قبل ثماني وعشرين عامًا… مر يومان وقد ساورته مشاعر القلق حيالها بالفعل، إنها محبوسة في شقته السرية كما توعدها، معاقبة على سلاطة لسانها وقلة أدبها. صحيح لا ينقصها شيء هناك وهو متأكدًا من هذا، حتى إنه سبق وتركها لفترات أطول من ذلك، لكنه لا يستطيع تجاهل مشاعره تجاهها. مسؤولية، اهتمام، ولا يزال عقله يرفض الصوت الذي يتردد بشدة بأعماقه بشعور آخر يفزع من الإقرار به.
لأن مجرد الإقرار به يعني أن حبه لم يكن بالقوة والمسلمات غير القابلة للتغيير كما كان يظن، وأن بإمكانه أن يحب عليها أخرى. "فريال" التي اختارها بقلبه في مطلع شبابه، و"رحمة" التي وافق عليها بعقله وهو رجل ناضج. ثم ها هي قد تسللت لتحتل مكانًا بقلبه! هذا وبدون أي جهد منها، إنها طبيعية، مثيرة للاهتمام، لا يمل من رفقتها أبدًا. والحال الآن أنه يفتقدها حقًا!
يزفر "يحيى" بضيق شديد وهو يقف أمام المرآة يضبط من هندامه المنمق، يريد لو يلغي الحفل اللعين الذي يقيمه لأجل صفقة عمل كبيرة ويذهب إليها هي، يراضيها ويعقد معها صلحًا جديدًا. تظن بأنها زوجة في الخفاء، الآن وقد عرف "رفعت" فهو ينوي أن يعرفها به، لتعلم بأن زواجهما ليس مجرد ورقة من أجل شرعية علاقتهما، إنها زوجته، وهو يريدها أن تكون كذلك طالما هو على قيد الحياة.
وصل كل من الأخوين "رفعت" و"يحيى البحيري" كل مع زوجته إلى أبرز وأفخم فندق بالمدينة. فور أن دخلا صالة الاحتفال المفتوحة بقمة البناء الشاهق استقطبوا الأنظار، كانوا محط إعجاب الجميع. الأخوان يشبهان بعضهما إلى حد كبير، ولكن "رفعت" وسامته خشنة وأضخم قليلاً، أما "يحيى" الذي يمتاز بطابع ملائكي واضح يجعله يبدو كأمير من الحكايات الخرافية. وكان وصفًا ملائمًا لأن زوجته "فريال المهدي" بدت وهي تتأبط ذراعه هكذا كملكة، بثوبها الأزرق اللامع الذي احتوى قدها مبرزًا مفاتنها دون الكشف الصريح عنها، تسريحة شعرها الكلاسيكية وزينتها الرقيقة.
استطاع "يحيى" أن يرى نظرات الحسد بأعين الرجال علانيةً، ما جعله ملاصقًا لها منذ بدء السهرة. حتى طلبها منه أخيه للرقص، فلم يمانع "يحيى" وهو يأخذ بيد "رضوى" بدوره ليؤدي معها نفس الرقصة. "رضوى! " هتف "يحيى" للمرة الثانية منتشلًا زوجة أخيه من شرودها. انتبهت الأخيرة إليه، ووجهت نظراتها الحزينة إلى عينيه وهي تقول بابتسامة متكلفة: "نعم يا يحيى.. كنت بتقول حاجة؟ "كنت بقول حاجة؟ انتي باين مش هنا خالص. إيه يا رضوى مالك؟
الحفلة مش عجباكي ولا إيه!؟ هزت رأسها نفيًا، ثم نظرت صوب زوجها الذي يراقص زوجة أخيه بمرح لا يخطؤه النظر، تنهدت بثقل مرددة: "أخوك.. أخوك اللي تاعبني يا يحيى! حانت منه نظرة نحو "رفعت".. ثم عاود النظر إلى زوجة أخيه الجميلة. لم تكن على قدر جمال "فريال" ولكنها جذابة ومليحة الوجه، امرأة تليق برجل مثل "رفعت البحيري"، ثرية ذات أصول عريقة مثلهم.
من ضمن حماقات "رفعت" إنه لا يقدر زواجه حقًا، ويعول كثيرًا على حب زوجته إليه. هذا الحب الذي لا بد أن ينفذ يومًا ما إذا لم يتوقف عن العبث بمشاعرها. "عمل إيه تاني؟ " سألها "يحيى" مقطبًا بتأسف على وضعه. "هو ما فيش حاجة جديدة ممكن يعملها. رفعت عمل كل حاجة. كنت فاكرة لما نخلف هيبقى كويس.. هيفوق من هو اللي فيه.. بس ولادنا بقوا في المدرسة. وما فيش حاجة اتغيرت.. بالعكس.. بقى أسوأ.. أنا ما أعرفش لو هو مش بيحبني اتجوزني ليه؟
"إيه الكلام ده يا رضوى.. إوعي تفكري كده تاني أكيد رفعت بيحبك. انتي مراته وأم ولاده."
"لأ يا يحيى.. رفعت ما حبنيش. لو حبني ما كانش هيعرف عليا ستات.. ما كانش هيشمت الناس فيا لما أعرف منهم إنه بيقابل دي ودي برا وبيظهر مع أي واحدة مش بيهمه.. ما بيهمه لا شكله ولا شكلي.. أنا مكسوفة وأنا موجودة هنا معاكم يا يحيى. عاملة نفسي مش واخدة بالي من نظرات الناس وهمساتهم عليا.. ولغاية دلوقتي مش لاقية مبرر قصاد حبي لرفعت يخليني أسيبه عشان كرامتي على الأقل! احتج "يحيى" على الفور قائلًا: "تسيبيه يعني إيه؟
لأ طبعًا مش هيحصل. اسمعي أنا عايزك تهدي خالص. سيبيه ليا وأنا حتصرف معاه. بس شيلي الأفكار دي من راسك. انتي مراته ومكانك جنبه وجنب ولادك.. اتفقنا؟ حدق فيها بإلحاح، لتومئ له وهي تقول مغلوبة على أمرها: "اتفقنا!
ابتسم لها بمودة وتقدير لتفانيها وعشقها لشقيقه، وفي قرارة نفسه يسخر من ذلك الحظ الغريب. إن "رفعت" قد رزق بزوجة محبة ولا تعرف كيف تصنع زيادة لترضيه وتبقي عليه لها وحدها، بينما هو تزوّج من المرأة التي يحب "فريال المهدي" ولا يشك بحبها إليه. لكنه يعاني معها منذ بلغا عش الزوجية ويكتم معاناته بداخله حتى لا يفسد حياتهم. لو كانت مثل زوجة أخيه ولو قليلاً لما هزت ثقته بنفسه ودفعته في الأخير للزواج من أخرى.
الآن أيقن "يحيى".. لو لم تكن "رحمة".. لكانت غيرها. لقد صبر مع "فريال" سنوات طوال وكان يظن بأنه قادر على هذا لبقية حياته. لكن الأمر ليس بيده، تلك الغرائز من صنع الخالق، وهو رجل وإنسان في النهاية، لا يمكنه تجاهل طبيعته. "يحيى بيه! التفت "يحيى" إلى نداء أنثوي رقيق، كانت فتاة من طاقم الفندق، حدثته باحترام فائق: "عاوزين حضرتك في الـ Reception يافندم! "عشان إيه؟ "ما عنديش معلومات. الخبر وصل حالًا وجيت أبلغ حضرتك."
رفع "يحيى" حاجبه بغرابة، اعتذر من زوجة أخيه وطلب منها أن تعلم "رفعت" بغيابه المؤقت لبضعة دقائق، وكذا "فريال" أن تخبرها بأنه يتابع أمرًا ما داخل الفندق حتى لا تقلق عليه. واتبع إرشادات الموظفة حتى أفضت به قدماه إلى الأسفل، بقاعة الاستقبال الكبيرة. "رحمة!!! خرج اسمها همسًا من بين شفتيه بينما يحلق فيها مصدومًا غير مصدق.
وقف على بعد قدمين منها، لا يزال لم يتعافى من وقع الصدمة كليًا، بل تزيد وهو يراها أمامه على هذا الشكل، تتأنق بفستان أرجواني مكشوف الصدر، يكاد يتمزق على جسمها، وزينة وجهها عبارة عن محدد عينين ثقيل وحمرة شفاه فاقعة مثل الدم. أين لها بهذا الفستان اللعين؟ إنه لا يذكر بأن اشتراه لها، كيف حصلت عليه؟ بل كيف خرجت من الشقة أصلًا وقد أقفل عليها بالمفتاح بيده هذه؟ "يحيى بيه.. المدام جت لحضور الحفلة ومش معاها دعوة!
بالكاد أصغى "يحيى" إلى عبارة موظف الاستقبال، لم يحيد بعينيه عن "رحمة" لحظة واحدة. تلفت حوله ليطمئن بأن لا أحد يراهما، ثم قطع المسافة بينهما بخطوتين سريعتين. "انتي خرجتي من الشقة إزاي!؟ " سألها "يحيى" طاحنًا أضراسه من شدة الغضب. "عرفتي تيجي هنا إزاي أصلًا؟ رفعت رأسها تنظر إلى عينيه بتحدٍ سافر، وقالت رافعة حاجبها المرسوم بدقة: "خرجت من الشقة إزاي؟
كلمت البواب وكدبت عليه كدبة صغننة. قلت له قفلت الباب من جوا والمفتاح ضاع مني. ف جاب حد فتحه. عرفت أجي هنا إزاي؟ المجلة اللي حضرتك مواظب عليها كان فيها تفاصيل الحفلة الكبيرة بتاعة الليلة دي. وعرفت إن حرمك المصون هاتكون معاك. أخدت العنوان ونزلت اشتريت الفستان الشيك ده وجيت على هنا. عشان لما تشوفني هي وضيوفك أكون واجهة مشرفة ليك.. إيه رأيك؟ احتقن وجهه بحمرة خطرة وهو يقول وأنفه ينتفخ مثل ثور في طور الهياج:
"انتي اتجننتي!! وقبض على ذراعها فجأة يهصرها هصرًا مستطردًا: "إمشي قدامي.. السواق بتاعي هايوصلك البيت. وحسابنا بعدين! قاومت قبضته بإصرار مغمغمة: "لو حرّكتني من هنا خطوة كمان هتبقى فضيحة. سامعني؟ انت شكلك ما فهمتش كلامي آخر مرة. أنا خلاص مابقتش عايزاك. يا تطلقني دلوقتي حالا يا مش هامشي من غير ما مراتك عارفة كل حاجة!!
أدار رأسه رامقًا إياها بذهول، ران الصمت بينهما لبرهة هكذا، كلاهما في مواجهة الآخر دون حراك وقد بدت "رحمة" مصممة حقًا.
تركها "يحيى" بغتة، وشاهدته وهو يتجه نحو موظف الاستقبال، خاض معه حديث قصير، ثم استلم منه مفتاحًا واستدار ناحيتها ثانية. أمسك برسغها وسحبها خلفه بعنف فاجأها، أخذها عبر المصعد إلى طابق بعيد عن صخب الاحتفال والأنظار، لم يخفف حتى قبضته عنها، وصولًا أمام إحدى الغرف، دس المفتاح في القفل، ثم دفعها إلى الداخل بقوة كادت تسقط على إثرها لولا انتبهت إلى خطواتها. التفتت ناحيته بعينين متسعتين وهي تقول بحنق:
"انت مفكر لما تحبسني هنا كمان مش هاعرف أعمل حاجة؟ مابقاش رحمة اللي تعرفها لو ما نفذتش وعدي ليك!! التلمعت عيناه وهو يرد عليها بغضب بارد: "اطمني.. أوعدك من الليلة دي مش هايكون في وجود لرحمة اللي أعرفها! وانسحب في هدوء مغلقًا باب الغرفة عليها، بالمفتاح. لقد حبسها فعلًا.. مجددًا.
عاد "يحيى" إلى قاعة الاحتفال من جديد عابس الوجه. في البداية لم يستطع التخلص من عبوسه أبدًا، ولكن عندما وقعت عيناه على "فريال" ضغط على نفسه حتى انفرجت أساريره شيئًا فشيئًا، نجح في رسم ابتسامة بسيطة على ثغره. شحذ خطواته ناحيتها، حيث كانت تقف ضمن حلقة من السيدات ومعها زوجة أخيه. أُخذت "فريال" عندما شعرت بيد تمسك بيدها، ولكنها ابتسمت ما إن أدارت رأسها واكتشفت بأنه هو. "كنت فين يا حبيبي؟
تلقى "يحيى" سؤالها ذي لهجة العتاب بابتسامة حب واضحة، وقال معتذرًا من رفيقاتها: "عن إذنكم لحظة! وشدها من بينهن بلطف، مشيت معه طواعية إلى أن بلغا مقصورة نائية قليلًا تطل مباشرة على البحر الممتد بلا نهاية. "فريال أنا آسف بس هاضطر تاخدي مكاني بقية السهرة! استمعت إليه بعدم فهم، لتستوضحه ثانية: "بتقول إيه يا يحيى مش فاهماك؟ إيه اللي حصل؟ تنهد قائلًا بأريحية متقنة:
"إبراهيم ابن أخت توني الجواهرجي جالي هنا ومستني تحت. قال في حرامية دخلوا على خاله وهو في المحل وسرقوا الدهب ورفعوا عليه سلاح. هو دلوقتي في المستشفى بس محتاجني لازم آخد متر سميح وأطلع مع إبراهيم على القسم حالًا!
شهقت "فريال" مغطية فاها بكفها وقد انطلت عليها كذبته. في الحقيقة لم تكن كذبة تمامًا، تلك الحادثة وقعت بالفعل منذ شهران، وقد تدخل "يحيى" مساعدًا صديقه الصائغ ومقدمًا له الدعم الكامل. لو سألت زوجته عن صحة الحادث فيما بعد لن ينكره أحد. "توني كويس!؟ " تساءلت "فريال" بحزن بيّن.
"لسه مش عارف.. أكيد هاروح أطمن عليه بعد ما نخلص في القسم. بصي يا حبيبتي أنا عارف إنك قدها وهتعرفي تسدي مكاني. بعد ما الحفلة تخلص هاتروحي مع رفعت ورضوى. وأنا هاخلص اللي عندي ده وهارجع على البيت على طول. لو طولت نامي ماتستنيش لما أرجع." أومأت له وقالت ممسكة بيده بكلتا يديها: "خلي بالك على نفسك.. من فضلك يا يحيى! "حاضر يا حبيبتي."
ودنى منها مقبلًا شفتيها بعمق للحظات، ثم أخذها وعادا وسط الحشد، تركها مع السيدات وسار نحو أخيه الذي بدا منخرطًا في حديث شيق مع نجم كرة قدم معروف، أمسك بذراعه ومال على أذنه مرددًا بخفوت: "عايزك دقيقة! يستجيب له "رفعت" ويعتذر من محدثه، يلتفت إلى أخيه منصتًا، فيشرح له "يحيى" الأمر بإيجاز ويوصيه بتأييده ما إذا سألته "فريال". "و انت بقى رايح فين بجد؟ " تساءل "رفعت" بابتسامة تهكمية،
وخمن قبل أن يجاوبه أخيه: "رايح للمدام التانية صح؟ يا أخي ما كنتش أعرف إنها واكلة عقلك للدرجة دي. بقى تعمل الفيلم ده كله عشان تروح لها وتقضي الليلة ولا حد يدري بيك!! كز "يحيى" على أسنانه مغمغمًا: "رفعت.. للمرة المليون بقولك. انت مش وصي عليا. أنا حر في تصرفاتي. وانت بصفتك أخويا واجب عليك... "أداري عليك مش كده؟ " قاطعه "رفعت" بسخرية،
وأردف: "بقولك إيه. أنا قلت لك بؤي مش حيتفتح بكلمة ومش عشانك. أنا لو ساكت ف ساكت عشان مراتك وولادك.. اتفضل امشي يلا. اعمل اللي يعجبك. أنا شوية كده حتحرك من هنا بفريال ورضوى. مع السلامة." وهذا المضمون ما كان بحاجة لسماعه، لم يعبأ "يحيى" بانتقادات شقيقه، في النهاية هو آخر شخص يحق له النصح ناهيك عن التقويم.
غادر "يحيى" الحفل دون أن يلقي نظرة خلفه، لكنه لم يغادر الفندق، بل عاد أدراجه إلى الغرفة التي قام بحجزها لليلة واحدة، وبمجرد أن فتح الباب ودلف للداخل تلبسته حالة الغضب مرة أخرى، رآها فور دخوله تقف أمام زجاج الشرفة المغلقة، ما إن سمعت الباب يغلق بقوة حتى التفتت نحوه في الحال.
أغاظه أن يرى بعينيها نظرة التحدي والصلابة ذاتها لم تتغير، وكأنها لم تدرك بعد فداحة فعلتها. لم تتحرك "رحمة" من مكانها وهي لا تزال تحدقه بصمت يقول الكثير، عقدت ساعديها أمام صدرها، بينما يخطو "يحيى" صوبها وئيدًا الآن وهو يقول أخيرًا: "فاجئتيني يا رحمة.. حقيقي.. ما تخيلتش إنك جريئة للدرجة دي! ضغطت شفتيها معًا للحظة، ثم قالت بجفاف:
"أنا قضيت معاك خمس شهور.. بس حاسة إني كبرت فيهم ألف سنة.. استكفيت منك إهانة وكل مرة كنت بفوق على الحقيقة دي.. مش هاسمح لك تستغلني تاني." وصل أمامها الآن ورد بهدوء وهو يهز رأسه: "انتي لسه ماشوفتيش استغلال!!
ورنت صفعته المباغتة على خدها في جنابات الغرفة المترفة، كانت صفعة أعنف من تلك التي نالتها منذ أيام في شقته. أحست بقطرة حارة تسيل من شفتها وذاقت طعم الدماء الصدئة بفمها. كان وجهها مائلًا للجانب الآخر، لم يمهلها لحظة لمعالجة ما جرى، مد يده واجتذبها من ذراعها بوحشية. "هتندمي ندم عمرك يا رحمة! " تمتم "يحيى" بقساوة. عاودت النظر إليه بقوة وهست من بين أنفاسها المتسارعة: "طلقني!! لا تزال تتحدّاه. أومأ لها قائلًا:
"آخر مرة طلبتي الطلب ده قولتي إيه؟ كرري أسبابك! اهتاجت أكثر وهي تخبره والكلمات تخرج من فمها كالقنابل: "قلت لك طلقني عشان الأعمى يشوف إن العلاقة دي مش علاقة جواز.. عشان انت شايفني رخيصة لدرجة مستخسر فيا أشيل طفل منك وأخلف زي كل الستات اللي في الدنيا دي.. عشان لو على الفلوس والمستوى اللي مفكرني طمعانة فيهم ف أنا أقدر أعملهم من غيرك عادي بعد ما أسيبك على طول ما فيش أكتر من الرجالة اللي هاتدفع مقابل جسمي... الحمقاء!!!
لم تتعلم الدرس، آخر مرة قالت ذلك كان عقابها مجرد صفعة، أما الآن فهو كان بحاجة تمامًا أن تكرر ذلك، لتسلب منه آخر ذرة تعقل وضمير فيه. لم تعد صرخاتها بعد ذلك لكثرة الصفعات التي انهالت من كفوفه على وجهها، كتمت ما استطاعت منها طائعة لا شعوريًا لصوته الزاجر: "اخرسي.. صوتك ما يطلعش!!
رفع يديه عنها الآن تاركًا إياها تنهار أمامه جاثية فوق ركبتيها، بينما يزيح سترته الفاخرة عن كتفيه العريضين لتسقط أمامها، يحل ربطة عنقه، يفك أزرار قميصه وينزعه بحركات متأنية، كل هذا وبصره لا يرتد عنها طرفة عين. من شدة دموعها لم تستطع النظر إليه جيدًا حتى، لم تكن نادمة على ما قالته، بل أرادته أن يريها أقسى ما لديه حتى لا تحن له بعد فراقهما. لقد قررت الانفصال عنه وهذا ما ستفعله مهما كلفها الأمر. "آااااااه!
" صرخت حين شعرت بقبضته تجذبها من خلال حفنة خصلات أسفل رأسه. رأته عبر مدامعها جالسًا على طرف الفراش عاري الجزع، وقد فك طوق خصره أيضًا، صدمتها أوامره التالية، ولوهلة شعرت حقًا بجدية وخطورة ما أقدمت عليه، وأن العاقبة لن تكون بدرجة السوء التي تخيلتها، بل أشد سوءًا على الإطلاق. "مش عايزة أعمل كده!!! " تمتمت "رحمة" بصوت متحشرج بالبكاء. ليرد عليها بهدوئه المخيف:
"وأنا مش باخد رأيك.. وبعدين انتي المفروض بنت ليل. يعني فاهمة في شغلك.. يلا! اعتصرت عينيها من الدموع لكي تنظر إليه جيدًا، وجهه قاتم، ليس وديعًا كما عهدته، مصمم، لكنها كانت أكثر تصميمًا وهي تهز رأسها آبية بشدة، فما كان منه إلا أن كال لها مزيدًا من الصفعات والإهانات التي دفعتها في الأخير للصراخ بالموافقة لعدم تحملها عنفه غير المتوقع البتة. وفعلت!
فعلت كل ما أمرها به، نفذت تعليماته بالحرف مجبرة، وقد بر بوعده حقًا وجعلها كما وصفت نفسها.. "عاهرة"!!! كانت تشعر بالغثيان فعلًا وهو يشدها لتقف على قدميها الرخوتين منتقلًا للخطوة التالية، مع أقل حركة لا تتحمل، ليدفع بها نحو الفراش غير عابئ بحالتها المزرية، لم يلقيها فوقه كما توقعت، لم يجعلها تنال أي مظهر من مظاهر احترام الذات على الأقل.
وضعها في وضع حتى مالت عبر مقدمة الفراش على بطنها بينما قدماها تلمسان الأرض. سمعت قماش فستانها يتمزق بحركة حادة واحدة من يديه، ثم شعرت بلمساته في كل مكان قبل أن تتحرك يديه إلى خصرها، وقبض عليها مثبتًا إياها بإحكام. مال ضاغطًا بصدره على ظهرها، أنفاسه تتصادم ببشرتها ثقيلة وساخنها بينما يجتاحها بشكل غير متوقع لدرجة انتزعت منها صرخة عالية كفيلة لإيقاظ الطابق بأكمله. إحدى يديه تركت خصرها لتغطي فمها الصارخ وهو يهمس محذرًا:
"هشششش! لكنها لم تستطع، وهو يعرف هذا، ألم يعقد النية على إذلالها؟ ألم يعدها بأنها ستندم ندم عمرها؟ هذا ما يفعله الآن، ولم يتراجع عنه للحظة. كلما شعر بتعاطف نحوها، تضج بأسماعه كلماتها منذ قليل، فتزيده وحشية تدمر بقاياه.
لم تجد إلا البكاء بلا حول ولا قوة بين يديه وأن تمسك بالملاءات بشدة، وقد ندمت بالفعل، ندمت على كل شيء، زواجها منه، انجذابها إليه، حتى بوادر الحب الذي تملك من قلبها. إن وجودها برمته لا يساوي الألم الذي تعيشه الآن، إنه غليظ، إنه حيواني، هل كان هكذا منذ البداية أم إنه خدعها!
عندما تركها أخيرًا، أول شيء حركه بعيدًا هي يده عن فمها، لم تعد تصرخ، كما لم تعد تشعر به قريبًا منها، احتاجت دقيقة بمكانها للتعافي مما جرى لها على يديه. دموعها تسقط بلا حسيب من عينيها، تسقط من دون بكاء. أحست باللحظة التالية بقماش رقيق ينساب فوق جسمها، اكتشفت بأنه أحد الشراشف قد ألقى به عليها لتستر عريها بينما يتحدث من خلفها ببرود وهو يرتدي ثيابه:
"في مول هنا في الفندق. هانزل أشوف لك حاجة تلبسيها بدل الفستان المقطوع.. واللي بالمناسبة هانتحاسب عليه كمان. بس مش وقته." لم يكاد يزيد شيء آخر. أجفل عندما رآها تثق واقفة، تضم طرفي الشرشف إلى جسمها وهي تركض صوب الحمام. تبعها على الفور واقفًا عند عتبة الباب، بينما تنحني فوق المرحاض مفرغة ما بمعدتها شبه الفارغة أساسًا.
تداعت أخيرًا معانقة نفسها أمام عينيه، تغمض عينيها وهي ترفض بوضوح النظر إليه. ينظر هو لها، في داخله يكره ما فعله بها، يعلم بأنه دمرها للتو، وأن ما جرى لن ينساه كلاهما أبدًا، إذا قدر لهما العيش معًا مرة أخرى.. لم يعد واثقًا! ركض.. رغم أنه يشعر بالأرض تهوي تحت قدميه.. ركض بأقصى ما لديه من سرعة.. فصورة أمه الواقفة فوق سور شرفتها الخاصة أمام عينيه لا تتلاشى أبدًا.. إنه أبشع أنواع الخوف.. خوف فقدان أمه!!!
وصل مقطوع الأنفاس، اقتحم الشرفة المفتوحة، ليجدها كما هي، بثوب نومها الأسود الذي يتطاير من حولها بفعل النسيم الصباحي، لا تزال تقف هناك فوق السور الرخامي حافية القدمين، تحدق بالسماء وكأنها ترى شيئًا، أو أحدًا ما. "ماما! " هتف "عثمان" لاهثًا.
أدارت له رأسها، وصدمه تعبير وجهها. لا توجد قوة في العالم ولا حتى إرادة بدافع الكبرياء يمكن أن تخفي الدمار الذي يراه في عيني أمها الآن. إنه واضح جدًا، لدرجة يجب أن يتمالك نفسه حتى لا يفقد رباطة جأشه أمامها ويزيد الأمر صعوبة. "يحيى كان متجوز عليا يا عثمان! " قالتها "فريال" مقررة الحقيقة. زم "عثمان" فمه كابحًا شعور الغضب تجاه أبيه، الواقع مختلف حين تنطقه به أمه، حقًا. مشى ناحيتها ببطء، بينما رفعت "فريال"
حاجبيها متمتمة بشرود: "ومن زمان.. من زمان جدًا.. كنا لسه ماكبرناش.. اتجوز وخلّف.. وقدر يخدعني طول السنين دي.. قدر يبص في وشي ويضحك ويعيش حياته معايا عادي وهو بيخوني من ورا ضهري.. يعني إيه؟ اللي بينا ده ما كانش حب؟ جوازنا اللي كل الناس كانت بتحسدنا عليه.. كلامه ليا.. حياتنا كلها كانت كدبة!!؟ رفع يديه وهو لا يزال يتقرب صوبها بحذر قائلًا بصوت أجش:
"ماما.. أرجوكي انزلي من عندك.. انزلي وهانتكلم.. هاعملك اللي انتي عايزاه بس انزلي! رددت "فريال" ساهمة العينين وكأنها لم تصغ لجملته: "مش لاقية إجابات على أسئلتي يا عثمان.. الأصوات في راسي مش بتسكت… مش عايزة تسكت!! انفعل "عثمان" صارخًا بغضب شديد: "بابا مات.. مات خلاص يا فريال هانم. مستحيل يرجع. ومستحيل يجاوبك على أسئلتك. سمعتيني؟ يحيى البحيري مات!!! تلقت كلماته القاسية بصدمات جعلت الدموع تنهمر من عينيها مدرارًا
وهي تقول من بين أنفاسها: "أيوة.. أيوة صح.. مات ومستحيل يرجع… بس أنا ممكن أروح له! واتسعت عيناه بذعر متجرد عندما مدت قدمها مقدمة وبلا رادع أو ذرة تردد عن إلقاء نفسها من العلو المميت. "لأاااااااااااااااااااااااااااااا!!! " دوت من أعماقه صيحة الرعب. بينما يندفع ناحيتها مسابقًا الزمن فعليًا.
إنها لمعجزة أن لحق بها على آخر لحظة، قبل أن تتبع قدمها الأخرى القدم الممتدة بعد السور. قبض على خصرها بذراعيه بقوة مؤلمة، وكأنه يقبض على الحياة بكل ما أوتي من قوة. كان مفجوعًا، لا يصدق ما كادت تفعله، بينما ينطلق الصراخ من فم "فريال" عندما أحبط ابنها محاولة انتحارها جاذبًا إياها بعيدًا عن السور نهائيًا. أخذت تقاومه وهو لا يتزحزح عنها قيد شعرة، بالكاد كانت تقف على قدميها بينما يمسك بها بإحكام متحملًا ثورتها ومصغيًا
لصراخها الذي أدمى قلبه: "آااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه.. آااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه.. آااااااااااااااااااااااااااااااه…" آهاتها الجريحة هزت المنزل بأكمله، حتى الطير رفرف في السماء فزعًا من الحدث الجلل. سيدة القصر، الأم المثالية، الزوجة المخلصة.. "فريال المهدي".. إنها تنهار!!! "مـامـــا!! " صاح "عثمان" ملتاعًا عندما سكتت فجأة وتراخت بين ذراعيه فاقدة الوعي.
حملها على الفور بسهولة واستدار ليجد "سمر" تقف على مقربة منهما، تراقب بوجل ما يجري. خاطبها بخشونة وهو يتجه صوب أمه صوب الداخل: "تعالي ورايا يا سمر! وضع أمه بفراشها وأمر زوجته: "خليكي جنب أمي إوعي تسبيها لحظة.. أنا راجع على طول."
خرج إلى الردهة أمام غرفة "فريال". حمد الله كثيرًا على سلامتها بأقل الخسائر. لا تزال أعصابه مهزوزة تأثرًا بما حدث. أحس بشيء من الراحة لغياب الصغار عن المنزل وارتيادهم المدرسة فما كانوا ليتحملوا رؤية كل هذا. أرسل في طلب طبيب العائلة بشكل عاجل، ثم أجرى اتصالًا آخر، ما إن رد عليه صوت أنثوي يعرفه جيدًا حتى هتف بصرامة: "صفية.. تقومي من مكانك وتجيلي على هنا فورًا.. سامعة؟ دلوقتي حالًا!!
استغرقت شقتهما الفخمة يومًا كاملًا في التنظيف، وقد تكفل هو بإيجاد إحداهن جاءت لتساعد زوجته في تهيئة كل شيء، وفي الصباح كانت الأمور بخير. الأسرة المكونة من ثلاثة أفراد.. "فادي حفظي".. "هالة البحيري".. وصغيرهما "سليم" البالغ من العمر عشر سنوات.. يجلسون بتراث الشقة المفتوح إلى طاولة حملت ما لذ وطاب من طعام الفطور.
كان "فادي" يوجه نظراته نحو بحر الإسكندرية بشوق جارف، وفي نفس الوقت يتلذذ باحتساء فنجان قهوته، لتأخذه زوجته من شروده فجأة. "مش كنت خليت سمر تيجي تقعد هنا معانا يا فادي؟ التفت "فادي" إلى سؤال زوجته، رد عليها بلهجة من الصفاء النفسي النادر:
"أنا ماشي معاها واحدة واحدة. طلبت تقعد في البيت القديم.. رغم إن الشقة ما بقتش بتاعتنا وكانت مقفولة.. حتى الحجة زينب صاحبة البيت توفت بقالها سنين.. بس عملت المستحيل ورجعتها على الأقل مؤقتًا.. هاتقعد هناك شوية يمكن ده يساعدها فعلًا تفتكر أي حاجة." صبّت "هالة" لصغيرها كأسًا من العصير وهي تقول بلطف:
"أيوة يا حبيبي بس ما يصحش كنت سبتها لوحدها. ممكن تقعد براحتها في البيت القديم. لكن في آخر الليل تيجي هنا وسطنا أو ترجع بيتها! تنهد "فادي" قائلًا: "أنا ماسبتهاش لوحدها يا هالة.. ابن عمك جه وأنا نزلت بعد ما أكدلي إنه معاها. وعرفت كمان إنه بعت يجيب يحيى من القصر عشان يبات مع أمه.. شوية كده وهاكلمها أطمن عليها." أومأت له وقالت بجدية: "طيب انت لسه ما قلتليش.. هانقعد هنا كتير ولا إيه؟ عشان مدرسة سليم!
نظر "فادي" نحو ابنه الذي حمل منه تشابه كبير في الملامح مع لمحات من جمال أمه محصورًا في لون الشعر العسلي وشكل العينين، ابتسم بخفة وهو يقول: "مش هانطول إن شاء الله.. أطمن بس على سمر.. وكمان دي فرصة مناسبة.. هقدر أقنع ملك تسافر معانا." "ولو ما اقتنعتش!؟ رمقه "فادي" بنظرة ثعلبية، وقال: "في كل الأحوال هاخدها معايا.. ملك أختي القاصر. وأنا ولي أمرها. أنا الواصي عليها!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!