قبل ثماني وعشرين عامًا … لقد كان من السهل حقًا خداع زوجته، وتزييف الحقائق، من أجل الابتعاد عن المنزل عدة أيامٍ، بحجة السفر خارج البلاد لأجل التمهيد لافتتاح فرعًا جديدًا من شركته الأم، وإن كان يمقت نفسه على أفعاله المستجدّة، بل ويكاد يحتقر ذاته. لكن مجرد التفكير بتلك الفتاة، وحقيقة إنها زوجته الآن، هي إثارة لا يقدر على مقاومتها أو صدّها!
لأول مرة بحياته يتوق لشيء كما هو الآن، لقد فعلت “رحمة جابر” ابنة السائق البسيطة، ما لم تستطع امرأة فعله منذ سنوات، وحتى زوجته أم ولديّه. حث الرجل البدائي الكامن بداخله وإيقاظه من سباته!
فمنذ زواجه بـ”فريال المهدي” ابنة الحسب والنسب في عمر يافع جدًا، لم يستمر هذا الشعور معه إلا لأيام قليلة فقط، قبل أن تبدي زوجته انزعاجًا من معاملة أنوثتها بوضاعة لا تليق بها، ثم تفرض عليه شروطًا، وهو ما لم يعارضه لأنه ظن بأنه يحبها وهذا يكفي.
لكن لا، مع مرور الوقت اكتشف بأنه أبدًا لا يكفي، لا أحد يعرف ما قضى حياته الزوجية السابقة مصرًا على كتمانه حتى لا يُفسد استقرار أسرته، وكان راضيًا لو أكمل البقية من عمره هكذا لنفس الهدف.
لكن ظهور “رحمة” غيّر كل حساباته، وأغراه وضعها بعد وفاة والدها، إنها صيد لن يجد أسهل منه مطلقًا، علاوةً على إنها تعجبه كثيرًا، وإنه واثقًا من خضوعها الحتمي إليه، من نظرة عينها تمكن من رؤية الرغبة به والمماثلة لرغبته بها، بقليل من الضغط ستسلمه نفسها وهي راضية كل الرضا. إلا أنه قد وعدها، لن يقترب منها أو يمسّها حتى يلتمس منها دعوةً صريحة، أو على الأقل تلميحًا واضح.
يعود “يحيى البحيري” إلى شقته السريّة والتي أمتلكها في زمنٍ خلى ليلوذ بها هربًا من ضغوطات الحياة، ولكن بمفرده، لم تعرف امرأة أخرى غير “رحمة” طريق هذه الشقة ولم يزرها أحد على الإطلاق قبلها هي، حتى “فريال” لا تملك فكرة عنها.
أشارت ساعة الحائط المذهبة بالصالة المركزية إلى العاشرة والنصف مساءً، عندما ولج “يحيى” إلى داخل الشقة جارًا خلفه حقيبة الملابس المتوسطة، كانت الإضاءة الخافتة تمهد له طريقه وهو يتحرك بحثًا عنها بأرجاء المكان، لكنه لم يجدها بأيّ من الصالون أو غرفة المعيشة أو حتى بالمطبخ. لم يتبقّ سوى غرفة النوم إذن!
سحب “يحيى” نفسًا عميقًا وحسم قراره بالذهاب إليها، وضعًا بالاعتبار بأنه في جميع الأحوال سيعرج بالقرب من مخدعها لكي يصل إلى مضجعه هو، إلا إن الفضول ينتابه بشدة ليرى ماذا تصنع في هذه اللحظة!؟ وعرف!
بمجرد أن دفع باب الغرفة الموارب، لم يدخل على الفور، بل جمد تمامًا كتمثالٍ، عندما رآها ممدة بمنتصف الفراش، لم تكن مفاجأة كبيرة أن يراها نائمة، وصحيح أنه لم يتبيّن منها شيء واضح، لكن التفكير فقط أنها تنام في بيته وعلى مبعدة ذراعين منه جعل أعصابه تتوّقد. ازدرد ريقه متوترًا، ورغم إنه يخاف من مواجهة هذا، لكنه مضى مدفوعًا بذات الفضول، ويا ليته لم يفعل، إذ كانت كارثة هزّت كيانه حرفيًا.
تلك الشيطانة الصغيرة.. ما الذي تحاول فعله بالضبط!؟؟ وهي ترقد بذلك الثوب الذي يعرفه جيدًا، إذ إنه قد اختاره بنفسه، لم يتوقّع أبدًا أن يراه عليها مبكرًا هكذا، ليس حتى أن يتم الوصال بينهما عدة مراتٍ لتتخطّى حاجز الرهبة منه. اللعنة!!
كان الغطاء الخفيف قد انحسر عنها فعليًا، وسقط بعضه إلى الأرض، فبدت في الثوب الأسود الشفاف عليها أكثر إثارة مِمّا رآها للمرة الأولى في بيت والدها، كانت أعضاؤها الأنثوية متوّثبة في الثوب الضيّق صارخة بالأنوثة التي تستجدي أن يمتلكها من هو له الحق. أليس هو له كل الحق!؟
يطرد “يحيى” زفيرًا مطولًا بشكل مفاجئ، يبعد ناظريه عنها بسرعة غير قادرًا على العبث بأعصابه أكثر من ذلك، يستدير ممسكًا بمقبض حقيبته، ثم يولّى فورًا نحو الباب الجانبي بزاوية الغرفة، والذي لم يكن سوى معبر لغرفة أخرى مشتركة ولكنها أصغر حجمًا وأكثر تواضعًا من حيث الفرش والأثاث.
كان مرهق ذهنيًا لدرجة لم يأبه بفتح الحقيبة ليخرج شيئًا ينام فيه بدلًا من بذلته الثمينة، خلع حذائه فقط وألقى بسترته بإهمالٍ، ثم رمى بنفسه فوق الفراش آملًا أن يتمكن النعاس منه، ولكنه يعي تمامًا صعوبة حدوث ذلك، بعد ما رآه وإدراكه بأن الجسد الذي لطالما أشتهاه ليس ببعيد عليه، وأنه يمتلك شرعية حصوله عليه في أيّ وقت شاء، لم يكن أبدًا بهذا الضعف من قبل. سحقًا!!!
إنفتح جفناه مرةً واحدة، لا يدري هل نام حقًا أم إنه أغمض عينيه فقط، ولكن الصرخة التي دوت عبر المسافة الفاصلة بين الغرفتين كانت كفيلة بنزعه من الفراش، ليكون عندها خلال ثوانٍ. -رحمـة!
إلى جانب صراخها المرعب، أيقظها أيضًا صياحه الخشن المذعور من سلسلة كوابيس مفزعة جعلتها تتخبّط في الفراش كالممسوسة متعرّقة ومحمومة بشدةٍ، فتحت عينيها بلحظةٍ شاخصة بقوة، لترى ضوء الغرفة قد أضاء فجأة، وذلك الشبح المتجول أمامها يقترب لتكتشف بأنه لم يكن سوى زوجها المزعوم!!! -رحمة. إيه إللي حصل مالك؟ .. قالها “يحيى” وهو يطلّ فوقها الآن بوجهٍ يعصف بالقلق.
ارتعشت “رحمة” من لمسة يده على جبينها المندى، كانت في أقصى حالات وهنها، ولم تساعدها إطلاقًا رؤيته على هذا الشكل، حيث عينيه الرماديتين تومضان بالعاطفة، وصدره القوي بارزٌ وراء قميصه المفتوح، كل شيء فيه يربكها ويدفعها للفرار منه والركض إلى أحضانه في آنٍ. -شفت كابوس! .. نطقت “رحمة” بصعوبةٍ وهي تحدق فيه ملء عينيه.
رفع “يحيى” يديه عنها للحظاتٍ، ليصب لها كأسًا من الماء ويضيء مصباح السرير بجوارها، لاحظ بوضوح انتفاضة جسمها عندما دس ذراعه حولها ليساعدها على الجلوس، إنه فعليًا كان يعانقها!!! لم يستمر هذا إلا ثوانٍ كانت كفيلة بتخدير حواسها، ليسقظ ظهرها فوق الوسادة خلفها، بقيت ترنو إليه فقط بإرادة معدومة، بعد أن لاحظت عينيه الجميلتان تتأملان وجهها وكتفيها العاريتين بشغفٍ لم ينجح في مداراته. -اشربي مايّة!
.. تمتم “يحيى” بهدوء وهو يمد لها كأس الماء. رفعت يدها بثقلٍ وتناولت منه الكأس، قرّبته من فمها وشربت القليل، ثم أعادته إليه هامسة: -شكرًا. سألها بجمودٍ وهو يعيد الكأس إلى الطاولة: -الكوابيس دي علطول بتجيلك؟ هزت رأسها ببطءٍ وهي ترد عليه بنبرةٍ مهزوزة: -لأ. دي أول مرة يحصل لي كده!! طمأنها بوداعته المعهودة: -عادي يحصل لك كده في الأول. المكان جديد عليكي. وظروف وفاة والدك.. كل حاجة جديدة. بس هاتتعودي بسرعة. ماتقلقيش.
راقبت عيناه يدها المرتعشة وهي ترتفع لتعيد خصلة حجبت عينها وراء أذنها، ثم سمعها تقول بارتباكٍ واضح وهي تبذل جهدًا لتنظر إليه مباشرةً دون أن يغلبها الخجل: -انت جيت إمتى؟ أنا ماحستش بيك خالص! جاوبها ولا يزال مركزًا نظراته عليها باهتمامٍ: -أنا لما رجعت كنتي انتي نايمة. دخلت الأوضة شفتك كده ف ماحبتش أزعجك…
لم تكن غبية إلى حد إغفال إيحائه بأنه رآها هكذا، يعني بأنها كانت عرضة لناظريه وهي تنام في هذا الثوب المثير، ما كان عليها أن ترتديه، ولكنها حقًا تحب هذه الأنواع من الألبسة النسائية، تناسبها وتشعر بالراحة والحرية فيها، هذه الألبسة التي لطالما خاضت جدالاتٍ حادة مع أبيها لأنها كانت تصول وتجول بها بمنزلها القديم، لم تكن تتحمل توبيخه لها ففضلت أن تضعها على جسمها حين تخلد إلى الفراش فقط.
إنها حقًا غبية، ما كان عليها أن ترتدي هذا وهي تعلم بأنه ربما يعود في أيّ وقت ويراها فيه، يا لحظها!! تابع “يحيى” وهو ينظر إلى عينيها الآن: -وأصلًا مافيش سبب عشان أزعجك. أنا سايب لك الأوضة الرئيسية دي. وناقل كل حاجتي في الأوضة إللي جنبك. صحيح باب بيفصل بينّا. لكن أنا أكيد هاحترم خصوصيتك… وسكت للحظة، ثم أضاف بلهجةٍ موحية: -لحد ما تقرري إن مافيش خصوصيات بينّا!
كلماته ملأت قلبها حرجًا مفاجئًا، واستطاع هو أن يدرك تأثير ما قاله عليها، فتنهد مشيحًا بوجهه عنها، بدا عليه عدم الارتياح، وأطرق برأسه بينما يخرج صوته واهنًا كالهمس: -أنا آسف! هذا كثير.. بصدق؛ إنها المرة الثانية في يومٍ واحد التي يعتذر منها ولا تعرف السبب. استطرد دون أن يغيّر من وضعيته شيئًا: -وعدتك إني مش هاضغط عليكي.. لكن حتى لو مش بالأفعال. كلامي بيثبت إني مش بوفي بوعدي.
أدار وجهه إليها ثانيةً، ثبّت عينيه على وجهها دون أن يطرفهما للحظة، أطال التحديق فيها، فتسارعت نبضات قلبها بينما يضيف بصوتٍ أجش:
-أنا مش عايزك تحسّي أبدًا إني بستغلّك بسبب ظروفك. عشان كده بس أنا بحاول على قد ما أقدر إني أحافظ على مسافة بيني وبينك.. رحمة. أنا من أول ما شوفتك مش بتروحي من بالي.. غصب عني بفكر فيكي طول الوقت. مش ممكن تتخيّلي الراحة إللي حسيت بيها لحظة ما بقيتي مراتي. انتي أول واحدة أحس ناحيتها بالمشاعر دي.. أنا عارف إني بلعب بالنار. وإنها ممكن تحرقني. بس أنا.. عايزك.. رغم كل حاجة! الآن اعترف!!
وهذا كل ما تمنت أن تسمعه منه، لقد أغرمت به منذ الوهلة الأولى، ومثله تمامًا لم تتوقف عن التفكير فيه، ولم يمر على بالها دون أن يحدث اضطرابًا كلّي لمشاعرها، تحلم به كل ليلة، هي أيضًا تريده، لعله يراها هدفًا يود الوصول إليه، لكنها تراه أمانًا واحتواء.. إن لم تكن قد وقعت بحبّه فعلًا!!! ندت عنه نهدة عميقة الآن وهو يمسح على وجهه مغمغمًا بخشونة:
-آسف إنك بتسمعي مني الكلام ده. حاسس إني بتصرف بأنانية.. جايز فكرت قصادك بصوت عالي. ماتقلقيش. أنا هاحافظ على وعدي ليكي.. حتى لو استنيتك كتير. حتى لو ماكنش في أي مقابل للإنتظار. أنا عمري ما هاجبرك على حاجة. وهاتفضلي أمانة عم جابر إللي هاصونها لحد آخر يوم في عمري. نظر إليها مجددًا وقال مبتسمًا بصعوبة: -هاسيبك تنامي دلوقتي.. واطمني أنا جنبك هنا. انتي مش لوحدك.. تصبحي على خير!
وهمّ بالقيام من أمامها، لتمتد يدها في لمح البصر لتقبض على ذراعه، جمد “يحيى” بمكانه، ونظر إلى يدها التي تمسك به، ثم نظر إليها، إلماع عينيها، رجفتها الواضحة مثل عصفورٍ يرفرف، وماذا بعد!؟؟ -ماتسبنيش لوحدي.. خلّيك معايا لو سمحت! أهي رغبة خالصة التي يراها تطلّ من عينيها الآن؟ .. حقًا هي تريده أن يبقى معها؟ .. ولكن هل تعرف هي ما يترتب عليه بقائه لو وافق؟ لن يكون بإمكانها أن تتراجع بمجرد أن يمضي إلى هذا.
سرت الحرارة في جسده عندما صدمته وزحفت ناحيته لتصير قربه، لا تفصلهما سوى عدة بوصات، فأقشعرّت وهي تحس بحرارة أنفاسه تغمر وجهها، رفرفت بأهدابها الطويلة وهي ترفع يدها الأخرى لتحط بها فوق كتفه الدافئ مغمغمة من بين أنفاسها: -أنا كمان.. أنا كمان عايزاك! بعد أن أتمّت جملتها، فجأة، انفجرت مشاعره بشكلٍ أرعبها، عندما أعطته الضوء الأخضر انتفى عقله وأيّ مظهر من مظاهر التفكير والمنطق.
شهقت عندما قبضت أصابعه الغليظة حول معصمها، وقبل أن تدرك شيئًا آخر كان قد سحبها تجاهه بقوةٍ أخافتها في البادئ، ثم لصق فمه بفمها وهو يدس ذراعه من حولها ليحتويها بأحضانه الواسعة.
حضنه مريح، لكنها لم تلين بسهولة، فجأة صارت أعصابها مشدودة من هجومه غير المتوقع، إلا أن قبلته المتعمّقة جعلت الحرارة تتصاعد من معدتها، وبالتالي تخور وتتلاشى كل مخاوفها، لتصبح أداة طيّعة بيده الخبيرة، كان يعرف كيف يخضعها وهو ما حدث أسرع مِمّا خطط له، إنها حقًا بريئة كما وصفها والدها.
تسقط “رحمة” من جديد فوق الوسادة مدفوعة بضغطه عليها، بينما تعمل يده بمهارة لتزيل قميصه واستكشاف الجسد الذي اشتهاه كما لم يشتهي أيّ شيء في آنٍ، كانت تنتفض مع كل لمسة من يده، الجرئية منها خاصةً، تدمع عيناها، تفلت أنفاسها على شكل شهقات لتخبره بفقر خبرتها بل انعدامها في هذا الميدان، كانت ضائعة وفي نفس الوقت مشوّشة، خائفة من التجربة الجديدة الوشيكة. ثم فجأة لفحها البرد حين دفعها “يحيى” بعيدًا وهو يقول من بين أنفاسه:
-لحظة.. راجع لك تاني! بالكاد استطاعت فتح عينيها قليلًا لترى ظلّه يحوم فوقها، قبل أن يختفي في الغرفة المجاورة، عاد بعد لحظاتٍ لينضم إليها في السرير مرةً أخرى. -اشربي ده! بدا متسلّطًا في طلبه، وساعدها لتجلس وهو يقدّم لها حبّة دواء، ولكن أهي مريضة!؟ -إيه ده؟ .. تساءلت “رحمة” ببلاهة. رد “يحيى” وهو يدس الحبّة بفمها فعليًا: -بس اشربيه. ماتخافيش.. بعدين أقولك ده إيه. وعد.
ولأنها بالطبع تثق به، لا تعرف كيف واتتها تلك الثقة العمياء بهذه السرعة، ولكنها انصاعت لطلبه وابتلعت الحبّة بجرعة من الماء.
نظرت إليه وهي تعبئ نفسًا عميقًا إلى رئتيها، رأت عيناه تبتسمان بتلك الملائكية التي تجعل وسامته لا تقاوم أبدًا، يأخذ وجهها بين كفّيه من جديد، ويقبّلها بشغفٍ أذابها بين يديه للمرة الثانية، قطع القبلة ليدفعها فوق الوسادة مجددًا، رفع ذراعيها وخلل أصابعه بأصابعها، ضغط يديها على الوسادة بشدة، نظر بعينيها.. ثم حطّم وعده لها بأن يمنحها كل الوقت لتستعد. حطّمه تمامًا… ***
لم تجد “رحمة” زوجها بجانبها عندما تقلّبت في السرير باحثةً عنه. نوعًا ما تشعر بالراحة، وتنظر إلى ساعة التنبيه المجاورة لتصدمها العقارب التي تشير للواحدة بعد الظهر، لقد تأخرت في النوم كثيرًا لأول مرة بحياتها، ولكن لماذا تستغرب!؟ إن الحدث كان جلل بالفعل.. لقد باتت حقًا زوجة حقيقية لـ”يحيى البحيري”… وهي التي ظنّت بأن هذا لن يحدث في المدى المنظور.. ولكنّه حدث بهذه البساطة!!
ابتسمت “رحمة” وهي تتمطّى بكسلٍ وتستعيد في نفس الوقت ذكريات الليلة الماضية، كسا الخجل ملامحها الجميلة والتي زادت جمالًا بفعل الحب وممارسته، لقد سمعت عنه كثيرًا من صديقاتها المتزوجات في سنٍ مبكرة، وحتى بعض جاراتها، ولكن ما سمعته كله لا يُقارن بالمرة بما عاشته، لقد كان شيئًا عجيبًا، لا يمكن وصفه.
رغم إنها لم تكن سهلة على الإطلاق، ربما قدّمت نفسها له في البداية، ولكن مع تخطّي الحدود، مع شعورها بأن الأمر يزداد جديّة وتعمقًا، ثار جسمها غريزيًا في دفاعية، وصارت تحمي أعزّ ما تملك بضراوةٍ شرسة معتقدة بأنه سوف يسأم ويتركها.. ولكنّه لم يفعل!
كان متفهمًا، صبورًا وهو يتعامل برفقٍ مع عذريتها، حتى استسلمت له شيئًا فشيء، توجب عليه أن يأخذها على حين غرّة لكي لا يعطيها فرصة أخرى للتمرد، وكما توقّع عادت تقاومه من جديد، ولكنّه ثبتها بإحكامٍ، وفي نفس الوقت أشعرتها الطريقة التي يمسكها بها بنوعٍ من الحماية، في خضم محنتها وشعورها بالهزيمة وأيضًا بكائها الصامت، كان يزيدها من القبلات الرقيقة والشغوفة على شفتها وفكّها، كان رائعًا وغير متوقعًا.. فتارة يكون متحمسًا وساخنًا.. وتارة يكون لطيفًا ورفيقًا.
تلك اللحظات التي عاشتها، لم تكن مخيفة كما كان يروّج لها البعض أمامها من قبل، لم تكن أيضًا مجرد وقت مثير، بل كانت أروع شيء خاضته في حياتها، وخاصةً معه هو، الرجل الذي سرق قلبها، لا لم يسرقه.. لقد أعطته إيّاه عن طيب خاطرٍ.. وهي أبدًا لن تقايض حياتها معه مقابل أيّ شيء آخر في الحياة… إنها تريده هو.. هو فقط!
تنهدت “رحمة” بسعادة وهي تقفز من فراشها بخفة الفراشة، غطت جسدها بروب خفيف، ثم فتحت النافذة العريضة على مصراعيها لتستنشق هواء البحر المنعش المقابل لها تمامًا، كان المنظر خلّابًا والشمس لطيفة بالسماء وكأنها تباركها وتسعد لأجلها. من ذا يُصدق بأنها قبل يوم واحد فقط كانت منهارة لخسارة أبيها؟
أبيها الذي رغم قسوته عليها منذ صارت يتيمة الأم في عمر الخامسة، لكنها كانت تحبه، وتألمت لفقدانه.. كيف عوّضها القدر بسرعة مذهلة ليبعث لها بزوج مثل “يحيى البحيري”!؟ إنه يفوق كل أحلامها وطموحاتها.. إنه هبة غالية!!! -أخيرًا صحيتي! انتفضت “رحمة” لدى سماع صوته، استدارت بسرعة لتراه واقفًا عند مدخل غرفة النوم، توقّعت أن يكون بالغرفة التي خصصها لنفسه، أو أنه قد غادر لمكانٍ ما، ولكنّه كان هنا.. لم يذهب لأيّ مكان. -صباح الخير!
.. تمتمت “رحمة” بأشد الاضطراب. قهقه “يحيى” بإشراقٍ أسرها وهو يمضي إلى داخل الغرفة قائلًا: صباح الخير إيه بقى. ده انتي لسا قايمة الضهر.. إوعي تقولي إنك كسلانة علطول كده!! كانت تزدري ريقها مراقبة إيّاه وهو يخطو ناحيتها، لأول مرة تراه بدون ملابسه الرسمية، فهو الآن يرتدي سروال بيجامة من نسيج الحرير، فوقه روب قصير مفتوح يكشف عن صدره العضلي وبطنه المسطّح، كان أكثر جاذبية وحيوية، مثلها. -أنا متعودة أصحى بدري كل يوم!
.. قالتها “رحمة” بصوتٍ خفيض وهي تتململ بمكانها. تشعر بأنها محاصرة، ولكنها تحب ذلك، تابعت عندما وصل أمامها وصار قريبًا جدًا منها: -بس. يمكن طوّلت في النوم عشان.. إمبارح… وصمتت غير قادرة على إكمال جملتها، فابتسم “يحيى” ورد عنها: -إمبارح سهرتنا طوّلت شوية.. بس أنا قمت قبلك. أنا كمان متعود أصحى بدري وما بحبش أنام كتير.
كان مزاجه رائقًا حقًا وقد أربكتها نظراته التي لا تفوّت رصد أقل حركة تصدر عنها، أطلقت نفسًا مرتجفًا من صدرها وفجأة حانت منها إلتفاتة عابرة إلى الغرفة، فوجدت أنه أحضر باقات عديدة من مختلف أنواع الورود والزهور، لتقول وهي تلوّح بيدها ناحيتهم: -شكرًا على الورد! رفع “يحيى” حاجبيه وقال بصوته العميق دون أن يزيح بصره عنها: -لسه ملاحظاهم؟ أنا طلبتهم بالتليفون أول ما صحيت. كنت عايزك تشوفيهم أول ما تفتحي عينك.
أومأت له وهي تقول برقةٍ: -حلوين أوي. -مش أحلى منك طبعًا! وقبض على يدها ليرفع إلى فمه.. ثم يطبع قبلة ناعمة بباطن كفّها وهو يتواصل معها بالعين. دوّختها تصرفاته، ما دفعه أن يبتسم مجددًا وهو يراقب تعبيراتها كيف تتغيّر تأثرًا به. -أنا عايزك تجمعي لي أوراقك الشخصية كلها! .. قالها “يحيى” دون أن يفلت يدها من قبضته. قطبت “رحمة” متسائلة بريبةٍ: -ليه؟
-أنا بلّغت الكل إني مسافر للشغل. وإنتي عارفة طبعًا إني ماسفرتش وإني معاكي دلوقتي.. بس بعد إللي حصل إمبارح غيّرت خططي كلها وقررت أسافر فعلاً. وإنتي هاتكوني معايا. فغرت فاها وهي تردد غير مصدقة: -أنا هاسافر معاك!؟؟ أومأ لها مؤكدًا: -أيوة هاتسافري معايا. أقل هدية ممكن أقدمها لك بعد ما هديتيني نفسك شهر عسل يليق بيكي. تضرّجت وجنتاها بالدماء على إثر كلماته، ولا تزال لا تصدق ما يخبرها به، هل حقًا ستسافر؟
.. ستقضي شهر عسل خارج البلاد؟ .. ومعه هو!؟؟ -وده مش كفاية عليكي! .. تمتم قبضته تنتقل من يدها إلى أسفل ظهرها. يقرّبها إليه أكثر، جفناه ثقيلان وصوته تحول إلى الهمس وهو يدنو بفمه نحو فمها بحركاتٍ مدروسة: -أنا مش هاسيب أي فرصة تعدي من غير ما أقدم لك كل إللي تستاهليه.. وأكتر! بالطريقة التي يتفاعل بها جسدها معه، لم تمانع أبدًا هذه المرة عندما قبّلها وهو يسحبها مجددًا نحو السرير، كان أكثر من مرحبًا به. ***
يجلس “عثمان البحيري” في سيارته الآن، وقد أغلق النوافذ عليه، لا تنقصه ضوضاء فوق التي تنهال على رأسه، في قبضته اليمنى مظروف يكاد يتمزّق من إطباقه عليه. لا يزال عقله يحاول تقبّل الحقائق، بما أنه اتسم طوال حياته بصفة حميدة من صفاته الحسنة، وهو إنه لا يسمح للصدمات بأن تشوّش على أفكاره، لا يعترف بالخضوع للمشكلات، وهو بارعٌ حقًا في حل مشاكله ومشاكل من يهمه أمره. لكن مع ذلك فقد أخذ وقته ليصدق حقيقة خيانة والده!!!!
أجل.. “يحيى البحيري” لم يخون زوجته “فريال” فقط، بل خان أولاده، خان عائلته بأكملها بتلك العلاقة السريّة التي نجح بإخفائها كل هذه السنوات وحتى بعد مماته، كيف استطاع أن يفعل ذلك؟ بزوجته التي أحبّته.. به هو.. ابنه ووريثه… ماذا لو كانت قد أنجبت له تلك المرأة صبيًا!؟؟؟ هل حقًا خاطر بهذا؟ .. هل أراد أن يجلب له أخًا نصف شقيق يشاركه بميراثه وكل ما أعدّ نفسه لتسلّمه في قابل الأيام؟؟؟ كيف سيجد أجوبة على كل تساؤلاته؟
.. من أين يأتي بأبيه وقد مات؟ .. كيف يواجهه بحقارته ونذالته؟ .. بل كيف سيخبر أمه بالنبأ الكارثي!!؟؟؟ يقول لها ببساطة بأن فتاة شابة ظهرت فجأةً واتضح بأنها تحمل دماء آل “البحيري”.. والأدهى أنها تحمل أيضًا اسم أبيه.. لم تكن مجرد ابنة غير شرعية حتى.. لا فقد منحها اسمه مثبتًا شرعيتها.
شتم “عثمان” وأطلق السباب من بين أنفاسه المهتاجة، كلما يتردد في أذنيه تأكيد المحامي على صحة ادعاء أخته المزعومة، أصغى إليه بصمتٍ مصدوم، حتى أعطاه ما أؤتمن عليه إذا ما جاء اليوم وانكشف كل شيء. تنفس “عثمان” بعمقٍ مهدئًا أعصابه، ثم حسم قراره وفتح المظروف المسكين، سحب الورقة المنكمشة منه وفردها أمام ناظريه المشتعلين، ليقرأ خط والده الذي يعرفه كما يعرف اسمه:
“عثمان.. لو الورقة دي وصلت لك يبقى معناها إني مابقتش موجود. وإنك أكيد عرفت إن ليك أخت مني. أنا مقدر الحالة إللي انت أكيد فيها دلوقتي. وعارف انت شايفني إزاي. عارف كل حاجة. بس خلاص. لا أنا ولا انت نقدر نرجع الزمن ونمنع إللي جرى. أنا مش طالب منك تسامحني ولا بكتب لك الكلام ده عشان أبرر لك أي حاجة. أنا بكتب لك عشان أوصّيك على أختك.. على شمس يا عثمان. أنا قلت لها ماتحاولش تظهر قدامك ولا تعرّفك بوجودها. وهي وعدتني. بس أنا
عارف إنها مش هاتوفي بالوعد ده. حتى لو حاولت هايجي يوم تعمل عكسه.. لو شمس جت لك إوعى تتخلّى عنها. مش هاتكون عايزة منك أي حاجة. أنا أمنت لها حياتها كلها. لو جت لك ف هي جت عشان أخوها. مش عشان ورث ولا أي حاجة من إللي بتفكر فيها.. شمس أختك يا عثمان. زي صفية بالظبط. شمس بنتي.. اوعى تسيبها.. اوعى تسيب أختك.”
انتهى “عثمان” من قراءة الوصية والغضب يؤجج مشاعره أكثر، لم تشفي كلمات والده هذه صدره، لم يقدم له أيّ إجابة على أسئلته، إنه يوصيه بابنته فقط، يبتز حمائيته وطبعه المتملّك بتذكيره بأن تلك هي أخته، من دمه، وكأنه واثق بأنه سيفعل. ولكن هل هو مخطئ!؟
لا ليس مخطئًا.. إن “عثمان” لم يكن ليتخلّى عن تلك الفتاة لو ثبت له إنها حقًا ابنة أبيه، قطعًا لم يكن ليحاربها أو يقصيها بعيدًا في الظل كما فعل أبيه، سيتحمل هو كل العواقب في سبيل إظهارها والاعتراف به فردًا من عائلة “البحيري”… والجزء السيئ من الأمر أنه سيقف أمام والدته ليخبرها بنفسه. لا يعرف كيف.. ولكنه سيفعلها… مهما كلف الأمر سيفعلها!!!
أطلق “عثمان” زفيرًا حانقًا وهو يعيد طيّ الوصية بالمظروف، ثم يضعه بدرج جانبي لسيارته، بينما كان عقله يعمل متفكرًا، أين ذهبت “شمس” يا ترى؟ .. ولماذا اختفت بعد أن أطلعته عن حقيقتها؟ في جميع الأحوال هو سيجدها، تلك ليست المشكلة الآن، الواقع إن لديه ما يكفي من المشاكل في الوقت الراهن، ليتعامل مع أبرزها أولًا، ثم يتفرّغ لأمر أخته.
يستلّ “عثمان” هاتفه من جيب سترته، يعثر بسرعة على رقم شقيق زوجته، يجري الاتصال به على الفور، ثم يضعه الهاتف فوق أذنه عابسًا بشدة.. لحظاتٍ وانفتح الخط ليطلّ صوت “فادي” المتحذلق بتلك اللهجة الجافة التي يخص بها زوج أخته: -أهلًا يا باشا. ده إيه الصباح الأبيض ده. عثمان البحيري بنفسه بيكلمني.. خير؟ لم يكن “عثمان” في وارد الخوض معه في ملاسنة ساخرة، تحدث إليه مباشرةً في لبّ الأمر قائلًا بصوته الصلب:
-أختك عملت حادثة إمبارح.. لازم ترجع فورًا! *** لا تصدق أنه أجبرها حتى الآن على المكوث القسري هنا، في هذه الشقة المترفة المستأجرة، منذ الليلة الماضية وهي تحاول إقناعه أن يطلق سراحها ووعدته بألا تهرب منه مجددًا. لكنه لا يصدقها طبعًا، وأبقى عليها بالقوة واعدًا بأن يخرجها معه صبيحة اليوم التالي، وها قد أتى الصباح وخرجت “شمس” من الغرفة التي أقفلتها عليها بالمفتاح طوال الليل خشية أن يجن من جديد ويقتحمها مدمرًا إيّاها.
خرجت تبحث عنه، لكنها لم تجده في أيّ مكان، في البادئ أشرق وجهها وهي تركض متشبثة بسترته التي تستر بها عريها، أمسكت بمقبض باب الشقة، تحاول فتحه، لكنه يعلق في كل مرة، لتكتشف بأنه يحبسها.. حقًا؟ لقد انعدمت الثقة بينهما إلى هذا الحد إذن. تأففت “شمس” بنفاذ صبرٍ وهي تضرب الأرض بقدمها كالأطفال، تلفتت حولها بيأسٍ وهي تعي أنها لن تخرج من هنا ما لم يسمح لها، ولكن متى يعود؟ متى يحررها من ذلك الأسر؟
لا يمكن أن يجبرها على البقاء معه دائمًا بهذه الطريقة.. حبيبها المجنون… تخشى أن يرتكب في حقها أيّ حماقة تدفعها لكرهه.. هي لا تريد أن تكرهه.. هي تحبه وتعشقه حتى النخاع.. لولا سلطة أمها عليها ما كانت لتتركه وتذهب أبدًا. ولكنها عادت الآن.. وكانت تنوي الذهاب إليه، ولكنه وجدها أولًا بطريقةٍ ما.
انبلجت ابتسامة على محياها لم تستطع كبحها لإدراكها بأنه حقًا يعشقها، وإلا ما فقد عقله إلى هذه الدرجة، ليته يدرك هو أيضًا أنها تبادله نفس المشاعر، وأنها صادقة هذه المرة، لن تتركه وتذهب إلى أيّ مكان، لن تفعل أبدًا.
تنهدت “شمس” باستسلامٍ ومضت تجاه المطبخ المفتوح، أرادت أن تعد كوبًا من القهوة سريعة التحضير، خيارها الأول في كل صباح، ومن حسن حظها كانت الثلاجة مزوّدة بغذاءٍ كافٍ وطازج، وكانت القهوة متوافرة أيضًا، بدأت تحضر لنفسها الفطور وهي تدندن غنوة غربية بصوتها الضبابي المميز والذي كان أحد أكبر المميزات التي ساهمت بإغراق “رامز المير” بحبه.
لم تشعر بعودته، إذ كانت منهمكة بتفريغ المقلاة من سندويش الـ”فرينش توست”.. بينما جاء هو من ورائها راسمًا على ثغره ابتسامة رائقة. كان معجبًا بالمنظر الذي يراه أمامه، تمامًا كما تخيلها مئات المرات، حبيبته صارت معه أخيرًا. -يا ترى عاملة حسابي في الفطار ده.. ولا لسا واخدة مني موقف؟
ربما توقع أن تجفل لاقتحامه المفاجئ لخلوتها، لكن على العكس، تلقّت كلماته بأعصابٍ هادئة، تركت ما بيدها، ثم استدارت نحوه بتؤدة وهي تشد سترته حولها بإحكام. تطلّعت إليه بنظراتٍ عابسة وهي تقول بجمود: -لحد إمتى هاتفضل حابسني هنا يا رامز.. إللي بتعمله ده غلط في حقي! تلاشت ابتسامته الآن وهو يرد عليها بغضبٍ بارد:
-أحسن لك بلاش ندور على مين غلط في حق مين عشان ده مش هايكون في مصلحتك يا شمس.. أنا بحذرك. ماتحاوليش تستفزيني أنا على شعرة! وتّرها تهديده المبطن، والذي تعي عواقبه فعليًا، ليرتجف فمها بشدة وهي تقول بعصبيةٍ: -طيب على الأقل فهمني انت ناوي على إيه. مش معقول هاتفضل مخلّيني هنا محدش يعرف عني حاجة!!! تنهد وقال بفتورٍ وهو يحك طرف ذقنه بظهر يده:
-ماتخافيش. مش هانطول هنا. أنا وعدتك إني هاخرجك إنهاردة.. بس مش قبل ما نقعد ونتكلم. لازم تعرّفيني كل حاجة. لأني اكتشفت إني ماكنتش أعرف عنك أي حاجة. -عايز تعرف إيه؟ .. صاحت بنفاذ صبر. رمقها بنظرةٍ باردة، ثم رفع يده لتتبيّن بأنه يحمل حقائب ورقية تحمل أشهر العلامات التجارية للملابس النسائية، قال وهو يمد يده صوبها:
-أنا نزلت اشتريت لك شوية هدوم بدل إللي اتقطعوا منك. واخترت المقاسات بإحساسي وأنا واثق إن إحساسي بيكي مايخبش أبدًا. ادخلي غيّري وتعالي عشان تفطري. بعدين هانقعد مع بعض نتكلم.. وأوعدك بعدها هانخرج من هنا.
نظرت له بسأم شديد، تمقت أسلوبه المتحكم هذا، لكنها لم تجد بدًا من الإذعان له، تقدّمت صوبه آخذة من يده الحقائب، ثم اندفعت تجاه غرفة النوم التي قضت بها ليلتها، غابت هناك لدقائق، ثم عادت إليه حيث جلس مسترخيًا إلى طاولة المطبخ الصغيرة.
كان يحتسي من كوب القهوة خاصتها مستمتعًا بالمذاق الفريد الذي صنعته، عندما أتت، شملها بنظرةٍ فاحصة، وهي ترتدي الآن الثوب الذي اختاره من أجلها، ثوب أكثر احتشمًا من ملابسها الفاضحة نوعًا ما، مؤلفًا من كنزة زرقاء بحمّالاتٍ عريضة، وتنورة بيضاء من القماش الناعم طويلة لها فتحة تصل للركبة، كما توقع بالضبط، المقاس ملائم لها تمامًا.
وشعرها الأسود الحريري قد رفعته في ذيل حصان محررة منه بعض الخصلات حول وجهها، كانت مثالية، شديدة الجاذبية كعهده بها. -تعالي كملي فطارك! .. أمرها “رامز” مشيرًا إلى كرسي أمامه. ابتسم لرؤية الضيق يجلل وجهها وقد عرف لا تطيق تسلّطه عليها، لكن في النهاية هي مجبرة على تحمله، ألا إنها لم تخرج أسوأ ما فيه، وهو صارحها بأنه بالكاد يتحكم بنفسه لكي لا يطالها غضبه.
جلست “شمس” أمامه مطلقة نهدة نزقة، ثم مدت يدها لتأخذ السندويش من الطبق، لأنها بالفعل كانت جائعة بدأت تأكله على الفور بنهمٍ وبلا أدنى تحفظ أمام “رامز” الذي بقى يراقبها بشغفٍ واستمتاع، حتى رآها تنظر إليه، ولاحظ نظرتها لكوب القهوة في يده. رفع حاجبه وهو يدفعه إليها قائلًا: -آسف مقدرتش أقاوم لما شربت بؤ منه.. القهوة إللي بتعمليها حلوة أوي. أومأت له برأسها قائلة من فمها المحشو بالطعام: -عادي كمله. أنا ممكن أعمل غيره.
أصر “رامز” على أن تكمله هي قائلًا: -لأ أنا هاعمل لنفسي فنجان قهوة سادة.. كملي انتي فطارك. وقام ليصنع فنجان قهوته، بمجرد أن عاد كانت قد انتهت وبدأت تحتسي كوب القهوة خاصتها مستمتعة بكل رشفة، جلس “رامز” أمامها ثانيةً، وأستهلّ حديثه بهدوءٍ بعد لحظاتٍ من الصمت المتأمل لها: -قوليلي بقى يا شمس.. فهّمني تاني إيه علاقتك بعثمان البحيري؟ ركّزت نظراتها عليه وهي تخبره بضيقٍ واضح: -قلت لك.. عثمان أخويا. -إزاي!؟
.. سألها مطالبًا إيّاها بالتفاصيل. تنفست “شمس” بعمقٍ وهي تمد جسمها للأمام وتعابث بكوب القهوة، ثم تمضي مفضية إليه بملخصٍ لقصة حياتها:
-عثمان أخويا من الأب. يحيى البحيري يبقى أبويا. كان متجوز أمي في السر وعمره ما حاول يظهرنا للمجتمع بتاعه. إللي فهمته من ماما إنه كان حريص على مشاعر مراته الأولى فريال هانم المهدي وطول عمره كان قلقان إنها تكتشف جوازه منها وإنه مخلفني. عشان كده لما تمّيت سبع سنين أخدني أنا وماما وسفرنا لندن. عيشنا هناك وفتح لماما مشروع المطعم إللي انت عارفه. فضل يساعدها لحد ما كبرته. وماكنش بيغيب عننا كتير. كان بيزورنا باستمرار وبيقيضي
معانا أسبوع كل شهر وأحيانًا شهور لما بنوحشه أوي. كبرت وأنا ماعرفش إن ليا أخوات غير لما هو قالّي في مرة. أفتكر كان عندي 12 سنة وقتها. عرّفني على أخواتي من الصور. بس خلّاني أوعده إن عمري ما هحاول أقرب منهم. فهمني إن مامتهم مهمة بالنسبة له. وإن ظهوري ممكن يأذيها أوي. أنا مازعلتش منه. فهمت قصده واحترمت وجهة نظره. بس من ساعتها فضلت جوايا رغبة قوية ناحية أخواتي. بقى نفسي أقابلهم. أشوفهم. نفسي يعرفوني. أنا قلت قبل كده إن
طول عمري بتمنى يكون ليا أخ أو أخت.. والحقيقة إن عندي الإتنين ومش عارفة أتواصل معاهم أبدًا. عشان وعدت بابا.. لحد ما ضعفت في يوم. كان بعد موت بابا بحوالي 8 سنين. نزلت مصر من غير ما أقول لماما. روحت إسكندرية وعرفّت طريق عثمان. تصدق إني راقبته.. بقيت أمشي وراه في كل حتة. ماكنش عندي جرأة أقرب منه. لحد ما شفتك معاه في مرة. فاكر أول مرة اتقابلنا.. في حفلة عيد جواز عثمان ومراته إللي كانت على اليخت. عملت نفسي من صحباتها.
ومحدش كان مهتم يدور ورايا. محدش لاحظني أصلًا.. غيرك انت. قربت مني واتكلمنا. نستني كل حاجة ساعتها وبقيت مركزة معاك بس. أعتقد إني اتشّيت لك من أول نظرة. وانت ماسبتنيش غير ومعاك رقمي. ومن وقتها بقينا نتقابل. وشوية شوية اتعودنا على بعض.. وحبيتك يا رامز!
كان مستغرقًا في التفاصيل التي تسردها عليه، مأخوذًا بالحقائق التي يعرفها لأول مرة، إلى أن جاءت على الجزء الخاص بهما، واعترفت له بحبها.. صمتت وهي ترى تعبير وجهه الخاوي يستحيل إلى الغضب وهو يقاطع كلامها معلّقًا من بين أسنانه المطبقة: -لو فعلًا حبتيني.. إزاي قدرتي تمشي وتسبيني؟ 3 سنين يا شمس. 3 سنين ضاعوا مننا شوفي كان ممكن نعمل إيه فيهم. كان ممكن نتجوز ونخلف طفل أو اتنين. ليه ضيّعتي من عمري وعمرك الوقت ده كله؟
على حساب مين!؟؟؟ أطرقت برأسها غير قادرة على مواجهة نظراته الاتهامية، وقالت بصوتٍ خفيض:
-ماما كانت محتاجة ليا. بعد موت بابا كانت منهارة. وفضلت فانية حياتها عليا. مارضيتش ترتبط من بعده رغم إنها كانت صغيرة ولسه لحد دلوقتي صغيرة.. أنا بالنسبة لماما كل حياتها. إزاي متخيل إني ممكن أخذلها. مش كفاية عليها بابا خذلها ومش مرة واحدة. طول حياته معاها كان أناني. وعشان حبّته قبلت تعيش في الضل وبعيد وتتغرّب بيا.. كنت عايزني أعصيها وتكون دي مكافئتي ليها بعد كل التضحيات إللي عملتها عشاني!!؟ -تقومي تضحي بيا أنا؟؟
.. صاح بعنف. فأغمضت عينيها بشدة متحاشية أكثر النظر إليه، شعرت به يقوم محدثًا جلبة وهو يدفع بالكرسي الذي يجلس فوقه، ثم أحّت بقبضته على معصمها تنتزعها من مجلسها لتقوم واقفة، كتمت صيحة ألم بإصرارٍ وهي تفتح عينيها الآن محدقة بوجهه الغضوب، بينما يقول بخشونةٍ:
-السبب إللي خلّاكي تفضلي ورا عثمان لحد ما تعرفيه عليكي. وتكسري وعدك لأبوكي.. معقول حبنا ماكنش بالأهمية دي في نظرك عشان تلاقي له سبب تتحدي بيه أمك وتقنعيها إنك ماينفعش تكوني لغيري؟ ماينفعش تبعدي عني. إنك فعلًا بتحبيني ومش ممكن تسبيني!!؟؟؟ هزت رأسها وهي ترنو إليه والدموع ملء عينيها، ثم قالت بغصةٍ مريرة:
-أنا ماكنتش فاكرة إني بحبك أوي كده. غير بعد ما سيبتك. صدقني مش انت لوحدك إللي عانيت من الفراق ده. انت ماكنتش بتروح من بالي.. كنت هاتجنن وأرجع لك. -مارجعتيش ليه؟ .. قالها من بين أنفاسه وهو يحدق بتفرسٍ في وجهها المتوّرد وفمها المكتنز المغري. كلماته تطرب أذنيه وتزيده رغبةً بها، بينما تجاوبه بضعفٍ محبب:
-رجعت. أنا المرة دي مارجعتش عشان عثمان بس. لو ماكنتش لاقتني الأول كنت هاتلاقيني جايالك لحد عندك.. أنا وقفت قصاد ماما المرة دي. قلت لها إني بحبك. إني مقدرش أعيش منغيرك ومش ممكن أكمل حياتي مع حد تاني. سيبتها وكنت راجعة لك… قاطعها بضمة قوية بذراعه الذي أحاط كتفيها لحظةٍ: ودنى بفمه ليقبّلها بتملّكٍ عجزت عن مقاومته.. فكيف تقاوم من يمتلك عليها أكبر سلطة؟ سلطة أشد قوة وبطشًا من سلطة أبيها الراحل وأمها المتحكمة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!