الفصل 4 | من 45 فصل

رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الرابع 4 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
46
كلمة
3,074
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

بعد مرور عدة أعوام استيقظت من نومها على صوت أخيها الذي تسلل إلى غرفتها صباحًا كي لا يعرف أحد ما يخططون له، فيقول بهمس: "سارة قومي بسرعة." رفعت جفنيها بصعوبة ونظرت إليه باستياء: "في إيه يا مصطفى؟ عايزة أنام." جذبت الغطاء عليها كي تعاود للنوم ولكنه منعها قائلًا وهو يجذبه من فوقها: "بقولك قومي، أنا جاتني فكرة بمليون جنيه لما تعرفيها هتقومي تبوسيني دلوقت." اعتدلت سارة وهي تزيح الغطاء من فوقها وتقول بااستياء:

"أفكارك كلها مش مقنعة، تمشي على بابا آه لكن ماما لأ." جلس على الفراش بجوارها: "لا دي حاجة تاني، محدش منهم هيشك في حاجة." "وأيه هي بقى؟ "شوفي يا ستي، الجامعة عاملة رحلة السخنة لمدة ثلاث أيام، هنا هنقولهم إننا عايزين نقدم فيها و... قاطعته سارة بسأم: "وأنت عارف كويس أنهم يرفضون أي رحلات إلا وهما معانا."

"بس دي بالأخص مش هيقولوا فيها حاجة لأنهم زي ما أنتي عارفة مشغولين الفترة دي بالصفقة اللي مخلياهم مش شايفنا أصلًا، وهنا هنخلي جدو هو اللي يقنعهم." شردت قليلًا في فكرته لكن القلق سيطر عليها لتقول برفض: "لأ، أنت عارف ماما بتبص في عنينا بتكشف كدبنا، نشوف غيرها أحسن." هز رأسه بنفي: "لأ مفيش غير الطريقة دي، لو موافقتيش أنا هروح لوحدي، قلتي أيه؟

لا تعرف لما يساورها القلق من تلك الفكرة، نعم تعد فكرة جيدة وخاصة تلك الفترة لانشغالهم بالعمل، لكن والدتهم إن علمت مخططهم لن يمر الأمر مرور الكرام. "ها ردي قلتي أيه؟ ردت بحيرة: "مش عارفة بصراحة، الفكرة آه كويسة بس لو عرفوا هتبقى مصيبة." تنهد بيأس منها وقال بغيظ: "أنتي هتفضلي جبانة كده لحد أمتى؟ أنتي مش نفسك تشوفي أهل بابا وتتعرفي عليهم؟ هزت رأسها بصمت ليتابع قائلًا:

"خلاص يبقى نروح، ولو عرفوا بعد كده عادي، ماما هتتعصب شوية وبابا هيعاقبنا يومين على كدبنا عليه وخلاص الموضوع هيعدي." سألته بتوجس: "تفتكر؟ نظر إلى ساعته وقال: "الساعة دلوقت سبعة، قومي غيري هدومك ونروح الجامعة ونيجي نقولهم على موضوع الرحلة وإن رفضوا نخلي جدو يقنعهم." ردت باستسلام وهي تنهض من فراشها: "خلاص نجرب، إحنا جربنا كتير مجتش على دي." دلفت المرحاض وهو توجه إلى غرفته كي يستعد للذهاب. *** في الصعيد

جلس عمران على طاولة الطعام بمساعدة جاسر حفيده وهو يقول بتعب: "ما خبرش ليه مُصر على إكده، كنت فطرت في الأوضة أحسن." تحدث جاسر بجدية: "وبعدها لك عاد يا جدي، ما قلت لك ما بعرفش للأكل طعم من غيرك." قالت جليلة بغيظ وهي تجلس على مقعدها: "هو وبس يا ولد جمال؟ ابتسم جاسر بحب لجدته وقال بمرح وهو يجلس بجوارها: "وأنتي القاعدة ما بتحلاش غير معاكي يا حاجة جليلة." دلفت وسيلة وهي تحمل باقي الطعام:

"ربنا يخليكم نعمة في حياتنا، أنتوا الخير والبركة." ولج جمال وخلفه توأمه حازم ومعتز: "السلام عليكم." رد الجميع سلامه ليقترب من أبويه يقبل أيديهم ويأخذ مكانه بجوار والده بهيبته التي لم تقل يومًا بل تزداد يومًا بعد يوم: "كيفك دلوقت يا بوي؟ رد عمران بحب: "زين يا ولدي الحمد لله." نظر حوله فشعر بغيابها ليسأل باهتمام: "أومال فينها الدكتورة؟ رد أحد التوأم بمزاح: "تلاقيها راحت تلحق نصيبها في الجثة قبل ما تتشرح."

ضحك التوأم على مزاحهم لتهز وسيلة رأسها بقلة حيلة ونظرت إلى جمال تجيبه: "مشيت من بدري ع الجامعة، مش خايبة زي جماعة." نظر حازم لجدته التي تأخذ صفه دائمًا وسألها ببراءة: "بذمتك يا ستي أني خايب؟ ردت جليلة بسعادة: "جمال ولدي ما يكنش ليه خايب واصل، الراجل ما يخلفش إلا راجل زييه." نظرت إلى جاسر وتابعت بفخر: "زينة الشباب الله يحرسه ويحميه، والدكتورة اللي مشرفانا وين ما تروح." تحدث معتز باشمئزاز عند ذكر ذلك اللقب:

"آه هي الدكتورة دي بالذات الواحد بيجرف يسلم عليها، دخلت في مرة أصحيها لقيتها نايمة وماسكة القلم في يد والتاني ماسكة جمجمة بتاعة قتيل." هزت وسيلة رأسها بيأس من مزاحهم الدائم وقالت لجمال: "با قولك إيه سكتهم يا إما ما هنخلصوش من وشهم." تحدث جمال بجدية: "بكفاكم عاد ويالا كملوا وكلكم عشان ما نتأخرش." وجه نظره إلى جاسر وتابع: "وأنت يا جاسر بعد ما تخلص وكل استناني في المكتب لجل ما نخلص موضوع المحصول اللي عاود ده."

رد جاسر بجدية: "حاضر يا بوي." سأله عمران بقلق: "بس ايه اللي خلاهم يعاودوا، إحنا بنتعامل معاهم من سنين وعمرهم ما شكوا من زرعنا." "هي مش شكوى يا بوي، هما بس اكتفوا بالمحصول اللي عندهم وأنت خابر زين إن فيه شركات تصدير تتمنى نتعاملوا وياهم يعني ما تقلقش من حاجة واصل." "أنا مش قلقان من حاجة يا ولدي، أنا خابر زين إن التراب في يدك يتحول دهب بس مستغرب من عملتهم دي." ربت جاسر على يد جده وقال بحكمة:

"عادي يا جدي كله هيتحل زي ما قال أبوي، وبعدين في شركة عايزة تتعاقد معانا بس أني كنت مأجل الموضوع شوية عشان ما نرجع في كلمتنا مع الشركة دي، ومادام هما اللي عملوا أكده نوافق على شركة الأنصاري." اندهش عمران من سماع ذلك الاسم وكأنه مر عليه من قبل ليردد في ذهنه حتى تذكره وقال لجمال: "الأنصاري ده من نجعنا بس همل البلد من سنين وعايش دلوقت في مصر." أكد جمال:

"بالضبط يا بوي بس سمعت أنه بيفكر يعاود البلد من تاني ويسيب الشغل لابنه." أردف جاسر: "هو حدثني من يومين وقلت له هاشور وأرد عليك، ها كلمه النهارده وابعت له المحصول." نظر عمران لحفيده الذي كلما كبر كلما أصبح صورة أخرى لمنصور ابنه لكن برجولة وشهامة جمال. "اللي تشوفه يا ولدي." انتهوا جميعًا من تناول إفطارهم ثم ذهب كل منهم إلى مهمته. *** جلس مصطفى بجوارها بعد انتهاء محاضرتهم فوجدها شاردة كعادتها فسألها بيأس منها:

"ممكن أفهم سبب واحد يخليكي قلقانة كده؟ تنهدت بحيرة: "خايفة، حاسة إن الموضوع مش سهل زي ما شايفين، إحنا هنروح الصعيد يعني 8 ساعات بالقطر لازم نفكر مرة واتنين وتلاتة." تحدث مصطفى بعناد وهو يحمل كتبه ويتركها: "والله بقى أنتي حرة أنا هسافر على أي وضع." منعته سارة من الذهاب وهي تقول بأمر: "استنى هنا." التفت إليها قائلًا باستياء: "خير."

فكرت قليلًا ولم تتوصل لرأي، ترغب بشدة في الذهاب إليهم، لكن لا تعلم لما يساورها الخوف من القادم، هل لأنها المرة الأولى التي تفعل شيء بدون علمهم، أم ماذا؟ فقررت في النهاية المجازفة ربما تنجح في فعلتهم ثم ردت باستسلام: "تعالى نعدي على جدو في الشركة نقنعه هو الأول." أومأ بسعادة: "يلا بينا." وقبل أن يتحرك أحدهما سمعوا صوتًا يناديهم: "سارة، مصطفى." تبدلت ملامح مصطفى للامتعاض عند رؤيتها لكن سارة رحبت بها

بشدة وهي تحتضنها قائلة: "ساندي أنتي فين بقالك فترة غايبة." أجابت ساندي التي تلتهم مصطفى بنظراتها: "كنت مع خالد في الغردقة ولسه راجعين إمبارح، المهم أنا عازماكم يوم الخميس على عيد ميلادي أوعى ما تجيش." تحدثت سارة بسعادة: "بجد؟ كل سنة وأنتي طيبة يا قلبي." نظرت ساندي إلى مصطفى وقالت: "وأنت يا مصطفى مش محتاج دعوة." أومأ برأسه دون النطق بشيء ثم وجه حديثه لسارة: "يلا يا سارة قبل جدو ما يمشي." اغتاظت من طريقته

مع صديقتها واعتذرت قائلة: "معلش هنضطر نستأذن دلوقت عشان رايحين لجدو، باي." ظلت ساندي تنظر في آثارهم وقالت بحقد: "مش عارفة يا خالد إيه اللي عاجبك فيها." "وأنت يا مصطفى صبرك عليا، إن ما خليتك تحفي ورايا ما بقاش أنا ساندي." *** في الشركة دلف الاثنين إلى مكتب جدهم الذي فور رؤيتهم نهض يستقبلهم بحفاوة: "إيه المفاجأة الحلوة دي؟ أكيد وراها حاجة." قبلت سارة وجنته بحب وهي تقول: "وأنت تعرف عننا كده؟ عيب يا جدو."

نظر إلى مصطفى وضيق عينيه قائلًا: "أنت بالذات ما تجيش الشركة إلا إذا كنت عايزني أقنع سمر ومنصور بحاجة." أيد مصطفى رأيه: "بالضبط كده، اقعد بقى واسمعني كويس عشان الموضوع مش سهل." قطب شريف جبينه وقال بقلق: "خير؟ اقعدوا الأول." جلسوا جميعًا ليبدأ مصطفى قائلًا: "شوف يا سيدي، الجامعة عاملة رحلة ثلاث أيام للسخنة وأنا وسارة عايزين نطلعها ومفيش غيرك هيقدر يقنع ماما بالموافقة." فمه بتفكير ثم تحدث بجدية:

"بس أنت عارف رأي مامتك في مواضيع الرحلات والسفر ده، ما أظنش إنها هتوافق." "بصراحة صعب أوي." عادت سارة تقبل وجنته وتقول بدلال: "هو حد بردوا يقدر يرفضلك طلب يا حبيبي؟ أجاب شريف بتأكيد: "آه أمك." تحدث مصطفى بجدية: "بجد يا جدو إحنا عايزين نطلعها ومفيش سبب يمنع، أنا مش صغير هتخاف عليا، الرحلة دي كل زمايلنا طالعين فيها."

فكر شريف قليلًا يحاول العثور على طريقة يقنع بها ابنته فهو يعلم جيدًا مدى خوفها عليهم فيتنهد باستسلام قائلًا: "خلاص يا سيدي أول ما نخلص الاجتماع هاكلمهم وأشوف هاقدر أقنعها ولا لأ." احتضنته سارة بسعادة بالغة وقالت: "ميرسي يا أحلى جدو." نهض مصطفى وهو يقول بفرحة: "خلاص نروح ونستعد ليها." رفع شريف يديه قائلًا: "أنا مش ضامن توافق ولا لأ." نهضت سارة بدورها وهي تقول بمرح: "هتوافق طبعًا هو أنت حد يقدر عليك."

"ماشي لما أشوف، روحوا أنتوا بقى عشان ألحق الاجتماع." *** في المساء تجمعوا في حديقة منزلهم يتسامرون كعادتهم بعد العشاء. لاحظ جمال عبوس زهرته منذ أن عادت من جامعتها ليسألها بحب: "مالك يا دكتورة من وقت ما رجعتي من الجامعة وأنتي مكدرة إكده، مش عادتك." قال معتز بمزاح لحازم: "تلاقيها ما عرفتش تشرح القتيل زين." ضحك الاثنان لتقول ليلى بغيظ: "أعجبك إكده يا بوي كل شوي يتمسخروا عليا؟ نظرة واحدة من جمال أخرست كلاهما

ليلتفت إليها مرة أخرى: "قولي بقى إيه اللي مزعلك." نظرت ليلى إلى جاسر بلوم وهي تقول: "ما أنت تخبر زين اللي رايداه." سألتها جليلة بجدية: "قولي يا بنتي اللي رايداه وأنا بنفسي اللي هاعمله." "لا." كلمة حازمة خرجت من فم جاسر لعلمه بما تريد، مما جعلها تزداد غيظًا منه، فتتحدث وسيلة بحكمة: "لو كان موضوع النجل فإحنا قفلنا الكلام فيه، إحنا خايفين عليكي." ردت بحيرة: "من إيه بس؟!

مـ أني ليا زمايل كتير في الجامعة هناك، محدش من أهلهم اعترض زييكم. تعب عمران من التحدث في ذلك الأمر ليسألها: إيه الفرق بين هنا وهناك يا دكتورة؟ أجابت بضيق: أولًا يا جدي، مع احترامي للجامعة أهنه، بس هناك أفضل بكتير بحكم المستشفيات الكتير هناك. وغير كمان إن الجثث اللي بنتدرب عليها بتبقى لساتها طازة بخيرها يعني، إنما الجثث أهنه بتبقى بقالها فترة في المشرحة. صدحت ضحكة التوأم في المكان مما زاد غيظها منه وقالت بحدة:

بتضحكوا على إيه؟ تحدث جاسر بلهجة حادة لا تقبل نقاش: مش هيحصل. ثم نظر لوالده الذي ظهر الامتعاض واضحًا عليه للتحدث والمعارضة أثناء وجوده ليقول باعتذار: أني آسف يا بوي، بس بيات بره البيت لا، وياريت تقدر خوفي عليها. لم يرد عليه جمال كي لا يحرجه أمام إخوته ونظر لابنته ليقول بهدوء: طيب اطلعي أنتي أوضتك دلوقت والصبح نتحدّثوا. ونظر إلى توأمه وأمرهم بالصعود خلفها.

ذهبت ليلى وهي تنظر إلى جاسر باستياء ليبادلها النظرات بأخرى متوعدة حتى دلفت للداخل. انتظر جمال حتى تأكد من ولوجهم ثم نظر لجاسر الذي أصبح يتحكم في كل ما يخصها وتحدث بحكمة: جاسر أنت أخوها الكبير وليك كلمة عليها، ما قلناش حاجة. بس ده ما يديكش الحق إنك تتحكم فيها وأني لساتني عايش. عقد جاسر حاجبيه بضيق من نفسه وقال باعتذار: أني آسف يا بوي، ما قصدش اللي فهمته، أني بس خايف عليها. أومأ برأسه قائلًا:

فاهم، بس يكون بيني وبينك، ما تحسسش أختك إنك ضدها. رد جاسر بسرعة: لا يا بوي، أنت خابر زين إني بحبها وأخاف عليها جد إيه، وهي بالأخص. وعشان أكده بخاف عليها من النسمة. تحدث عمران بتفاهم: خابرين يا ولدي وخابرين إن أنت كبيرهم، بس ده برضه ما يديكش الحق إنك تأمر واحنا موجودين. وبالنسبة لموضوع نقلها، لو فيه صالح ليها ما فيش مانع. استطاع جاسر بصعوبة بالغة السيطرة على أعصابه كي لا يغضب والده مرة أخرى وخاصة عندما قالت والدته:

لا أني ما أقدرش آمن على بنتي بعيد عني. رد جاسر بتأييد: عين العقل. نظر جمال إلى ولده الذي لن يتغير. وشعر جاسر باستياء والده مما جعله ينهض قائلًا: أني قايم أحسن. ذهب جاسر ليهز جمال رأسه بيأس منه وقال بحيرة: أني ما خبرش الواد ده طالع إكده لمين! انزعجت جليلة من تحملهم عليه وقالت بانزعاج: مالكم جايين على الواد أكده؟ هو راجل دمه حامي وخايف على أخته، مالكم بقى. رد جمال بتفاهم:

ما قلناش حاجة يا أماي، بس برضه كلمته تكون بعد كلمتنا. ردت وسيلة بضيق: بس أني معاه في اللي قاله، ما هقدرش أتحمل بعدها عني، دي بنتي الوحيدة. رد جمال بحكمة: بس احنا رايدين مصلحتها. ردت وسيلة بإصرار: برضه مش هقدر، وبعدين دي سنتها الأخيرة والسنة الجاية هتكون امتياز كيف ما بتقول، يبقى لازمتها إيه البهدلة كل شوية في الطريق. رد جمال بهدوء:

بس هي رايدة تكمل دراستها هناك وده فيه صالح ليها زي ما بتقول، وهي سنة هتخلصها وترجع طوالي. نهضت من مقعدها كي لا تجادل معه أكثر من ذلك وقالت بغيظ: خلاص، اللي يريحها اعمله، أني طالعة أوضتي. نظرت إلى جليلة وسألتها: عايزة حاجة يا مرات عمي؟ ردت جليلة بامتنان: ما عوزش منك غير كل خير يا غالية. لاحظ جمال انزعاجها فلم يستطع تركها على تلك الحالة وقام يستأذن والديه وذهب خلفها. ضحك عمران على فعلته لتسأله جليلة:

مالك يا حاج بتضحك على إيه؟ نظر إلى جمال الذي أسرع خلف زوجته: على ولدك ومرته يا جليلة، بيفكرني بيا أنا وأنتي، أنتي الوحيدة اللي ما كنتش أقولك لا واصل. أيدت رأيه قائلة بحب: ربنا يسعدهم، وسيلة بنت حلال وتستاهل كل خير. آمن عمران خلفها وردد بشرود: اللهم آمين، ويرجع الغايب وضي عيني برؤية ولاده. *** صعد خلفها ليجدها جالسة على الأريكة بعبوس، وفور رؤيته أشاحت بوجهها بعيدًا عنه فيقترب منها جالسًا بجوارها.

ماله الجميل زعلان ليه إكده؟ نظرت إليه لتقول بعتاب مدلل ربما تستطيع ردعه عن رأيه: يعني ما خبرش؟ هز رأسه بنفي وتحدث بعشق: لا ما خبرش، أنتي خابرة زين أني ما بعرفش حاجة غير من عينيكي وأنتي حجباهم عني، هعرف إزاي دلوقت. آه من ذلك الماكر الذي لم يتبدل رغم مرور السنين ليظل يتفنن في كلمات العشق التي تجعلها أسيرته فترضخ لسطوته ويتحطم ذلك الجدار الواهم التي وضعته على قلبها كي لا يستطيع اختراقه بكلماته المعسولة لتقول بضيق:

اضحك عليا بكلمتين، هي يعني عادتك ولا هتشتريها. رفع حاجبيه متسائلًا بلوم: أني بضحك عليكي؟ هزت رأسها بتأكيد: تنكر؟ هز رأسه مثلها لكن بنفي: لاه، ما أنكرش، بس صدقيني قلبي هو اللي بيتحدث مش لساني واصل. ملس بأنامله على وجنتها الناعمة وتحدث برغبة: تعرفي إنك كل مدى ما بتحلوي في عينيا أكتر من الأول. ابتسمت عينيها قبل شفتيها من كلمات العشق التي لم يكف عنها يومًا وسألته بتيه: صح يا جمال لساتني زينة في عينيك رغم إني كبرت.

ازدادت رغبته بها من ابتسامتها التي تطيح بتعقله وأكد وهو ينزل بأنامله على شفتيها يتلاعب بحمرتها الطبيعية: صح يا قلب جمال، لو عايزة تتأكدي تعالي معاي وأني أأكدلك. همَّ بأخذها إلى سحابته الوردية لكنها لن تطاوعه حتى تقنعه بالعدول عن سفر ابنته: لما نخلص كلامنا الأول. قطب جبينه متسائلًا بلوم: هو ده وقته؟ هزت رأسها بتأكيد وقالت بقلق: بلاش تطاوعها في موضوع السفر ده، أني خايفة عليها، مش هقدر على بعدها. تعاطف مع خوفها على

ابنتها الوحيدة ليرد بحكمة: والله أنا زيك وأكتر كمان، بس أهم حاجة عندي راحتها، وبنتك زينة البنات كلهم ما يتخافش عليها واصل. أيدت رأيه لعلمها بأخلاق ابنتها لتقول بعناد: خابرة زين بس برضه مش هقدر على بعادها عن حضني. طيب أحنا نأجلوا الحديث في الموضوع ده لحد ما تخلص السنة دي وبعدها نشوف هنعملوا إيه، الامتحانات خلاص عـ الأبواب. عاد لمكره وهو يردف: وبعدين حضن إيه اللي هتتحدثي عليه. وضع يده على عنقها ليتابع بتملك:

الحضن ده لـ جمال وبس. لفحت أنفاسه الساخنة وجنتيها مما جعلها تتمتم باعتراض واهم: ما تغيرش الموضـ... قاطع باقي جملتها بقبلة عصفت بكيانهما وجعلتها ترفع راية الاستسلام أمام هجومه الطاغي على مشاعرها الرقيقة فلم تستطع ردعه وترحب بتلك الفقاعات الوردية التي يسحبها بداخلها. فقام بحملها وذهب بها إلى عالمه الذي اكتفى بها داخله ولم يسمح بغيرها لدخوله. *** بعد انتهاء الاجتماع وخروج الإداريين قال شريف بسعادة:

مبروك يا منصور، مبروك يا سمر، أخيرًا الصفقة رست علينا. رد منصور بثبات: الله يبارك فيك يا عمي، الصفقة دي هترفعنا رفعة جامدة أوي. أيدت سمر رأيه: فعلًا يا بابا أنا ما كنتش مصدقة أنها هترسي علينا بعد كل التعب اللي شوفته ده. اندهش منصور من قولها ولانتساب كل شيء لصالحها وهم بالانصراف لولا أبيها الذي أوقفه: استنى يا منصور عايزكم لحظة. حاول منصور التحكم في غضبه منها حتى يعودوا إلى منزلهم وقال بجمود: خير يا عمي.

رد وهو ما زال جالسًا على طاولة الاجتماع: الولاد جوم عندي وعايزين يطلعوا رحلة تبع الجامعة. ردت سمر برفض قاطع: لا، ومش عايزة كلام تاني في الموضوع ده. ازداد ضيقه أكثر عندما لجأ أولاده إليه وتركوه هو مما جعله يقول بضيق: استنى لما أروح الأول وأفهم منهم موضوع الرحلة ده. نظرت إليه لترى ذلك العناد الذي أصبح ملازمًا له منذ أن عُين والدها رئيسًا لمجلس الإدارة وسألته: يعني إيه الكلام ده؟ رد بضيق وهو يجمع الأوراق التي

أمامه ويضعها داخل الملف: قلت لما أروح وأسألهم الأول عن الرحلة، ولو لقيتهم مصرين هبعت معاهم حد من الأمن لحد ما يرجعوا. همَّ بالخروج لكنها أوقفته قائلة: مش هيروحوا. لعب العناد دوره معهم ليقول باحتدام: مش كلمتك أنتي اللي تمشي، إن كنت مشيتها قبل كده فخلاص خلص ما فيش منه تاني. ردت باشمئزاز: إيه الألفاظ السوقية دي. رد منصور بحدة على كلمتها التي أغضبته:

والله السوقي اللي بتكلميه باشمئزاز ده هو اللي عيشك في المستوى اللي ما كنتش تحلمي بيه. أخذ حقيبته وهو يقول: أنا مروح، وإن لقيتهم مصرين هسيبهم يروحوا. خرج من الغرفة مغلقًا الباب خلفه بحدة جعلتها تندهش من تحوله لتقول لوالدها بانفعال: شايف يا بابا؟ رد شريف بهدوء: لازم نتحمله لحد ما نثبت كل حاجة في إيدينا الأول، وبعدين عايز يفضل معانا أهلًا وسهلًا، مش عايز يبقى يتفضل مع ألف سلامة. قالت بشك وهي تجلس بجواره:

بس منصور مش سهل زي ما أنت فاكر، منصور عند الفلوس ما بيعرفش حد، اللي خلاه باع أهله عشان الفلوس ممكن أي يعمل أي حاجة. عاد شريف بظهره للوراء وهو يقول بخبث: ما تقلقيش، ما يقدرش يعمل حاجة، المهم دلوقت إننا نضغط عليه بموضوع الفلوس اللي محتاجينها دي عشان ما يلاقيش قدامه غير القرض أو يطالب بحقه في الأرض. عقدت جبينها بعدم فهم وسألته: أرض إيه؟ هو هيكون ليه عين يبصلهم حتى. رفع حاجبيه بتأييد:

وهو ده اللي أحنا عايزينه، منصور دلوقت لو رجع لأهله هينسوا كل حاجة وهيرحبوا بيه وكأن شيئًا لم يكن، ولو حصل حاجة هيقفوا معاه لأنه قدر بالفلوس دي يعمل شركة، يعني ما بهدلهاش. إنما لما نعرفه بالمستوى اللي أخوه أصبح فيه والأرض اللي زادت أضعاف مضاعفة هيطمع ويطالب بنصيبه، وهنا بقى هتكون انتهاء علاقتهم بيه نهائي فـ مهما نعمل فيه هيتحمل لأن ما فيش غيرنا قدامه، فهمتي.

أجاد حبك لعبته، لكنها تعلم جيدًا أن منصور لم يعد بيدها كما كان من قبل وإذا علم بمخططهم لن يرحمهم فقالت بقلق: بس يا بابا. قاطعها شريف بهدوء: بلاش مقاطعة خلينا نشوف الأول هيعمل إيه. *** عاد إلى منزله وهو في قمة غضبه، فقد أصبح أولاده ينتمون أكثر إلى جدهم، هل هو المخطئ في ذلك لبعده عنهم بسبب انشغاله أم أنها حيلة أخرى منهم كي يسيطروا عليه أكثر بهم. فور دخوله سأل العاملة: فين الولاد؟ ردت العاملة:

في أوضتهم يا بيه تحب أندهلهم؟ رد عليها وهو يدلف مكتبه: خليهم يجوني عـ المكتب. شعروا بالقلق عندما أخبرتهم العاملة برغبة أبيه في رؤيتهم. وقفوا أمام المكتب لتقول سارة بقلق: أنا خايفة لتكون لعبتنا انكشفت. رد مصطفى بضيق: هو احنا عملنا حاجة عشان تنكشف؟ تعالي نقعد معاه ونقنعه يمكن يوافق. دلف الاثنان في توجس وعند رؤيتهم أشار لهم بالجلوس ليجلس كلاهما في ثبات زائف.

قام بوضع الملف في أحد الأدراج ثم رفع نظره لهم فلاحظ ارتباكهم ورهبتهم منه فقال بابتسامة أراد بها بث الاطمئنان بداخلهم: إيه بقى موضوع الرحلة ده؟ وليه ما جيتوش قلتولي على طول. ارتبك مصطفى أكثر ليرد بإحراج: ما أحنا خوفنا ترفضوا وعشان كده قلنا لجدو يقنعكم. رغم غضبه الشديد من تصرفهم إلا إنه تعامل معهم بلين: هتروحوا فين وهتقعدوا كام يوم؟ لم تصدق سارة ما تسمعه أذناها لتنظر إلى مصطفى الذي أجاب مسرعًا: السخنة وهتبقى ثلاث أيام.

تردد كثيرًا لكنه عليه اكتساب ودهم كي لا ينفروا منه فيرد بثبات: تمام موافق، هتروحوا أمتى. ردت سارة بسعادة: بعد بكرة. رأسه بتفاهم وعاد يسألهم: دفعتوا الفلوس ولا لسه؟ رد مصطفى بهدوء: لأ لسه، قلنا لما نعرف رأيكم الأول. عاد بظهره للوراء وقال بإرهاق: أسرعت إليه سارة تقبله بسعادة: ميرسي يا أحلى بابا في الدنيا. ثم أسرعوا بالذهاب إلى غرفتهم كي يستعدوا للذهاب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...