قبل ثماني وعشرين عاماً ... تلك الليلة العصيبة ليس لديه أدنى فكرة كيف مرت عليها، بعد أن أذاقها ويلات القهر والإذلال، وقد نجح في هذا بجدارة، مدفوعاً بحميته وغضبه من جرأتها بالخروج من المنزل دون علمه، ومن ثم المجيء إلى مكان تتواجد به زوجته أم ولديه، لقد خاطرت بكشف كل شيء بالفعل، ولوهلة شعر بأنه أسرته وزواجه صار على المحك.
لم يرى أمامه، إنها مجرد فتاة صغيرة وبلا خبرة، وهو رجل ناضج، لم يسمع صوت ضميره الذي ظل كامناً بنقطة ما بداخله يحثه على التراجع عن جرمه بحقها، كان مثل بركان انفجر ليدمر بحممه كل ما يعترض طريقه، ولقد دمرها بالفعل.
لا يستطيع نسيان حالتها أثناء مغادرتهما للفندق بنهاية الليلة، تعبيرها الواجم، سيرها الآلي بجواره وهو يخرج بها خلسة من بوابة بعيدة عن الأنظار، لم يتبادلا كلمة واحدة خلال الطريق إلى البيت، بقيت صامتة وهادئة جداً وهي تجلس في سيارته حيث أرادها بالقرب منه، حتى وصلا ولاحظ تقدمها عليه فور أن اصطف السيارة أمام البناية الراقية، حيث فتحت لنفسها الباب قبل أن يترجل هو من كرسي القيادة، ورآها وهو يغلق السيارة قد سبقته بالفعل نحو
المصعد، عندما وصل عندها كانت مطرقة الرأس تتحاشى النظر إليه، فتخطى ذلك وفتح لها الباب لتتقدمه داخل المصعد، وهو ما فعلته فوراً قبل أن تمتد يده ليلمسها، أوصلها أخيراً عند الشقة، وما إن صارت بالداخل وأطمئن لهذا حتى أوصد عليها الباب من الخارج مرة أخرى، لم يجرؤ على الدخول معها.. ليس الليلة على الأقل.
وخلال نزوله عرج على الحارس، أيقظه غير مبالٍ بتأخر الوقت... -انت منين يا حامد؟ -أني من طنطا يا بيه. -يعني مش من هنا ولا ليك سكن غير الأوضة دي صح؟ جاوبه الحارس مرتاباً: -إيوة يا بيه.. كان حدانا قيراط في البلد بيعته عشان أجي هنا بمراتي وعيالي ندوروا على لقمة عيش. أومأ "يحيى" قائلاً بهدوء لا يخفي الغضب بعمق نظراته:
-عارف القصة دي. وماعنديش مشكلة معاك من يوم ما سكنت هنا يا حامد. لكن شكلك انت إللي لسا ماتعرفنيش لدرجة إنك خالفت توصياتي واتصرفت من دماغك إنهاردة مع مدام رحمة!! اتسعت عينا الحارس وهو يقول: -جنابك تقصد عشان طفشت قفل الباب بتاع شقة حضرتك؟ أني ماعملتش كده إلا لما الهانم كلمتني وطلبت بنفسها. افتكرت سعاتك إللي آ... أخرسه "يحيى" بإشارة من يده، ثم أنذره بكلمات شديدة اللهجة:
-وفر كلامك. مافيش كلام بعد كلامي يا حامد وأوامري كانت واضحة. أي حاجة تحصل مع مدام رحمة تبلغني بيها فوراً. إللي حصل إنهاردة لو اتكرر تاني مش بس هاكتفي بقطع عيشك من العمارة. انت مش هاتلاقي شغل في الإسكندرية كلها. إن كنت بواب أو غيره.. فاهمني؟ هز الأخير رأسه طائعاً وهو يقول باضطراب واضح: -فاهم يا بيه فاهم.. أني خدامك وتحت أمرك.
غادر "يحيى" هذه الليلة وهو يشعر بالضغط على أعصابه يتفاقم أكثر، لحسن حظه كانت "فريال" تغط في النوم فعلاً، فلم يتكبّد عناء اختلاق المزيد من الأكاذيب عليها، بالكاد تمكن من النوم بجوارها سويعات يتخللها القلق والأرق... نفذ صبره كله في الصباح، وقد تخلف عن الذهاب إلى عمله متذرعاً بضرورة سفره لمتابعة بعض الأعمال الطارئة عن كثب، جهزت له زوجته حقيبة صغيرة تكفيه لعدة أيام، كما أوضح لها، وانطلق عائداً إليها فور حلول المغيب.
كانت السماء ملبدة بالغيوم الكثيفة، والبرودة تزحف على الأجواء الرطبة منذرة بنوّة وشيكة، ولج "يحيى" إلى الشقة متجولاً بناظريه يبحث عنها بتلهف، لا أثر لها في الصالة والجوار من حوله، فأيقن بأنها في غرفة النوم بالتأكيد.
وجدها هناك فعلاً، ممدة فوق الفراش في ثوبها القطني الشفاف، اقترب صوبها وعيناه تمسحانها من رأسها لأخمص قدميها، أنيقة وجميلة حتى وهي مستنزفة ومرهقة كما يراها الآن، جلس على بجوارها على طرف السرير، لم يستطع تحجيم لوعته بها خاصة وهو يرى وجهها الشاحب كالموتى وانفراجة فمها التي تنم عن تعب حقيقي.
مد يديه ممسكاً برسغيها أولاً، أحدهما ملقى بجوار رأسها، تحسس جبينها بكفه تالياً، حرارتها طبيعية، تنفس الصعداء عندما إلتمس دفئها، ومسح على شعرها برفق، أيقظتها ملاطفته لها وإحساسها بلمسة يده التي تحفظها عن ظهر قلب، لكنها ظنته حلماً أو كابوساً آخر ضمن سلسلة الكوابيس التي تقض مضجعها منذ ليلة الأمس، رغم إن هذا أكثر حسية، باعدت بين أجفانها المتثاقلين لتتأكد...
ارتعدت فرائصها حين فتحت عينيها ورأته بالفعل، وجهه مقابل وجهها مباشرة، وتكاد تشعر بأنفاسه، على الفور شدت يدها من قبضته وحاولت بقوتها الضئيلة جداً إبعاده عنها، فلم يستبقيها رغمها، ارتدت بجسمه للوراء متمتمًا: -إهدي ماتخافيش.. ده أنا! والكارثة إنها تعرف بأنه هو!!!
رؤيته في الصحو الآن لم تسبب لها إلا مزيداً من الهلع، وكما فعلت البارحة عانقت نفسها أمامه بقصد مداراة عريها عن عينيه، ألمه أن يرى كل هذا الخوف بنظراتها، وبالأكثر النفور منه هو بعد أن كانت لا تنظر إليه إلا بكل إعجاب وتوق... -رحمة!
وكأن صوته هو ما كانت بحاجة إليه لتأذن لدموعها بالظهور، انفلتت منها الشهقات عوض البكاء الذي كانت تكتمه وهي تنظر إليه وكأنه وحش مفترس يتربص بها، خوفها منه لم يجعلها تلاحظ اصفرار وجهه والهالات الداكنة المحيطة بعينيه، لم ترى بأنه كان يعاني مثلها تماماً... -رحمة أرجوكي احنا لازم نتكلم! .. ردد "يحيى" بوهن واضح. أخذت ترتعش وهي تحدق فيه بكراهية خالصة وغمغمت:
-ابعد عني.. اوعى تلمسني.. امشي.. امشي أنا مش عايزة أشوفك تاني.. امشي! تجاهل كلماتها وكذا صراخها المكتوم وهو يمد يده مجتذباً إياها بالقوة لتستقر بأحضانه، ما زالت تقاومه بكل ما أوتيت من قوة، لكنه يرفض إفلاتها ويشدد ذراعيه من حولها أكثر وهو يقول بلهجة معذبة:
-أرجوكي.. إهدي.. أقسم لك إللي حصل ليلة إمبارح عمره ما هايتكرر تاني. أنا آسف. أنا آسف جداً مش عارف إزاي عملت فيكي كده.. أنا مانمتش طول الليل يا رحمة. من أول ما سيبتك وصورتك مش بتفارقني!! ابتلعت الورم في حلقها وهي تستمع إليه عاجزة عن إيقاف مدامعها، بينما تشعر بنعومة قميصه أسفل خدها وتشتم رائحته المألوفة، بالأمس كانت مغرمة به حتى أذنيها، فماذا عن اليوم؟ كيف تشعر تجاهه الآن؟ لا تستطيع أن تحدد!!! -ممكن نقعد ونتكلم شوية؟
.. خاطبها بلطف. أبعدها قليلاً دون أن يتركها، حاول النظر بعينيها، لكنها أشاحت عنه بتصميم، فأردف بلهجة مقررة: -قومي إلبسي.. هانخرج. نظرت له الآن، ولوهلة ظنت أنها سمعت ذلك بالخطأ، لكنه أكد لها وقد عادت نظرته الملائكية لعينيه بمسحة حزينة: -أنا هاطلع برا أعمل تليفون وهاستناكي عشر دقايق تكوني جهزتي.. سامعاني؟ عشر دقايق. وإلا هاتضطريني أدخل أجهزك بنفسي!
كان تحذيره جاداً وواضحاً بما فيه الكفاية، لم تجرؤ على تجاوزه هذه المرة وقد اختبرت منه أمور لم تتخيل بأنها ممكنة حتى بأبشع كوابيسها، ما إن تركها حتى تحاملت على نفسها وقامت لتتجهز كما أمرها، كانت تعلم بأن الطقس بارد اليوم لم يخدعها دفء المنزل، فاختارت من الخزانة التي اشتراها لأجلها ثوباً من الجلد الأسود الثمين، فوقه معطف قصير من درجات الأزرق الداكن، بالكاد مشطت شعرها كيفما اتفق وانتعلت حذاء لامع برقبة عالية، وها هي صارت جاهزة.
خرجت أمامه الآن، كان يقف بمنتصف الصالة مولياً لها ظهره، حتى شعر بوجودها، إلتفت ناحيتها وشملها بنظرة متفحصة، ثم استقرت عيناه على وجهها، ليعبس متسائلاً: -انتي مأكلتيش حاجة إنهاردة؟ وشك بهتان!! لم ترد عليه، فتنهد بعمق وقال: -عموماً أنا عامل حسابي.. هانتعشى برا. والمكان إللي هانروحله هايعجبك أوي.. يلا تعالي! ومد لها يده في دعوة صريحة… لكنها أعرضت عن عرضه ومضت متجاوزة إياه صوب باب الشقة.
سكن "يحيى" بمكانه للحظات يهز رأسه بيأس، وقد عرف أن عودة الأمور إلى نصابها بينهما سوف تستغرق وقتًا وجهدًا أكبر مما يظن! لم تتخيل أن يكون الطقس باردًا إلى هذا الحد، إلا حين صدمتها النسائم القارسة فور بلوغها بوابة البناية معه. يفترض أن تشعرها الملابس الثقيلة بالدفء الكافي، لكن قلة الغذاء أضعفتها كثيرًا وهي تعلم ذلك. كم مر عليها بدون أن تضع لقمة بفمها. في الواقع أكثر من أربع وعشرين ساعة!!
استغرق الطريق وهي تجلس هذه المرة بجواره في السيارة كأنه سنوات. قضت الوقت كله مسندة رأسها إلى النافذة المغلقة، تتأمل في المارة والأحياء الراقية التي ربما تراها للمرة الأولى بسبب تحديد أبيها الراحل لإقامتها منذ نعومة أظافرها. ربما كانت لتبتهج بالجولة العابرة، لكن في وضعها هذا لم يبدو عليها سوى اللا مبالاة الآن، وهي تمضي معه وليس لديها أي فكرة إلى أين هما ذاهبان.
بعد بضعة دقائق، أوقف السيارة بمرفأ كبير، وتمكنت "رحمة" من رؤية البحر قريبًا جدًا منها… -وصلنا! تسلل صوته الهادئ إلى مسامعها، ثم سمعته ينزل من السيارة أولًا. رأته خلال لحظات أمامها من جهة أخرى، فتح لها باب السيارة ومد يده لها مرة ثانية، وكما فعلت تمامًا أول مرة تجاهلت دعوته وترجلت وحدها بحذر من أن يتماسا ولو عرضيًا. سمعته يتنهد ثم يقول بينما رأسها لا يزال مطرق:
-بقالي فترة كنت عايز أجيبك هنا. بس الظروف مكانتش بتسمح لأسباب مختلفة.. بصي كده.. أنا متأكد إنك ماطلعتيش على يخت قبل كده! كانت لتقول له إنها لم تركب البحر مطلقًا، لكنها أبقت على صمتها. فقط رفعت رأسها لتنظر إلى أسطول من القوارب ذات الأشرعة، ولكن هناك قارب يصطف بمقدمة المرسى هو أكثر ما لفت نظرها من كبر حجمه وتميزه عن غيره بالحداثة والفخامة الواضحة للعيان…
-تعالي يلا.. بيقولوا أول مرة في أي حاجة مش بتتنسي.. وأنا عايز أكون مرتبط بالذكرى دي في عقلك للأبد. وفوجئت بيده تقبض على رسغها، كان حازمًا ولطيفًا في آن وهو يسحبها معه نحو رصيف المرسى. ساعدها على العدو حتى اعتلت ظهر القارب. قام بحل عقدة الحبل الضخم الواصلة بين الرصيف واليخت الراسي، ثم قفز برشاقة متبعًا زوجته…
أجلسها بمقصورة الاستقبال، بينما يتجه نحو قمرة القيادة بالأعلى. شعرت بالهلع عندما هدر المحرك وتماوج القارب مقلعًا من الميناء. أخذت تحدق متسعة العينين في الرصيف الذي يبتعد عن مرمى بصرها شيئًا فشيء، حتى اختفى تمامًا، فلم يبقى حولها سوى البحر والظلام الدامس، ظلام لا يضيئه إلا ضوء القمر الشحيح وكشافات اليخت الموزعة بإتقان. توقف اليخت فجأة، وعاد "يحيى" بعد ثوانٍ ماثلًا أمامها وهو يقول بهدوء:
-قومي معايا يلا.. الجو برد عليكي هنا. لم ينتظر أن تستجيب لكلمته، أمسك بيدها وشدها برفق لتقف. صدمته برودة بشرتها وتمتم: -انتي إيدك متلجة.. يبقى أنا كنت صح. مأكلتيش حاجة خالص إنهاردة!
هز رأسه متأسفًا عليها وعلى الحالة التي وصلت لها بفضله. أخذها على مهل إلى الطابق العلوي لليخت، حيث جناح كامل مجهز بقاعة صغيرة للجلوس وغرفة نوم ودورة مياه. بمجرد أن أزاح "يحيى" الباب المزدوج وتنحى داعيًا زوجته للدخول حتى لفحها دفء مغرٍ دفعها لتنزلق أكثر بالداخل. سمعته يغلق الباب من خلفه، بينما تتأمل بعينين ذابلتين النمط المترف لشيء آخر من ممتلكات "يحيى البحيري".. مثلها هي أيضًا.. هي إحدى ممتلكاته…
-أنا وصيت على عشا قبل ما نتحرك على هنا! استدارت سامحة لناظريها أن يستقرا على وجهه أخيرًا. ضايقها أن تراه وسيمًا كعهدها به، وكم أرادت أن تفقأ عينيها لكي لا يتسنى لها النظر إليه من جديد. لكنها لا تقدر. رغم كل ما فعله بها لا تزال متعلقة به، ولعل هذا التعلق المرضي ليس له إلا علاج واحد… سقطت عيناه الجميلتان على فمها وهو يقول:
-بصي يا رحمة.. أنا لغاية دلوقتي بحترم سكوتك.. مقدر حالتك. لكن لو ماطاوعتنيش بالذات على الأكل والشرب هاضطر استخدم معاكي أساليب خاصة.. ماظنش إنها هاتعجبك.. من فضلك أقعدي عشان نتعشا سوا! وأشار لها بذقنه تجاه طاولة العشاء. لا يمكنها إنكار خوفها من تهديده الصريح، خاصة عندما ذكرها بأساليبه الخاصة التي اختبرتها للمرة الأولى أمس. مجرد تصور أن تعيش تلك اللحظات مجددًا دفعها للإذعان له فقط اتقاءً لشرّه الخبيث.
زوجها ورجلها الأول، الأمير الوسيم في حكايتها الوردية. إنه خبيث بقدر ما هو لطيف، وقاسٍ جدًا إلى حد لم تألفه من قبل… جلست "رحمة" أمامه ناظرة للطعام المنمق بدون شهية. كان العشاء هو طبقه المفضل: سرطان البحر وحساء المحار. لقد جعلها تدمن ذوقه بالفعل، وليس في الطعام فقط، في كل شيء آخر يقوم به!! -باين لا آكلك بإيدي! .. قالها "يحيى" بفتور وهو يدفع بالملعقة إلى فمها.
عبست مشيحة بوجهها عن يده وألتقطت ملعقتها مسرعة قبل أن تتلقى ردة فعله التالية. بدأت تأكل على مضض، ولم يبدو عليها الاستمتاع بالصنف اللذيذ أو حتى استحسانه. بينما اكتفى "يحيى" بمراقبتها في البداية. والواقع إنه لم يمد إلى الطعام، بل قام متجهًا نحو البار الصغير واختار شرابًا بريئًا، لا يمكنه أن يثمل الليلة على أي حال ولو قليلًا. عاد إليها حاملًا كأسًا آخر من أجلها، عرضها عليها بتصميم، فأخذته وتجرعته كله رغمًا عنها فقط لترى مآل هذه التمثيلية الهزلية…
والآن فرغت من الطعام أيضًا. تطلعت إليه بشجاعة، وقد سئمت الهدوء وتعبت من الانتظار. فكان أول ما قالته منذ غادرا البيت هو: -ممكن أعرف انت جايبني هنا ليه؟ بدا الأمر كما لو أن صوتها عزز الدفء من حولهما تمامًا، لأنه زفر مرتاحًا لسماعها وقال مسترخيًا في مقعده ولا يزال يحتسي الشراب:
-قلت لك.. حبيت أفاجئك وأخليكي تقضي وقت حلو.. تعرفي اليخت ده كان آخر هدية ليا من أبويا الله يرحمه.. مافيش واحدة ست دخلته قبلك.. ولا حتى فريال مراتي.. انتي أول واحدة! أجفلت مرددة بعصبية: -أنا مش عايزة أسمع حكاياتك.. مابقتش تخصني.. انت عارف أنا عايزة إيه. مش هاتنازل عن قراري. حبست أنفاسها لحظة حين مد جسمه نحوها وأمسك ذقنها بيدها مجبرًا إياها على النظر إلى عينيه الحادتين:
-وأنا مش هاتنازل عنك يا رحمة.. رضيتي أو لأ. مهما حصل مش هاسيبك. هبّت واقفة فجأة وهي تصرخ بوجهه بنفاذ صبر: -مش من حقك تتحكم فيا بالشكل ده.. انت بهدلتني.. كرامتي بقت في الأرض بسببك.. أنا اضربت علق كتير من أبويا وكنت بقبل منه أي حاجة. لكن انت لأ. لما مديت إيدك عليا كانت دي أبشع حاجة حسيتها في حياتي كلها. واللّي عملته فيا بعد كده.. انت خلتني أتمنى الموت إمبارح في الثانية ألف مرة!!
كلماتها وانفعالاتها جعلت أحداث الليلة الماضية تتراءى له وأصوات صراخها الذي كتمه بيده يتردد بأذنيه. كان أمرًا بشع كما وصفته. حتى هو لم يحتمله أكثر ووثب واقفًا قبالتها وهو يقول بخضوع واضح: -أنا اعتذرت لك. ومستعد اعتذر لك لغاية ما تسامحيني.. احنا الاتنين غلطنا يا رحمة. ردت بدموع:
-بس غلطتك انت نهت كل حاجة بالنسبة لي.. أنا حتى ماصعبتش عليك وماعملتش حساب لأي حاجة ولا حتى لأبويا اللّي وصّاك عليا.. طلّقني انت أصلًا ماحبتنيش ولا هاتحبني. ماتظلمنيش معايا أكتر من كده أرجوك! شد فكّه بقوة وهو يقول بغضب: -قلت لك تشيلي الطلاق ده من راسك.. أنا مش هاطلقك يا رحمة. لسا مافهمتيش؟ أنا مش هاخرج من حياتك إلا بموتي! جاش اليأس من أعماقها وهي تحدق فيه مغمغمة بكلمات فاجأتها هي نفسها: -أو بموتي أنا!!
وقبل أن يعالج عقله ما قالته، باغتته وهي تقلب طاولة الطعام بينهما، لتنجح بإشغاله للحظة مكنتها من الفرار من أمامه تجاه باب المقصورة. كانت بلا معطفها الآن فصدمتها البرودة السحيقة بالخارج حيث الهواء الطلق. ومن بعيد رأت عاصفة تلوح بالأفق والسماء على استعداد لقصف رعدي وشيك.
بالرغم عن هذا لم يمنعها الخوف من المضي إلى فكرتها الانتحارية المجنونة. فاندفعت وقد أعمتها الرغبة بالهرب منه، خاصة عندما صدح صوته الهادر مناديًا إياها من الوراء. أسرعت بالركض نحو السور المعدني، ولم تفكر مرتين، حتى لم تنظر خلفها. اعتلت السياج وألقت بنفسها في مياه البحر الثائر…
وفجأة وجدت نفسها بلحظة واحدة أسفل سطح الماء. يكاد قلبها يتوقف من شدة البرودة وقد بدأت تشعر بالغرق فعلًا. المياه تملأ رئتيها ووعيها يتسرب منها أسرع من خفقات قلبها بينما تلتقط أذنيها عبر مسافة عميقة صوته الملتاع: -رحمــــــــــــــة.. رحمــــــــــــــــــة.. رحمـــــــــــــــــــــة…
ثم وكأنه كابوس ونجت منه، عندما فتحت عينيها مرة أخرى رأت وجهه الوسيم يطل عليها والذعر يجلله، بينما يضع قوته في كلتا قبضتيه وهو يضغط على صدرها مطبقًا ما تعلمه بإنعاش القلب الرئوي في الحالات الطارئة وقد أفاده. حقًا أفاده. سعلت "رحمة" بشدة وهي تشهق وتبصق عبر فمها كمية كبيرة من المياه، بينما يرتجف "يحيى" بقوة وقد تبين بأنه خلع سترته وقميصه والبلل يغمره كليًا. إذن فقد ألقى بنفسه خلفها. أنقذها!!! -انتي مجنونة!
.. هتف "يحيى" من بين أنفاسه وهو يساعدها لتطرد ما تبقى من الماء بجوفها. واستطرد وهو يكاد يفقد صوابه مما جعلته يعيشه قبل قليل: -انتي قلبك وقف بجد… سامعة إنتي متي ورجعتي تاني!! قام وحملها على الفور عائدًا بها إلى الداخل وهو يقول بصوت مختلج: -أنا عمري ما هاسامحك على إللي عملتيه فيا أبدًا...
وضعها بالفراش مدثرًا إياها بالأغطية، بينما أسنانها تصطك بقوة، كانت مغمضة العينين، تشعر برغبة لحوحة بفقدان الوعي وقد بدأت تستسلم لها فعلاً. لكنها شعرت به أولاً، ينضم إليها بالفراش، ذراعيه تحيطان بها، ثم سمعت صوته المرتعش يهمس لها بخشونة: -أنا بحبك.. بحبك! وظنت بالفعل أن ما سمعته مجرد هلاوس، أو لعلها أمنيتها تتهيأ لها تحت تأثير الحمى، هو بالتأكيد لم يقول لها ذلك.. لا لم يقول.. إنها تتمنى أن يقول!!! ***
الأحداث الجارية منذ وصولها بيت الزوجية المزعوم أعجزتها بادئ الأمر عن تبيّن كم هو ثري حقًا زوجها، إنه بالفعل قصر مهيب، كل حجر وقطعة أثاث فيه تنطق بالفخامة والارستقراطية، لا تصدق إنها قضت على حد قول الجميع ما يربو عن ثلاثة عشر عامًا هنا... هل يعقل؟ أين صغارها إذن؟
وشقيقتها "ملك".. إنها أكثر من تشتاق لرؤيتها.. تلك الرضيعة الصغيرة والتي كان آخر عهدها بها مرضها الشديد.. تذكر بأنها كادت تموت من الخوف عليها.. حتى والديها لم يخافا على الطفلة حديثة الولادة بنفس قدر خوف "سمر".. أين هي "ملك"؟؟ لم ترَ أحد هنا غير سيدة القصر "فريال" هانم كما يدعوها الجميع، زوجها وطاقم الخدم، والآن وصلت الوافدة الجديدة، ألقت عليها تحية مقتضبة وسارعت للأطمئنان على والدتها.
-مامي مالها يا عثمان إيه إللي حصل؟ .. هتفت "صفية" وهي تجلس بجوار أمها الغافية على الفراش الواسع. كانت عبارة عن نسخة مصغرة من أمها، جميلة بقدرها، وحتمًا أكثر جمالاً من أخيها الذي ورث ملامح العائلة حادة الوسامة. كان يقف عند مقدمة السرير، ينظر بصمت إلى أمه، حتى شعر بنظرات شقيقته تحملق فيه بانتظار إجابته، نظر لها الآن وقال واجمًا: -ماما حاولت تنتحر يا صفية.. كانت هاترمي نفسها من هنا ولحقها في آخر لحظة!
وأشار برأسه نحو الشرفة الموصدة بأقفال الآن، بينما تكتم "صفية" شهقة مرتعبة بكفها، ولم تستوعب بعد ما قاله، سألته بصدمة حقيقية: -مامي حاولت تنتحر؟ ليـه؟ ليــه يا عثمـان؟؟ زفر "عثمان" مطوّلاً وهو يفرك بين عينيه بتعب بيّن، ثم قال بصوت مكتوم:
-ليه دي عايزة نقعد وأشرح لك الموضوع كويس.. المهم دلوقتي أنا مش عايزك تتحركي من جنبها. الدكتور لسه ماشي من شوية وأداها مهدئ هايخليها تنام.. ضروري لما تصحى تكوني معاها يا صفية.. فريال هانم ماتبقاش لوحدها من اللحظة دي.. لحد ما تفوق وأقدر أقيّم حالتها بنفسي.. مفهوم؟ أومأت له طائعة، فلم يطل الوقوف ومضى خارجًا من الغرفة.
الآن سمح لنفسه بالتداعي، بعد أن استنزفت أمه كل قوته وأذاقته خوف لم يتصوره طيلة حياته، رمى بنفسه فوق أحد مقاعد صالون الردهة المجاورة لرواق الغرف، وضع رأسه بين يديه وكتفاه لا يكفان عن الارتعاش من حين لآخر. شعر فجأة بلمستها، تلك اللمسة التي يميزها جيدًا، أحاطت بيدها فوق كتفه، رفع رأسه متطلعًا لأعلى، وجدها حقًا، هي بنفسها.. حبيبته.. زوجته. -سمر! .. نطق اسمها بطريقة كما لو إنه ترياق لكل أحزانه.
كانت تقف أمامه والتردد يبدو عليها، لا تعلم إتباعها له صحيح أم خطأ، لكن ما دفعها للتواجد معه هنا في هذه اللحظة مبهمًا، كان شيء في أعماقها يحثها على ذلك، ولم تستطع معارضته. جحظت عيناها باللحظة التالية، عندما أحاط خصرها بذراعيه وشدها لتجلس على حضنه، ألقى برأسه على صدرها وضغطه بشدة ليستشعر دفئها، ليستنشق عبيرها الذي يعمل على تهدئته أكثر من أي دواء أو وصفة طبية.
لم تستطع "سمر" فعل أي شيء في المقابل، بقيت هادئة فقط، تسمح له بأن يأخذ منها فسحة صغيرة للتنفيس عن مشاعره السلبية التي رأته يعاني منها خلال الساعات القليلة الماضية، رغم إن ضغطه عليها كان موجعًا، لكنها لم تحاول صدّه أبدًا. لتسمع صوته الآن منبعثًا من أعماقه بهمس مغرٍ رغم نبرة التوسل فيه: -سمر.. خليكي معايا إنهاردة.. عشان خاطري ماتمشيش.. أنا محتاج لك أوي!!
رفرفت أجفانها بتوتر، وقد بدأت تندم على تلك الخطوة التي مشيتها تجاهه بقصد التهوين عليه، إنه الآن يبدو متطلبًا، هذا ما خشيت منه.. كيف تخرج نفسها من هذا المازق؟ -مامـا! النداء الجذل جعلها تنتفض بقوة بين ذراعي زوجها، لم يتركها "عثمان" فورًا، بينما أدارت رأسها لترى عصبة من الصغار كان ابنها الذي تعرفت إليه بالأمس بينهم، أنارت الابتسامة المتسعة وجهه البهي وهو يركض تجاه والديه هاتفًا:
-كنت خايف أجي وتكوني مشيتي.. وبعدين انتي إزاي بتحضني بابا كده.. أنا بس إللي احضنك! وبالفعل أمسك بيدي أبيه ليفك عناقهما، طاوعه "عثمان" بتباطؤ، لتقف "سمر" على قدميها ثانية، ويحل الصبي محل أبيه معانقًا خصر أمه، بينما لم تكن "سمر" تنظر لشيء الآن إلا لذات الشعر العسلي أمامها، فور أن رأتها عرفت بأنها هي.. هي شقيقتها "ملك" وكأنها معجزة. أخذت تطالعها بنظرات ذاهلة، وبادلتها الأخيرة النظر بابتسامة رقيقة وهي ترحب بها:
-سمر.. حمدلله على السلامة.. انتي وحشتينا أوي يا سمر! -ملك! .. رددت "سمر" اسمها دامعة العينين. كانت المشاعر على اختلافها تتكالب عليها الآن، وتشعر برغبة شديدة في البكاء، لولا اندفاع أصغر أفراد العائلة من المواجهة، انتبهت "سمر" لتلك الصغيرة التي ركضت من أمامها متوجهة نحو رواق جانبي وسرعان ما تلاشت تمامًا عن الأنظار.
عرفت فورًا بأنها "فريدة".. ابنتها الصغيرة.. لكنها لم تعرف لماذا تصرفت هكذا، لماذا فرّت منسحبة بهذه السرعة ودون أن تتعرفا أو حتى تكلمها!!! أحسّت "سمر" باقتراب زوجها منها، كان يقف خلفها مباشرة الآن، وسمعته يتمتم قرب أذنها: -فريدة متعلقة بيكي أكتر واحدة بعد يحيى.. ولو انتي سمر إللي كنتيها من أسبوع واحد كنتي هاتعرفي إني غيرانة.. ياريت ماتنسيش الكلام إللي قلتهولك.. انتي عارفة هاتتعاملي مع الولاد كلهم إزاي!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!