التزمت غرفتها منذ ذلك اليوم، لا تريد رؤية أحد بعد تلك الصدمة التي تلقتها. تساورها الشكوك في حديثهم، الذي يتنافى تمامًا عما أخبرهم به خالد، صديق والدهم. تتساءل دائمًا؛ من الصادق إذًا ومن الكاذب. نشلتها من أفكارها دخول سمر الغرفة، لتجدها بتلك الحالة. زفرت بضيق، وهمت بتعنيفها، لكنها فضلت التروي حتى لا تنفر منها. فاقتربت لتجلس بجوارها، وتقول بهدوء: _ممكن أعرف هتفضلي كده لحد أمتى؟ اعتدلت سارة في فراشها، وقالت بثبات:
_عايزاني أعمل إيه؟ تحدثت سمر بحدة: _هو إيه اللي تعملي إيه؟ أنتي ناسيه إن عندك امتحانات وكمان هتبدأ من بكرة. ردت باقتضاب: _متقلقيش، أنا لميت المنهج كله. اغتاظت أكثر من برودها، ومن تعلقها الشديد بأشخاص لم تراهم ولم تسمع عنهم من قبل، وخاصةً أنهم يُعدوا ألد أعدائها. فقالت بحدة: _أنا مش فاهمة كل ده ليه؟ عشان مين؟ أومال لو كانوا سألوا فيكم كنتوا عملتوا إيه. تنهدت سارة بضيق، لا تريد الخوض معها في جدال عقيم.
وقد شعرت بأن هناك شيء غامض وعليها معرفته، لكن عليها التمهل قليلًا حتى يظنوا أنهم تناسوا ذلك الأمر، وبعدها ستعمل على معرفة الحقيقة. فقالت بجدية: _لو سمحتي يا ماما، أنا خلاص نسيت الموضوع ده ومش عايزة أتكلم فيه تاني. نهضت من الفراش لتدلف إلى المرحاض، كي تهرب من تعنيفها الدائم في كل شيء تفعله، ولا تعرف لماذا. زمت سمر فمها بضيق، وهي تقول بتهكم: _فعلًا نسخة تانية من جليلة هانم، دي زي ما قال أبوكي.
خرجت من الغرفة متجهة لغرفة مصطفى، الذي كان جالسًا على مكتبه يذاكر بجدية. وفور رؤيتها سألها باهتمام: _في حاجة يا ماما؟ اقتربت منه بابتسامة ناعمة، وقالت بحب: _لا يا حبيبي، أنا بس كنت بطمن عليك، عايز حاجة أعملهالك؟ تناول مصطفى يدها يقبلها بحب، وقال: _لا يا حبيبتي، أنا أصلًا شوية كده وهقوم أنام. أومأت برأسها وهي تقول: _تمام، لو احتاجت حاجة نادي عليا. أومأ لها وعاد ينظر لكتابه.
وخرجت هي من الغرفة متجهة إلى غرفتها، لتجد منصور مستلقيًا على الفراش، ساندًا ظهره فوق الوسادة بشرود. علمت ما يفكر به، وعليها أن تشجعه على ذلك. فأقتربت منه لتجلس بجواره، وتقول بدهاء: _سرحان في إيه يا حبيبي؟ يعلم جيدًا تلك النظرة، ويعلم جيدًا ما وراءها. فيقول بابتسامة ساخرة: _حبيبي دي وراها حاجة، ياترى إيه هي الحاجة دي؟ حاولت بصعوبة كتم غيظها، وردت بابتسامة زائفة: _أنا طول عمري بقولها، ليه مستغربها دلوقتي؟
رفع حاجبه ليجيب بفطنة: _لأن طول عمرك عايزة، مش بتكتفي أبدًا، فبالتالي لازم تقوليها على طول. لم تعد ألاعيبها تجدي معه نفعًا، فقررت التحدث بجدية: _تمام، عملت إيه مع جمال؟ هز رأسه قائلاً بثبات: _ولا حاجة. _يعني إيه ولا حاجة؟ رد بضيق وهو يضع الهاتف على المنضدة ويغلق الضوء: _يعني حاجة متخصكيش، ومتسأليش عنها. ردت بحدة: _لأ تخصني، أي حاجة تخصك بردوا تخصني أنا كمان، وده حقنا وحق ولادنا. اعتدل منصور ليقول بغضب:
_حقك اللي بتتكلمي عنه ده، أخذتيه وزيادة كمان، وهو الخير اللي انتي وأبوكي عايشين فيه. ولو هنتكلم عن الحقوق، فأحنا أخذناه وزيادة، بلاش نضحك على نفسنا ونقول حق. اشتعلت النيران بداخلها، لكنها فضلت التروي كما قال والدها، حتى يأخذ المال من أخيه لأجل الصفقة، وبعد ذلك تفعل به ما تريد. _أومال هتجيب فلوس الصفقة منين؟ تهرب منها قائلًا: _ميخصكيش. لا يريد التحدث معها في شيء.
عليه أن يتحرك في صمت حتى يسترد ما هو له منهم، وبعد ذلك سيفاجئهم بضربة قاتلة تطيح بكليهما. فمنذ أن استمع لحوارهم في الشركة، وهو يتوعد لهم بأشد عقاب، لكن عليه التروي قليلًا قبل اتخاذ أي خطوة. دَلفت الغرفة لتجده غارقًا في شروده. لم تستطع التحدث معه وهو بتلك الحالة، ستنتظر حتى يهدأ قليلًا ثم تتحدث معه. فهي أكثر من يعلم بحالته الآن، وهو يتمزق شوقًا لرؤية أخيه الذي لم يبالي لهم يومًا، بل يزداد جشعًا وحقدًا عليهم.
اقتربت منه لتجلس بجواره، وتقول بتعاطف: _تحب أعملك حاجة تشربها؟ هز رأسه دون النطق بشيء. حاولت البحث عن كلمات تخفف بها عنه، لكنه لم يتركها تحتار أكثر من ذلك. وقال بهدوء: _أطفي النور ونامي يا وسيلة، لإني مش راضي أسمع كلام ملوش لازمة. أدارت ظهرها متظاهرة بالنوم، لتستسلم هي أيضًا وتغلق الضوء وتستلقي بجواره تنظر إليه نظرة يملؤها الحزن. أما هو، فظل ساهرًا طوال الليل يفكر فيما ينوي عليه والده.
ظلت طوال الليل تراجع دروسها كي لا تفكر به، لكن لم يترك مخيلتها لحظة واحدة. حتى اندهشت من ذلك، ماذا يحدث لها؟ لما التفكير به، رغم أنها لم تراه سوى مرات عديدة. أغلقت الكتاب ووضعته على المنضدة بجوارها، بعد أن يئست من طرده خارج مخيلتها. لتلجأ إلى النوم، ربما يرحمها ولو قليلًا. منهجذبة الغطاء عليها تحاول النوم، لكن النوم أيضًا أبى أن يرحمها ولو قليلًا.
تركت نفسها للتأمل كي تعرف ما يريد تفكيرها الوصول إليه، لتتفاجئ بدقات متسارعة من قلبها، الذي كان دائمًا محاطًا بجدار صلب لم يستطيع أحدًا اختراقه. كيف استطاعت تلك العينين أن تدمره بتلك السهولة؟ منذ متى وقلبها بتلك السطحية، حتى يرضخ بنظرة واحدة ويقع أسيرًا لديها؟ فتفكيرها به ليس سوى ضرب من الجنون، ولن تجني منه سوى المزيد من الألم. بدأت المخاوف تضرب عقلها بقوة. سيرحل غدًا ولن تراه مرة أخرى.
ماذا ستفعل حينها، سوى معالجة قلبها من الألم الذي سينهشه بدون رحمة. عليها أن تعمل بكل ما أوتيت من عزم على نسيانه بكل الطرق، حتى تتخلص من ذلك الوليد الذي نبش أظافره بداخلها، ويعود ذلك الجدار إلى موضعه. فهل ستستطيع ذلك، أم أن القلب إذا هوى، لن تستطيع فعل شيء حينها. خرج الدكتور عصام من المرحاض، ليجد أمجد شاردًا في تفكيره. فعلم فيما يشرد عقله، فسأله بابتسامة: _لحقت تشغل بالك أوام كده؟ انتبه أمجد ليسأله مستفسرًا: _هي مين؟
تقدم منه ليجلس على المقعد بجوار الفراش، ويجيب بتسويف: _اللي أخدت تفكيرك. ابتسم أمجد بحزن وهو يجيبه: _مش عارف، بس كل اللي أعرفه إن مينفعش أفكر فيها أو في غيرها دلوقتي، أنا حالًا بنام ومش عارف هصحى من النوم ولا لأ، خارج ومش عارف هرجع ولا لأ. كل الحكاية إني حسيت ناحيتها بإحساس غريب محستش بيه مع شاهي اللي ارتباطنا استمر خمس سنين. فيها حاجة بتجذبني ليها، بس مش عارف هي إيه. _يمكن عشان جميلة مثلًا؟ هز رأسه بنفي:
_عمر الجمال بالنسبة لي ما كان مقياس. _متحاولش تفهمني إنك لحقت تحبها من مرة ولا اتنين، انت عمرك ما اعترفت بالحب اللي من أول نظرة ده. أومأ له ليرد بشرود: _ولسه عند رأيي، لكن هو في فعلًا في حب من النظرة الأولى، بس بيبقى وليد وبيبدأ يكبر مع الوقت. وعشان كده أنا واخد الموضوع ببساطة، لأني متأكد إني مش هشوفها تاني. رفع عصام حاجبه متسائلًا: _إيه اللي مخليك واثق كده؟
_لإني أولًا راجع القاهرة، ومظنش إن هيكون فيه فرصة تانية تخليني أجي الصعيد دي حاجة. الحاجة التانية زي ما قلت، الحالة كل مادي بتتأخر، ممكن في أي وقت حياتي تنتهي. رد عصام بتعاطف: _بس أحنا أملنا في ربنا كبير، وإن شاء الله هنلاقي المتبرع. قاطعه أمجد بثبات: _بلاش نضحك على نفسنا ونقول هنلاقي متبرع، لإن ده شيء صعب قوي في مصر. وعشان نقول هنعملها بره مصر، فلازم وقت وجود المتبرع وقت وجودي في المستشفى، وده أصعب منها.
_وعشان كده طلبت منك تسافر اليونان، بحيث إن وقت ما نلاقي المتبرع تكون أنت موجود. تنهد بألم شديد وقال بيأس: _صعب حاليًا. تحدث عصام بجدية: _أمجد، أنت عارف كويس إنك بالنسبة لي مش مجرد مريض، ولا ابن صديق عمري؛ انت بالنسبالي الابن اللي عوضني عن غياب ابني. بلاش تستسلم، لأن في ناس محتاجالك، فكر في أبوك اللي ممكن يموت فيها لو حصلك حاجة، فكر في أخواتك البنات، وغير كل ده شبابك اللي هيضيع. أومأ برأسه دون قول شيء.
لتعود صورتها في مخيلته مرة أخرى. _سيبها على الله. في الصباح وعلى مائدة الإفطار اجتمع الجميع ماعدا جاسر وعمران. ليندهش جمال ويسأل والدته: _أومال فين أبوي وجاسر؟ هزت جليلة كتفيها قائلة: _معرفش يا ولدي، لما سألته قالي لما أرجع هتعرفي كل حاجة وخد جاسر ومشيوا. أخرج هاتفه ليتصل على ابنه، لكن وجده قيد الإغلاق. وضع الهاتف على المائدة أمامه، وقد ساوره الشك في أمرهم، لكن ليس بيده شيء سوى الانتظار.
ولم يمضي الكثير إلا وقد وجدهم يدلفون المنزل، ويبدو أنهم فعلوا ما كان يخشاه. ساعد جاسر جده على الدخول وأجلسه على المقعد، متهربًا من نظرات والده الحادة. وقال لجده: _أنا رايح الأرض، عايز حاجة؟ ربت عمران على يده قائلاً: _لا يا ولدي، عايز سلامتك. وقبل أن يهرب جاسر، كان صوت جمال يأمره قائلاً: _استنى عندك. ازدرد ريقه بصعوبة، ثم سمعه يوجه حديثه إلى جده قائلاً: _كنت فين يا بوي؟ تنهد عمران بتعب، وقال بهدوء: _كنت عند المحامي.
هز جمال رأسه بيأس منه، وقال بعتاب: _ليه بس يا بوي؟ إحنا مش اتكلمنا في الحتة دي ونهيناه؟ أنت أكده ظلمت حالك وظلمت أخوي. ضرب عمران بعصاه الأرض، وقال بغضب: _أنا مظلمتش حد، الأرض دي حقك لوحدك، هو سبج وأخذ حقه وأكتر كمان، أنت اللي شجيت وتعبت لحد ما رجعت الأرض لينا بعد ما كانت خلاص ضاعت وضاع كل شيء. هو اللي هملنا ومشي من غير ما يسأل راحوا فين ولا عملوا إيه. وبعد ده كله جاي يطالب بحقه، ملوش عندنا حقوق. رد جمال برفض:
_لا يا بوي، ليه بعد عمر طويل ليك، ليه نص الأرض ونص البيت؟ الفلوس اللي أخذها دي كانت وهبة منك ملهاش صالح بالورث، أنت أكده بتغضب ربنا. احتدم الجدال بينهم، ليقول عمران باحتدام: _لو كان زي ما بتقول، يبقى الأرض دي كمان وهبة مني ليك. الفلوس اللي أخذها كانت بتمن الأرض، لو هتبص للأرض دلوقتي فدي من شقاك وتعبك السنين اللي فاتت دي، متفتكرش إني كنت راقد في فرشتي معرفش أنت تعبت قد إيه.
لا إني كان قلبي حاسس بيك وبيبكي بدل الدموع دم، لحد ما وقفت على رجليك من تاني وبقيت أحسن من الأول. الأرض دي ملك لوحدك ولأولادك من بعدك، غير كده محدش هيخطاها برجله. وهو خلاص أنا نفذت ومفيش كلام تاني هيتقال. لن يفعلها، ولن يستطيع أن يتحمل أبيه ذلك الوزر. فقط سيهاوده، وبعد ذلك سيفعل ما يملي عليه ضميره. _حاضر يا بوي، اللي تشوفه. فتحت عينيها بتكاسل بعد تلك الليلة التي قضتها في سهاد، وكأن صوره طُبعت داخل قلبها قبل عينيها.
شيء بداخلها يدفعها للذهاب إليه ورؤيته قبل ذهابه. لكن عقلها أبى ذلك. وأصبحت في صراع بين ذلك القلب الذي يئن شوقًا لرؤيته؛ وبين عقلها الذي يتمسك برأيه. فالفرار من الحب الآن أهون بكثير من الفرار بعد. قامت بتبديل ملابسها ونزلت لأسفل، لتجد أباها جالسًا مع أخيها في وجوم تام، وكأن هناك شيئًا قد أزعجهما. اقتربت منه تقبل يده: _صباح الخير. جمال بابتسامة أشرقت لها: _صباح الورد. نظر في ساعته وأكمل: _متأخرة النهارده يعني.
ازدردت ريقها بصعوبة، وردت بثبات: _عندي تدريب النهارده في المستشفى، محتاجة حاجة قبل ما أمشي؟ أجاب بحب: _عايز سلامتك، بس استني أخلي جاسر يوصلك. ردت مسرعة: _لا، خليه، أنا رايحة مع أصحابي، وبعدين المستشفى قريبة من هنا يعني مش مستاهلة، بعد إذنك. انصرفت مسرعة، تلاحقها عين جاسر الذي لاحظ ارتباكها، لكنه لم يشك مطلقًا بها. استعد أمجد للذهاب مع طبيبه، لكنه لم يستطع العودة إلى القاهرة دون رؤيتها.
ظل يتعلل بأعذار واهيه على أمل مجيئها، لكن لا فائدة. حتى استسلم أخيرًا واستعد للذهاب. وقفت هي مترددة أمام الغرفة، ما بين الولوج بزيها الطبي بحجة الاطمئنان عليه مثله مثل أي مريض، أم تلوذ بالفرار وتهرب من ذلك الحب الذي لن تجني منه سوى الألم. انتصر العقل حينها، وهمت بالذهاب، ولكن كان للقدر رأي آخر، حين انفتح الباب ووجدته أمامها، لتتسع عيناها ذهولًا، كما اتسعت عينيه سرورًا برؤيتها. ويقول بسعادة: _دكتورة ليلى؟
رمشت بعينيها مرات متتالية من شدة الإحراج، وردت بارتباك وهي تبحث عن كلمات تساعدها على الخروج من ذلك المأزق: _أ..أنا ..جيت أطمن عليك أقصد على صحتك و…. انتشلها من ذلك الإحراج الدكتور عصام، الذي خرج أيضًا خلفه. وعند رؤيتها قال مرحبًا: _أهلًا دكتورة ليلى، أخبارك إيه؟ ردت ليلى بصوت خافت: _الحمد لله بخير. تهربت من أعين الجميع، لتتابع بثبات زائف: _أنا عندي تدريب هنا، وقلت أطمن على مستر أمجد قبل ما يمشي.
رد أمجد بامتنان، وعينيه تحفظ ملامحها عن كثب: _الحمد لله، أنا بقيت كويس دلوقتي، معلش تعبتك معايا. رفعت عينيها التي خفضتها إحراجًا من الموقف، وردت بتلعثم: _أنا.. معملتش حاجة، أنا بس كنت بقوم بدوري مش أكتر. _ليلى؟! كان ذلك صوت جمال، الذي جاء ليطمئن على أمجد قبل ذهابه، ليتفاجأ بها معهم. ما جعل قلبها ينقبض خوفًا من الموقف، وقبل أن تجيبه، أنقذها عصام للمرة الأخرى قائلاً:
_أهلًا يا حاج جمال، كويس إنك جيت، كنت لسه بقنع دكتورة ليلى بأنها تكمل تدريبها معانا في المستشفى، وشكلها كده مترددة. نظر إليها جمال بوجوم، ثم رد قائلاً: _إن شاء الله، بس زي ما قلت، لما تخلص السنة دي بالتقدير اللي منتظره منها، ومش عايز أي حاجة دلوقتي تشغلها عنها. ثم نظر إلى أمجد، الذي استطاع بعد عناء إبعاد عينيها عنها، وسأله بجدية: _كيفك دلوقتي؟ رد أمجد بابتسامة تحمل احترام وتقدير له:
_الحمد لله كويس، وآسف على القلق اللي سببته لحضرتك. رد جمال بصدق: _متقولش كده، إنت زي جاسر ابني. تحدثت ليلى بثبات: _طيب، أنا هستأذن عشان أكمل مرور. أومأ الجميع لها، لتلوذ بالفرار من نظرات أبيها. وقد حالفها الحظ عندما أتى جاسر بعد ذهابها، كي ينقل أمجد بسيارته إلى المطار. ظل يزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا، وهو يفكر في حيلة أخرى غير الذهاب إليهم. نعم، اشتاق لهم، ولوالدته التي يتمنى رؤيتها في كل لحظة تمر عليه.
لكنه لن يستطيع تحمل نظرات العتاب التي سيراها في أعين الجميع. كان ينتظر منهم إرسال النقود دون النطق بشيء، ليخلف أخيه ظنه به ويقبل بطلبه بمقابل العودة إليهم، وهو لن يستطيع فعلها. ولن يستطيع أيضًا التصدي لهم خشيةً من عناد أبيه، ومن الممكن أن يسجل كل شيء باسم أخيه. لكن ماذا سيفعل بشأن تلك الصفقة؟ فكر قليلًا، لتنتابه فكرة شيطانية، مقررًا العمل عليها، لكن عليه أن تكون بإتقان حتى لا يشك أحدًا به.
وقفت تنظر إليه وهو يخرج من المشفى بصحبتهم، تتساءل: هل ستراه مرة أخرى؟ أم ستسجل تلك النظرة الوداع الأخير الذي لا لقاء بعده. ظلت تنظر للسيارة بدقات قلب غير رتيبة، حتى اختفت من أمام عينيها. إلى أين يا من تركت قلبًا ينبض بعشقٍ لم يختبره من قبل، ولا يعرف كيف ينزعه من داخله. أما هو، فقد شعر بأنه فارق قلبه كما فارقها، وآبى قلبه الذهاب معه وبقى مع تلك العينين التي وقع صريعًا بعشقهما.
تقلع الطائرة وهو ما زال شاردًا بها دون إرادته. لديه شعور غريب بأنه ترك شيئًا هامًا وعليه العودة إليه. وكان طبيبه يرمقه بنظرات مشفقة، وقد لاحظ أيضًا تبادل المشاعر من الطرفين. لم يخفَ عليه نظراتها المشتتة، وهي تحاول بصعوبة بالغة كبت مشاعرها. عليه أن يقربها منه حتى تكون دافعًا له للتشبث بالبقاء. عاد أمجد إلى القاهرة، وقد تحسنت صحته بعد تلك الليلة التي قضاها في المشفى.
عاد إلى منزله وإلى حياته، ضاربًا بتنبيهات الطبيب عرض الحائط. فقد اقترب أجله، وعليه أن ينهي كل المعضلات التي ستواجه والده بعد وفاته. فقد نجا تلك المرة بأعجوبة، وقد لا ينجي مرة أخرى. لم تغب عن مخيلته لحظة واحدة، لكن عليه نسيانها. فليس له أمل في عيش حياة هنيئة سواءً معها أو مع غيرها. وخاصةً بعد تلك التي تخلت عنه وقت أن علمت بمرضه. لا يلومها على تركها له، فهي من حقها أن تقضي حياتها مع من يسعدها.
وليس رجلًا تقضي ما تبقى له في المشفى. عادت ليلى إلى المنزل، وهي تحاول بصعوبة الثبات أمام الجميع. وخاصةً والدها الذي كان يرمقها بنظرات غريبة، وكأنه يستشف ما يدور بخلدها الآن. يتساءل: هل رؤيتها معه بمحض الصدفة، أم رغبةً منها في رؤيته؟ فما يراه الآن في عينيها التي تتهرب منه، يجعله يوقن بأن هناك شيئًا بداخلها تحاول إخفاءه، وعليه معرفته. لينهض من مقعده موجهاً حديثه لها: _ليلى تعالي ورايا.
انقبض قلبها خوفًا، لكنها استطاعت بعد عناء الثبات كي لا يشعر أحد بشيء. ودلفت خلفه المكتب، لتجده واقفًا موليًا لها ظهره. _نعم يا بوي. التفت إليها لينظر داخل عينيها التي لا تستطيع الكذب، ولأول مرة ينظر داخلهم ولا يستطيع أن يقرأ ما بداخلهم. إذًا، عليه أن يكون هادئًا معها حتى لا تضطر للكذب. فأشار لها بالجلوس، ويجلس بجوارها يسألها بجدية: _ممكن أعرف من وقت ما رجعتي من المستشفى، وانتي مسهمة كده ليه؟
ازدردت ريقها بصعوبة، وهي تجيب بثبات كي لا يشك بشيء. وقررت الخروج من دائرة الشك بأن تسايره في حديث آخر، لتقول بعتاب: _بفكر في عرض الدكتور عصام اللي أنت رفضته. نظر داخل عينيها يستشف صدق كلامها، واستطاعت هي بعد عناء أن ترتدي قناع الثبات. مما جعله يسألها مرة أخرى: _بس كده. هزت رأسها بتأكيد: _هو ده مستقبلي، وفرصة مش هتتعوض. بلاش تقف قدام مستقبلي، دي فرصة ولو ضاعت مني، هخسر كتير. أمسكت يده لتقول برجاء:
_أرجوك يا بوي توافق، وأنا أوعدك إني وقت ما أخلص سنة الامتياز هرجع على طول. قلت إيه؟ هربت بيده الأخرى على يدها التي تتشبث بيده برجاء، وتحدث بهدوء: _حاضر موافق، بس على شرط. ردت بلهفة: _موافقة على أي شيء. ضحك جمال على لهفتها، ليتابع: _يكون أول الدراسه، لأني مش هطمن عليكي وإنتي لوحدك. همت بمقاطعة حديثه، لكنه منعها مردفًا:
_أخواتك عايزين يدرسوا في جامعة القاهرة، وأنا قررت آخد لكم شقة هناك، وتكوني معاهم لحد ما تخلصي السنة دي. اندفعت تعانقه بسعادة غامرة، مما جعله يضحك بسرور لسعادتها. في اليوم التالي، وفي الشركة، جلس منصور وشريف وسمر في مكتبه حتى يصلوا لحل، حتى يستطيعوا تحضير المبلغ المطلوب. فيقول منصور: _أنا موافق على القرض، بس بشرط. سألته سمر بتوجس: _شرط؟! شرط إيه؟ عاد منصور بظهره للخلف، ويقول بمكر: _هنعدل شوية حاجات في الشركة.
اندهش شريف ليسأله مستفسرًا: _يعني إيه مش فاهم؟ أجاب بجدية: _يعني القرض ده هجيبه باسمي، وأنا اللي هسدده، وهنا هتكون نسبتي في الأسهم هتعلى، يعني بدل ما هتكون ٦٠٪ هتكون ٨٠٪. وأنا اللي همسك منصب رئيس مجلس الإدارة، وكده ولا كده هو من نصيبي، يعني مش بطالب بحق مش حقي. نظر شريف بصدمة إلى ابنته، التي قالت برفض: _مستحيل أوافق على اللي انت بتقوله ده. هز كتفه ببساطة قائلاً:
_والله اللي تشوفيه، أنا عن نفسي مش متشجع لموضوع القرض ده، لو عايز تسحبه أنت باسمك معنديش مانع، بس متخافش، كلنا هنشارك فيه. ها، قلت إيه؟ حاول شريف بصعوبة كظم غيظه منه، لكن عليه الموافقة كي لا يشك بشيء. ورد بهدوء رغم الحقد الذي يشتعل بداخله: _تمام، اللي تشوفه. همت سمر بالاعتراض، لكن شريف منعها: _من حقه، وأنا معنديش مانع، ولو عايز تمضي العقود من بكرة موافق. وقف منصور، وهو يقول بثبات كي لا أحد يشك بأنه كشف ألاعيبهم:
_تمام، أنا هروح البنك وأبدأ في الإجراءات، وهكلم المحامي يجهز العقود، بعد إذنكم. خرج من المكتب، وابتسامة نصر مرتسمة على وجهه، متوعدًا لهم بالمزيد والمزيد حتى يلقيهم خارج الشركة كما أدخلهم فيها. بعد انصرافه، نظرت سمر إلى والدها لتسأله بانفعال: _انت إزاي توافقه على حاجة زي دي؟ كده هتكون كل حاجة بيده، ومهنقدرش نوصل لحاجة. عاد شريف بظهره للخلف، وهو يقول: _كنتي عايزاني أعمل إيه؟ لو عارضته في حاجة زي دي، كان هيشك فينا.
وإنتي بالذات مينفعش تعارضي، لأنه جوزك، وكل ده في الأول والآخر لأولادك. وأنا لو اتكلمت مش هيكون ليا حق، لإن نسبتي أقل بكتير من نسبته. سألته بغضب: _طب وبعدين؟ تنهد بحيرة: _مش عارف، بس كل اللي خططنا ليه خلاص مبقاش ليه لازمة، ولازم نشوف خطة غيرها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!