرفة العمليات. تقدم باران بلهفة: "زوجتي… كيف حالها؟ هل هي بخير؟! الطبيب ينظر للأسفل
قبل أن يقول بصوت منخفض: "أعتذر… لقد فقدنا المريضة…"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!