في صباح اليوم التالي، فتحت ديلان عينيها ببطء. نظرت إليه بحزن. فابتسم هو وهمس: صباح الخير. أجابته بصوت هادئ: صباح النور. قال برقة: كيف تشعرين الآن؟ هل أنتِ بخير؟ طمأنته قائلة: بحال أفضل. اعتدلت في جلوسها وسألته: باران، أين مراد؟ لقد انشغلت بحالي ولم أسألك عنه! أمسك بيدها وقال: هو بخير، ومع والدتك الآن. تنهدت ديلان قائلة: اشتقت إليه كثيرًا. باران وهو يربت على يدها: فقط ليهدأ الوضع قليلًا، وسأحضره إليك… ليراكِ وترينه.
نظرت إليه باستفهام: وكيف ذلك، وأنا في نظر الجميع ميتة؟ أجابها: والدتك والعم أحمد على علم بخطتنا، أما مراد فلم نخبره بشيء… فعندما أخبرنا الطبيب بالوفاة، قلنا له أنكِ بخير... فقط لديكِ عمل في مكان بعيد، وستبقين هناك لبعض الوقت. لم أرد له أن يعاني ألم فراقك. قالت بذهول: أحقًا ما تقول يا باران؟ أخذ يديها وقبلهما بحنو: نعم، حقًا يا روح باران. نظرت إليه بدمعة خفيفة وقالت: أتعلم!!
لم يصدق قلبي أبدًا أنك لا تريدني… حتى اللحظة الأخيرة، كنت أنتظر أن توقفني وتقول لي: لا تذهبي. تنهد بحرقة وهو ينظر في عينيها: أعتذر… أعلم أنني قسوت عليك، لكن كان لا بد أن أفعل كل ما بوسعي كي تبقي بخير. عانقته بقوة، وهمست بأنفاس مرتجفة: باران... كيف أتحمل غيابك؟ أجابها مطمئنًا وهو يربط عليها: أي غياب هذا؟! سأختلق حجة وأتي إلى القصر لأبقى هنا قريبًا منك دومًا... تعلمين أنني لا أستطيع الابتعاد عنك...
لكن يجب أن تبقي في هذه الغرفة ولا تخرجي تحت أي ظرف. وعندما أكتشف من هو ذلك الشخص! سأمـسك بهاتين اليدين، وأخرج بكِ أمام الجميع. ابتسمت بحنو بالغ لكلماته، ثم سألته بتردد: وماذا عن داريا..؟ ما الذي ستفعله معها؟ قال بجدية: سأحاول أن أجعلها تثق بي. رفعت حاجبيها بدهشة وقالت بغيرة خفيفة: وهل... هل ستسمح لها أن تكون بقربك؟ ضحك مداعبًا أنفها بلطف: هل تغارين؟ أطرقت رأسها خجلًا وهمست: يعني.
رفع وجهها بأنامله وهمس: لنصبر قليلًا، فقط حتى تنجلي الحقيقة... والآن، يجب أن أذهب. قالت وهي تُمسك يده وتتوسله بعينيها: انتبه لنفسك جيدًا، أرجوك... أكملت بصوت متهدج: أحبك كثيرًا يا باران... أنا لا شيء بدونك، ولا يطمئن قلبي إلا حين أراك بخير... فكن بخير لأجلك أولًا، ثم لأجلي... ولأجل طفلك. نظرت إليه برجاء: أعلم أن ما بدأته لم يكن سهلًا، لذلك… اعتنِ بنفسك جيدًا يا حبيبي. قبّل باطن يدها برقة،
ثم همس إليها بحنان: حبيبتي… أماني، ووطني وبيتي، حياتي، ماضي وحاضري ومستقبلي… أعدك أنني سأعتني بنفسي جيدًا... وسأكون بخير لأجلك قبل كل شيء. ثم طبع قبلة دافئة على جبينها، وعانقها بقوة قبل أن يهم بالخروج. نظرت خلفه بعين دامعة وهمست بوجع: يا الله… لا تختبرني به ولا تحرمني منه، فأنا لم أكن مستعدة لعيش يوم واحد بدونه مجددًا... لا أريد أن تؤذيني به، أريده بخير وكفى.
عاد باران إلى القصر برفقة مراد، متحججًا بأنه لم يستطع البقاء في المكان الذي جمعه ذات يوم بديلان. طلب من الخالة قدر أن تأتي للعناية بالصغير، حتى لا يبقى وحيدًا في ظل انشغاله المستمر بعمله. داريا اعترضت في البداية؛ فكيف يمكنها العيش في نفس المكان مع والدة زوجته السابقة؟ لكن باران أقنعها بأنها فترة مؤقتة فقط، إلى حين يتم الزواج، وبعدها سيجلب مربية يثق بها لتتولى المهمة.
كما حاول باران مرارًا وبكل الطرق أن ينتزع من داريا اسم الشخص الذي يبحث عنه. لكنها كانت ترفض في كل مرة، وتكتفي بقولها: لننتظر الزواج، وبعدها أعدك أن أخبرك بكل شيء. وفي إحدى المرات، وأثناء نقاش محتدم بينهما، انفجر باران غضبًا وضرب المكتب بقبضته قائلًا: إلى متى هذا الغموض! ألا تثقين بي؟ ارتبكت داريا من انفعاله، وردت بتوتر: باران، أنا لم أقصد... فقط إن علمتَ من يكون، ستسارع بالانتقام، ولن توافق على إتمام زواجنا.
تساءل بحدة: من هو إذًا؟ تنهدت قبل أن تجيبه: سأخبرك... لكن بعد أن نُعلن خطبتنا رسميًا، وانتهاء فترة حداد زوجتك. تنهد باستسلام قائلًا: حسنًا... كما تشائين. عاد باران إلى القصر؛ كان مراد يجلس مع الخالة قدر منشغلًا ببعض الألعاب. ألقى التحية وقبل رأس صغيره. بعدها هتفت قدر بابتسامة حزينة: سأُحضر العشاء يا بني. لاحظ باران الحزن الذي غلف ملامحها، فنهض خلفها إلى المطبخ، قائلًا بنبرة قلقة: خالتي، ما بكِ؟ هل أنتِ بخير؟
سقطت دموعها فجأة وهي تهمس بصوت مكسور: اشتقت لابنتي كثيرًا، قلبي يعتصر لفكرة وجودها وحدها في ذلك المكان... أرجوك يا بني، أريد أن أراها، أين هي؟ اقترب منها، واضعًا يده فوق كتفها ليطمئنها: أعلم كم هو صعب عليكِ، ووالله ما نفعله ليس سهلًا علي أيضًا... لكن لا أحد من حولي محل ثقة، أشعر أحيانًا أننا مراقبون... هل تظنين أنني أتحمل رؤيتها وحيدة هكذا؟ لكن لو لم أفعل هذا، لكنت خسرتها إلى الأبد.
أومأت قدر برأسها بحزن: أفهم يا بني، وأقدر ما تفعلونه... لكنني لا أطلب الكثير، فقط أريد أن أراها مرة واحدة. ابتسم باران وهو يربت على يدها: تمام، سأخبرك بمكانها وأدعكِ ترينها... لكن ليس الآن. سألته بلهفة: متى؟ أجابها مؤكدًا: قريبًا جدًا، أعدك. ارتسمت ابتسامة على وجهها وهي تقول: شكرًا لك يا بني. وبعد العشاء، صعد باران مع مراد إلى غرفته، لعب الصغير لبعض الوقت، ثم بدأ يشعر بالنعاس.
أمره والده أن يخلد للنوم، فاستلقى بجانبه، وضمه إلى صدره بحنان. أخذ يسرد له قصة من قصص الأطفال بصوت دافئ حتى غط في نوم هادئ. ذهب باران إلى غرفته ليبدل ملابسه... لكن قلبه أخذه حيث تسكن روحه… إلى غرفة القبو، حيث تنتظره حبيبته. دخل بهدوء، ليجد ديلان تحضر بعض قطع الفاكهة، منهمكة بما بين يديها، وعلى وجهها ملامح انتظار دافئ. اقترب منها دون صوت، ثم عانقها من الخلف وهمس قرب أذنها بنبرة شوق: اشتقتُ إليكِ كثيرًا.
التفتت إليه ديلان وقد شع وجهها بالحنين: وأنا أيضًا كثيرًا. سحبها برفق بين ذراعيه وقال مبتسمًا: وماذا تفعل زوجتي الجميلة؟ أجابت وهي تعاود تقطيع الفاكهة بهدوء: كنتُ في انتظارك، وحين تأخرتَ قررت أن ألهي نفسي قليلًا. أمسك يدها برفق ورفعها ليطبع قبلة عليها وهو يقول باعتذار: أعلم... سامحيني، مراد لم يغمض له جفن حتى وقت متأخر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!