الفصل 5 | من 45 فصل

رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الخامس 5 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
40
كلمة
3,805
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 11%
حجم الخط: 18

استيقظ على تلك الآلام التي أصبحت ملازمة له منذ فترة، حتى الأدوية لم تعد تجدي معه نفعًا. تحامل على نفسه كي لا يشعر والده بشيء، وقام بالولوج إلى المرحاض وتبديل ملابسه وخرج من الغرفة. نزل للأسفل ليجد والده جالسًا على الطاولة يتناول قهوته، فيقترب منه وهو يحاول الثبات. "صباح الخير يا بابا." ابتسم صابر لأبنه قائلًا بحب: "صباح النور ياحبيبي، معلش بقى فطرت من غيرك، قلت راجع متأخر ومش هيقوم دلوقت."

جلس أمجد بجوار والده يحاول أن يبدو طبيعيًا كي لا يلاحظ والده شيئًا. "لازم أقوم بدري عشان أسافر البلد وأشوف الجماعة اللي هتعاقد معاهم." تذكر والده وسأله باهتمام: "تقصد عمران المنياوي؟! هز رأسه بتأكيد وهو يتناول إفطاره بالإجبار: "آه، بس التعامل مع ابنه جمال وحفيده، وهروح النهارده أتفق معاهم على كل حاجة." لاحظ صابر على ابنه تبدل ملامحه مما جعله يشك في أمره فسأله بشك: "أمجد أنت كويس؟ رمش بعينيه وهو يقول بثبات:

"آه يابابا كويس، ليه بتقول كده؟ ازداد شكه أكثر وعاد يسأله: "انت بتتابع مع الدكتور زي ما طلبت منك ولا طنشت زي عادتك؟ أومأ برأسه: "بتابع متقلقش، كل الحكاية إنه زيادة مجهود مش أكتر." تحدث صابر برجاء: "ياريت يا أمجد تحافظ على صحتك أكتر من كده، أنا خلاص من وقت اخواتك ما اتجوزوا وسافروا مع أجوازهم وأنا معدش ليا غيرك." ربت أمجد على يده يطمئنه وقال بهدوء:

"متخافش عليا، وعشان أطمنك أكتر هروح للدكتور عصام النهارده لو رجعت بدري وأخليه يطمنك بنفسه." رد صابر بتمنى: "ياريت يا أمجد." نهض أمجد من مقعده وقال بثبات: "طيب أنا ماشي، عايز مني حاجة؟ "عايز سلامتك، وياريت لو تخلي السواق يروح معاك عشان الطريق." "لأ أنا مش هروح بالعربية، هروح إن شاء الله بالطيارة عشان أكسب وقت." خرج أمجد وقد قرر الذهاب إلى الطبيب المعالج لحالته بعد عودته من الصعيد. ***

كـ عادتهم دائمًا يجتمع الجميع على طاولة الطعام، ويكون أولهم جاسر الذي يمر بغرفة جده ويساعده على السير إلى غرفة الطعام. وآخرهم جمال الذي لا يتناول طعامه إلا باكتمال الجميع. لكنه تلك المرة شعر بالأستياء عندما لم يجدها. "اومال فينها ليلى؟ ردت وسيلة بعدم اكتراث وهى تساعد العاملة في وضع الأطباق على الطاولة: "في أوضتها، بتجول ملهاش نفس." علم جمال من ردها أنها تحدثت معها في هذا الأمور. "طيب أني طالع لها."

وقبل أن تمنعه كان يصعد الدرج ذهابًا إليها. طرق على بابها ودلف فور أن سمحت له بالولوج، فيجدها منطوية على نفسها في الفراش، وفور رؤيته اعتدلت قائلة: "صباح الخير يابو." رد جمال وهو يتقدم منها قائلًا: "صباح النور، مالك مش رايدة تفطري معانا ليه؟ نهضت لتقف أمامه قائلة بإحراج: "لا مفيش حاچه، بس مليش نفس." تتهرب بعينيها دائمًا كلما أُطرت للكذب، وقد فهم سبب استياءها ليقول بتفاهم:

"أني خابر اللى مزعلك، وخابر إن أمك بتشد جصادك في الموضوع ده، بس رايد أعرفك حاچه مهمة جوى، كلنا أكده متهمناش غير راحتك وسعادتك، بس خوفنا عليكي اللي بيجبرنا." ردت بحيرة: "من ايه بس؟ تنهد بتعب وقال: "الحياة مش وردية زي ما انتي فاكرة، لا، الحياة جاسية آوى وأحيانًا مبترحمش، طول ما انتي چامبينا انتي في حمايتنا ومطمنين عليكي، إنما وأنتي بعيد فكرنا هيكون مشغول عليكي." ردت برجاء وهي تقترب منه:

"بس هي سنة واحدة بس وهرجع البلد ومش هعملها واصل." لم يرد احزانها عندما رأى إصرارها على تحقيق أمنيتها ليرد بحكمة: "طيب أيه رأيك نأجل الكلام في الموضوع ده لحد ما تخلصي امتحانات، وأني أوعدك إني هفكر فيه وألاجيلك حل يريح الكل؟ تراقص الأمل بداخلها وسألته بلهفة: "صحيح يابوي؟ أكد جمال: "صحيح، يالا بجى اغسلي وشك وتعالي عشان نفطروا مع بعض." هزت رأسها بفرحه وأسرعت بالولوج للمرحاض.

عاد جمال بصحبتها لتفهم وسيلة من سعادتها بأنه طاوع رغبته لتأجل كل شيء وتستمتع بإبتسامة ابنتها التي أضاءت وجهها. أقتربت ليلى لتقبل يد جدها وجدتها وتجلس بجوار جاسر وهى تنظر إليه بتحدي، فيبتسم هو بتوعد بكسر ذلك التحدي. فيقول حازم بهمس لمعتز: "شكلها أقنعت أبوك وهتكمل علامها في مصر." يجيبه معتز مؤكدًا: "تصدج صُح، شايفها بتبص لجاسر كيف وكأنها بتقوله أخبط راسك في الحيط." فتلاحظ جليلة تهامسهم فتسألهم:

"خير بتتودد منك ليه على مين؟ ضحك حازم قائلًا: "لا داني بقوله إن جدك حالته اتحسنت اليومين دول ربنا يبارك لينا فيه." رد معتز بمزاح: "امبارح بالليل كان سهران مع جدتي چاه يجوم عشان يدخل اوضته لجيتها بتقوله أتسند عليا ياحاجو چدي زي ما يكون مصدق ومسك إيدها ودخلوا اوضتهم وجفلوا الباب وراه." نظر إلى جدتها وتابع بغمز: "شكلك منتايش هينة واصل ياحاچه جليلة." ضحك اثنتيهم على مزاحهم الذين لا يكفوا عنه، ولم يسلم أحدًا

منه لتقول جليلة بحده: "اتحشم ياجليل الرباية انت وهو." رد معتز ببراءة زائفة: "هو أني جولت أيه عصبك أكده؟ ثم نظر إلى عمران وأردف: "اني جولت حاچه عفة لا سمح الله؟ عمران رأسه بيأس منهم وقال: "لا مجلتش حاچه يا ولدي يلا كملوا كلكم." همّ بالتحدث مرة أخرى ليمنعهم جمال بأمر: "ولا كلمة زيادة وخلصوا عشان تلحقوا مدرستكم." التزموا الصمت لينظر جمال إلى جاسر قائلًا: "أمجد الأنصاري چاي النهارده، چهزت الأوراق المطلوبة." أكد جاسر:

"كل حاچه چاهزه زي ما أتفقنا وچاهزه عـ الأمضة." "زين." ثم نظر إلى وسيلة وتابع: "ياريت يا وسيلة تچهزوا الأوضة اللي چانب المضيفة، ممكن يحتاج يرتاح شوية من الطريق." ردت وسيلة: "من عينيه." *** "يعني إيه الكلام ده؟ هتمشي كلمتهم عليا؟ هكذا كان ردها عندما أخبرها بموافقته على سفرهم، فيرد ببرود أغضبها: "من حقهم يسافروا مع أصحابهم، مش هقيد حريتهم أكتر من كده." حاولت التحكم في أعصابها كما أخبرها والدها وقالت بانفعال:

"بس أنا مش موافقة." هز كتفيه بعدم اكتراث وهو يضع الملف في حقيبته: "مش مهم، المهم موافقتي أنا." ازداد ضيقها منه لتقول بحدة: "يعني إيه مبقاش ليا كلمة معاهم؟ أومأ لها وهو ينهض من مقعده: "بالظبط كده." تركها وغادر من مكتبه ليذهب إلى الشركة، وهى تشتعل بنار غضبها. صعدت إلى غرفة ابنتها دالفة إياها دون إذن، لتجدها تستعد للذهاب إلى جامعتها، فتسألها بحده: "إيه حكاية الرحلة دي؟ انتي مش عارفه إني برفض موضوع السفر ده من غيري؟

ارتبكت سارة وقالت بخوف: "ماما أحنا مش صغيرين، وبعدين كل أصحابنا طالعين الرحلة دي، وهيكون فيه أمن الجامعة والدكاترة يعني مفيش خوف أبدًا، أرجوكي ياماما بلاش تمنعيني." لم تستجب لرجاءها وقالت بتبرير: "أنا مش بمنعكم ولا عمري وقفت ضد سعادتكم، بس كل الحكاية إني بخاف عليكم." ردت عليها برجاء: "متخافيش علينا، هما كلهم تلات أيام ونرجع على طول." "يعني مصرين؟

أومأت سارة برأسها، فحاولت سمر كتم غيظها منها وقررت تركهم الآن حتى تقرر ما تنوي فعله. خرجت لتغلق الباب خلفها بحده، ثم اخذت حقيبتها وذهبت إلى الشركة. دلف مصطفى غرفتها بعد ذهاب والدته وهو يسألها بقلق: "كانت بتزعق ليه؟ تنهدت بتعب وجلست على الفراش وهى تقول بضيق: "أنا زهقت من الكدب ده، فيه إيه يعني لو روحنا بعلمهم." جلس مصطفى بجوارها وقال بتهكم: "بعلمهم مرة واحدة؟ انتي فاكرة لما سألنا بس عليهم ماما عملت إيه فينا؟

دي مش بعيد لو عرفت تقتلنا." تحدثت بحيرة: "نفسي أعرف إيه السبب، مع إن عمو خالد وهو بيحكي عنهم بيبين أد إيه هما كويسين ونفسهم يشوفونا." "وليه بابا مش بيودهم ولا هما بيودونا؟! رد بنفس حيرتها: "مش عارف، وعشان كده لازم نروح ونعرف إذا كانوا فعلاً كويسين زي عمو قال ولا لأ، ونعرف بردوا إيه سبب بعدهم عنا." "خلاص أحنا هنروح الجامعة عادي وبعدين نطلع على محطة القطار ونسأل عن ميعاد طلوعه." أيد رأيها: "تمام، يالا بينا." ***

حطت الطائرة في موقعها في مطار قنا، ويقف جاسر بسيارته ينتظر خروجه حتى خرج إليه من المطار. فور رؤيته اقترب منه يصافحه: "جاسر مش كده؟ أومأ له جاسر مبتسمًا: "صُح جاسر المنشاوي، أهلًا بيك في نجّعنا." رد أمجد بمرح وبلهجة صعيدية أراد بها الاندماج والتخفيف من ذلك الألم: "أهلًا إيه أنا باجي أهنه كل سنة وعارفها من أولها لآخرها." رد جاسر على مزاحه: "خلاص بما إنك خابر الطريج زين، سوج انت وورينا شطارتك." "لأ خليها مرة تانية."

استقلا السيارة وظل أمجد يتابع الطريق من نافذة السيارة، الصعيد بحقوله وماشيته الذي تعلق بهم منذ صغره. وكم كان يتحرى شوقًا للبقاء به، لكن والده كان يرفض متعللًا بعمله وكأنه يهرب منه. انتبه على صوت جاسر: "بجالك كتير مجيتش أهنه؟ أومأ برأسه قائلًا: "من خمس سنين لما استلمت الشغل مكان بابا." "وعلى كده أهنه أفضل ولا البندر؟ رفع حاجبيه بتأييد: "هنا طبعًا لو هنتكلم عن الحنين لموطنك، إنما لو هنتكلم عن الشغل هنقول القاهرة."

"وأنت؟ "لآآآ أنا حياتي أهنه وعمري ما فكرت أهمل البلد واصل، حتى في الجامعة فضلت إني أدرس أهنه ولا إني أفارقها لحظة واحدة." ظلوا يتسامرون حتى وصلوا إلى المنزل. ليقول جاسر بترحيب: "أهلًا بيك مرة تانيه فـ بيت الحاج عمران." ضحك امجد ورد ترحيبه: "إن كان كده ماشي." ترجل الاثنين من السيارة وكان جمال في استقباله، يرحب به بحفاوة وكذلك التوأم الذين لم يكفوا عن مزاحهم مما جعل أمجد يتناسى تعبه قليلًا. ثم تحدث أمجد بجدية:

"المحصول اللي اتبعت كان كويس جدًا وده خلاني أصر على التعامل معاكم، وبعد ما شوفتكم واتعاملت معاكم خلاني أرحب أكتر بالتعاقد ده." رد جمال بصدق: "الشرف لينا أحنا يا ولدي وربنا يديم المعروف بينا." قال عمران مؤيدًا رأى ولده: "الشرف لينا صُح لأننا هنتعامل مع ولد صابر وحفيد مهران الأنصاري." بعد الانتهاء تحدث أمجد بامتنان: "أنا متشكر جدًا على المقابلة الجميلة دي وياريت تردوها عندي في القاهرة." رد جمال:

"إن شاء الله، بس أتفضل ريح شوية من الطريق لحد ما يجهزوا الغدا." رفض أمجد بتهذيب: "أعفيني معلش لأني لازم أرجع القاهرة النهارده." تحدث عمران بجدية: "عيب يا ولدي دا أبوك سيد من يفهم فـ الأصول، بات معانا والصبح يبجى عاود." لم يستطع الرفض تحت إصرارهم لكنه اعترض على بياته في منزلهم. "طيب مش هينفع أتقل عليكم أكتر من كده وهروح أبات في بيتكم." رد جمال بإصرار:

"عيب عليك أكده، أنا خلتهم يجهزوا الأوضة اللي چانب المضيفة ومش عايز اعتراض تاني." وافق أمجد مرغمًا ليبيت ليلته في تلك الغرفة التي تحاوطها الحديقة من كل جانب. خيم الليل وبدأ يشعر بـ عودة الألم مرة أخرى. تناول دواءه لكنه لم يجدي نفعًا. وقف في الشرفة يحاول التنفس بعمق كما أمره الطبيب، فيقع بصره على تلك القابعة على المقعد تُذاكر بجدية، ويبدو أنها تدرس بـ كلية الطب مما يراه أمامها.

شعر بالضيق من نفسه لاختلاس النظر لحرمة منزلهم. فعاد إلى فراشه يحاول النوم لكن لا فائدة. رن هاتفه ليجده والده، فتذكر أنه لم يخبره ببقائه في البلدة ومن المؤكد أنه قلق عليه. "إيه يا أمجد إيه اللي آخرك كده؟ رد أمجد باعتذار: "معلش يابابا نسيت أعرفك إني هبات الليلة وأصبح أجلك على طول." عاد الشك يزحف إليه ليسأله بتوجس: "أنت كويس، في حاجة حصلت؟ رغم الألم الذي يشعر به إلا إنه رد بثبات:

"آه كويس متقلقش، بس هما أصروا إني أبات معاهم والصبح أمشي." "تمام ياحبيبي خلي بالك من نفسك." أغلق أمجد الهاتف ولم ينتبه بأنه عاد إلى الشرفة وعينيه مسلطة عليها، فينهر نفسه مرة أخرى ويعاود إلى فراشه. ظل على ذلك الحال حتى استطاع النوم أخيرًا بعد عناء. *** في الصباح استيقظت سارة على صوت مصطفى: "سارة قومي بسرعة عشان نلحق القطار." استيقظت سارة وهى تحاول رفع جفنيها بصعوبة وتقول بنعاس: "أنا منمتش طول الليل ولسه يادوب نايمة."

رد بضيق يجذبها من ذراعها كي تنهض: "يبقى نامي في القطار، قومي بقى." قامت بصعوبة بالغة لتدلف المرحاض لتغسل وجهها ثم تبدل ملابسها وتستعد للسفر. بعد انتهائها دلف مصطفى مرة أخرى ليسألها بجدية: "انتي معاكي التذاكر؟ أجابت بدهشة: "لأ مش معايا، كانت معاك أنت." فكر قليلاً ثم قال بعدم اكتراث: "مش مشكلة نقطع تذاكر غيرها."

خرج كلًا منهم يحمل حقيبته، لكنهم تسمروا في أماكنهم عندما وجدوا والدتهم تجلس في الردهة وتضع كرسي فوق الآخر وهي تقول بهدوء رغم الغضب الذي يتأهب للانفجار: "على فين؟ نظر مصطفى إلى سارة بدهشة ثم نظر إلى والدته قائلاً: "رايحين الرحلة زي ما قولنا." نهضت بثبات واقتربت منهم وهي تشير لهم بتذاكر القطار: "أومال إيه ده؟ انحسر الدم عن وجههم وينقبض قلبهم بخوف من القادم، وخاصةً عندما أردفت بحده: "بسألكم إيه ده؟

والتذاكر دي بتعمل إيه معاكم؟ أرتبك مصطفى والتزمت سارة الصمت من شدة خوفها، مما جعل سمر تتيقن بخدعتهم حتى يذهبوا إلى أهل والدهم. وقالت بانفعال: "يعني عايزين تستغفلوني وتروحوا عندهم." خرج منصور على صوتها يسألها بحده: "صوتك عالى ليه؟ إيه اللي حصل؟ قذفت التذاكر في وجههم وهي تقول بحده: "تعالى شوف ولادك اللي استغفلونا وقالوا أنهم طالعين الرحلة وهما مرتبين أنهم يروحوا عند أهلك في الصعيد." اندهش منصور من قولها ثم

نظر لأبناءه وسألهم بدهشة: "الكلام ده صحيح؟ لم يجيب أحد منهم لتقول سمر بغضب: "هيقولوا إيه؟ هيكذبوا تاني؟ صاح بها قائلاً: "استنى أنتي؟ ثم عاد بنظره إليهم: "ما تردوا ساكتين ليه؟ رد مصطفى بأسف: "أنا آسف يابابا بس أنا طلبت منكم كتير وانتوا بترفضوا، وأحنا من حقنا نعرف أهلنا ونودهم." تحدثت سمر بإنفعال: "أهلكم مين اللي عمرهم ما سألوا عليكم، أهلكم مين اللي طردوا أبوكم من بيته عشان طالب بحق من حقوقه."

رفع الأثنين رأسهم إليها بصدمة. فيقاطعها صوت منصور الحاد: "سمر أخرسي." ردت بعناد كي تشوه صورتهم أمام أولادها كي لا يكرروا فعلتهم: "لأ مش هخرس، وهعرفهم حقيقتهم، جدكم كان عايز ياخد فلوس المشروع بتاع أبوكم اللي تعب وشقى لحد ما كونها عشان يحطها في الأرض اللي عمك حط إيده عليها، ولما أبوكم رفض طردوه من البيت وقاطعوه، ولو مش مصدقين اسألوا جدكم."

"ساب لهم كل حاجة؛ حقه في البيت وحقه في الأرض يتمتعوا بيه، وهو اكتفى بالقرشين اللي حوشهم وعمل بيهم المشروع اللي حلم بيه، ولما شافوا نجاحه زاد حقدهم عليه أكتر ومبقاش حد منهم بيسأل علينا." غضب منصور من تشويهها لصورة أهله في نظر أولاده وصاح بها: "قلت كفاية." تابعت بإصرار: "لأ مش كفاية لازم يعرفوا حقيقته." نظرت إلى أولادها الذين وقفوا بدون حراك وكأن على رؤوسهم الطير وأردفت:

"عايزين تروحوا عند اللي ظلموا باباكم انتوا حرين، بس انسوا وقتها إن ليكم أب وأم تعبوا عشانكم." انسحبت سارة بصمت ولم تستطع البقاء لتسمع المزيد، فيكفي ما سمعته حتى الآن. وكذلك مصطفى الذي دلف غرفته مغلقًا الباب خلفه بحده وقلبه يخبره بألا يخوض معهم جدال عقيم لن يجني منه شيئًا. بعد دخولهم نظر منصور إليها وقال بغضب: "ممكن أعرف إيه اللي قولتي للولاد ده؟ ردت ببساطة وهي تجلس على المقعد وقد شعرت بالنصر بعد

تشويه صورتهم أمام أولادها: "وأنا قولت إيه؟ مش دي الحقيقة إن أخوك ضحك عليك وكوش على كل حاجة وأنت خرجت بالقرشين اللي كانوا حتى طمعانين فيها." اغتاظ من إهانتها الدائمة لأهله وتحدث باحتدام: "أنا مسمحلكيش تتكلمي عن أهلي بالأسلوب ده." رفعت حاجبيها وهي تتحدث بتهكم: "من إمتى الكلام ده؟ اشتد الجدال بينهما وقد أحيا أولاده الحنين بداخله ليقول بحدة: "دول مهما كان أهلي ومسمحش بأي إهانة ليهم." ابتسمت بسخرية وهى تنهض لتقترب

منه تقف أمامه وتقول بثقة: "متحاولش تضحك على نفسك لأننا كلنا عارفين إن منصور مبيحبش إلا نفسه وبس." "ممكن هدوءك مع أولادك ده ليك مصلحة من وراه." قطب جبينه متسائلاً: "تقصدي إيه؟ أجابته بهدوء: "أنت ناسي إن الصفقة اللي دخلنا فيها ومضينا على شروطهم محتاجة فلوس." رد بحده: "هنجيب قرض زي ما اتفقنا." هزت رأسها برفض: "مستحيل، أنا مش موافقة." رد بعناد:

"ميهمنيش رأيك أو قبولك، أنا صاحب أكبر نسبة في الشركة، والآخر اديت رئاسة المجلس لأبوك." ردت باستياء: "والله كله لولادك في الآخر، ولو طالبت بحقك عند أخوك هيحقلك رئاسة مجلس الإدارة بدون منازع." ابتسمت بخبث عندما لاحظت تأثره بحديثها وتابعت: "والله أنت بتطالب بحقك ومحدش هيقدر يغلطك." تحدث برفض لفكرتها: "انتي بتقولي إيه، عايزاني أطالب بورث وأبويا لسه عايش؟ ردت بخبث:

"أومال هتستنى لما أبوك يموت وجمال ومراته يستولوا على كل حاجة؟ "جمال اللي كان عايز يضحك عليك وياخد فلوسك بحجة الأرض والكلام الفارغ ده وبعدها بأسبوع اتجوز وعمل فرح ودلوقت الفلوس مش عارف يوديها فين." "يبقى أحنا محتاجين لكل جنيه وهو بيشيل الفلوس في البنك؟! رد منصور وهو يقنع نفسه قبل أن يقنعها هي: "بس جمال تعب وشقى لحد ما سد رهنية الأرض…" قاطعت حديثه وهو تقول بامتعاض:

"الأرض هي اللي سدت ديونها، الخير اللي كان بيطلع منها هو اللي سد تمن الرهنية وأكتر كمان." "ودلوقت الخير اللي بيطلع منها في جيب أخوك ومراته." نجحت بجدارة مثل كل مرة لتتابع بمكر: "طالب بحقك السنين اللي فاتت دي كلها محدش هيقدر يقولك لأ." أومأ برأسه قائلًا: "عندك حق." ابتسامة انتصار لاحت على شفتيها عندما استطاعت بسهولة إقناعه بفكرتها، وقررت ألا تتراجع عن أخذ ما هو له. ***

استيقظ من نومه وقد اشتد الألم عليه، فلم يستطع التحمل أكثر من ذلك. حاول النهوض لكن كلما تحرك كلما ازداد الألم أضعاف وأضعاف. أخذ يتنفس بعمق كي تمر تلك النوبة لكن لا فائدة. تناول هاتفه كي يحدث طبيبه، وعندما أجابه تحدث بألم: "دكتور عصام إزي حضرتك؟ أجاب الطبيب قائلًا: "أنا كويس، وأنت؟ وضع يده مكان الألم وتحدث باقتضاب: "معلش سافرت الصعيد واضطريت إني أبات، إن شاء الله على آخر النهار أكون عندك." تحدث الطبيب بشك:

"بس صوتك بيقول أنك تعبان." حاول أمجد أن يبدو صوته طبيعيًا كي لا يخبر أبيه وقال بجدية: "صدقني أنا كويس، بلاش تعرف بابا بأي حاجة، وأنا وقت ما أرجع القاهرة هاجي لحضرتك على طول." "لو حاسس بأي تعب حتى لو كان بسيط أجل السفر وروح لأقرب دكتور، وإذا لزم هجيلك أنا، اتفقنا؟ ازدرد ريقه بصعوبة وهو يتحامل على نفسه: "حاضر." أغلق أمجد الهاتف ووضعه على المنضدة.

وهم بملء الكوب كي يأخذ دواءه، لكن الألم أشتد أكثر بقلبه فسقط الكوب من يده وشعر بتنفسه يضيق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...