في شركة "منصور"، مكتب رئيس مجلس الإدارة. كان منصور يدفع الباب بقدمه، فتندهش مديرة المكتب من تصرفه. أسرعت بالدخول خلفه لتسأله بريبة: _في حاجة يامنصور بيه؟ تقدم منصور من المكتب ليجلس على المقعد وتحدث بأمر: _اعملي ميتنج حالًا لمدراء الأقسام في الشركة، وكمان كلمي المحامي يحضر معاهم. لم تفهم شيئًا مما يحدث وردت باستسلام: _حاضر يافندم. خرجت من المكتب كي تهاتف سمر أولًا، لكنها تفاجأت بشريف يتقدم من مكتبه. وعندما رآها
تخرج من مكتبه سألها بحيرة: _في أيه يامريم؟ أجابت باضطراب وهى تنظر للمكتب: _مش عارفه، منصور بيه طلب إني أعمل ميتنج دلوقت لمدراء الأقسام. اندهش شريف ودلف المكتب فيجد منصور جالسًا على مكتبه، مما جعله يندهش أكثر من بروده. تقدم منه قائلًا: _في أيه يامنصور؟ وليه عامل اجتماع دلوقت؟ ابتسم منصور بسخرية وعاد بظهره للوراء وهو يتحدث ببرود قاتل: _لأ مفيش حاجة مهمة، أنا بس عملت شوية تعديلات في الشركة وعشان كدة عملت الميتنج. اندهش
شريف أكثر ليسأله بجدية: _تعديلات إيه اللي هتعملها وإزاي ده يحصل من غير متعرفني؟ وضع منصور قدم فوق الأخرى وسأله بهدوء مثير للأعصاب: _بصفتك أيه؟ قطب جبينه بذهول: _بصفتي رئيس مجلس إدارة. اعتدل منصور في جلسته وقال بثبوت: _ده كان زمان، إنما دلوقت كل حاجه اتغيرت. وأنصحك تنسحب بهدوء من الشركة قبل ما تنسحب بفضيحة أدام اللي شغالين في الشركة. اتسعت دائرة عينيه وقال بحدة: _لاا انت شكلك اتجننت. نهض منصور من مقعده ليقترب
منه ويقول بصوت هادر: _أنت اللي اتجننت لما فكرت انت وبنتك أنكم تلعبوا مع منصور المنشاوي. وأوعى تكون فاكر إني مش عارف حاجة عن تخطيطك انت وبنتك، بس سيبتكم لحد مـ أخططلكم أنا كويس. بغبائك أنت مضيتك على تنازل بأسهمك في الشركة أنت والهانم التانية اللي نضفتها وعملتها بني أدمة والآخر بتخطط معاك عشان تخلصوا مني. أقترب منه أكثر ليتابع بتهديد وعينيه تقدح شررًا:
_ولولا إني عامل خاطر لولادي كنت طلقتها ورمتكم في الشارع، بس أنا هعمل بأصلي وهسيبلك البيت اللي بردوا كتبته بأسمي تعيش فيه. هز شريف رأسه بعدم استيعاب لما يحدث: _لا انت فعلًا اتجننت وأنا….. قاطعه منصور بغضب: _ولا كلمة زيادة. ولو مش مصدق. أمسك الهاتف وحدث مديرة المكتب: _مدحت جاه ولا لسه؟ _جاه يافندم وهيدخل حالًا.
أغلق الهاتف ودلف المحامي. ليضع شريف يده على قلبه من هول ما رأى. فقد مضى بيده على كل شيء دون أن يدري، فلم يتحمل قلبه تلك الصدمة وسقط على الأرض دون حراك. في مكتب عصام. دخلت ليلى التي ذبلت كثيرًا وظهر الشحوب واضحًا عليها، فشعر عصام بالأسى عليها وقال بتعاطف: _أتفضلي ياليلى أقعدي. جلست على المقعد أمام مكتبه وسألته بتوجس: _كنت عايزة أسألك عن أي أخبار بخصوص حالة أمجد؟ عصام شفتيه بيأس وأجابها:
_كان فيه حالة مطابقة ليه، بس للأسف على ما عملوا التحاليل وعرفوا النتيجة كان القلب وقف. وعشان كده بفضل إننا نسافر في أقرب وقت. أجابته بحيرة: _بس أنا موضوع السفر ده صعب آوي. أنت عارف كويس أنا جيت هنا بمعجزة، وحتى لو بابا وافق وسافرت مش هينفع أطول في السفر يعني بالكتير اوى هيكون أسبوع. أومأ عصام بتفاهم ثم تحدث بجدية:
_فاهم ياليلى، بس أنا بردوا شايف إنها فرصة علمية بصرف النظر عن كونها شخصية وهتفيدك كتير في مسيرتك المهنية، دي فرصة أي حد يتمناها. غير كمان إن تواجدك معاه هيكون دافع كبير للمقاومة. شعرت ليلى بالإحراج مما يرمي إليه وقالت بثبات: _مقدرش أرد على حضرتك دلوقتي، بس أنا إن شاء الله هروح البلد بكرة أو بعده بالكتير وهحاول أقنع بابا. وإن وافق وده صعب جدًا هكون متواجده معاكم. وإن رفض مش هقدر طبعًا.
_على العموم أنا هبدأ في إجراءات السفر بحيث نكون مستعدين. (سألها) إنتي معاكي جواز سفر؟ أومأت برأسها فأردف براحة: _تمام. ولو عايزاني أكلم الحاج عشان أقنعه معنديش مانع. _لأ مفيش داعي، أنا هحاول معاه. بعد إذن حضرتك. خرجت من المكتب وهي تفكر في طريقة تقنع بها أبيها. مرت أمام غرفته ولم تستطيع الولوج بسبب وجود أبيه وفارس. دلفت مكتبها وجلست كي تهاتف والدتها وتعلم منها أمر ذلك الزواج. وعندما أجابتها: _ازيك يا أمي عاملة أيه؟
أجابت وسيلة بلهفة: _زينة ياجلبي، طمنيني عليكي إنتي. حاولت جعل صوتها ثابتًا واخفاء نبرة الحزن التي احتلت كيانها بأكمله: _الحمد لله بخير، متجلجيش علي. بس الأول أيه الكلام اللي جاله أبويا ده؟ جلست وسيلة على الأريكة وتحدثت: _والله يابنتي حكاية أغرب من الخيال زي ما بيجولوا. أنا طبعًا كنت حكيالك عن سارة بنت عمك منصور لما چات، وشكل أخوكي جاسر حبها وطلبها للجواز. زاد اندهاشها لتسأله بترقب: _وزينة؟
_أنتي خابره زين أن جاسر مكنش بيحبها، بس جولنا الحب بياچي بعد الجواز. والآخر لا هى قدرت تكمل ولا هو كمان، وكل واحد راح لحاله. لم تقتنع بحديثها لأنه تعلم جيدًا مدى بغض جاسر لعمه منصور، فكيف إذًا يتزوج ابنته؟ _وعمي منصور قال ايه؟ _أبوكي كلموا امبارح واتفجوا على كل حاچة والفرح آخر الأسبوع. لم تقتنع كغيرها بذلك الأمر وشعرت بأن هناك خطب ما. وتابعت وسيلة:
_المهم ياغالية لازمن تنزلي البلد عشان تكوني چامبيها. أنا كلمت لها جاسر وهياخدها وينزلوا المركز عشان تختار خلجاتها بنفسها، وانتي تكملي الباجي معاها. سألتها بحيرة: _طيب وليه الاستعجال ده؟ مـ تصبروا شوية يدرسوا بعض أكتر. تنهدت وسيلة بقلة حيلة: _والله اني كمان مكنتش موافجة على التسرع ده، بس أول مرة أخوكي يتفج مع عمك منصور في حاچة والاتنين عايزين يعجلوا بالفرح. ازداد شكها لكنها لم تريد الانشغال بذلك الأمر
حتى تعود وتتحدث مع كلاهما: _حاضر ياأمي هحاول أرجع البلد بأسرع وقت، بس مش هقدر أطول عندكم. لم تفهم وسيلة شئ وسألتها باهتمام: _وايه اللي يمنع؟ أغمضت عينيها بتعب وقالت بثبات رغم تجمع العبرات بداخل عينيها: _في حالات بتابعها ومش هقدر اتأخر عليها. تحدثت وسيلة بإنفعال: _يعني عايزة تفهميني إن مفيش دكاترة غيرك في المخروبة دي؟! دلف جمال على صوت وسيلة ورأى انفعالها ليسألها بحيرة: _في أيه ياوسيلة بتتعصب أكدة على مين؟ وضعت
الهاتف في يده وردت بحدة: _خد شوف ايه حكايتها بالظبط بدل ما تجلطني دلوجت. تأخذ منها الهاتف وتحدث برجاحة: _في أيه ياليلى؟ مزعلاها ليه؟ حاولت كبح عبراتها وتحدث باضطراب: _مفيش حاجة يابابا غير إني بقولها مش هقدر أطول في البلد وعشان كدة اتعصبت عليا. رد جمال باعتراض: _ليها حج بردك هى بجالها دلوجت عشرين يوم مشفتكيش وغير كل ده كمان مش عايزة تحضري فرح اخوك. ردت برجاء:
_ارجوك يابابا أتحملوني الفترة دي بس لحد مـ السنه دي تخلص وبعدها هشتغل في المستشفى اللي عندنا ومش هسيبكم نهائي، وإن كان على فرح جاسر أكيد هحضره بس لازم أمشي تاني يوم. تنهد جمال بحيرة لا يعرف ماذا يفعل الآن فسألها بتمالك: _يعني هتاچي أمتى؟ أجابت باضطراب: _هاجي يوم الخميس… والسبت لازم أمشي. زم شفتيه بحيرة وهو ينظر إلى وسيلة التي تأكله بعينيها ورد بحيادية: _حاضر ياليلى اللي تشوفيه، بس الأچازة الچاية تعوضيها.
أومأت دون تفكير: _إن شاء الله. أغلقت الهاتف ووضعته على المكتب باستياء. لا تعرف لما موافقته لها طعنتها في الصميم، وشعرت بأنها خائنة لتلك الثقة التي حُملت إليه. لكنها بررت لنفسها بأنها لم تتجاوز حدها والقلب ليس عليه بسلطان. في غرفة عمران.
كان عمران مستلقيًا على الفراش شاردًا في أمر حفيده الذي أصبح مهمومًا شاردًا طوال الوقت. يعلم جيدًا بأن هناك خطب ما يخفيه عليه، لكنه أيضًا يعلم حفيده جيدًا ويعلم أنه يستطيع بجسارة التغلب على الصعوبات التي تواجهه. سألته جلية وهي تجلس بجواره: _مالك ياحاچ سرحان في أيه؟ تحدث عمران بقلق: _أني جلجان من الچوازة دي. جاسر من وجت ما طلبها مني وهو ديمًا مهموم. جلبي بيجولي إن في حاجة وهو رافض يجول. أجابت جليلة بثقة:
_مفيش جلج ولا حاچة ياحاچ. أني خابره جاسر زين وخابره انه بيحبها من أول يوم جات فيه. وده واضح من نظراته ليها مهما حاول يبين عكس إكده. أنت خابره زين مبيحبش يبين مشاعره. رد عمران بإستنكار: _مشاعر أيه اللي بتتحدتي عنيها وهو كان بيهاچمها كل ما يشوفها. نفت جليلة بثقة: _ده بيهاجم حبه ليها عشان شايف إن منصور هيفضل بناتهم وأنت خابر هو اد ايه مكدر من ناحيته.
_بس منصور يبجى أبوها يعني هيفضل بيناتهم العمر كله. وبعدين الولد ده جفل جوي، معرفش أيه اللي عجابها فيه. ضحكت جليلة وقالت بتأكيد: _بكرة لما تبجى مرته الوضع هيتغير. أديك شوفت أبوه اللي كان بيتكسف من خياله أول ما وسيلة بجت مرته معدش حتى بيستحي منينا. لاح الحزن على قسمات وجهه وقال بشرود:
_لأن جمال وجتها كان عايز يبين جدامنا أنه سعيد وإن مفيش حاچة تعباه. بس أني كنت حاسس بيه وبتعبه اللي بيحاول يداريه عنينا. إبنك آسى كتير جوي لحد ما جدر يُجف على رچليه من تاني. وده اللي تعب جاسر وبيخليه يغضب من عمه أكتر. _أهي أيام وراحت لحالها والحمد لله ربنا عوضه خير. طرق الباب فسمحت جليلة للطارق بالدخول فوجدت مصطفى يدلف عليهم، ابتسمت بسعادة: _تعالي ياولدي. تقدم منهم ليجلس بجوار جده يقبل يده:
_انا قُلت ألحق أتكلم معك شوية قبل ما تنام. ربت عمران على قدمه وقدم فهم سبب مجيئه وتحدث برجاحة: _خابر ياولدي باللي تاعبك وجالج منامك. سأله مبتسمًا: _أيه عرفك ياجدي باللي قالق منامي؟ نظر عمران داخل عينيه التي تحتوى اسأله كثيرة يبحث عن إجاباتها: _أسأله كتير واضحة في عينيك ورايد تعرف إجابتها. عقد مصطفى حاجبيه متسائلًا: _أيه اللي حصل ياجدي زمان، وياترى اللي سمعته ده حقيقي ولا ايه الحكاية بالظبط.
انسحبت جليلة بهدوء لا تريد سماع المزيد من ذلك الأمر. خرجت من الغرفة متجهة إلى غرفة منصور التي اتخذتها منذ ذهابه مكانًا تشكي فيه أوجاعها، وتبكي شوقًا على من رحل تاركًا قلبًا يئن آلمًا بفراقه. تحدث عمران بشرود وهو يعود بذاكرته للوراء:
_أني خلفت الأتنين مميزتش حد منهم عن التاني والاتنين ربيتهم تربية واحدة. بس عمك جمال من يوم وهو هادي ومصلحة الكل عنده أهم من مصلحته. بس أبوك مختلف عينيه؛ حبه لذاته كان أجوى شوية. كبروا ودخلوا الچامعة، بس عمك فضل أنه يدخل جامعة قنا عشان مـ يفارجناش ويكون چاري لو احتاچته، إنما أبوك أصر أنه يدرس في الچامعة اللي في مصر لإنه مش حابب العيشة أهنه. بينا أحلامه كلها هناك وقرر أنه يستجر في مصر على طول وأصر على أنه يعمل مشروع
التخرچ بتاعه زي ما بيجولوا. للأسف في الوجت ده كانت السيولة معايا متكفيش ولما واحد جريب مني جالي على مشروع بصراحة مكسبه كان زين جوي. جررت وجتها إني أرهن الأرض وبفلوس الرهنية أدي جزء كبير منيها لأبوك والجزء التاني أدخل بيه المشروع ومن مكسبه أسد بيه الرهنية. ولجل النصيب الفلوس أتسرجت وراح كل حاچة. أبوك متخيلش إن الحكاية صعبه أوى إكدة واخد الفلوس وسافر عشان يبني حلمه، وعمك جمال هو اللي شجي وتعب وأتحمل البهدله لجل مـ يرچع
الأرض لينا من تاني وفضل يعاني من سكات لحد مـ سدد ديونها كاملة.
كان عمران يتحدث ومصطفى خافضًا رأسه بخزي مما فعله والده، رغم أن عمران لم يخبره الحقيقة كاملة كي لا يشوه صورة أبيه في عينيه. وخاصةً عندما لاحظ حزنه. فمد عمران يده رفع رأسه قائلاً: _أني مش بقولك إكدة عشان تحني راسك لا، أني بحكيلك بس لجل مـ تعرف إنه هو اللي بعد مش إحنا، واني كنت بعرف أخباركم بإستمرار من خالد، وأحيانًا كان بيبعتلنا صوركم يعني أول ما شوفتك عرفتك طوالي. ابتسم مصطفى بحزن:
_هو فعلًا كان بيكلمنا عنكم كتير آوى وأد أيه أنتوا نفسكم تشفونا، بس لما كنا نسأله عن سبب بعدكم عننا كان بيرفض يقولي ويتحجج بأي حاجة ويتهرب. ربت عمران على يده وقال برباطة جأش: _المهم أنكم رچعتوا لأصلكم وربنا عوض صبري خير وشوفتكم جدام. قبل مصطفى تلك اليد التي وضعت على يده بحب ثم تحدث برجاحة: _أطمن ياجدي مفيش حاجة هتفرقنا بعد النهاردة.
ظلت سمر تزرع الردهة ذهابًا وإيابًا وكأنها تسير على جمر ملتهب، لم تتجاوز حتى الآن الصدمة التي اعترتها. لم تتخيل يومًا أن ينكشف كل شيء بتلك السهولة، لتصبح بين ليلة وضحاها حبيسة داخل ذلك المنزل حتى أنه أخذ منها هاتفه ومنع عنها كل شيء. لابد أن تتواصل مع والدها بأي شكل. تذكرت أمر العاملة فأسرعت إلى المطبخ لتجدها جالسة تحدث ابنتها فقالت بأمر: _هاتي الفون ده. ارتبكت العاملة وردت بخوف: _دا انا بكلم بنتي ياست سمر. تحدثت بحدة:
_قلت هاتي الفون ده. شعرت المرأة بالخوف من غضبها وناولتها الهاتف لتأخذه منها بحدة ثم تذهب إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها. رنة وراء أخرى ولا تجد من يجيب. ازداد خوفها أكثر عندما أجابت مديرة المكتب، فتسألها بتوجس: _أنتي بتردي على فون بابا ليه؟ ارتبكت مريم عندما علمت بهويتها وقالت بتلعثم: _أصل .. أصل يعني. صاحت بها: _ما تنطقي في أية؟ تحدثت بخوف وهي تنظر إلى منصور الذي وقف أمام غرفة الطوارئ ينتظر الطبيب:
_أصل شريف بيه تعب شوية وجبناه المستشفى. انقبض قلبها خوفًا وسألتها بخوف: _مستشفى أيه؟ أخبرتها مريم عندما أشار لها منصور بإخبارها: _مستشفى….. أغلقت الهاتف وألقته على الفراش وأسرعت بالخروج من المنزل. هم أحد الحرس بمنعها لكن أحدهم منعه قائلاً: _سيبها يافتحي منصور بيه لسة قافل معايا. أشار لها ناحية السيارة: _أتفضلي اوصلك. بقلب منقبض أسرعت بالصعود إلى السيارة وتولى الحارس القيادة ذاهبًا إلى المشفى كما أخبره منصور.
وقف جاسر بجوار السيارة ينتظر قدومها. خرجت من المنزل وقد ارتدت ذلك الحجاب الذي أمرها بإرتدائه مما جعلها تبدو بذلك البهاء الذي خطف لبه. وشعر بنغصة حادة تصيبه وهو يتذكر علتها، وتساءل هل هي حقًا ضحية لتدبير شيطاني أم كان بلحظة ضعف منه. لكن إصرارها على عدم العودة والبقاء معهم خوفًا منه يجعله يصدق حقًا أنها ضحية. انتبه على صوتها وهي تقول: _أنا جاهزة. أومأ لها بصمت ثم أشار لها بالصعود إلى السيارة وتولى القيادة وأنطلق بها.
أخذ يراقبها وهى جالسة على أحد المقاعد داخل المتجر ويقوم العاملين به بعرض الأشياء أمامها فتقبل بإيماءة بسيطة من رأسها وكأنها سجينة حُكم عليها بالإعدام فلم تبالي بما ترتدي. لا يعرف لما شعر بنغصة حادة في قلبه وكأنه هو سبب احزانها.
وقف ينظر إليها بنظرات تحمل بين طياتها الكثير والكثير من العتاب. ولكن العتاب الأقوى لذلك القلب الذي عشق من لا أهل لذلك. لما كتب عليه أن يعيش ذلك العذاب وكأن الدنيا لم تجد غيره لتقسوا عليه بتلك الحدة. وفرضت عليه أمرًا مجبرًا عليه. لم يكن القدر رحيمًا بقلبه عندما جعله يدق لها منذ أن فتح لها باب منزله وكذلك قلبه لتطعنه في مقتل وهى تخبره بأنها أبنة ذلك الذي لم يبغض أحد سواه. وينصدم بالطامة الكبرى عندما سمع تلك المكالمة التي قسمت ظهره ويتردد صداها حتى الآن داخل أذنه.
انتبه إليها تحمل بعض الحقائب التي تعد على الأصابع فتقدم منها يحملهم وسألها: _هتروحي مكان تاني؟ هزت سارة رأسها بنفي: _لأ أنا خلصت وعايزة أروح. لم يجادل وترك ذلك الأمر بيد والدته.
انطلقوا بالسيارة عائدين إلى المنزل وكلًا في واديه. كان ينظر إليها بين الحين والآخر يتساءل كيف ستكون حياتهم بعد الزواج. لم يفكر في الأمر من قبل لذا لم يجد إجابة على سؤاله. فأيام قليلة وستجمعهم غرفة واحدة وقد يكون أيضًا فراشًا واحدًا. والأهم من ذلك هل ستقابلهم في الصباح بذلك العبوس! عند تلك النقطة انعطف جاسر جانب الطريق وأوقف السيارة مقررًا التحدث معها في هذا الأمر. نظر إليها ليقول باستياء:
_ياريت تفردي وشك شوية. المفروض انتي عروسة وفرحها كمان يومين يعني تبيني إنك مبسوطة مش زي اللي محكوم عليها بالإعدام. نظرت إليه بعينيها التي ألقت سحرها عليه من النظرة الأولى مما جعله يبعد نظره عنها. وخاصةً عندما تحدثت بأسى: _عايزنى اعمل ايه؟ ازدرد ريقه بصعوبة ورد بثبات زائف: _انا مجصدي يعني إنك تبيني انك سعيدة عشان محدش منيهم يشك في حاچة إكدة ولا إكدة. عادت بنظرها للأمام وهي تقول بثبوت:
_متقلقش هما فاكرين إني زعلانة مع بابا وماما وعشان كدة باين إني زعلانه زي ما بتقول. أومأ برأسه ثم نظر أمامه وقد تلاشت الكلمات التي راجعها مرارًا وتكرارًا كي لا ينسى كلمة منها فتتلاشى كلها من ذاكرته مقررًا العودة للمنزل.
كانوا جميعهم ملتفين حوله يحاولوا التخفيف عنها قليلًا، ولكنهم لم يلمؤا الفراغ التي تركته. كانت عينيه على الباب دائمًا ينتظر عودتها على أحر من الجمر. وكلما انفتح الباب تراقص قلبه فرحًا ظنًا منه بأنها وردته، لكن يخيب أمله بدخول إحدى الممرضات. لم يعد يستطيع تحمل غيابها وبدأ قلبه الواهن بالإعتراض. حتى دخل عصام فاعترض على تواجدهم: _مش كفاية كدة؟ تحدث صابر بتماسك رغم صعوبته: _خلينا معاه شوية عشان ميزهقش.
تقدم عصام من أمجد كي يتابع مؤشراته وتحدث بجدية: _لأ كفاية كدة انتوا اجهدته بالكلام. نظر إلى أمجد وقال بأمر: _كفاية كدة وأرتاح شوية. قضب أمجد جبينه بملل وقد ضاق به زرعًا بسبب غيابها عنه كل تلك المدة وتحدث بإباء: _أنا عايز أخرج من الأوضة دي. رد عصام بحزم: _مينفعش دلوقت على الأقل. أيد فارس رأيه: _دكتور عصام عنده حق ياأمجد معلش استحمل شوية.
غيابها مع نظرات الشفقة التي يراها بأعينهم جعلت تماسكه يتلاشى فلم يعد يستطيع التماسك أكثر من ذلك فصاح بهم رغم تعبه: _اطلعوا برة. حاول عصام تهدئته: _اهدى ياأمجد الانفعال غلط…. لكن أمجد قاطعه بانفعال أشد: _مش عايز أسمع حاجة وقلت اطلعوا برا كلكم. أشار لهم عصام بالخروج كي لا ينفعل أكثر من ذلك وخرجوا جميعًا.
وقف صابر أمام الغرفة وقد تلاشى ثباته وهو يرى ابنه بتلك الحالة وهو مكبل اليدين لا يملك شيئًا إلا التضرع إلى الله كي يشفيه. وضع عصام يده على كتف صابر وتحدث بتعاطف: _معلش ياصابر أتحمله هو برده معذور. قال صابر بألم: _أنا مش زعلانه منه أنا زعلان عليه. تحدث فارس بتفاؤل: _تفائلوا بالخير تجدوه، وأنا حاسس أن ربنا هيوفقنا ونلاقي المتبرع. رفع صابر عينيه وهو يقول بتوسل.
دلفت سمر المشفى وهى ترتعد خوفًا من حدوث شيئًا لوالدها وهي الآن في أشد احتياجها له كي يساعدها على التخلص منه. وصلت أمام الغرفة لتجد منصور واقفًا بكل هدوء، فأسرعت إليه وهى تصيح به: _أيه اللي حصل؟ عملت فيه إيه؟ نظر إليها بنظرة محذرة كي تصمت لكنها لم تبالي بأي شيء سوى والدها. عادت تصيح: _فين بابا؟ تحدث منصور من بين أسنانه: _لاحظي إننا في مستشفى؛ وطي صوتك. نظروا إلى الطبيب الذي خرج من الغرفة فتسرع هي إليه تسأله بريبة:
_طمني يادكتور. هز الطبيب رأسه بأسف: _للأسف الشديد مقدرناش نعمله حاجة، البقاء لله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!