الفصل 9 | من 17 فصل

رواية وما ادراك بالعشق الفصل التاسع 9 - بقلم مريم محمد غريب

المشاهدات
21
كلمة
4,111
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 53%
حجم الخط: 18

قبل ثماني وعشرين عامًا … لقرابة الأسبوع منذ كان عندها آخر مرة، وهي لا تترك تلك المجلة من يديها. فقد استرعت انتباهها صورة بإحدى الصفحات، تلك الصورة كانت صورته هو. لم يكن وحده بها، كانت تقف بجواره امرأة حسناء، بل جميلة جدًا، بارعة الجمال، تضحك للكاميرا، بينما هو يحيط خصرها بذراعٍ متملّكة، ولا ينظر إلا لها هائمًا بها كليًّا.

لا تعرف كيف لم تفسد المجلة المسكينة من كثرة ما ألقت به بعنفٍ كيفما اتفق، ولكنها حافظت عليها لأطول ممكن إلى أن يأتي لها. وبالفعل، اتصل بها صباحًا وأبلغها بأنه آتٍ مساء اليوم، وها هي بانتظاره.

تقف بالمطبخ أمام الموقد وقد فرغت للتو من طهي السالمون كما يحبه زوجها صحيًا، مزينًا بالخضروات المتنوعة. لم تسمع قدومه، ولا حتى وقع خطواته. لهذه الدرجة كانت منهمكة في تحضير طبقه المفضل. لم تشعر إلا بيديه حين تسللا على حين غرة ممسكتان بخصرها، ثم أحست بجسده يلتصق بها من الخلف وهو يدنو برأسه مقبّلًا خدها وهو يقول بصوتٍ خفيض: –شكلك جميل أوي وأنتي واقفة بتطبخي.. لو إللي أنا شامّه ده صح يبقى هاتعشى سالمون!

ردت “رحمة” باقتضابٍ وهي ترفع يديها عن الطبق أخيرًا: –أيوه صح.. إنت طلبته مني آخر مرة. –عشان مابقتش أعرف استطعم أكل إلا من إيديكي.. أكل طباخ القصر مايساويش حاجة جنب أكلك.. مش عارف كنت باكل من إيده إزاي! –ما إنت لسا بتاكل منه عادي!

لاحظ للتو التغيّر في نبرة صوتها، فابتعد قدر بوصتين ثم أدراها تجاهه. كان يفتقدها بالفعل ورؤيتها هكذا في أكثر ملابسها إثارة أشعلت خياله الذي أرهقه طوال مدة بعده عنها، لكنه لم يتراجع عن سؤالها باهتمامٍ: –مالك يا رحمة؟ مكشرة في وشي كده ليه ولهجتك كمان حادة أوي!؟

تطلّعت إليه محاولة تجاهل الشوق الصارخ إليه من أعماقها، وكأن غيابه لأيامٍ وليالٍ عنها لا يملأها بعاصفة من المشاعر؛ الخوف هو أبرز تلك المشاعر. الخوف من خسارته.. الخوف من الوحدة التي تسكنها وهو بعيدًا عنها.. الخوف من عالمٍ يخلو منه… –مين دي؟ .. سألته بجفاءٍ.

رفع “يحيى” بصره ليحدق بالمجلة التي أظهرتها من ورائها فجأةً. كانت تضع نصب عينيه صفحة كاملة احتوت على صورة تذكارية له برفقة زوجته سليلة الحسب والأنسب.. السيدة الراقية المشهورة بالطبقة العُلية “فريال المهدي”. ارتفع حاجبيّ “يحيى” وهو يجاوبها بلهجةٍ فاترة: –لو ماتعرفيش شكلها أكيد قريتي اسمها.. دي فريال مراتي يا رحمة. رمقته شزرًا وهي تقول بغيظٍ: –وفرحان ومرتاح أوي وأنت بتقولّي مراتي!؟

هز كتفيه وقد سحب يديه من على خاصرتها وقال ببرودٍ: –دي الحقيقة. عايزاني أتوتر ليه؟ فريال مراتي والدنيا كلها عارفة كده. إنتي نفسك عارفة كده.. ثم إنتي بتحاسبيني على إيه مش فاهم. أنا مش متصور مع واحدة غريبة دي مـراتـي! صرخت فيه بجماع نفسها: –وأنا أبقى إيـه؟ انت تقدر تقول عليا مراتك قدام أي حد؟ تقدر تبصلي زي ما بتبصلها كده قدام الناس؟ تقدر تظهر معايا في مكان واحد زي ما بتعمل معاها!؟

تفاجأ من حجم الثورة التي اندلعت منها بوجهه، ظل صامتًا لدقيقة كاملة، ثم قال بحدةٍ: –إنتي مافيش فايدة معاكي. مهما أعمل مش كفاية. كل مرة لازم نتخانق على نفس السبب.. إنتي اتجوزتيني بالشروط دي.. مش من حقك تحاسبيني أو تلوميني على أي حاجة دلوقتي يا رحمة. أغرورقت عيناه بسرعة بدموعٍ ساخنة أحرقت جفنيها وهي تنهمر بغزارةٍ، بينما تقول بصعوبةٍ طاردة كل شيء من صدرها مرةً واحدة: –أومال من حقي أعمل إيه؟

رد عليا.. أنا بني آدمة. بحس. زيك بالظبط.. وماكنتش أعرف إنك اتجوزتني عشان جسمي.. عشان أملا فراغ في حياتك.. أنا عشت عمري كله كرها أبويا بسبب قسوته عليا. دلوقتي خايفة أكرهك إنت كمان من عمايلك فيا.. إنت مش بتحس بيا خالص.. منظري قدام نفسي وأنا عايشة في بيتك ده مسجونة بستناك لما مزاجك يجيبك ليا. أيوة مراتك على سنة الله ورسوله بس محدش يعرف.. وفوق كل ده كل ما تتكلم عنها تتباهى أوي إنها مراتك.. تعترف إنك بتحبها ولما أسألك طيب

ممكن تحبني ولو حتى بعدين تسكت. ماتردش.. أنا رخيصة أوي كده في نظرك. بس أنا مش رخيصة في نظر نفسي.. خلاص مابقتش قادرة أستحمل كده. مات إللي كان طول عمره معيّشني في قهر وظلم. ماكنتش أعرف إنه حتى قبل ما يموت هايدورلي على راجل تاني نسخة منه يكمل عليا!

وسكتت “رحمة” عن الكلام… شهقت! شهقت فقط عدة مراتٍ تعبئ ما استطاعت من الهواء إلى رئتيها، بينما يجفل “يحيى” وهو ينظر إليها مذهولًا. تلك الفتاة اليافعة، الأنثى المائلة للطفولة، لقد كبرت الآن، وكأنها تبلغ ألف سنةٍ. كل ما قالته، كل الدمار الذي يفيض منها، والألم المطل من نظراتها.. كلها أشياء لا تعرب إلا عن حقيقة واحدة… إنه رجلٌ بلا ضمير، وهذه المسكينة، كان يظنّها بلا مشاعر مثله كما قالت.. لقد دمرها بالفعل! –رحمة!

.. بالكاد نطق اسمه. التقاطعه هذه المرة بصرامةٍ: –طلقني يا يحيى! تمكن منه الغضب في لحظةً بعد أن قالت هذا، وهتف بها: –تاني.. إنتي مابتحرميش؟ كام مرة قلت لك مش هاطلقك؟ وقلت لك إياكِ تجيبي سيرة الطلاق على لسانك بعد كده. إيـه مابتفهميش. مابلحقش أقول عليكي واحدة عاقلة وناضجة دي تصرفات طفلة وطفلة ماشفتش تربية كمان! بقيت هادئة أمامه حتى فرغ، قالت ببرودة أعصاب: –خلصت؟

أنا لسا بردو عايزة أطلّق.. العلاقة دي مش جواز أصلًا.. لو مفكرها جواز ف أنا ممكن بعد ما أسيبك أترمي كل شوية في حضن الرجالة إللي هاتدفع أكتر! خرست بعد ذلك مباشرةً فور أن نالت صفعةٍ مدوية أطاحت بوجهها، بل بجسدها كله، لولا الطاولة من ورائها التي كسرت سقوطها الحتمي. تشبثت بها بيديها ولم تحاول النظر إليه، كانت الصفعة تؤلمها، دموعها تتساقط بالفعل والفضل لشعرها الذي تبعثر مغطيًا وجهها عنه…

سمعت أنفاسه العنيفة قريبة منها، واستعدت لردة فعل أخرى منه أشدّ من سابقتها عقابًا على الكلمات البذيئة التي قالتها، لكنه لم يفعل لها شيء آخر، إنما قال من مكانه بلهجةٍ كحد سكينٍ: –إنتي بتتمنيها وأنا ماسك نفسي ومش عايز أعرّفك الفرق بين جوازك مني أنا والعلاقات إللي تقصديها.. إتقي شرّي يا رحمة. سمعته يتحرّك، أيقنت بأنه مغادرًا، فأدارت رأسها تحدق في ظهره وهي تهتف من بين أنفاسها:

–لو خرجت من هنا دلوقتي هاترجع مش هاتلاقيني.. أنا مابقتش عايزاك ومافيش حاجة تجبرني أفضل معاك بعد إنهاردة. كان قد توقف بالفعل يستمع إليها، ورأت اهتزازات كتفيه التي تنم عن شر مكتوم حقًا، ولكنها لم تعد تبالي، انتهى صبرها… ينظر لها “يحيى” من وراء كتفه قائلًا بتعجرفٍ: –يبقى تتحبسي.. وتتأدبي! ولم يزد كلمةً أخرى، استأنف طريقه للخارج مخلّفًا إيّاها، تنهار في مكانها باكية، تنعي حظها العاثر وهي تغمغم منتحبة:

–هو أنا أصلًا مش محبوسة!؟ ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ يتوجه “يحيى” رأسًا إلى قصر “البحيري” بعد الشجار المحتدم الذي نشب بينه وبين زوجته الشابة. كان ممتنًا لعدم وجود “فريال”.. لأول مرة شعر بفائدة أن تكون امرأته مهووسة بالموضة والأزياء لدرجة لا تفوّت عرض واحد فكيف بأكبر حفل لواحد من أشهر المصممين بالعالم!

أراد فسحة من الوقت بمفرده، ليتمكن من ترتيب أفكاره التي بعثرتها “رحمة” بصور شيطانية بثتها إلى عقله. تلك الفتاة الصغيرة تريد أن تخرجه عن طوره، تريده أن يتجرّد من ثوب التحضّر والدماثة ليكون معها في أعنف صوره، هو الذي يقدس العلاقات وخصوصًا بينه وبين زوجته، سواء كانت هي أو “فريال”. يخشى أن تحوّله لنسخة هي نفسها لن تتحمّلها. وما الدافع الذي سيحرّكه؟ .. لماذا لا يطلقها كما طلبت ويؤمن لها حياة كريمة دون أن تكون في عصمته؟

.. إنها فرصته الآن وقد أخذ منها ما يريد!

زفر “يحيى” بقوة وهو يحل ربطة عنقه بعصبيةٍ، يتجول بلا هوادة بأنحاء البهو الفسيح. عقله لا يكف عن التفكير، إنها تصر على الطلاق، وهو لا يريده. أجل لا يريد أن يطلقها، وفي نفس الوقت لا يستطيع إجبارها على معاشرته قسرًا عنها، تلك ليست شخصيته. يريدها، ولا يجرؤ على مواجهة المجتمع بها، خاصةً زوجته وأم ولديّه. إن عرفت “فريال” ستكون النهاية بينهما، لن تغفر له أبدًا. يعشق “فريال” ولا يمكنه التفريط بها حتى وهي ترهق رجولته أحيانًا يتحملها لأنه يحبّها ولا يريد أن يغيّر شعرة فيها، يحبها كما هي بعيوبها قبل ميزاتها.

ماذا عن “رحمة” إذن؟ .. ما هي مشاعره تجاهه؟ .. احتياج، إعجاب، حب!!!؟ السخافة! إنه معها منذ أشهر قليلة.. لا يمكن وصف ما بينهما بالحب.. هو لا يحبها على الأقل ليس كما يحب “فريال”… ولكنه يريدها بشدة.. صارت جزء مهم من حياته.. من سعادته.. راحته.. إذا فقدها سيحزن كثيرًا.. وما من علاج لهذا الحزن سواها. هي وحدها… –الله! أنت هنا!؟

إنتبه “يحيى” لصوت أخيه المنبعث من ورائه بغتةً، إلتفت نحوه. كان متأنقًا مثل العادة وكأنه على وشك الخروج لولا أن عرج عليه. رمقه “يحيى” بذلك العبوس متمتمًا: –أهلًا يا رفعت! رفع “رفعت” حاجبه مرددًا: –أهلًا يا رفعت.. شكلك مزاجك متعكر أوي. مالك يا يحيى.. إيه المشكلة. قول ماتتكسفش أنا بردو اخوك الكبير!؟ تأفف “يحيى” قائلًا بضيقٍ: –رفعت. أنا مش فايق لسخافاتك. روح شوف وراك إيه وسبني في حالي.

وأولاه ظهره في الحال، بينما يقول “رفعت” بتهكمٍ واضح: –أنا مش ورايا غيرك من هنا ورايح.. صحيح قولّي. إيه أخبار شقة المعمورة؟ جمد “يحيى” كليًا بعد أن ألقى أخيه بالقنبلة فجأةً… شحب لونه وأستدار ناحيته من جديد، ابتسم له “رفعت” هازئًا، بينما يزدرد “يحيى” ريقه يتوتر وهو يسأله: –إنت عرفت إزاي!!؟ تنهد “رفعت” متباردًا وهو يخطو عبر أعتاب البهو ليقترب من شقيقه قائلًا بفتورٍ:

–يمكن من تالت أو رابع مرة سافرت لندن.. لندن هه. بحجة الإشراف على فرعنا الجديد هناك. إنت فاكرني نايم على وداني؟ إللي ربّى خير من إللي اشترى. وأنا مش فريال هاتعرف تضحك عليا أنا كمان. قطب “يحيى” بشدة وهو يقول بخشونةٍ: –قصّر وهات من الآخر يا رفعت.. عايز مني إيه وبأي حق تفتش ورايا؟ جاوبه بابتسامةٍ ملتوية: –مش أنا طول عمري الإبن والأخ المستهتر؟

أنا بتاع الستات وبخون مراتي كل يوم وإنت الملاك الطاهر.. لسا محدش يعرف حقيقتك. وإنك أخويا ومحدش أحسن من حد يا يحيى. –أنا متجوز يا بني آدم!! .. غمغم “يحيى” من بين أسنانه، وأردف: –أنا مش بخون فريال.. إللي قاعدة في شقة المعمورة دي تبقى مراتي! إتسعت عينا “رفعت” بصدمةٍ وهو يقول: –مراتك؟ كمان اتجوزت على فريال.. إنت اتجننت؟ إزاي عملت كده!؟ يحيى بغضبٍ: –أنا ماعملتش حاجة حرام. ده جواز شرعي.. محدش يقدر يحاسبني. رفعت بتهكمٍ:

–أطمن. محدش هايحاسبك.. خاصةً فريال. لو عرفت أنا بضمن لك إنك مش هاتلحق تبرر حتى. هاتسيبك فورًا. يحيى منفعلًا: –ومين هايقولّها!!؟ وأخفض صوته متلفتًا حوله خشية أن يسمعه أحد، فعلّق “رفعت” بسخريةٍ: –ماتقلقش.. فريال ورضوى مش راجعين دلوقتي. أنا رايح أخدهم من الديفليه. والولاد اتعشوا وناموا عشان المدرسة. حتى الخدم نزلوا أوضهم. خد راحتك محدش سامعنا. وضحك… كز “يحيى” على أسنانه بحنقٍ ورفع سبابته وهو يحذر أخيه:

–رفعت. أنا بحذرك الكلام ده يتقال حتى بينك وبين نفسك.. دي حياتي وأنا حر فيها. أتجوز ماتجوزش دي حاجة تخصني لوحدي محدش واصي عليا. لو فريال عرفت منك بأيّ طريقة كانت ساعتها تنسى إن ليك أخ اسمه يحيى. وهاتبقى عدوي لآخر يوم في عمري.. سامع؟ لم يهتز “رفعت” لتهديد شقيقه، بل قال ببروده المعهود:

–ماتخافش يا يحيى.. فريال مش هاتعرف مني حاجة عن جوازك.. مش عشان قلقان من تهديدك ده. تؤ.. عشانها هي. الست إللي عمرك ما هاتلاقي ضفرها لو ضاعت من إيدك. وإللي بالمناسبة خسارة فيك.. ماتستاهلش صدمة زي دي تئذي مشاعرها.. ماتستاهلش تتوجع وتتهان كرامتها. إنت الظاهر نسيت إنت متجوز مين! يحيى بحدةٍ: –لأ مش ناسي.. ومتشكر لإهتمام سيادتك بمشاعر مراتي. أنا بعفيك من الذنب. دي مراتي أنا وعارف بتعامل معاها إزاي.. عن إذنك.

وتركه متجهًا للأعلى.. لا يطيق أن يراه الآن لا هو ولا غيره… _استيقظت “سمر” في الصباح مع آخر جرس لساعة التنبيه، أفاقت في سرير طفولتها الذي عادةً ما تنام فيه وحدها. مؤخرًا شاركتها به أختها الرضيعة، وهي الآن مراهقة لا تعرف كيف!!

أما اليوم، في هذه اللحظة تمامًا ينام بالقرب منها، بل داخل أحضانها فعليًا إبنها، أجل إبنها هي.. والذي لا تتذكره مطلقًا، لكنها تعرفت عليه. وجهه المألوف، به لمحاتٍ من أخيها، منها نفسها ربما.. ولكنه بالأكثر كان يشبه والده.. نفس الدماء.. نفس التعابير والحركات.. نفس نظرة العين. وتحديدًا تلك النظرة التي اصطدمت بها فور أن فتحت عيناها.. لتجده مستيقظًا بالفعل من قبلها ويحدق بها خلال نومها… –صباح الخير! .. تمتمت “سمر” مجفلة.

لا زالت متوترة من الوضع، ولم تستطع رفض طلبه بأن يبيت الصبي بحضنها. كل شيء يؤكد بأنه ولدها، وقد اتفقت مع أبيه على ألا تبيّن له بأنها قد نسيته تمامًا، على الأقل هو… –صباح النور! .. رد عليها “يحيى” بصوته المتزن. تواصل معها بالعين، يتشاركا لون العيون نفسه، وكأنها تحدق بعينيها هي. ابتسمت تلقائيًا لإدراك حقيقة أخرى تثبت بنوته لها، وقالت بلطفٍ: –نمت كويس يا حبيبي؟ قولّي تحب تفطر إيه.. زمان باباك جاي. نستناه ولا نفطر سوا؟

لم يرد عليها، فتلاشت ابتسامتها وهي تستوضحه: –إنت ساكت ليه؟ في حاجة؟ ولا إنت ماعرفتش تنام في السرير ده!؟ تنهد “يحيى” وهو يقول عابسًا: –أنا ماكنتش بنام من يوم ما كنتي في المستشفى.. أول مرة أنام مستريح عشان في حضنك! امتلأت نظرتها إليه بالعاطفة، داعبت شعره الكثيف بأناملها وهي تقول بحنوٍ: –حبيبي.. أنا آسفة.. آسفة على كل اللخبطة دي. –هاترجعي معانا إنهاردة. لما يجي بابا هانمشي مع بعض صح؟

–هاروح معاكوا البيت عشان أشوف ملك وفريدة.. لكن لسا مش هرجع دلوقتي يا يحيى! بدا منزعجًا بشدة وهو يقول بحمائية: –ليـه؟ أنا عايزك ترجعي.. عجبك تقعدي هنا منغيرنا يعني؟ كلنا عايزينك. أنا وبابا وفريدة وملـك وفريال هانم.. ارجعي يا ماما عشان خاطري. بابا قالّي إنك هاتقعدي هنا شوية عشان تريحي أعصابك بعد الحادثة. ارجعي وأنا مش هاخلي حد يضايقك خالص ولا يقرب منك.. بس ارجعي!! رمقته بتعاطفٍ قائلة:

–ماتستعجلش يا يحيى.. أنا هارجع إن شاء الله.. بس زي ما باباك قالّك. أنا محتاجة أريّح أعصابي.. شوية بس و هارجع.. وأنا علطول جنبك. وقت ما تكون عايزني هاتلاقيني. تهدّلت ملامحه بحزنٍ بّيّن وقال بجفافٍ: –يعني مش هاترجعي!؟ لم تكاد ترد عليه، دوى جرس باب الشقة، فوثب الصبي من الفراش في الحال منسلًا من حضنها، راقبته وهو يخرج من الغرفة مهرولًا ليلاقي والده.. هذا حتمًا والده.

قامت “سمر” بدورها متئزرة بروبٍ طويل، وكادت تضع الحجاب على رأسها عندما تذكرت كلمات زوجها بالأمس قبل أن يرحل: “هاتتصرفي معايا عادي جدًا قدام يحيى. يحيى بالذات مش لازم يحس إنك متغيرة.. يعني كأنك تعرفيني كويس. لا تتوتري لما أقرب منك أو ألمسك في وجوده. وطبعًا ممنوع تلبسي حجاب وأنا موجود سواء هو كان معانا ولا لأ. مفهوم؟ ” … بالطبع مفهوم.. كانت كلماته واضحة وقد تفهمتها جيدًا.

مشّطت شعرها على عجالةٍ وارتدت خفّيها، ثم خرجت من الغرفة لتلتقي بهما بالخارج. كان الزوج والإبن بالصالة، يفترشا طاولة مربّعة يضعا فوقها وجبات الإفطار التي جلبها “عثمان” من أجل ثلاثتهم. لما أحس بوجودها، حتى رفع رأسه محملقًا فيها، عيناه تجولان على كل مكانٍ في جسمها عدا وجهها، خاصةً فتحة الروب من الأسفل، ما جعلها تضطرب وهي تقبل عليهما متمتمة: –صباح الخير! حيّاها “عثمان” وهو ينظر إلى وجهها الآن مبتسمًا بجاذبيته المعهودة:

–صباح الورد.. أنا قلت سمر مش هاتقدر تصحى تفطر يحيى وتجهزه عشان المدرسة في وقت واحد بدري كده. ف عدّيت جبت الفطار في طريقي.. يلا يا بيبي عشان نفطر سوا. بعدين ننزل سوا نوصله ونطلع على البيت.. تعالي.

أطاعته “سمر” وذهبت لتجلس فوق الكرسي الذي شدّه لها، جلس بجوارها وابنهما قبالتهما، الصبي سعيدٌ لأول مرة منذ أيام وهو ينظر لوالديه، بينما “عثمان” حريصًا على الظهور أمامه كدأبه مع زوجته دائمًا، فأخذ يطعمها بفمها وهي بدورها تسكب له من العصير الطازج الذي أحضره. كانا مثل عهده بهما.. وكما يتمنى دائمًا… ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

أخذ “عثمان” صغيره من يده بعد أن نزلا من السيارة، أوصله حتى بوابة المدرسة التي تضم أبناء النخبة بالمجتمع الراقي. لوّح له مودعًا، ثم عاد ليستقلّ بكرسي القيادة بجوار زوجته. إنطلق من جديد محددًا وجهته، قصر “البحيري”.. وكم كانت “سمر” تشعر بالإمتنان للأجواء الهادئة بينهما.. أمالت رأسها مراقبة الطريق عبر النافذة المجاورة.. تصفّي ذهنها برؤية الساحل الفيروزي والاستمتاع بالنسيم الذي يغمر وجهها…

ارتعدت فجأة بعنفٍ عندما حطّت قبضته على فخذها معتصرًا إيّاه بقوةٍ من فوق التنورة، أدارت رأسها تجاهه وهي تحاول إبعاد يده بيديها مغمغمة باضطرابٍ لا يخلو من الغضب: –إحنا قولنا إيه؟ طول فترة التعارف مافيش لمس أو قرب من أيّ نوع. شيل إيدك لو سمحت! يزفر “عثمان” بضيقٍ وهو يذعن لمطلبها على مضضٍ ويسحب يده، ليعاود التركيز على القيادة ثانيةً مرددًا بفتورٍ:

–ماشي يا سمر.. إللي إنتي شايفاه.. بس خلّيكي فاكرة المواقف دي. عشان ما هاتطوّل كتير. عبست متسائلة بريبةٍ: –تقصد إيه مش فاهمة!؟ إلتوى ثغره بابتسامةٍ تهكمية وحانت منه نظرةً خبيثة نحوها وهو يقول بطريقةٍ موحية: –قصدي خير. كل خير يا بيبي.. دي مسألة قدرات وأنا عارف قدراتي وعارفك. حافظك صم. أثار دهشتها ودفعها الفضول لتلح: –يعني إيه بردو مش فاهمة!!؟ رد بنعومةٍ: –المعنى واضح يا بيبي. واضح جدًأ. إللي داق.. مسيره يشتاق!

أحمرّ وجهها بشدة حين أدركت مقصده جيدًا، وجدت نفسها تردد من غير إرادة: –إنت سافل!!! قهقه “عثمان” ضاحكًا بشدة، كأنما أطربه نعتها، بينما تشيح بوجهها بعيدًا عنه وهي لا تزال منفعلة ولا تجرؤ على مبادلته كلمةً أخرى، وهو لم يشأ الضغط عليها أكثر حتى وصلا في صمتٍ إلى القصر…

لم تخفَ على “عثمان” الجلبة المحيطة به منذ وصوله، اعتمل القلق بداخله وهو يصطف السيارة بالباحة، وفجأةً هرول صوبه مجموعة من الخدم، تتقدمهم وصيفة أمه الخاصة تصيح حتى قبل أن تصل إليه تمامًا: –عثمـان بيـه.. إلحقنـا.. فريـال هـانــم!! هوى قلبه بين قدمه وهو بالكاد استطاع الخروج من السيارة!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...