الفصل 12 | من 17 فصل

رواية وما ادراك بالعشق الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مريم محمد غريب

المشاهدات
22
كلمة
5,733
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

قبل ثماني وعشرين عامًا … لا تزال الخصومة قائمة بينهما، رغم إنه قضى معها بضعة أيام بعد محاولة انتحارها غرقًا. حاول خلالها إرضائها بشتى الطرق والتعويض عليها قسوته وإساءته في حقها، وجرح مشاعرها الذي لا يُغتفر. أضطر أن يعود إلى منزله في الأخير، لكنه لم يستطع البقاء دون أن يفكر بها! لم يهدأ باله لحظة واحدة، لم يمر يومان إلا وقد اعتزم العودة إليها، والحجة التي سوف يخرج بها حاضرة في ذهنه بالفعل، ينتظر اللحظة المناسبة فحسب…

أوشكت ساعة عودة زوجها من العمل، وقد تأخرت حقًا عن موعدها لزيارة منزل آل “الألفي” في محاولة أخيرة منها للسعي من أجل الصلح بين شقيق زوجها وزوجته، صديقتها المقربة “رضوى الألفي”. إنها تعتبرها أختًا لها كما يرى “رفعت” كذلك أيضًا.

كانت تتجهز بغرفتها الآن، تضبط حمرة فمها المتقنة. الباب موارب، بينما يمر “رفعت” مصادفةً لتلمحها عيناه ويتوقف رغمًا عنه مأخوذًا بسحرها الذي لا ينضب عليه. بقى بمكانه بلا حراك، يستند إلى باب الغرفة دون إحداث أي جلبة… حتى انتهت واستدارت ممسكة بحقيبة يدها الصغيرة تأهبًا للرحيل. جمدت للحظة حين رأت “رفعت” بالجوار، ولكن سرعان ما ابتسمت له بجاذبيتها المعهودة هاتفة:

-أنا قلت كده برضه. قلت أكيد رضوى مش هاتهون عليك وهاتجي معايا نجيبها سوا. أنا خلاص جهزت يا رفعت! نظر “رفعت” صوبها مقطبًا وقال بانزعاج واضح: -أنا مش جاي معاكي عند رضوى يا فريال. مش هقدر أمنعك تروحي لها لو انتي حابة ده. لكن لازم أقولك إنك بتتعبي نفسك على الفاضي. قراري نهائي. أنا ورضوى هنتطلق.

عبست بشدة ولوهلة عجزت عن الرد عليه لشدة غضبها من كلماته، لكنها تجاوزت مشاعرها السلبية وخرجت منها نهدة عميقة. تركت حقيبتها من يدها ومضت إلى الخارج تجاهه. تبعها “رفعت” بنظراته حتى وهي تتخطاه قائلة بحزم لا يخلو من الرقة: -تعالى ورايا يا رفعت! بدون أن يسأل أو يفهم بكلمة، سار خلفها وصولًا للأسفل. اصطحبته إلى التراث الرئيسي ذي الإطلالة المتميزة على واجهتي القصر والحديقة الممتدة أمامهما غناء وساحرة.

طلبت “فريال” القهوة لكليهما.. ثم ابتدأت حديثًا جادًا مع شقيق زوجها العنيد… -بص يا رفعت.. أنا من أول ما دخلت البيت ده لاقيت فيه أخ وأخت. انت ورضوى بالنسبة لي اخواتي. ويعز عليا إن أخويا يزعل أختي. خصوصًا لو هي كمان بتحبه وماتقدرش تزعله.. انت بتظلم رضوى معاك وفوق ظلمك ليها بتظلم صالح وهالة. رد “رفعت” بصوت أجش بعد أن سحق سيجارته الثالثة:

-من فضلك يا فريال سيبي أسطوانة صالح وهالة دي على جنب. ولادي أنا عارف مصلحتهم كويس. وبالعكس إنفصالي أنا وأمهم هايكون مفيد ليهم أكتر مننا احنا الاتنين. على الأقل مش هايعيشوا مشاحنات أكتر من كده بين أبوهم وأمهم وانت شوفتي بنفسك. رضوى مابقتش في حالتها الطبيعية مؤخرًا. لو القصة دي مانتهتش الولاد هايكرهوها صدقيني من اهمالها وعصبيتها. -ومين السبب في الإهمال والعصبية يا رفعت؟

انت ليه مش عايز تصدق إنك أهم شخص في حياة رضوى. رضوى بتحبك يا رفعت. بتحبك جدًا. دي وقفت قصاد أهلها عشانك كل ما كانوا بيعرفوا من برا عن علاقاتك بالستات ويحاولوا يردوا كرامتها بأي طريقة كانت بتيجي في صفك انت. قول لي هاتلاقي واحدة تحبك كده إزاي؟! تأفف بضيق شديد وقال: -هي بتحبني.. بس أنا مابحبهاش.. عمري ما حبيتها يا فريال!! رفعت حاجبيها مرددة بذهول: -مش معقول.. انت بتهزر صح؟ إزاي مش بتحبها يعني؟ أومال بتحب مين!!؟

-“بحبك انتي! ” .. قالها في نفسه وهو ينظر مباشرة إلى سعة عينيها الملونتين. صمت لبرهة قصيرة.. ثم قال بعد تردد: -انت اتجوزت رضوى جواز تقليدي جدًا. يحيى جه في يوم قال لابويا أنا عايز اتجوز. كان ساعتها لسا عيل صغير يدوب 19 سنة. وأنا الأخ الكبير اللي تم 25 سنة ولسه عازب رغم إلحاح الكل عليا من قبل كده بكتير. بس ولا حد كان يعرف الحقيقة. أنا كنت ناوي أتجوز طبعًا. بس كنت مستنيها! فريال بفضول: هي مين دي؟

ابتسم “رفعت” بمرارة وهو يشملها بنظراته المتحسرة، يصرخ من أعماقه بأنها هي، منشودته، حبيبته الأبدية، لكنها لم تفهم نظراته، كما لم تسمع مناجاته المعذبة بداخله، بينما يتنهد ناقرًا بأنامله فوق ذراع الكرسي المصنوع من خشب الجص:

-حبيبتي.. البنت الوحيدة اللي حبيتها وسكنت قلبي من أول نظرة. أرق مخلوقة شوفتها في حياتي. الأجمل والأفضل. أنا لحد دلوقتي مش شايف غيرها. أوعي تفكري إن طول عمري كنت بتاع ستات زي ما بيتقال عني. أنا ماحصلش كده غير لما اتأكدت إن عمرها ما هاتكون ليا. ضمّت “فريال” حاجبيها في تأثر لسماع كلماته، وقد أدركت بأنه لن يفصح لها عن هوية معشوقته التي حُرم منها، وكابد نتيجة ذلك عذابًا شديدًا لم يطاله وحده… -طيب ليه يا رفعت؟

.. تساءلت بلهجة أكثر تعاطفًا: لما انت كنت بتحب.. استنيت ليه على حبك؟ سبت اللي بتحبها ليه؟ ابتسم بسخرية قائلاً:

-أنا ماسبتهاش.. أنا مالحقتش حتى أقولها. كانت لسه بنت صغيرة وكنت مستني لما تكبر شوية بس عشان أفاتح أبويا وأروح أتقدم لها. لكن جه غيري وسبق. اتخطبت وعرفت إنها بتحب خطيبها حتى من قبل الارتباط. فـ قطعت الأمل نهائي واستسلمت لضغط أمي عليا في موضوع الجواز. عرضت عليا بنات كتير من عائلات المعارف والأصدقاء. اخترت رضوى من بينهم وتم الجواز في أقل من شهرين. جواز عادي. ماتبناش على حب ولا أي مشاعر. أكيد صعب يكمل يا فريال… زي حبّي تمام.. صعب!!

اللمعت عيناها مصحوبة بحديثه الذي لا يرمز لشيء إلا الحزن العميق. حزنت بدروها وهي بالكاد تعرف الآن بمعاناة شقيق زوجها ومنذ زمن، كان يعاني حبًا مستحيلًا ولا أحد يدري به. المسكين… -صعب أوي يا رفعت! تمتمت بأسى حقيقي: صعب تتحرم من حد بتحبه. بس رغم كل اللي حكيته دي مش مبررات لتصرفاتك. رضوى ذنبها إيه؟ ارتعد بمكانه مغمغمًا بتعاسة: -وأنا ذنبي إيه؟

صدقيني حاولت أتقبل حياتي معاها. مقدرتش. أنا مش بحبها. أنا بحب إنسانة واحدة مش ممكن أحب غيرها. مش قادر. طول ما أنا محروم منها مش هاعرف أكون إنسان طبيعي يا فريال. لا مع رضوى ولا مع غيرها. أنا هفضل طول عمري كده. عاجبها تفضل معايا على الوضع ده أهلًا وسهلًا. مش عاجبها يبقى مافيش في إيدي حل غير الطلاق!!

أرادت أن تجادله حول قراراته المتعسفة بحق أسرته، لكنها لمحت من بعيد مرور زوجها عبر الباحة متجهًا داخل المنزل. ها قد عاد من العمل أخيرًا… ضجّ قلبها بسعادة أسرّتها في نفسها أمام “رفعت”. اعتذرت منه مسرعة بينما لا تحيد بناظريها عن زوجها: -طيب يا رفعت احنا هانكمل كلامنا بعدين. بس آخر حاجة هاقولها لك دلوقتي أنا مش راضية عن قراراتك. ولو ليا غلاوة عندك هاتسمع كلامي وترجع رضوى وبنفسك هاتروح تجيبها. عن إذنك!

وقامت على الفور لتلحق بزوجها المسرع جدًا… -يحيى! بالكاد سمعها بينما كان يجتاز الردهة العلوية ماضيًا إلى جناحه الخاص. توقف بمنتصف الطريق وأدار جسده قليلًا ناظرًا إليها. عبس في البادئ عندما رآها ترتدي ثوبًا أنيقًا من قماش الستان السماوي، ضيق يبرز تفاصيل جسمها، بأكمام طويلة ومفتوح من أعلى الساق. لقد نهاها في إحدى المرات أن ترتدي مثل تلك الألبسة، وربما كان ليضايقها هذه المرة ويبدي انزعاجه، ولكنها فرصته الآن…

وصلت إليه مستقبلة إياه بابتسامة حلوة وهي تقول: -حمدلله على السلامة.. أنا مش مصدقة إنك جاي بدري إنهاردة! رمقها بنظرة واجمة ولم يرد، فتلاشت ابتسامتها في ثوان وذهلت حين رأته يلتفت مستأنفًا طريقه متجاهلًا وجودها برمته. انقبض قلبها بجزع من ردة فعله غير المتوقعة، وتبعته في الحال وصولًا إلى غرفة النوم. أغلقت الباب من خلفها والتفتت نحوه. كان يخلع سترته ويحل ربطة عنقه، بينما تلتفت ناحيته قائلة:

-يحيى.. أنا كنت بكلمك على فكرة. إزاي تسيبني وماتردش عليا!؟ لم يرد عليها هذه المرة أيضًا، فجن جنونها وهي تجذ الخطى صوبه هاتفة: -يحيى انت سامعني؟ أنا بكلمك!! وأمسكت بكتفه الصلب تحاول مواجهته، لكنه واجهها برغبته. استدار إليها بتباطؤ، وجهه الوسيم تبدو عليه علائم الغضب الآن، ولا تعرف ما مشكلته بالضبط… -انت مابتردش عليا ليه؟ .. سألته بعتاب بين، وأردفت وهي تلامس جانب وجهه بكفها: مالك يا حبيبي.. فيك حاجة؟

إيه اللي حصل يا يحيى كلمني!! -كنتي فين يا هانم؟ أجفلت للهجته الحادة وتفاجأت بسؤاله. لم يتسنّ لها الرد على الفور، فاستطرد بنفس الأسلوب: -خرجتي روحتي فين بالمنظر ده؟؟ رمشت بعينيها عدة مرات وهي تقول: -ماخرجتش خالص إنهاردة. كنت هاخرج آه مع رفعت انت عارف إن رضوى مشيت وكنت عايزة أصالحهم. بس هو مارضيش يروح! ثم تساءلت بتعجب: وبعدين ماله منظري يا يحيى!؟ كست حمرة دامغة محياه وهو يقول بغلظة:

-أنا قلت لك الهدوم دي ماتظهريش بيها قصاد أي حد. قلت ولا ماقولتش!!؟ أجفلت مرة أخرى وهي تجاوبه باضطراب: -قلت يا يحيى. بس.. الفستان ده مش مكشوف. أنا اشتريته وأنا معاك انت مش فاكر؟ ضحك قائلاً باستهجان: -والله أنا لما شوفته كنت فكرك بتشتريه عشان أنا بس اللي أشوفه. مش اللي يسوى واللي يسواش يشوف اللي أنا شخصيًا مش بشوفه!!! قطبت بشدة وقالت وقد أثارت كلماته حفيظتها: -إيه اللي بتقوله ده؟

انت أول مرة تتكلم معايا بالأسلوب ده أصلًا!! يحيى بنفاذ صبر: -مش يمكن عشان زهقت؟ عشان مابتحسيش؟ أنا ساكت. ساكت. ساكـت.. وانتِ بتزيدي فيها بس. وضعي معاكي بيبقى أصعب بمرور الوقت. خلاص صبري نفد!! كانت تستمع إليه مشدوهة، تنظر إلى الأجيج بعينيه الرماديتين وهي تقول مفغرة فاها: -إيه اللي حصل لكل ده يا يحيى؟ احنا كنا كويسين. خرجت ورجعت كده. ليه؟ ليه بتقول كده وأنا عمري ما زعلتك ولا جرحتك بكلمة. انت دلوقتي بتجرحني! هز رأسه

وهو يرد في إثرها بجمود: -ده الظاهر ليكي عشان أنا اللي دائمًا بحاول أرضيكي. انتي بتعملي عشاني إيه يا فريال؟ شايفة كلامي بيجرحك أوي؟ انتي جرحتيني كام مرة وانتي ولا حاسة؟؟ تحرك بؤبؤيها في نشاط مع عقلها الذي يعمل الآن بلا هوادة محللًا اتهاماته. لم تهتدي لرد يؤكد أي منها، فعاودت النظر إليه متمتمة: -انت حبيبي. عمرك ما تهون عليا. انت بتظلمني دلوقتي.

ساد الصمت بينهما للحظات طويلة.. والتوتر يتصاعد بينما تنتظر رده كارهة مآل الحدث الكارثي النادر الذي وقع بينهما فجأة… خطا “يحيى” نحوها الخطوة الفاصلة بينهما، اقترب كثيرًا حتى شعرت بأنفاسه، واقشعرّت من نظرته التي اخترقتها من بين أهدابه المسبلة بينما يقول بصوت خافت: -طيب.. مش هاظلمك. اثبتيلي إنك بتحبيني بجد زي ما بتقولي. فريال بدموع: انت كمان بتشكك في حبي ليك؟ عشان إيه كل ده يا يحيى؟ إيه اللي حصل فجأة!!؟

لم يجاوبها بالكلام، إنما دنا برأسه بلا مقدمات آخذًا شفتيها في قبلة جائعة اخترقت معاييرها الخاصة التي أقامتها بينهما منذ مدة طويلة، فضلًا عن شعورها بيديه تتحسسها من فوق القماش الناعم لثوبها، حتى وصلت إحداهما لأكثر الأماكن المحظورة عليه. ما إن أحست براحة يده تضغط على توأميها، لم تتحمل ذلك. رفعت يدها وأزاحت يده بعيدًا عن صدرها تمامًا وهي تنسلخ من قبلته بصعوبة… -يحيى! .. نطقت اسمه من بين أنفاسها.

ألقت برأسها للخلف لتتمكن التحدث إليه بصرامة لا تخلو من العصبية: -انت عارف إني حساسة. فهمتك قبل كده مابحبش اللمس في الأماكن دي. أنا مارضعتش ولادي بسبب كده. مابستحملش!!! قال “يحيى” من بين لهاثه الخشن: -بس عادي تبقي مهووسة بالموضة واللبس اللي يظهر تفاصيل جسمك للناس. عادي تستحملي نظراتهم. اللي مش عادي لمستي أنا. نظرتي أنا. صح؟ أغرورقت عيناها بدموع العجز وهي تنظر إليه فقط لا تقدر على الرد. ليتركها فجأة قائلاً بهدوء مقتضب:

-انتي عمرك ما حبتيني يا فريال. لو مفكرة إن ده حب يبقى بتخدعي نفسك طول الوقت. وللأسف كنتي بتخدعيني! هزت رأسها للجانبين محاولة العثور على أي كلمة تنفي بها ادعاءاته. إنها تحبه، تحبه كثيرًا ربما أكثر من روحها، ولكن الأمر معقد. لا تريده أن يسأل، تخجل من ذكره، لا يمكنها القول، لا يمكنها أن تبوح له هو بالذات… -انتي طالق!! حملقت فيه بصدمة كبيرة الآن.. هل قال ذلك حقًا!؟ هل طلّقها للتو!!!! -انت قلت إيـه؟

.. استوضحته بصوت جريح بينما تجري الدموع على خديه. رمقها بنظرة قاسية ولم يزيد حرف آخر. استدار ملتقطًا سترته متأهبًا للرحيل، فإذا بها تعترض طريقه من فورها هاتفة: -يحيى.. انت.. انت طلقتني بجد؟ إزاااي.. إزاي نطقتها.. إزاي هونت عليك ببساطة كده!!!؟ يحيى بحزم: اوعي من قدامي يا فريال! هزت رأسها بقوة منتحبة بحرارة الآن: -لأ.. مش هاتخرج من هنا. لو خرجت من هنا مش هانرجع زي الأول تاني. لو خرجت في حاجة وحشة هاتحصل!!

ابتسم هازئًا: أوحش من الطلاق؟ ماظنش. أوعي من قدامي!! رفضت الإنصياع له واقتربت منه تريد أن تحط بيدها فوق صدره، لكنه أمسك معصمها قبل أن تلمسه وأبعدها عن طريقه بقساوة لم تألفها منه مطلقًا. تأوهت عندما اصطدمت بالجدار، ولكن الدفعة لم تؤلمها بقدر ما آلمها قلبها في هذه اللحظة وهي تراه يهجرها فعلًا… ركضت وراءه صارخة بكل ما فيها من قهر: -يـحيـــى.. ارجع عشان خاطري.. ماتسبنيش.. يــحيـــــــى … ولكن لا حياة لمن تنادي.

مضى في طريقه صامًا أذنيه عن ندائها وبكائها الذي يذيب الحجر، والتقى بأخيه بمنتصف الطريق. توقف قبالته للحظات. الأخير ينظر للأعلى نحو صراخ “فريال” المتواصل، ثم ينظر لشقيقه شذرًا وهو يقول: -دي أخرتها صح. ده اللي كان ناقص تعمله في مراتك وام ولادك اللي المفروض كمان بتحبها. وعشان مين؟ بنت السواق! وابتسم له باتنقاص مستطردًا: -رايح لها مش كده؟

روح. انت ماكنتش محتاج تبهدل مراتك كده عشان تعرف تخلع. ما شاء الله عليك موهوب في الكدب والتمثيل. يزم “يحيى” شفتيه مسددًا إلى أخيه نظرة محتقنة، ولا يكلف نفسه عناء الرد عليه، يتجاوزه باللحظة التالية مغادرًا دون أن يلقي خلفه نظرة واحدة…

يتنهد “رفعت” بثقل ولا يزال يسمع بكاء “فريال” من مكانه. يرتقي بقية الدرج باسرع، إلى أن أفضت خطواته إليها أخيرًا، إذ رآها تجثو على قدميها أمام غرفة نومها، منهارة، مرتجفة، لا تكف عيناها عن ذرف الدموع. انفطر قلبه لرؤيتها هكذا، فأسرع ناحيتها صائحًا: -فريـال.. إيه اللي مقعدك كده. قومي.. قومي معايا!

وانحنى ممسكًا بكتفيها، شدّها بسهولة لتقوم على قدميها. عبس بشدة وهو ينظر في وجهها الذي كان مشرقًا منذ قليل، الآن هو مجرد نافذة تطل على مشاعر الألم والخذلان… ارتجفت بشدة بين يديه وهي تقول بصعوبة: -يحيى.. يحيى طلّقني يا رفعت!! بدت الصدمة عليه لوهلة، قبل أن تمزقه مشاعر الفرحة بالخبر الذي طالما تمناه، وفي نفس الوقت مشاعر الأسف عليها وعلى الحالة التي ألمت بها الآن. كزّ على أسنانه وقال محاولًا تهدئتها:

-طيب إهدي. كل حاجة هاتبقى كويسة. أكيد هايرجع. هايعرف غلطته. بس إهدي انتي من فضلك. بدت وكأنها لم تسمعه، فقط مضت تردد عبر نشيجها: -ولادي.. عثمان.. صافي.. ولادي… جاوبها “رفعت” بصلابة لا تخفي قلقه عليها: -مالك يا فريال. فوقي كده وامسكي نفسك. ما انتي عارفة إن الولاد كلهم مسافرين من امبارح. بينا وبينهم 7 ساعات سفر!

ازداد تشنجها بين يديه، مما ضاعف خوفه عليها، الخوف الذي استحال إلى فزع خلال لحظات حين تداعت فاقدة وعيها. كانت لتسقط لولا أن ضمها إليه بشدة، ثم حملها على ذراعيه وهو يلج بها إلى غرفة نومها. وضعها بالفراش مناديًا إياها: -فريال.. فريال…

لم يحصل منها على أي رد، فلم يضيع ثانية أخرى. رفع سماعة الهاتف القريب وطلب رقم طبيب العائلة. حضر المذكور في أقل من عشرين دقيقة. فحص “فريال” أمام عينيّ “رفعت” المرتابتين. ما إن رآه يجمع أدواته الطبية حتى عالجه بالسؤال: -مالها فريال يا دكتور طارق طمنّي!؟ التفت الطبيب الأربعيني نحوه قائلًا ببشاشة:

-اطمن يا رفعت بيه. فريال هانم هاتبقى كويسة جدًا. مافيش أي حاجة عضوية زي ما شوفت الأمر كله نفسي. اللي حصلها ده زي انهيار عصبي عشان كده فقدت الوعي. أنا إدتها مهدئ قوي شوية هايخليها تنام بعمق لمدة 8 ساعات متواصلة فترة النوم الطبيعي يعني. بس ضروري لما تصحى تشوفوا إيه اللي ضايقها وتعالجوه. أو انصحكوا بزيارة استشاري نفسية وعصبية هايكون أفضل طبعًا. زفر “رفعت” بارتياح مغمضًا عينيه. نظر إلى الطبيب قائلًا بامتنان:

-متشكر يا دكتور. وآسف على الإزعاج. -لا أبدًا مافيش أي إزعاج. أهم حاجة سلامة الهانم. لو احتاجتوني هاكون موجود في أي وقت. وسلامي ليحيى بيه أرجوك! وغادر الطبيب.

ليعود “رفعت” عند “فريال” بعد أن أوصل الأخير للأسفل. أغلق باب الغرفة من خلفه واستدار ماضيًا ناحيتها وئيدًا، حتى انتهى به المطاف جالسًا أمامها على طرف السرير، يتأمل فيها، نائمة مثل ملاك، جميلة ونقية، لعله لا يناسبها كما كان يظن، ولا حتى أخيه الذي خانها وغدرها من وراء ظهرها. فهل يحبها حقًا؟ من منهما حبه الأقوى من الآخر؟ من الأسوأ؟ كلاهما سيئان. ولكن من كانت لتختار لو عرفت مقدار حبه لها!؟

هذا السؤال طرحه على نفسه مرارًا ولم يجد إجابته. لا يعلم لماذا يلح عليه كثيرًا الآن. في جميع الأحوال سيظل بلا جواب… -مش حاجة غريبة أوي دي! .. تمتم “رفعت” مخاطبًا إياها. يرتاح في هذا الوضع الذي يمكنه من التحدث إليها والبوح بمكنون صدره دون خوف أو حاجز أخلاقي يمنعه. ابتسم بأسى مستطردًا:

-لسه بحبك زي الأول. ويمكن أكتر. رغم إنك خلاص رحتي مني. متخيّلة احساسي بيبقى إزاي كل ما بشوفك معاه. عمرك ما هاتقدري تستوعبي المشاعر اللي حستها يوم جوازك منه. لما حملتي منه. ولما خلّفتي له مرتين. أنا قادر أفهم إنك بتحبيه. ده اللي خلاني أبعد من البداية. لكن هو… وصمت لهنيهة، يشعر بالغضب يسري بشرايينه، بينما يتابع من بين أسنانه:

-هو ماحبكيش. خانك. تصدقي دي. يحيى اتجوز عليكي يا فريال. وعارفة مين. بنت السواق. حتة بت ولا تسوى. قدر يحطها في مكانتك ويخليها تشيل اسمه زيك. يساويها بيكي انتي. بتقولي طلقك. وماتعرفيش إنه فيلم عشان يسيبك ويروح لها. أد كده خدت عقله لدرجة يعمل معاكي كل ده. يا ترى لو عرفتي هاتفضلي تحبيه؟ هاتقبلي تكملي معاه؟ حرّكه الغضب ليدنو منها أكثر ممسكًا وجهها بين قبضته، يردد بخفوت مقابل بشرتها الدافئة:

-انتي ماتستهليش كده. هو مايستهالكش. كان لازم تكوني معايا أنا. آه لو كنتي معايا. آه لو كنتي ليا!

ثم فجأة غزت الفكرة رأسه، وكأنها وحي من الشيطان. بل هو شيطانه زيّن له الأمر. إنها فرصته. فرصته الوحيدة ها هي أمامه. لا أحد ليشهد، لا هي نفسها، ولا أخيه، حتى “رضوى” والأبناء كلهم، ليسوا هناما من وقت ليفكر في صحة أو خطأ ما سيقدم عليه. ما من وقت ليفكر مرتين. سيفعلها لأنه سيموت إن لم يفعل. سيفعلها انتقامًا منها ومن أخيه. وعلى كل هي ليست في عصمته الآن. صحيح؟ في جميع الأحوال، هو لا يرى أمامه الآن سوى حبيبته، عشقه المستحيل…

ترقد بلا حول ولا قوة، صدرها يرتفع وينخفض في تناغم مع معدل تنفسها المنتظم. فخذاها ممدودان أمامه مع ساق واحدة عارية، والساق الأخرى مباعدة مما جعل عقله يترنح! لعله يقاوم شيطانيته كلها الآن. وهو يتفرس فيها مراقبًا التماع العرق.. أو الدموع ليس متأكدًا عبر عنقها الناعم ومفرق صدرها. اللون الوردي يغطي وجنتيها. إنها مثالية. وهو ليس قديسًا. إنه… ذئب!!!

وهذا ما برهن عنه بالحرف الآن وهو يقوم ليزيح سترته عن كتفيه. ثم يحل أزرار قميصه ويدنو من جديد صوبها غير قادر على ردع نفسه أكثر. قبّلها فمها بجشع كبير، يتذوق اللحظات الثمينة لاغيًا عقله على الأخير، بينما يحلق فوق جسدها بيده غازيًا ومقتحمًا بجرأة وخسة ممتلكات تعود لغيره.

وخلال ثوان كانت أمامه كما كان يتمناها. لا عازل بينهما. سروالها الداخلي في قبضته ممزق فقط. لا يعلم ماذا سيفعل في هذا الخطأ الفادح، ولكن حتمًا سيجد له حلًا ما إن ينتهي… -كان نفسي تكوني صاحية! .. دمدم “رفعت” بثمالة وهو يُموضع نفسه ساقيها. يمسد خدها براحة يده مضيقًا وهو يكاد لا يصدق ما يحدث: -كان نفسي تحسي بيا. أنا بحبك. أنا مجنون بيكي. بحبك يا فريال. بحبك…

ثم وكأنها أسطوانة مشروخة، مضى يردد الكلمة وهو يطأ عرضها بالفعل، عرض أخيه، محققًا انتقامه، وأمنيته في آن واحد. يجتاحها، يسحقها أسفله بجنون وكأن ليس هناك غدًا، وكأن هذا آخر شيء سيقوم به أبدًا. تنفسه العنيف يزداد ثقلًا، بالكاد يتنفس وهو يأخذ منها ما يستطيع. إنه مغيب، إنه مفتون للغاية، لا قيمة للوقت ما دام معها أخيرًا. وهكذا قضى وطره بها، ضاجعها بلا هوادة وحقق أمنيته الغالية ووصمها الليلة بصك رجولته… فماذا حدث الآن؟

بعد أن هدأت جوارحه وفترت شهوته إليها!؟ أهو سعيد؟ إنه يبكي فعليًا الآن. هل زعم بأنه لن يندم على فعلته قبل ساعة سالفة؟ إنه نادم. بل يعض أصابعه ندمًا وحسرة أشد من حسرته في بعدها عنه. لقد نالها كما أراد، ماذا حدث غير أنه دمرها. ليست وحدها، العائلة كلها ستنهار إذا ما اكتشف أحد ما حدث هنا الليلة. الجميع. وهو السبب. هو لا غيره…

تساقطت الدموع من عينيه وهو ينهض منظفًا الفوضى التي صنعها. ارتدى ملابسه وأعاد “فريال” على هيئتها السابقة. أتم كل شيء بيدين مرتعشتين. لقد فقدت يده الثقة التي تعامل بها خلال لحظاته المخزية. لم يعد كما كان. الليلة فقد في نفسه جزء لن يعود أبدًا، مهما حاول العثور عليه أو استعادته.

التقط سروالها الداخلي الذي مزقه ودسه في جيب سترته. رتب لها شعرها المشعث وعدل الوسائد أسفل رأسها. ثم ألقى نظرة أخيرة ليتأكد بأن ما من دليل يشير ولو من بعيد إلى ارتكابه ذلك الإثم والعار الكبير الذي سيحمله على عاتقه إلى قبره. عاد كل شيء كما كان، إلا هو و”فريال”. هذا ما لن تعلمه أبدًا. لم يجرؤ على النظر إليها مرة أخرى. استدار مغادرًا الغرفة بسرعة… *** يا له من كابوس.

بل كوابيس مروعة خضعت لها قسريًا. وساوس وشياطين تمثلت في أشخاص تعرفها. أحدهما جاء في صورة “رفعت”. كيف تعاطى عقلها مع أفكار بشعة مثل تلك؟ والأبشع إنها تخاف. كما لو إنه حدث بالفعل!!! -يحيى! .. صرخت “فريال” وهي تفيق أخيرًا متخلصة من بقايا الكابوس المرعب. تشعر بذراعي زوجها تحيطان بها وبصوته يطمئنها في الحال: -أنا هنا. أنا هنا يا حبيبتي. ما تخافيش أنا جنبك. ما تخافيش…

فتحت “فريال” جفنيها المتثاقلين على وسعهما لتحدق بوجه “يحيى” المطل عليها. رأته يجلس بجوارها على سريرهما، يبتسم لها ببساطة وفي عينيه نظرة اعتذار. رمقته بلوم شديد ونبتت الدموع من عينيها مجددًا إلى حد فقدت السيطرة وأجهشت في البكاء فورًا. ضمه إلى صدرها متمتمًا بندم واضح:

-ما تعيطيش. دموعك دي غالية عليا. ومش هاسمح نفسي على اللي عملته أبدًا. مش عارف أصلًا إزاي قدرت أنطقها. أنا مقدرش أسيبك يا فريال. مقدرش أبعد عنك مهما حصل. انتي روحي. أنا رديتك. انتي مراتي وأم ولادي وفوق منهم حبيبتي. أنا آسف! جزء منها استكان لعودتها إلى عصمته، لكنها ابتعدت عنه قليلًا لتتمكن من النظر إليه. أحاطت وجهه بكفيها مغمغمة من بين دموعها:

-أنا اللي آسفة يا يحيى. أنا عارفة إني تعبتك معايا. عارفة إني مش طبيعية. بس أوعدك إني هاتغير عشانك. مابقتش هامنعك من أي حاجة ولا هاحط شروط بينا. أنا آسفة يا حبيبي سامحني! هز رأسه قائلًا: -أنا مش عايزك تتغيري. انتي زي الفل وطبيعية زي ما انتي. أنا بحبك زي ما انتي. أنا اللي آسف. انتي اللي تسامحيني أنا غلطان في حقك. وطبع قبلة على جبينها، ثم وجنتيها وشفتيها، مسح لها دموعها بيده، وقال والقلق لا يزال يخفق في صوته ونظراته:

-أنا كنت هموت من الخوف عليكي. لما رفعت كلمني بعد ما سيبتك حوالي ساعتين وقال لي إنك وقعتي وجاب لك دكتور طارق. رجعت علطول وفضلت قاعد هنا جنبك ماتحركتش لحد دلوقتي. ذكرها قليلًا ببعض لمحات مما تذكر من الليلة الماضية. نظرت له بريبة متسائلة: -وانت لما خرجت روحت فين؟ أجاب في الحال:

-رجعت المكتب أخلص شوية شغل متعلق وقلت هقضي الليلة على اليخت وهابقى أرجع تاني يوم لما أهدى. بس ما لحقتش أروح. رفعت كلمني قبل ما أنزل من المكتب وبلّغني باللي حصل. فـ رجعت على البيت فورًا. أومأت له مرة، ازدردت ريقها بصعوبة وقالت بشحوب وكأن الفكرة محتملة فعلاً: -أصلي.. أصلي شفت كابوس وحش أوي. حسيت إنه حقيقي! قطب بتأثر وسألها: -طيب احكيلي يا حبيبتي. احكي عشان تطمني… سحبت نفسًا مرتعشًا ثم قالت بلهجة مختلجة:

-سمعت حد بيقول لي إنك اتجوزت عليا!! ترقبت ردة فعله الآن، فلم ترى سوى الصدمة. والآن الاستنكار الذي تبعه ضحك ساخر وهو يرد عليها: -حد قال لك إني اتجوزت عليكي؟ فعلًا؟ دي تبقى نكتة بايخة جدًا لو اتقالت في الواقع. كويس إنك سمعتيها في كابوس يا حبيبتي. معقول أنا اتجوز عليكي انتي!؟

وقهقه عاليًا، لتنفرج أساريرها أخيرًا وقد بدد مزاجه المرح سوداوية صباحها. تصالحا أخيرًا، وعادت الأمور إلى نصابها. تركته لينال قسطًا من الراحة بعد أن سهر إلى جوارها الليل بطوله. قامت من السرير وهي تشعر بضعف عام وآلام متفرقة بأنحاء جسمها. لم تلقي بالًا بادئ الأمر، حتى ولجت إلى الحمام الملحق بجناحها. شعرت بحاجة ماسة للاستحمام، ونزعت ثوبها الذي نامت فيه منذ ليلة أمس. ولكن شيئًا ما استوقفها. أين هو سروالها الداخلي!!!؟

إنها ليست من نوع النساء اللاتي يرتحن لخلع سرواليهن أسفل الملابس والأثواب عادةً، ولا تذكر إنها خلعته في وقت سلف. فأين هو إذن؟ *** الوقت الحاضر… ينفتح جفنيّ “فريال” على وسعهما مرة واحدة، وينطلق من فمها هتاف هستيري مصدوم: -بنت السواق.. رفـعـت!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...