قبل ثماني وعشرين عامًا... بالأمس القريب، كانت مجرد فتاة يتيمة فقيرة ابتليت بأب قاسٍ يحصي عليها أنفاسها، بل وحرمها من حقها باستكمال مسيرتها التعليمية معتقدًا بأنه هكذا يقيها الفتنة وصحبة السوء. أما اليوم!
اليوم هي حقًا لا تصدق ما آلت إليه حياتها في طرفة عين، ودون أن تحسب حسابًا لأي مما حدث، خلال أسبوع واحد التقت بفارس أحلامها، عقد قرانها عليه، انتقلت للعيش بمكان لم تجرؤ حتى على تمني مثله، ثم صارت زوجة حقيقية لـ "يحيى البحيري"، غير قادرة على الانتظار أكثر لتكون جزءًا منه، لتشعر بسيادته عليها ولتنعم بالواقع الذي حظيت به.
لم تكن تتخيل على الإطلاق بأن كل هذا ينتظرها. لقد سلمته أوراقها الشخصية كما طلب منها، ليستخرج لها جواز سفر فوري في نفس اليوم، وفي فجر اليوم التالي كانا على متن طائرة متجهة لأكثر المدن رواجًا للعشاق، مدينة الفن والجمال والعطور، "باريس"... "رحمة" ستقضي هنا شهر عسل كامل وغير منقوص كما وعدها "يحيى". لا تستطيع أن تصدق!
حطت معه بقدميها بأفخم فنادق المدينة "سان ريجيس"، والمطل مباشرة على برج "إيفل" الشهير. تمعنت "رحمة" بأعين مذهولة الترف المحيط بها من كل حدب وصوب، بينما تمشي متأبطة ذراع "يحيى" الذي تركها قليلاً ليؤكد تسجيل دخولهما بمكتب الاستقبال المفتوح.
بقيت بجواره تمامًا، تجوب عيناها أرجاء المكان المتسع برحابة. الأرض نظيفة وبراقة البرسلين يلمع كالمرايا تحت قدميها. الثريات الضخمة تتدلى من السقف الشاهق بمنتصف البهو الأمامي عاكسة أنوار مشعشعة خاصة على مساقاة انتصبت أسفلها مباشرة يسح منها خرير المياه من كل جانب. والتماثيل الفنية موزعة بإتقان في الزوايا المرئية، بالإضافة إلى الروائح المنعشة التي تستنشقها بانتظام، وتلك الموسيقى الهادئة التي تدوي عبر مكبرات الصوت الخفية. كانت تحس بشعور جيد، وكأنها خفيفة مثل الريشة. كانت في حلم جميل تتمنى ألا تفيق منه...
"يلا يا حلوة! صحت "رحمة" من تأملاتها على صوته، وأجفلت عندما أمسك بيدها وقادها معه تجاه المصعد. كان العامل المكلف بنقل حقائبهم قد سبقهم، بينما تقف ملاصقة له أثناء صعود الطوابق. لم تكن تشعر بالراحة، ولا زالت كلمته تتردد أصداؤها بأذنيها "يا حلوة"!!
هو لم يقل شيئًا معيبًا، لكن تلك الكلمة بدت غريبة. لو أنه ناداها باسمها لكان أفضل. تعرف بأن باكرًا جدًا لتوصيف علاقتهما بعلاقة حب، فلا هي ولا هو يعرفان بعضهما جيدًا لينشب الغرام بينهما. الوصف الصحيح لعلاقتها به هو الإنجذاب. هي تنجذب له بكل جوارحها ولديها قابلية كبيرة حتى لتغرم به وتعشقه. وفي نفس الوقت تشعر بأنه منجذب إليها جسديًا فقط. ذلك لا يعني أن مشاعرها مهمشة بالنسبة إليه، مطلقًا. فهو يعتني بها جيدًا ويصغي إلى متطلباتها الصامتة. يترجم حاجتها ويفهم ما تريده دون أن تطلب.
ولكن هذا حقًا لا يكفيها. فهي تريده أن يقع بحبها، وفي أسرع وقت ممكن... "أخيرًا استقرنا! " قالها "يحيى" وهو يقفل باب الجناح من بعدها. تلج "رحمة" متطلعة بانبهار إلى ما حولها. الغرفة الكبيرة رائعة بكل ما للكلمة من معنى، وقد جهزها الفندق لتناسب زوجين في شهر العسل، حيث وريقات الزهور تفترش الأرض الخشبية اللامعة، والبالونات المثبتة بالسقف من اللونين الأحمر والأبيض.
كانت الغرفة مكيفة أيضًا، وتحتوي على صالون للجلوس، وتلفاز بشاشة مسطحة، وآلة لصنع القهوة وثلاجة صغيرة، بالإضافة إلى حمام مزود بلوازم الاستحمام ومجفف للشعر. لم تستطع "رحمة" منع قدميها من التجوال للتعرف على الجناح الذي ستسكنه مدة ثلاثين يومًا.
حتى عادت من جديد لتقف أمام زوجها الذي ابتسم لها بوداعته المعهودة. مد يده ممسكًا بيدها مرة أخرى وسحبها ورائه نحو الشرفة المغلقة. تركها ليزيح الستائر عن النافذة العريضة، وفجأة برز أجمل منظر رأته في حياتها. البرج التراثي ينهض بالقرب منها شامخًا في سماء الظهيرة الربيعية، والمباني التاريخية مترامية على مد البصر... متعة ملموسة بإمكانها تذوقها. "إيه رأيك في المكان؟
التفتت إلى سؤاله. حدقت فيه الآن، ومثل العادة تؤخذ بجمال عينيه وتكاد تنسى كيف تنطق الكلمات. لكنها تمكنت من الرد أخيرًا: "المكان حلو أوي.. أنا عمري ما حلمت أزور بلد زي دي أصلًا! رمقها بنظرة حنونة وهو يقول بهدوء: "أنا مش هاخليكي تحلمي بعد كده. عشان كل أحلامك هاتتحقق معايا.. ومش باريس بس إللي هانزورها. إحنا هاناخد القطر بعد أسبوع و نروح لندن. و بعدها لو حبيتي ألففك أوروبا كلها. اؤمريني بس.. قوليلي نفسك في إيه؟
هزت كتفيها قائلة: "ولا حاجة! تقوس فمه بأقرب ما يكون للإبتسامة وهو يرفع يديه ليزيح سترته عن كتفيه، ثم يلقيها جانبًا ويمضي نحو زوجته الصغيرة. ارتجفت ما إن لمستها يده وأحاطت ذراعه بخصرها، بينما يردد بخفوت وهو يلامس ببطء واستمتاع نعومة بشرتها على وجهها وعنقها النابض: "إزاي.. أكيد في حاجة عايزاها. كلنا بنعوز حاجات طول ما احنا عايشين... ابتعلت ريقها بصعوبة مع تزايد الحرارة التي ولدها تلاصقهما ببعض، فقالت بلهجة مهزوزة وهي
بالكاد تتمسك برباطة جأشها: "و انت.. انت كمان. في حاجة.. عايزها؟ ابتسم لها متمتمًا وشفتيه تتحركان أمام فمها مباشرة: "إللي أنا عايزه بين إيديا دلوقتي.. مافيش حاجة تانية عايزها. قوليلي انتي بقى... عايزة إيه؟ جاوبته غريزيًا ومن أعماقها وهي تنظر إليه بتوق سافر: "أنا عايزاك انت!! "و أنا هنا. قدامك. و ليكي لوحدك! انتشرت قشعريرة أسفل معدتها، بينما يمنحها تلك القبلة المرتقبة، لتذوب شفاههما معًا...
شعرت بأصابعه تنقب في ظهرها وفخذها. أنفاسه تهدر وهو يقبلها مرارًا وتكرارًا على فمها وعنقها. نبتت دموع النشوة في عينيها وهي تطلق تنهيدات عالية، وبالكاد لاحظت قبل أن يسحبها تجاه الفراش المزدوج أن حزام ثوبها الثمين الذي ابتاعه لها قبيل السفر قد تفكك بفعل أصابعه، لينزلق الثوب على ذراعيها متجمعًا حول خصرها. تأوهت عندما دفعها لتسقط على ظهرها أمامه وبيديه يجردها تمامًا من الثوب ساحبًا إياه من حول ساقيها.
خفض نفسه نحوها وتفاجأت بنفسها وهي تتشبث بكتفيه وتمسك بمؤخرة رقبته، لا تطيق صبرًا ليتوحدا مجددًا. يمسك "يحيى" بها في مكانها وهو يلوي رأسه إلى عنقها يستنشقها ويقبلها وهو يهمس بغلظة: "مش ممكن.. كنت هانسى!! لم تستطع فهم جملته، وما هو الذي كاد ينساه؟ لكنها تذمرت عندما ابتعد عنها، لتفتح عيناها بصعوبة، محدقة به. إنه يبتعد أكثر معرّضًا جسمها نصف المكشوف للهواء البارد بعد أن عمل على تدفئتها لألف سنة قادمة. ما هذا الغش؟
ما هذا العذاب؟ تراه يفتح حقيبته الخاصة ليسحب شيئًا يعرف مكانه بالتحديد، ثم يعود إليها حاملًا زجاجة مياه صغيرة من الثلاجة. يثني ركبته متكئًا على طرف الفراش. يلف ذراعه حول خصرها ويشدها لتجلس، ثم يدفع نحو فمها بذات الحبة التي أعطاها لها في ليلتهما الأولى... "اشربي دي يلا! " حثها "يحيى" بلطف. ولكنها رفعت يدها لتدفع يده قبل أن تصل لفمها وقالت عابسة:
"أنا شربت الحباية دي أول مرة لما طلبت مني. وقبلها وعدتني هاتقولي دي إيه.. ممكن أعرف دي إيه؟ تنهد قائلًا بحلم: "أيوة صح. وعدتك.. بس أشربيها دلوقتي وبعدين هاقولك." أبت بشدة الآن وهي تقول بتصميم: "لأ.. قوليلي الأول!! لم يتحرك "يحيى" ساكنًا للحظات مطولة، ثم فتح فاهه أخيرًا وجاوبها بجمود: "دي حبوب منع الحمل." لم تكن الصدمة ما شعرت به أول مرة، إنما الدهشة، لترد عليه ببلاهة: "حبوب منع الحمل؟ وانت ليه بتديني حبوب منع الحمل؟
أسبل "يحيى" عينيه وهو يطرد نفسًا حارًا من صدره، وقال بفتور: "أنا قلت لك إني متجوز ومخلف يا رحمة. عندي الولد والبنت.. خلاص مش عايز حاجة تاني." "بس أنا عايزة! " هتفت "رحمة" فجأة وقد صفعتها كلماته بفعالية أكبر من الصدمة. رفع رأسه محدقًا بها وهو يقول بجدية تامة: "رحمة. أنا مش بناقشك. ده موضوع مافيهوش نقاش بالنسبة لي.. أنا مش هاخلف تاني لا منك ولا حتى من أم ولادي."
نظرت له غير مصدقة، يملؤها الاستنكار من موقفه هذا لتقول وهي تدفع كتفيه مقابلها تبعده وتقوم ملتقطة ثوبها الذي نزعه عنها منذ دقائق: "أنا ماكنتش أعرف الكلام ده. لو كنت أعرفه قبل ما أتجوزك ماكنتش وافقت عليك مهما حصل." تبعها "يحيى" واقفًا على قدميه. راقبها وهي ترتدي الثوب بأيدي مرتعشة، بينما ترمقه بنظرات تنم عن خذلان وخيبة أمل... "مش فاهم قصدك! قالها "يحيى" بصوت أجش، متظاهرًا بالغباء. هزت "رحمة" رأسها مرددة بدموع:
-أنا عشت يتيمة من وأنا عندي خمس سنين. عشت مع بابا لوحدي. لا كان عندي أخوات ولا أعمام ولا خيلان ولا عيلة. طول عمري كنت بحلم إني أكبر وأتجوز عشان أخلف ولاد كتير. يكونوا هما أخواتي وولادي وعيلتي كلها. انت بقى جاي دلوقتي بتقولي ببساطة مش عايز تخلف؟ ليه ماقلتش الكلام ده قبل ما تتجوزني؟ ده اسمه غش! قطب "يحيى" بشدة، تفاجأ من طريقة تفكيرها واستخدامها لدفاعاتها مما عطل رده لثوانٍ، لكنه قال في الأخير بحدة:
-الغش ده لو كان صفة فيا فعلًا كنت اشترط على عم جابر ما يجبلكيش سيرة عن جوازي أصلًا. كنت خبيت عنك تفاصيل حياتي. أنا مش غشاش يا رحمة! -وأنا عايزة أخلف! قالتها بعناد حازم. طالعها بنظرات قوية متقدة، ثم قال بخشونة لا تناسب ملامحه الملائكية البتة: -قلت لك مش هايحصل. لا منك ولا من غيرك. مش هايحصل. أومأت له قائلة بهدوء: -ماشي. انت حر ماتخلفش. بس طلقني! صدمته هي الآن بنطقها بالكلمة الأخيرة، ليقول باستنكار جلي: -أطلقك؟
ردت بفم مشدود مضطرب بينما دموعها تسح فوق خديها: -أيوه طلقني. أنا عمري ما هارضى بالوضع ده. أنا عايزة أخلف. منك أو منغيرك! احتقن وجهه بالدماء عندما استعملت نفس كلماته. كان يشعر بغضب شديد لم يتملكه أبدًا من قبل، وأحس بأن عليه أن يختفي من أمامها الآن، وإلا فسيحدث ما لا يحمد عقباه. تلك الفكرة صدمته أكثر! متى كان هكذا؟ كيف جعلته تلك الفتاة هكذا؟
يستدير "يحيى" الآن ملتقطًا سترته، يرتديها أثناء سيره للأمام، بينما تراقبه "رحمة" وهو يغادر الجناح بأكمله دون أن ينطق بكلمة. انتفضت حين صفق الباب ورائه، وفجأة اجتاحها انهيار كامل، لتسقط متكومة فوق الأرض مجهشة ببكاء حار وقد شعرت الآن فقط بوحدتها.
لم تتوقف عيناها أبدًا عن ذرف الدموع، طوال مدة رحيله المفاجئ. تركها بمفردها دون أي كلمة. لم تكن بيدها حيلة غير المكوث هنا، ترقد فوق الفراش الوثير، تحدق باستمرار إلى قنينة حبوب منع الحمل التي جلبها زوجها من أجلها. غريب! إنها تشعر بالخواء الآن!
وحقيقة أنها تفتقده. مجرد تخيل الآتي من عمرها بدونه يرعبها. ليس بعد أن وجدته، لا يمكن أن تُحرم منه بهذه البساطة، ولأجل سبب لا يستحق. إنه أبسط حقوقها أن تصير أمًا. فلماذا يصر على منعها من حقها الفطري؟ لماذا يظلمها؟
مع انتصاف الليل الباريسي، أحست "رحمة" بعودته. ولم تكن قد نامت أو حتى تراودها الرغبة في النوم. إنما تظاهرت مغمضة عينيها بأنها في سبات، وهي تسمع قرع حذائه يقترب منها شيئًا فشيئًا، ثم أحست بالمرتبة تنخفض بجوارها، ثم بيده الدافئة تلامس جانب رأسها.
في هذه اللحظة لم تستطع الصمود أكثر وأفلتت الشهقات من بين شفاهها، لكنها لم تفتح عيناها رغم ذلك. بقيت تبكي محاولة كتم صوتها مما أدى إلى اهتزاز جسمها بقوة، فدفنت وجهها في الوسادة. أرادت فقط أن تشد الغطاء إلى وجهها حتى لا يراها، لكنه لم يسمح لها بالتهرب منه.
شعرت بذراعيه تحيطان بها وتضمانها إليه، إلى حضنه الواسع المريح. جعلها ذلك تبكي أكثر، تبكي بشدة الآن، بينما يضم وجهها إلى صدره، تتشبث أكثر بقميصه ونحيبها يزداد حرارة، ليتمكن أخيرًا الكلام. فتسمع همسه من فوق رأسها: -رحمة.. أرجوكي ماتصعبيش الأمور عليا أكتر من كده. من فضلك إهدي. أنا مابتحملش الدموع أبدًا وخصوصًا منك انتي.. إهدي عشان خاطري!
نطق بكلماته مرارًا وتكرارًا، لكنها لم تستطع التوقف. بقيت تبكي بشدة، وهو فقط يضمها ويقبل شعرها وجبينها بالتناوب عليها تهدأ. كانت عاجزة الآن عن قمع مشاعرها التي طفت كلها على السطح تمزقها. لا يتعلق الأمر الآن بقضية منعه إياها من الإنجاب، بل بكل شيء. تشعر بالوجع من كل شيء. من فقدان والديها، وحدتها، ضعفها العام تجاه الحياة وتجاهه هو خاصة. الألم الذي لا ينتهي بداخلها منذ نعومة أظافرها. دائمًا ما تنقص سعادتها لتصبح مجرد مشاعر جوفاء. كل تلك المشاعر تفوق قدرتها على التحمل. لا تستطيع تحمل كل هذا أكثر. وقطعًا لا تريد الظهور أمامه بهذا الضعف.
أحس بيديها تدفعانه، فمنحها فسحة ليرى ما الذي تحتاجه، بينما تقلبت على الجانب الآخر من الفراش بعيدًا عنه. إنتابتها رغبة مجنونة في الرحيل. راقبها وهي تنهض واقفة وتهم بالتوجه صوب الحقائب التي لم تفرغ بعد. -أنا عايزة أرجع مصر دلوقتي! هتفت بنزق لا يخلو من البكاء. وقبل أن تضع يدها على الحقيبة كان قد وصل إليها. اعتقل معصمها في قبضته وهو يشدها نحوه قائلًا بحدة:
-رحمة. بطلي جنان. مافيش رجوع دلوقتي. وأكيد مافيش طلاق. شيلي الموضوع ده من راسك. انتي خلاص بقيتي مراتي حتى مش مجرد قسيمة بتثبت ده. انتي بقيتي ملكي فاهمة؟ قاومت قبضته دون جدوى وتهمس من بين أنفاسها: -وأنا مش عايزة أكمل معاك. انت اتجوزتني ليه أصلًا؟ أنا ماعرفش لحد دلوقتي انت ليه طلبت تتجوزني؟ وسادت ملامحها فجأة تعبيرات مصدومة وترت. ثم سمعها تقول مفغرة فاها وكأنها عثرت على الإجابة للتو: -بابا هو إللي طلب منك صح؟
هو إللي جبرك تتجوزني عشان كان عارف إنه هايموت؟ هز "يحيى" رأسه نفيًا في الحال بقوة: -لأ طبعًا. أبوكي مافتحش بؤه معايا في موضوع جوازي منك. وانتِ أصلًا تفتكري إن في مخلوق في الدنيا دي كلها ممكن يجبرني على حاجة؟ وبالأخص لو كان السواق بتاعي! كلمته الأخيرة كانت بمثابة الضربة القاضية. نظرت إليه كما لو أنه لكمها في أحشائها. ندم "يحيى" على الفور على زلة لسانه، بينما يتلوى وجهها وهي تقول محاولة استيعاب الأمر برمته:
-أيوه صح. أيوه. أنا كده بدأت أفهم. انت مش عايز تخلف من بنت السواق! اللعنة. إنه يناقشها ليخفف عنها ما جرى بينهما خلال النهار لكن يبدو بأنه يزيده سوءًا. يهز رأسه ثانية وهو يقول بغلظة مطوّقًا معصمًا أشد لمنعها من التحرك: -لأ. رحمة. أنا مقصدش إللي بتقوليه ده. أبوكي كان شخص مهم بالنسبة لي. صدقيني مقصدش أي إهانة له أو ليكي. كانت دموعها تنهمر بالفعل أثناء حديثه، لترد من بعده بلهجة منكسرة دون تحفظ:
-ولو قصدت. انت مابتقولش غير الحقيقة. بس لو كنت صريح اكتر معايا كنت وفرت علينا كل ده. انت اتجوزتني عشان تعيش لك يومين وفي نفس الوقت ترضي أبويا وتطمنه عليا قبل ما يموت. أكيد ماخدش منك مقابل عشان كتبت مؤخر كبير في عقد الجواز. عشان لما تطلقني بعد فترة تكون وفيت بوعدك وقال يعني سترتني. مش كده؟ وجهه يزداد عبوسًا مع تعاقب كلماتها، ليقول بخشونة ردًا عليها:
-إيه إللي بتقوليه ده. لأ طبعًا مش كده. أنا اتجوزتك وأنا عارف وواثق إن عمري ما هاطلقك. مهما حصل. رفعت حاجبها وهي تقول متحدية: -حتى لو جوازنا اتعرف؟ حتى لو مراتك وولدك عرفوا؟ جمدت نظراته وكذا ملامحه وهو يقول بجفاء: -وإيه إللي هايعرفهم يا رحمة؟ مش ممكن يعرفوا طالما محدش فينا احنا الإتنين قال! خيم الصمت بينهما للحظات. بعد ذلك، لتقطعه "رحمة" مكررة طلبها: -أنا عايزة أخلف. يا تطلقني.
يفقد "يحيى" آخر شعرة اتزان لديه وهو يصيح بها مبتعدًا كل البعد عن الوداعة والملائكية اللتان أسرتاها: -مافيش خلفة. افهمي بقى. مـافـيــــش خــلفة. ومافيش طلاق كمان. إللي حصل بينا ده مش لعبة. تتملكها غضب يوازي غضبه الآن وهي تثور بوجهه محاولة من جديد انتزاع يدها من قبضته باهتياج أكبر: -صح مش لعبة. لو لعبة مش هقدر أخلف. لكن أنا مش بلعب يا يحيى بيه. وقلتلها لك. أنا هاخلف. منك أو منغيرك!
تبًا لها. تبًا لها إذ تصر على تكرار تلك الكلمات التي تستفز رجولته وهي توحي له بصورة تفقده صوابه. صورتها بين أحضان آخر يستطيع منحها الأطفال التي يعجز عن منحها إياهم. كيف لها أن تفعل به كل ذلك؟ كيف لها أن تخرج أسوأ ما فيه؟ وهل كان في عمره كله بهذا السوء حتى ولو داخليًا؟ أسود وجهه الوسيم من شدة الغضب، وتدفق الغيظ بشرايينه وهو يغمغم من بين أسنانه بطريقة أخافتها:
-انتي صحيح لسا مجرد طفلة ساذجة وعنيدة. وأنا شايف إن جابر مابذلش أي مجهود في تربيتك. بس إحنا فيها. إللي هو ماعرفش يعمله أنا هاعمله. أنا هاربيكي يا رحمة! وانطلقت صرخة الرعب منها حين اجتذبها بالقوة وحملها إلى الفراش. رفعت يديها لتصارعه، لكنه أحبط إرادتها وهو يخفض جسده مكبلًا جسدها. على الرغم من جهودها المصممة لم تستطع الهرب من يديه. وأمسك بمعصميها ليصلبهما فوق رأسه بيد واحدة، بينما يأسر وجهها في قبضته الأخرى.
يحدق بتفرس حاد إلى ملامحها الناطقة بالنقمة والغضب. إلا أن فمه يرتجف فجأة وهو يدقق أكثر بتوردها المتزايد وسعة عينيها المتلألئة تحت ضوء الغرفة الخافت. انحسر غضبه بلحظة وهو يشعر بالحاجة إليها بداخله تتعاظم. ليتأوه وهو يدفن وجهه في عنقها مغمغمًا:
-رحمة. ماتقاومنيش. أرجوكي. أنا مش هاجبرك على أي حاجة. بس أرجوكي فكري كويس. ريحيني. أنا عمري ما حسيت بالراحة إلا وأنا معاكي. مستعد أحقق كل أحلامك. أي حاجة تطلبيها. إلا الشيء ده. من فضلك. افهميني. رجع إلى الوراء قليلًا وقبلها بلطف على حافة فكها، ثم نظر إليها بعينين متوسلتين. وفجأة.. لم تعد "رحمة" تشعر بالرغبة الملحة في الرحيل.
أخضعها بكلماته. هدأت فورة الغضب عنها وصارت مرتاحة أسفله. مثارة. رغم إنه لم ينزع عنها قطعة واحدة. تنهدت حين قرب فمه من خدها، ثم مرر شفاهه ببطء لأعلى وصولًا لأذنها حيث همس بعاطفة ملتهبة: -أوعدك إن عمرك ما هاتندمي على جوازك مني. أنا مش هاخليكي تحسي بأي نقص! كيف لها أن ترفضه وهو يناشدها هكذا بحق الله!
إدراكها بأنه يفضلها، بأنه يضعها في مكانة أعلى من زوجته باعترافًا منه إنه لم يجد الراحة إلا معها.. جعل كل مخاوفها تطير بهبة ريح. تأوهت هي الآن حين صار بين ساقيها، وجذبته نحوها أكثر غريزيًا. نسيت كل شيء، كل ما فكرت فيه هو اللحظة الراهنة، يداه وهي تخلع عنها منامتها من رأسها، سخونة فمه حين لامس صدرها، خلعه لملابسه بسلاسة شديدة خلال لحظات، قوة وحدة نظراته وهو يقيم الوصال بينهما.
تفجرت بداخله مشاعر لطالما تاق لها، عندما أطلقت "رحمة" لنفسها العنان بين ذراعيه، تعاطت معه كأنثى طبيعية، وهو ما تفتقر إليه "فريال" وستظل. فـ"رحمة" لم تكتسب هذا، بل هو في جذورها، في فطرتها، كانت مثل أمنية تحققت. أخيرًا وجد نفسه.. وجدها.. ولا ينوي التخلي عنها مطلقًا. ***
تهللت أسارير الرجل الطاعن في السن، والوقور في آن، وهو يجلس وراء مكتبه الضخم متطلعًا إلى شريكه الأصغر سنًا وهو يلج إليه أخيرًا، يراه بعد غياب بضعة أيام في عطلة استجمامية. رحب به على الفور مبديًا سروره بعودته: "حمدلله على السلامة يا نبيل.. جيت في وقتك. زي العادة محتاس منغيرك!
يبتسم "نبيل الألفي" بمودة صادقة لصديقه العجوز، يمضي مقبلًا عليه أقرب، فينهض الأخير ليصافحه بقوة، رابتًا على كتفه بينما يقول "نبيل" بتلك النبرة الرفيقة التي يخص بها شريكه وصديقه المقرب: "لو كنت كلمتني عمري ما كنت هتأخر عنك.. انت الوحيد إللي معاك رقمي الخاص. و عشان ماكونش بكذب يعني هالة بنت أختي معاها بردو." قهقه الرجل باشراق ودعاه للجلوس قائلًا:
"أنا صحيح مابستغناش عنك. لكن ده مش معناه إني مابقاش مهتم براحتك أديلك مساحتك الشخصية. أهم حاجة تكون راجع مبسوط و عندك طاقة." تنهد "نبيل" وهو يجلس قبالته ويرد: "و الله راجع مبسوط فعلًا. بلد أول مرة أزورها و الطبيعية هناك تنعش الروح. لازم أخدك هناك مرة على الأقل هاتفيدك." وافقه في الحال: "و ماله طبعًا. نبقى نروح." ران الصمت لثوان.. ثم قال "نبيل" ساحبًا الوشاح الخفيف من حول رقبته والذي تماشى مع لون عينيه الفيروزي:
"خير يا حسين.. قولي بقى كنت سايب لي خبر أول ما أوصل أجي لك. في حاجة حصلت في غيابي؟ نفى المدعو "حسين" افتراضه قائلًا بأريحية: "لا أبدًا ماحصلش حاجة. كله ماشي تمام ماتقلقش." عبس "نبيل" وهو يقول بحيرة: "أومال في إيه؟ أنا المفروض كنت أريح في البيت إنهاردة و أنزل الشغل من بكرة! ابتسم "حسين" وهو يفصح له بعشم:
"ما انا قلت لك انا مابعرفش أتصرف كويس منغيرك يا نبيل. انت مش مجرد شريك في الشغل. انا بعتبرك إبني. كنت أتمنى تكون إبني فعلًا يا نبيل."
امتلأت عينا "نبيل" بنظرات التقدير والإمتنان للرجل الذي لا يتوقف أبدًا عن دعمه بكل الطرق الممكنة. لا يمكنه أن ينسى أحلك أيام حياته، حين خسر أعماله بالكامل منذ سنوات على يد "عثمان البحيري" الانتقامية. ظهر "حسين عزام" فجأة، كان طوق النجاة، وعرض عليه الشراكة دون أن يطلب منه أي مقابل مادي. من وقتها وهما لا يفترقا أبدًا، واستحالت علاقة العمل إلى علاقة صداقة قوية، إلى أن كللها "حسين" بهذا الاعتراف الآن.
أن يقولها علنًا بأنه تمنى لو حظي به كابن حقيقي له.. هو شيء لا يقدر بثمن بالنسبة له. "أؤمرني يا حسين! " قالها "نبيل" بصوته القوي: "قول إللي انت عايزه و أنا أنفذه فورًا." حسين بلطف: "أنا مش طالب منك حاجة كبيرة. و مالهاش علاقة بالشغل. زي ما قلت لك أنا بعتمد عليك أكتر في حياتي الشخصية." شعر "نبيل" بالفضول فحثه مضيقًا عينيه: "خير يا حسين. أتكلم! علا صدر العجوز وهو يعبئ نفسًا عميقًا إلى رئتيه المنهكتين، ثم قال بصوت خفيض:
"مالك ابني هايخرج من السجن كمان يومين. المحامي لسا مكلمني امبارح بدأ في إجراءات خروجه فعلًا." "صحيح أنا فاكر إن السنة دي كانت أخر مدته.. يااه. عشر سنين عدوا بالسرعة دي! "يعدوا علينا احنا بسرعة. إنما على المسجون يعدوا ألف سنة." استشف "نبيل" الحزن في لهجة صديقه، فقال مرفرفًا بأهدابه الكثيفة: "طيب انت عاوزني أعمل إيه؟ أروح أجيبه من السجن و لا هو هايترحل على مصر؟
"لأ مش هايترحل. أنا عملت اتصالاتي هنا و اتصالحنا مع السلطات. وضعي هنا يسمح لي اتوسط له و أضمنه. هو هايخرج من السجن علطول و أنا بنفسي إللي هاروح أجيبه.. ماكنتش عايزك في حاجة تخص مالك يا نبيل." "أومال عايزني في إيه حيّرتني يا حسين! حسين مبتسمًا بخفة:
"أخيرًا مايا بنتي قررت تيجي تعيش معانا هنا. لما عرفت إن أخوها خارج قالت لي إنها جاية. ماكنتش مصدق نفسي يا نبيل. انت عارف مايا طول عمرها عاملالي هاجس. و خصوصًا بعد موت أمها.. ياما إتحايلت عليها تيجي! أبدى "نبيل" سرورًا لبهجة صديقه وقال: "حلوة أوي الأخبار دي. شفت مش كنت بقولك إن ولادك هايرجعوا لحضنك تاني.. ماكنتش بتصدقني." أومأ "حسين" مرارًا وقد كست عيناه طبقة من دموع الفرح، ثم قال متململًا بشيء من الحرج:
"أنا عارف إنك مرهق من السفر. و مش من الذوق إني أطلب منك طلب زي ده.. بس لولا إن في اجتماع مهم بعد نص ساعة لازم أكون حاضر فيه ماكنتش طلبت منك أبدًا." "بلاش كلام مالوش لازمة! " قالها "نبيل" متبرمًا، واستطرد بخشونة: "قول علطول إللي انت عايزه!! إنصاع له مجيبًا بهدوء:
"مايا هاتركب الطيارة بعد ساعتين. و كنت عايزك تروح تستقبلها في المطار و توصلها بيتي. بما إني مش هاعرف أروح لها مش عايز ابعت لها السواق و أخليها تحس إن وجودها هنا عادي. عشان كده بطلب منك انت إللي تروح. انت شخص مميز و مهم عندي و مايا هاتفهم ده أول ما تشوفك." تلقى "نبيل" كلماته بتفهم وقال: "بس كده؟ غالي و الطلب رخيص يا حسين.. هكون في المطار قبل وصولها كمان. هاستقبلها بنفسي و أوصلها لك لحد البيت. ماتقلقش خالص!
واعتذر منه فجأة إذ شعر باهتزاز هاتفه بجيب سترته. قام "نبيل" بعد أن رأى شاشة الهاتف تضيء باسم ابن أخته الوحيدة. بدت الابتسامة في صوته وهو يرد عليها ما إن أغلق باب مكتب "حسين عزام" من خلفه: "هالة! حبيبتي عاملة إيه وحشتيني." أتى صوتها خافتًا بشكل ملحوظ: "خالو. انت وحشتني أكتر. بس اسمعني عشان مش هقدر أطول معاك! عبس "نبيل" وهو يسألها مرتابًا: "انتي موطية كده ليه يا هالة؟ في حاجة و لا إيه؟
"لأ. لأ مافيش حاجة.. بس فادي قريب مني. انت عارف لو شم بس إني بكلمك هايبهدلني."
تنهد "نبيل" بسأم، ليس من العدل ما تفعله معه الحياة. سلبت منه أحبائه فيما مضى، والديه وشقيقته التوأم العزيزة على قلبه، وها هي تحرمه من قطعة منها.. غاليته "هالة". الذكرى الوحيدة لوالدتها التي تبقت له. باعتبار إن علاقته بأخيه "صالح" ليست وثيقة جدًا. كانت "هالة" مفضلته حقًا. ولكن بعد الذي اقترفه بشقيقة زوجها لم يكن له الحق في لومه عندما قضى منذ سنوات ألا يقترب من عائلته بمن فيهم زوجته. "هالة". لكنها مثله تعتبره من أقرب الأقربين. لم تستطع تنفيذ أمر زوجها وخرقت كلمته وبقيت على تواصل مع خالها في الخفاء.
ارتفع كف "نبيل" ماسحًا على وجهه وهو يغمم عبر الهاتف: "طيب مش هاعملك مشاكل معاه. قوليلي يا حبيبتي اتصلتي عايزة حاجة؟ "لأ كنت بتصل أطمن عليك. أنا عارفة إنك راجع إنهاردة.. رجعت؟ "أيوة. بقالي ساعة واصل." "إحنا نازلين مصر دلوقتي." تفاجأ بالخبر وعلق: "إيه ده معقول.. مش قولتيلي إن فادي مش بيفكر يرجع دلوقتي خالص. و حتى كان عايز يبعت لأخته الصغيرة عشان تعيش معاكوا هنا؟ "آها قلت كده فعلًا. بس في حاجة حصلت و لازم نرجع فورًا."
"إيه إللي حصل؟ "سمر عملت حادثة و بيقولوا فقدت الذاكرة. مش فاكرة أي حد لا عثمان و لا ولادها و لا حتى ملك أختها. مش فاكرة غير فادي! "إيـه!!؟ " هتف "نبيل" معقبًا بذهول. كان الخبر صادمًا حقًا. لا يصدق. *** "وحشتني أوي!
تنهدت "ملك" براحة وهي تتعلق بأحضان زوج شقيقتها مثل قطيطة تلوذ بركن آمن. كانت بالفعل تنتظره حتى عاد إلى البيت بعد غياب ليلة ونهارًا كاملين. كان تعاني من تعلق مرضي به حقًا. وأضيف إليه هلع فقدانه عندما علمت بقدوم شقيقها الوشيك. خشيت كثيرًا لو أصر على كلمته وأخذها من هنا. بعيدًا عن عائلتها الحقيقية بالنسبة لها. "انتي أكتر يا حبيبتي! " قالها "عثمان" وهو لا يزال يضمها بحنان عند مدخل المنزل.
أخذ يمسح على رأسها ممتنًا لأنها تمنحه هذا السلام الذي كان بحاجة إليه بعد كل ما خاضه خلال الساعات الماضية. كان يستمد منها قوة دون أن تدرك. تلك الفتاة الصغيرة هي رمز الحظ بحياته. منذ تكفل بها واتخذها ابنة له وهو يشعر بلطائف الله تحيط به حتى في أصعب المواقف والأزمات. إنها ملاكه. "انتي كنتي قاعدة مستنياني؟
مشيت "ملك" للداخل مع "عثمان" متشبثة بجزعه، بينما يحيط كتفها بذراعه وهو يلقي عليها ذلك السؤال ناظرًا إلى عينيها. نفس عيني أختها، زوجته. "سمر". ابتسمت "ملك" وجاوبته: "إمم. يحيى و فريدة ناموا من بدري. و أنا ماعرفتش أنام خالص غير لما تيجي و اشوفك." مد يده الأخرى مداعبًا خدها بلطف، وقال متلفتًا حوله: "فريال هانم في أوضتها؟ أومأت له قائلة:
"أنا سيبتها مش شوية في السرير بتقرا. طلبت شاي البابونج. لو عايز تشوفها لازم تلحقها قبل ما تنام! حنى رأسه ليقبلها على جبهتها، ثم تركها تتمنى لها ليلة سعيدة ومضى صاعدًا لرؤية أمه. فقد عزم نهائيًا على إتمام الأمر الليلة. إذا أخره أكثر سيزداد صعوبة. والصدمة ستقوى عليها. لم يكن أمامه خيار آخر. لن يخفي "شمس". لن يفعل مثل والده. فهي دمه وهو لا يتخلى عن دمه. "تسمحي لي أدخل؟
ترفع فريال عينيها عن الكتاب الذي أمسكت بدفتيه بيديها الرقيقتين. انفرجت أساريرها ما إن رأت ابنها الحبيب. دعته للدخول على الفور وهي تنتزع نظارتها الأنيقة وتضعها جانباً فوق الكتاب. "عثمان.. حمدلله على السلامة. أدخل يا حبيبي!
يلج عثمان بعد سماع إذنها. يغلق الباب من خلفه ويمشي تجاه سريرها العريض مبتسماً. ولوهلة، استوقفته صورة والده المعلّقة على الجدار بالزاوية. لأول مرة يشعره النظر إليه بالحنق. وحقيقة إنه لا يطيق سيرته من بعد الآن. تضايق كثيراً وأشاح بنظره نحو والدته. "مساء الورد على الورد. فريال هانم. ست الهوانم!
ابتهجت فريال من غزله المعتاد. كالعادة لا غيره من بعد أبيه يدخل السرور والسعادة على قلبها. تناولته يدها عندما مد يده إليها. فانحنى ليطبع على ظاهر يدها ذات القبلة الرقيقة والراقية كدأبه كل ليلة. ثم يجلس قبالتها على طرف السرير قائلاً بنعومة: "لو ماكنتش لحقتك قبل ما تنامي عيني أنا مكانتش هاتشوف النوم طول الليل."
كركرت فريال ضاحكة بمرح كبير. أطربت ضحكتها أذني عثمان وأخذ يتأملها بقوة دون أن يفوّت لحظة ردة فعلها كاملة. بينما تعاود النظر إليه وهي ترد بصوتها الحلو: "يا عثمان أنا بجد مش ممكن أتصوّر حياتي منغير بكشك ده. زي ما تكون عارف الطريق لقلبي. وأنت أصلاً قلبي كله." عثمان مبتسماً ببساطة:
"ده مش بكش يا فريال هانم.. انتي حقيقي أهم حاجة في حياتي. ومش بس أنا.. لو عيلة البحيري لسا محتفظة باسمها وعالية في عيون الناس ف ده بفضلك انتي. انتي فريال هانم. يعني الجمال والجاه والأصالة.. أنا ماشي طول حياتي من يوم ما وعيت على الدنيا فخور إنك أمي." ترقرقّت الدموع بعينيها تأثراً بكلماته. فقالت وهي تغطي يده الممسكة بيدها الأخرى:
"حبيبي.. وأنت أجمل هدية ربنا بعتها لي. أنت الوحيد إللي مصبرني على فراق باباك.. أنت وأولادك. ربنا ما يحرمني منكوا أبداً! رباه.. لماذا تصعّب الأمر عليه بهذا الشكل! لا تكفّ عن ذكر أبيه. تعبّر عن شوقها إليه وتفانيها لذكراه. فليرى ماذا سيكون رأيها بعد أن يطلعها على سرّه المخزي... "ماما! " نطق عثمان كأنه على أسنانه. كان ينظر إلى يديهما الآن. بينما يستطرد بصوت أجش:
"في موضوع ضروري أكلمك فيه.. صدقيني لو بإيدي ما عرضكيش للموقف ده.. لكن أنا مجبور. ده واجبي! إنتابها القلق على الفور وهي تقول محاولة اجتذاب عينيه: "في إيه عثمان؟ قلقتني. سمر فيها حاجة؟ هز رأسه نافياً. قطبت بعدم فهم: "مش فاهمة.. وضّح يا عثمان عايز تقول إيه؟ رفع رأسه ببطء لينظر إليها بتضرع يناقض لهجته الخشنة وهو يقول الآن:
"الأول أوعديني.. قبل ما أقولك أي حاجة. إنك هاتستوعبي كلامي. هاتفهمني. هاتتمالكي أعصابك ودي أهم حاجة عندي! ثارت أعصابها بفعل حديثه الغريب وهتفت به: "أتكلم يا عثمان.. أنت قلقتني بجد قول إيه إللي حصل! "أوعديني الأول! " صاح بصرامة. جمد تعبيرها لثوان. وقد أدركت بأنه على وشك إطلاعها على كارثة. لذا تجلّدت بالشجاعة. واتسمت ملامحها بالقوة وهي تحثه بجمود: "أوعدك يا عثمان."
يسحب عثمان نفساً عميقاً عبر أنفه. ليطرد على مهل من فمه. ثم ينظر في عينيها مباشرة. وهو يقول بهدوء ولا زال يمسك بيديها: "أنا عرفت إمبارح بس.. وإتأكدت إنهاردة.. إن أنا ليا أخت... شمس يحيى البحيري.. أختي من أبويا!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!