قبل ثماني وعشرون عامًا … مرّت أيام قليلة منذ رآها، الفتاة التي قلبت كيانه رأسًا على عقب، يكاد يفقد عقله من شدة التفكير بها، ولا يُصدق كيف يحدث هذا معه!؟ أن يقع صريع هوى فتاة يافعة مثلها!
إنها فعليًا لا تبدو كطفلة، إنها شابة مكتملة الأنوثة، حرّكت شيئًا بداخله ولأول مرة، شغف جديد لم يشعر به أبدًا طوال سنوات زواجه وحتى الفترة التي سبقته، فترة الشباب والطيش، تلك الـ”رحمة” لم ترحم إطلاقًا ضعفه أمامها، دون أن تدري تسببت بضياعه لحظة خروجه من بيتها، بيت والدها، سائقه الخاص.
لم يعد يرى الأشياء كما اعتاد أن يراها، حتى زوجته، زوجته الجميلة، بات جمالها عاديًا بنظره، رغم أن “رحمة” ليست بفائقة الجمال، لكنها جذابة بدرجة جميلة، والأهم من ذلك، لقد لمست قلبه، وهذا هو الخطر بعينه، رجل مثله أتم الرابعة والثلاثين قبل أشهر، يُغرم بفتاة لم تبلغ بعد الثامنة عشرة من عمرها … اللعنة!
.. إنه حقًا مغرم بها… هو الذي لديه ابنًا يصغرها بعامين فقط… كان من الممكن أن ينجب مثلها.. لكنه لا يراها هكذا.. لا يراها كابنته مطلقًا!!!
كان يجلس بمكتبه ينجز بعض الأعمال برفقة محاسبه وقد استراح عقله قليلًا من التفكير بها، ولكن سيرتها تأبى تركه كليًا، يرده اتصالًا من الأمن يخبرونه بوقوع السائق أثناء تأدية بعض الوظائف التطوعية، فيقوم “يحيى” فورًا منهيًا اجتماعه بموظفه، ليكون بالأسفل في غضون دقيقة واحدة، يحمل السائق بمساعدة أفراد الأمن إلى سيارته الخاصة، ويقود به رأسًا إلى المشفى الخصوصي التي زارها مصطحبًا إياه قبل يومين.
-يحيى بيه أنا آسف. زي ما قلت لك أول مرة. مافيش أمل! تلقى “يحيى” للمرة الثانية كلمات الطبيب المؤكدة حتمية مآل حالة السائق “جابر”.. تغضن جبين “يحيى” بعبسةٍ تنم عن حزنٍ كبير، ثم قال مستسلمًا للقدر: -باقي له قد إيه؟ جاوبه الطبيب ماطًا فمه: -أسابيع.. أسابيع قليلة جدًا. -وتنصح بإيه يا دكتور؟ إيه في إيدي ممكن أعمله!؟
-مافيش في إيدك حاجة غير إنك تدعمه نفسيًا بكل الطرق. تخليه يمشي وهو مرتاح ومطمئن. حضرتك أدرى به. بس الراجل ده أنا شفت في عينيه كسرة ماشوفتهاش طول حياتي.. لو تقدر تمحي النظرة دي من عينيه ماتتأخرش أبدًا. مافيش وقت كتير قدامه! ترك “يحيى” الطبيب يذهب لمزاولة عمله، بينما يقف عند باب الغرفة المحتجز بها “جابر”.. مترددًا… يعيد كلمات الطبيب برأسه مرارًا تكرارًا. كيف يخفف عنه يا ترى؟
ما الذي قد يفعله من أجله لكي يذهب في سلامٍ مطمئن؟ إنه يمتلك المقومات التي تخوله تحقيق كل شيء.. ولكن ما هي رغبات “جابر” الأخيرة؟ ما الذي يمكن أن يتوق إليه في أيامه الأخيرة!؟
طرد “يحيى” نفسًا محبطًا، ثم حسم أمره ودفع باب الغرفة ليلج راسمًا على وجهه ابتسامةٍ بسيطة، رأى “جابر” هناك، يرقد فوق السرير الطبي موصولًا بأنابيب تمدّه بالمسكنات، شاحبًا وقد خسر الكثير من الوزن خلال الأيام الفائتة، ما أن رصد سيده حتى تهللت أساريره على الفور. -يحيى بيه! .. هتف “جابر” بصوتٍ ملؤه الوهن. -تعالى يابني.
يغلق “يحيى” الباب من ورائه ويتقدم صوب الرجل العليل محافظًا على ابتسامته، شد مقعد في الزاوية وقربه من السرير، جلس فوقه رامقًا إياه بنظراته الوديعة الملائكية، ثم قال بهدوء: -كده تخضنا عليك يا راجل انت. معقول شوية تعب يدّوخوك كده وتقع من طولك؟ ابتسم “جابر” بتهكمٍ مرير وهو يرد عليه: -التعب ده هايكون آخر محطة في حياتي يا يحيى بيه! تلاشت ابتسامة “يحيى” الآن وهو يرى بوادر دموع بعيني السائق المسن، وسارع قائلًا بلطفٍ متأثر:
-ماتقولش كده يا عم جابر. انت ليه مش سايبها على الله!؟ هز “جابر” رأسه كابحًا جزع رهيب وهو يجاوبه بنشيجٍ مكتوم: -يعلم الله. أنا مسلّم أمري له.. أنا قلت قبل كده إني مش خايف على نفسي. حثه “يحيى” مادًا جسمه للأمام قليلًا: -قولّي طيب يا عم جابر. قولّي أعمل لك إيه. إيه إللي ممكن يريحك ويسعدك. اطلب مني أي حاجة. أي حاجة نفسك فيها أحققها لك فورًا!! تراقصت الدموع بعيني الأخير حتى أفاضت وجرت على خديه، بينما يقول ردًا على سيده:
-أنا مش طمعان في شيء لنفسي. أنا خلاص ماعادتش الدنيا ليها قيمة في نظري. حاجة واحدة بس إللي منغصة عليا إللي باقي من عمري… بنتي.. بنتي رحمة يا يحيى بيه! لم يحاول الإمساك بدموعه أكثر من ذلك، وفجأة أجهش بالبكاء ولكن دون صوتٍ، استمر جسده بالارتجاف وهو يمضي مغمغمًا بحرقةٍ:
-البت هاتتيتّم.. دي لسا صغيرة.. هاسيبها لمين.. لكلاب السكك تنهش فيها.. بنتي حتة مني. عرضي وشرفي.. هاتتبهدل من بعدي.. رحمة القطة المغمضة.. محدش هايرحمها لما اختفي من حياتها.. بنتي.. بنتي … وغرق في بؤسه وهواجسه المميتة دون تحفظٍ في وجود “يحيى”، بينما الأخير لا يعرف ماذا يفعل أو يقول له! قلبه يتألم من أجله، لكن ليس لديه طريقة ليساعده الآن.. أو ربما لديه!!
تنبثق الفكرة بعقله فجأة، لتصدمه لوهلةٍ، لكنه لا يقاوم الإغراء، لا يصد رغبته النابعة من أعماقه وكلماته تجري على لسانه في هذه اللحظة مخاطبًا سائقه: -لو مطمئن لي وواثق فيا يا عم جابر.. أسمح لي أطلب إيد بنتك رحمة!!! وعلى الفور أطبق الصمت. سكت “جابر” عن البكاء، رفع رأسه متطلّعًا إلى “يحيى” فقط، نظراته ملأى بعدم التصديق، ذاهلًا من الكلمات التي سمعها للتو، إلا أن “يحيى” أردف بثقة لا تقبل الشك:
-لو وافقت أنا بتعهد قدامك دلوقتي إنها هاتعيش معايا في الحفظ والصون. هاتبقى مراتي على سنة الله ورسوله وهاخد بالي منها كويس. مش هاتحتاج لمخلوق ولا أنا هاسمح لأي حاجة وحشة تمسّها.. أنا بوعدك وربنا شاهد على كلامي!
في البداية تردد “جابر” قبل أن يعطي موافقته لسيده، كان يعلم بأنه متزوج ولديه صبي وفتاة، ولكن وضع في اعتباره مصلحة ابنته، عندما تقترن بـ”يحيى البحيري” لن يعوزها شيء، وستنال حمايةً أبدية، خاصةً بعد أن تعهد “يحيى” إليه بأن يرعى ابنته ويضمها في كنفه الآمن، لم يتردد “جابر” في المرة الثانية وهو يبلغه بجوابه ويبارك الزيجة معربًا عن شكره وامتنانه بدموعه وكلماته المؤثرة.
وبما أن الوقت بات عدو “جابر” اللدود الآن، تحرك “يحيى” من فوره بعد أن سمح له حماه المستقبلي، استقل سيارته متجهًا إليها، ليأخذها من بيتها لترى أباها.
لم يشرح لها “يحيى” أي شيء، لم يحاول حتى النظر إليها لئلا يفقد رباطة جأشه أمامها وهو آخر شيء يريده الآن، بمجرد أن عرفت بأن أباها بالمشفى ذهبت معه، طوال الطريق وهي تجلس بجواره في سيارته، يستطيع سماع أنفاسها، وملاحظة ارتجافة جسمها، وكذا رائحتها، كان عبيرها الأشبه بالعنب المخمر مسكرًا، وكأنه يستنشق أجود أنواع النبيذ.
ليكتشف اكتشافًا هزّه في الصميم وجعله قبضتاه تشددان حول المقود بتوترٍ جمّ.. تلك الجالسة بالقرب منه، فتاة نقية، لم يُعكر أحد بعد صفو شهدها، وهو الرجل المحظوظ، هو الذي يخطط للزواج منها لتكون له، له هو فقط، وليكن هو رجلها الأول، والأخير. -يحيى بيه طلب إيدك مني. وأنا وافقت! الصمت المصدوم كان هو ردة فعلها الوحيدة على كلمات والدها، لم تستوعب ما قاله لفترة طويلة، لتقول بتلعثمٍ ما إن استطاعت الكلام:
-قصدك إن الراجل اللي مستني برا ده. اللي ماشوفتوش غير مرتين لحد دلوقتي.. عايز يتجوزني!؟ أومأ والدها قائلًا بجمودٍ: -أيوة. وأنا أديته كلمتي زي ما قلت لك. وأعملي حسابك كتب الكتاب الأسبوع الجاي يوم عيد ميلادك. يوم ما هاتمتي 18 سنة هاتكوني متجوزة يحيى بيه البحيري يا رحمة. كان هذا كثيرًا عليها لتستوعبه، فردت مفغرة فاها بذهولٍ: -الأسبوع الجاي.. إزاي يا بابا. إزاي وأنت عيّان كده؟ جابر منفعلًا:
-مالكيش دعوة بيا. أنا مافيش حاجة عايزها من الدنيا دلوقتي غير جوازك من يحيى بيه. لو انتي طوع أبوكي بصحيح مش هاتردي كلمتي. ولازم تعرفي إن جوازك من يحيى البحيري أكبر نعمة ممكن تاخديها في حياتك. وأنا لو مت في أي لحظة مش هاكون قلقان عليكي طول ما انتي معاه. عبست “رحمة” وهي تقول دامعة العينين: -بعد الشر عليك يا بابا. ماتقولش كده. أنا مقدرش أعيش من غيرك!!
ورمت بنفسها على صدره تضمه وتبكي في صمتٍ، ليحتضنها “جابر” بذراعيه متمتمًا بحنوٍ: -هاتعيشي يا رحمة.. هاتعيشي وتتهني. أنا طلبتها من ربنا. وهو ماردنيش. مش هامشي غير لما أطمّن عليكي يا بنتي. ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ ألا لا تجري الرياح بما تشتهي السفن!؟
لم تدوم فرحة “جابر” بزواج ابنته طويلًا، فقد توفى يوم عيد ميلادها المرتقب، عقب عقد قرانها على “يحيى البحيري” مباشرةً، بعد أن زوّجها إليه على يد المأذون بالمشفى، بعدها أقل من ساعة فارق الحياة، وكانت الصدمة شديدة القسوة على “رحمة”. “رحمة” التي وجدت نفسها وحيدة بلحظة، صحيح صارت يتيمة وبلا عائلة، ولكنها أمست زوجة “يحيى البحيري”.. الرجل الذي سرق قلبها منذ الوهلة الأولى!
لم تمنع هذه الحقيقة المثيرة من خوفها العميق إزاء المجهول، لقد أخبرها أبوها قبل أن يرحل بأنها ستكون آمنة مع “يحيى”.. وإنه سوف يسعدها ويعتني بها… لكنها لا تزال خائفة. بعد جنازة أبيها التي بالكاد حضرها عدد قليل من جيرانها وبعض الغرباء، أخذها زوجها المزعوم في سيارته إلى حي أرقى أحياء المدينة، وكم بدا عليها الرعب والتوتر وهي مضطرة إلى الانقياد خلفه دون أن تجد القدرة أو الجرأة على التوقف وسؤاله أي شيء. -إتفضلي!
.. هتف “يحيى” فاتحًا لها باب الشقة الصقيل وقد تنحى جانبًا. تزدري “رحمة” ريقها بتوتر أشد وهي ترمقه بريبةٍ، لكنها تذعن لطلبه وتمد ساقيها الواحدة تلو الأخرى، حتى ولجت إلى الداخل، سمحت لعينيها أن تجوس أنحاء المكان، لتتبيّن شقة فسيحة للغاية، أنيقة، ألوان الجدار والأثاث وحتى الديكور فاتحًا، كل شيء جميل هنا، أثري، كل قطعة فُرشت بها الشقة ثمينة تنم عن ثراءٍ فاحش.
حتى في أجمل أحلامها لم تتخيل أن يأتي يومًا تطأ قدمها بيتًا كهذا.. فهل يُعقل أن تسكنه!؟ ارتعدت “رحمة” وقد فصلها صوت إغلاق الباب وراءها عن أفكارها، لتستدير محملقة بـ”يحيى” الذي لم يزيح بصره عنها غالبًا طوال الوقت، كان وجهه هادئ التعابير، مثل نبرات صوته وهو يقول الآن: -نوّرتي بيتك. أنا عايزك تعتبري المكان ده مكانك من إنهاردة. وأي حاجة ناقصاكي قوليلي عليها وتكون عندك فورًا. -متشكرة!
.. تمتمت “رحمة” على استحياءٍ غير قادرة على نزع نظراتها عنه كليًا. بقي “يحيى” يطالعها بنظراته للحظاتٍ أُخر، ثم قال مشيرًا لها صوب الصالون القريب: -أنا عايز أتكلم معاكي شوية.. تعالي نقعد هنا! لا تعرف ما الخطورة فيما قاله، لكنها شعرت بالارتباك وكأنها عاشت عمرها بلا خبرة تُذكر، إنها بالفعل عديمة الخبرة، وهذا ما يرعبها.
من جديد رضخت “رحمة” لطلبه، ومشت أمام عينيه نحو الصالون، جلست هناك فوق كرسي وثير منكمشة على نفسها، تكاد تكون في صورة ملاكٍ وهي ترتدي الأسود هكذا حدادًا على أبيها، اقترب “يحيى” منها متعمّدًا، كان بإمكانه أن يجلس بعيدًا، لكنه اختار مقعد مجاور لها تمامًا، جلس فوقه مواصلًا النظر إليها، يضايقه قليلًا أنها تتحاشى مواجهته. إلا إنه يتصرف بدماثةٍ وهو يستهلّ حديثه بهدوءٍ:
-قبل أي شيء. أنا بعزّيكي تاني في وفاة والدك. وعايزك تعرفي إنه كان شخص غالي عليا أوي. أنا فتحت عيني لاقيته عندنا ودايمًا كان جنب أبويا الله يرحمه.. ف انتي ماخسرتيش لوحدك يا رحمة. خسارة عم جابر بالنسبة لي خسارة كبيرة أوي!
كانت عيناها تفيضان بالدمع فعليًا أثناء حديثه، طفقت تنظر إلى قبضتيها المتشابكتين بدلًا من النظر إليه، فضاق ذرعًا بهذا، مد يده صوب وجهها، علّق إصبعه تحت ذقنها، فشعر بارتعاشها تحت لمسته الخفيفة، جعلها تنظر إليه بهذه الطريقة، فسمحت له باجتذاب وجهها نحوه. لكنها لم تضع عينيها بعينيه مباشرةً، بل نظرت إلى الأعلى واليمين والشمال محاولة حبس دموعها. -أنا آسف! .. دمدم “يحيى” بلطفٍ. تسمّرت لبرهةٍ، إنها لا تعرف لماذا يعتذر منها،
حتى سمعته يستطرد: -يمكن دي مش الظروف المثالية لجوازك زي ما كنتي بتحلمي زي كل بنت. أنا عارف إن الوضع غريب عليكي. وإنك مش مرتاحة ولسه مصدومة وحزينة بوفاة والدك. لكن أنا بوعدك يا رحمة.. هاعمل كل حاجة في استطاعتي عشان تكوني مبسوطة ومرتاحة في حياتك معايا. رمشت بعينيها وقد نجح بالتواصل معها بالعين الآن، نظر في عمق عينيها مباشرةً وهو يكمل بصوتٍ خفيض جاهلًا مدى إثارته:
-إنتي بقيتي مراتي. حمايتك ورعايتك واجب عليا. صحيح أخدتك من سكات. منغير فرح ولا حتى فستان.. بس أنا عارف إزاي أعوضك عن كل ده. وها تشوفي بعينك إللي هاعمله عشانك! أسرته لمعة عينيها الواسعتين، بؤبؤيها الأسودان، انفراجة شفتيها الأشبه بحبتي كرز، واستدارة وجهها المثالية، كم يغريه اختبار ملمس بشرتها الناعمة النضرة، لكنه يمارس على نفسه أشد أنواع ضبط النفس حتى لا تزيد رهبتها منه.
ثم وكأنه قرأ أفكارها بالفعل، رأى الخوف واضحًا في نظرتها، فقال على الفور بصوتٍ أجش: -ماتخافيش يا رحمة.. أنا مش هلمسك. ولا هقرب منك إلا برضاكي. ووقت ما تكوني جاهزة. هاتاخدي وقتك كله صدقيني.. ومش هاضغط عليكي أبدًا! وأبعد يده عن وجهها تمامًا في هذه اللحظة. لا لا لا.. لا تبتعد، لا تريده أن يبتعد، تريده أن يلمسها مرةً أخرى. أيّ تناقض هذا!؟ ضغطت “رحمة” فمها في خطٍ مضطرب، بينما يتنهد “يحيى” بعمقٍ قائلًا:
-انتي طبعًا عارفة إني متجوز زي ما والدك أكيد بلّغك قبل كتب الكتاب!! كسا الوجوم وجهها وهي تنظر إليه بذات الصمت، ليتابع وهو يحك طرف ذقنه عرضيًا:
-أنا متجوز ومخلّف. عندي ولد وبنت عايشين مع مامتهم في بيت العيلة. في قصر البحيري. أنا طبعًا كان نفسي أخدك تعيشي معايا هناك. لكن ظروفي ماتسمحش للأسف. وانتِ عرفتي من أول لحظة إن جوازنا ده محدش هايعرف بيه غيري أنا وانتِ ووالدك الله يرحمه. كان هو كل عيلتك بس خلاص ربنا استرد أمانته. فبقيت أنا دلوقتي كل عيلتك يا رحمة. أعتقد مش مهم عندك حد غيري.. ولا إيه؟
لم تستطع الرد على سؤاله الأخير، واستشف هو كم هي مضطربة، فلم يضغط عليها، قام فجأةً فتبعته قائمة غريزيًا، بينما يقول بصوتٍ أجش:
-أنا لازم أمشي دلوقتي. زي ما قلت لك اعتبري المكان ده بتاعك. كل حاجة تحت تصرفك و براحتك تمامًا. كمان هاتلاقي جوا في أوضة النوم كل حاجة ممكن تحتاجيها. الدولاب مليان هدوم عشانك أنا اخترتها بنفسي حتة حتة. ومعاكي رقم تليفوني في المكتب والبيت لو احتاجتي أي حاجة كلميني. وانتِ عارفة لو حد غيري رد عليكي هاتقولي إيه مش كده؟ لم تعبأ بكل ما قاله، فقط سألته وقد اختفت الألوان من وجهها الجميل: -انت هاتمشي؟
رقت نظرته بلحظة، وتمتم برفقٍ: -عايزاني أقعد؟ أجفلت من سؤاله وكالعادة عقد لسانها، فابتسم بنعومةٍ وقال يطمئنها: -ماتقلقيش. راجع لك تاني.. هاروح أسوي أموري في المكتب والبيت. واللّيلة دي هكون هنا معاكي. أكيد مش هاسيبك لوحدك اليومين دول بالذات.. عايزة حاجة مني قبل ما أمشي؟ هزت رأسها ببطء، فمنحها ابتسامة أخيرة، ثم قال وهو يستدير مولّيًا تجاه باب الشقة: -أوكي. أشوفك بالليل! وغادر تاركًا إياها وحدها.. وحدها تمامًا.
_لاحقًا اكتشفت “شمس” بأن المكان الذي يحتجزها به “رامز” هو في الحقيقة شقة مستأجرة، أخذها بشكلٍ عاجل لينفرد بها، وقد نجح وكان على وشك تنفيذ خطته الجهنمية، كان عازمًا وبإصرارٍ على كسر شوكتها، كان سيخضعها إليه للأبد باعتدائه المشين عليه. ولكن ذكرت اسمه.. “عثمان البحيري”… تقول إنها أخته نصف الشقيقة!!! كيف؟ كيف بحق الله!!؟
كانت حالتها مزرية، وهي تجلس الآن خارج غرفة النوم، بغرفة المعيشة، تشد حولها سترته الجلدية التي قدمها إليها لتستر عريها بعد أن مزّق ملابسها كلها، كتفاها لا يكفّان عن الارتعاش، تفلت من عينيها دمعات من حينٍ لآخر، شعرها بحالة من الفوضى، فمها متورم بفعل قبلاته الوحشية، أنفها محمر من أثر نوبة البكاء التي انخرطت بها لحظة تركه إياها، وهي التي ظنت بأنه سوف يدمرها اليوم حيث لا رادع له ولا حتى هي.
انتفضت بعنفٍ عندما شعرت بيده تلامس جانب رأسها، وتزحزحت في الأريكة بعيدًا عنه، بينما لم يحرّك ساكنًا للحظات، كان يمسك في يده كأسًا من العصير، ينتظر إلى جوارها بصبرٍ، كان لا يزال عاري الجذع لا يرتدي سوى سرواله الجينز. تنهد وهو يمرر أصابع يده الأخرى في شعره الغزير، ثم يقول أخيرًا بصوتٍ هادئ:
-شمس.. مش هاينفع كده. لازم نتكلم.. خلاص. قلت لك آسف. ولو إني مش آسف مية في المية. أنا لسا غضبان عليكي. ولسه جوايا رغبة قوية أكسرك وأنتقم منك على كل إللي عملتيه فيا طول الـ 3 سنين إللي فاتوا.. بس أنا ماسك نفسي دلوقتي. عشان حاجات كتير.. ومحتاج أتكلم معاكي وأفهم! ردت “شمس” والتعب يطغى على نبرات صوتها: -رامز من فضلك. أنا عايزة أمشي.. لو في قلبك ذرة شفقة مش هقول حب ليا. مشّيني من هنا.
وتأوّهت فجأة حين شعرت بقبضته القاسية تمتد لتأسر معصمها، بينما يقول من بين أسنانه بغضبٍ: -أنا مش بحبك؟ فعلًا!؟ طيب إيه إللي خلاكي تهربي مني؟ لو واثقة إني مش بحبك أكيد كنتي هاتعرفي إن وجودك زي عدمه. اختفيتي ليه السنين إللي فاتت؟ رررددددي!؟؟؟ كانت عيناها تعكسان الخوف العميق الذي ما زالت تشعر به من جراء لحظات الاعتداء الذي كان يمارسه عليها، أغضبته نظرتها الجبانة أكثر وصاح بها:
-ماتبصليش كده. انتي السبب في إللي وصلنا له. أي حاجة حصلت إنهاردة واللي كانت هاتحصل انتي سببها! وتخطى عدم اكتراثه المزعوم بسبب هجرها له، فشدد قبضته حول معصمها أكثر وهو يغمغم بشراسةٍ: -أنا عايز أعرف انتي ليه سبتيني؟ عايز اسمعها منك. ليه؟ أنا حبيتك. أنا كنت هاتحوزك يا شمس قوليلي لــيـه؟ -عشان مامـا!!! جمّده صراخها الذي تضمن ذلك الجواب الغريب. في البداية لم يفهم، جيدًا، فسألها وقد اختفت قبضته التي أمسكت بها:
-مش فاهم.. مالها أمك!؟ تنهمر دموع جديدة فوق خديها وهي تفرك معصمها حيث كان يمسك بها بقوة، ثم تقول بأسى طفولي: -ماما مش بتحبك. ماما مش عايزاني أكون معاك.. هي إللي أجبرتني أمشي وأسيبك. خيّرتني بينها وبينك. فهمت أنا سيبتك ليه!!؟ وانخرطت من جديد في بكاءٍ مرير، لتصدمه هو إجاباتها على أسئلته، الأسئلة التي قضى أيام وأشهر وسنوات يطرحها على نفسه دون أن يجد ردود!!!
إذن.. تلك السيدة الرقيقة والهادئة هي من فرّقت بينه وبين حبيبته!؟ وهو الذي كان معجبًا بامرأة مثلها، تولت تربية فتاة صغيرة وحدها دون زوج يعينها، هل كانت تخدعه بوجهها البريء وابتسامتها الأفعوانية!؟ أمها.. أمها هي التي عذّبته… هي من فعلت كل ذلك. كز “رامز” على أسنانه بغضبٍ لم يسبق أن اجتاح مشاعره، وأقسم بداخله، تلك المرأة، سوف تدفع الثمن غاليًا.
_عليه أن يعترف، لقد نسي بالفعل كل مظاهر المعاناة معها منذ سنواتٍ طويلة، نساها إلى درجة لم يتخيل أن تعود أيامهما الصعبة من جديد. لكنها عادت الآن!! أفاق “عثمان البحيري” من نومه بعد ليلة قضاها بالمشفى في غرفة مجاورة لغرفة زوجته، لقد سرح أمه والأطفال ليلة أمس مصممًا على البقاء معها وحده.
وكان تعبًا إلى حد استغرق في النوم لحظة وضع رأسه فوق الوسادة، ولحسن الحظ كانت غافية هي الأخرى، عندما مر عليها في ساعةٍ مبكرة من الصباح، قبل أن يفعل أي شيء، أراد أن يراها عن قرب ويطمئن عليها بنفسه، كانت حبيبته مثلما يعرفها جيدًا. يقاوم إغراء لمسها وتقبيلها كما اعتاد أن يفعل كل يومٍ، يغادر مسرعًا حتى لا يوقظها فتراه وتصاب بصدمةٍ أخرى طبقًا لتحذيرات طبيبها المعالج.
ورغم كل الأزمات التي انهالت على حياته مؤخرًا، لم ينسى الحدث الجلل الذي تلقاه البارحة، لقد أعاد أمه والأولاد إلى البيت بنفسه حتى يلتقي من جديد بالفتاة التي تدّعي بنوّتها لـ”يحيى البحيري”.. والده. لكنه لم يجدها، لقد اختفت ببساطة، لكنها تركت معه بطاقتها الشخصية، ها هو يمسكها في يده متجهًا بسيارته إلى مكتب المحامي الشهير، وبئر أسرار أبيه. -عثمان. قولّي أنا مدين بإيه للزيارة الغالية دي. نوّرت مكتبي يابن الغالي!
ابتسم “عثمان” لسماع الترحيب الحار من فم المحامي العجوز، وتقدم ليصافحه إذ كان يجلس وراء مكتبه الضخم كالذئب الأشيب. -انت إللي منور الدنيا كلها يا سميح باشا. حقيقي. ربنا يديك الصحة. ابتسم المدعو “سميح” داعيًا إياه للجلوس: -اتفضل أقعد يا عثمان. تشرب إيه؟ جلس “عثمان” في كرسي قبالته وهو يقول بجدية: -ولا أي حاجة. أنا جاي لك في مسألة مستعجلة! قطب “سميح” وسأله باهتمامٍ: -خير. قول يا عثمان!؟
-أنا طالب من حضرتك تكشف لي عن البطاقة دي. وكمان عايز أتأكد لو الشخصية دي ليها أي علاقة بأبويا أو بعيلة البحيري كلها ولا لأ. لم يبدُ على المحامي أنه تفاجأ، حتى وهو ينظر مليًا بصورة البطاقة الشخصية، ثم يرفع نظراته ليلاقي نظرات “عثمان” المتحفزة، ثم يقول ببساطةٍ:
-منغير ما تتعب نفسك يا عثمان. أنا قلت لأبوك إن اليوم ده جاي جاي ماسمعش كلامي.. أيوة. البنت دي بنت يحيى فعلًا. شمس يحيى صالح البحيري.. تبقى اختك من أبوك. وأنا كنت شاهد على القصة من أولها!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!