الفصل 23 | من 45 فصل

رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
21
كلمة
3,319
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 51%
حجم الخط: 18

في غرفة سارة، دلف مصطفى الغرفة ليجدها تقف أمام المرآة، بطلتها التي تخطف الأنظار، وثوبها الأبيض الذي جعلها تبدو كأميرة الأحلام. دنى منها أكثر وهو مأخوذ بجمالها، وتحدث بولع: _إيه الجمال ده كله؟ ابتسمت سارة بود وقالت: _إنت اللي عينيك حلوة، عشان كده ديمًا بتشوفني حلوة. هز رأسه بنفي وقال: _لأ، إنتي فعلاً جميلة أوي بالفستان الأبيض والحجاب اللي مخليكي زي الملايكة ده. جذبها إليه ليحتضنها بشوق.

_النهاردة أجمل يوم في حياتي وأنا شايفك عروسة وبسلمك للإنسان اللي فعلًا يستاهلك بإيدي. أختفت ابتسامتها عند سماعها تلك الكلمة، لتخفي وجهها أكثر في صدره كي تداري ذلك الوجع الذي بات يؤلمها أكثر من ذي قبل. أبعدها عنه قليلًا لينظر داخل عينيها وقال بحب: _مبروك يا قلبي. ابتسمت سارة رغماً عنها وهي تقول بامتنان: _الله يبارك فيك.

تناول يدها وخرج بها من الغرفة لتجد جاسر أمامها، وقد أخذ ينظر إليها مزدر ريقه بصعوبة وهو يراها تتقدم منه بكل هذا الجمال الذي يلقي سحره على من يراه. كانت تخفض عينيها وتحجبها عنه، إلى أن رفعتها إليه عندما اقترب بها مصطفى منه، لتقف أمامه، وياليتها لم تفعل.

إزدادت وتيرة تنفسه ودقات قلبه تعلو بصخب، حتى أيقن بأن الجميع يسمعها بوضوح، عندما رمشت بأهدابها الساجية خجلًا من نظراته، ومن عينيه التي تلتهم ملامحها دون هوادة، وكأنه فقد السيطرة عليهم، كما فقد لسانه النطق. وليكن صادقًا أكثر، فقد فقد حتى السيطرة على مشاعره التي أخمد نيرانها التي تهدد بالانفجار. انتشله حازم من تلك الفقاعة الوردية عندما وضع يده على كتفه، ينبه بأن الجميع ينتظره.

فحمحم بإحراج، وتقدم منها يأخذها من يد أخيها، وهو يغصب نفسه على الابتسام أمام الجميع، ويقول بثبات: _مبروك يا سارة. إنها المرة الأولى التي تسمعه ينطق اسمها، وقد شعرت برعشة تسري في أوصالها جعلتها ترتجف لوهلة، وهو يمد يده ليمسك يدها التي أصبحت باردة كالثلج. وليس حالها بأفضل من حاله، وقد عكس الأمر ليشعر هو بدمائه تفور داخل أوردته، وخاصةً عندما أجابت: _الله يبارك فيك يا جاسر.

كان منصور وجمال يشاهدون الموقف بسعادة، لكن شتان بين الاثنين. فسعادة منصور لها أهدافها الذاتية، أما جمال، فكانت سعادته بنظرات الحب التي يرمق ابنه بها حبيبته. _إيه يا جماعة، هنفضل واقفين كده كتير؟ نظر جاسر إلى والده بابتسامة لم تصل لعينيه، وأومأ له، وهو يأخذها ويذهب معهم إلى حيث ينتظرهم الجميع بسعادة كبيرة.

بدأ الاحتفال، وكان جاسر ينظر إليها بين الحين والآخر، يجابه شوقه الذي يحسه على أن يتناسى كل شيء وينعم في تلك اللحظة التي ربما لن يعيشها مرة أخرى. كما يريد أن يرتوي من بحور العشق التي يعيشها لأول مرة. لكن يتلاشى كل شيء عندما يتخيل أن غيره نعم بها قبله، مما يجعل فمه يتشنج بغضب أصبح من الصعب اخفاؤه. وقفت وسيلة بجوار جمال، الذي نظر إليها وقال بحب: _مبروك يا أم جابر. بادلته وسيلة الابتسامة التي تشرق ظلمته، وردت بلهفة:

_الله يبارك فيك يا غالي، وعقبال ما تفرح بليلى. نظر جمال ناحية ليلى التي تقف بجوار أخيها بسعادة بالغة، وتحدث بتبرم: _إني مش قادر أتخيل إنها في يوم من الأيام هتهملنا وتبجى في حضن حد غيري. ضحكت وسيلة وقالت بتذمر: _إني كل ما غيرتي منها تهدي، بتيجي إنت تشعللها بكلامك ده. رفع حاجبيه بمكر وهو يقول: _بس حبك إنت حاجة تانية، واخده القلب والعجل وكل كياني، هتجومي تحسديها على الحبة البسيطة دي. ضيقت عينيها بغيظ منه.

_ثبتني كعادتك بكلمتين، بس المرة دي هيكون عقابها جاسي عليك. ضحك جمال بعلو صوته، مما جذب انتباه معتز، الذي قال لأخيه: _وبعدين في أبوك وأمك اللي فضحينا دول. انتشل حازم عينيه بصعوبة عن زينة التي تقف بالقرب من ليلى، وقال بضيق: _وإنت مالك، مركز معاهم ليه؟ _وإني يعني هركز مع مين! إنت مركز مع زينة اللي كل ما عينها تيجي في عينك تتكسف وتبص بعيد. وجاسر أخوك اللي كل شوية بيتحول، مرة يبصلها بحب ومرة بحس إنه عايز يقوم يديها ألمين.

وستك اللي قاعدة جنب الحاج عمران بتتوود، معرفش بيقولوا إيه. وعمك منصور اللي مبطلش كلام في التليفون. حتى مصطفى عينيه متشالتش من على صفوة صاحبت زينة. أنا بقى ليا مين أركز معاه؟ أجابه حازم بغيظ: _وإني مالي بكل اللي بتقول عليهم دول، أقولك روح اقف مع أبوك، خليه يهدى شوية، دا العريس نفسه مش مبسوط كده. وبالفعل اقترب معتز من أبيه، الذي تعجب من فعلته عندما وقف حائلًا بينهما، وسأله: _إنت واقف كده ليه؟ مال معتز على وسيلة يقبلها،

ورد بمكر: _أصلها وحشتني جوي ولسة مشبعتش منها، وإني كمان مسافر الصبح. تحدث جمال بأمر: _طب اتحشم شوية، إحنا قدام الخلق. نظر معتز لوالده متسائلًا بعدم فهم: _إنت بتجولي إني الكلام ده. عقد حاجبيه مندهشًا: _تقصد إيه يا مخبول إنت. تدخلت وسيلة: _ميقصدش حاجة. نظرت لمعتز وتابعت: _المهم إنت خلي بالك من أختك، إني أصلاً حالها مش عاجبني من وقت ما رجعت. _متقلقيش يا وسيلة، هي في عينيها. اقترب من أذنها وقال بخفوت:

_بس اخفوا إنتوا شوية، الناس هتحسدكم. أومأت وسيلة بابتسامة، ثم تركهم وغادر. سألها جمال: _بيقولك إيه المخبول ده؟ _ولا حاجة، سيبك منه، المهم إني هروح أشوف عشا العرسان جهز ولا لسه. همت بتركه، لكنه أوقفها قائلاً: _وعشايا أنا فين؟ أوعى يكون أجل مني، إني كمان الليلة عريس، مش معقول ابنك يبجى عريس لوحده. هزت رأسها بيأس منه، وقالت بغيظ: _اهدى يا جمال، الله يرضى عليك، كلها سنة وهتبجى جد. تابع بمكره:

_وهو مين اللي يشوف الجمر ده جدامه ويفكر غير كده. ازدادت سعادتها بكلماته التي تجعل قلبها يهتز ثباته، وقالت بلهفة: _ربنا يخليك لينا وما يحرمنا منك أبدًا. آمن بحب: _ولا منك يا غالية. انتبه جمال على صوت من خلفه يقول: _لسه عايش في المحنة دي، ولد الحاج عمران. التفت جمال لصاحب الصوت، الذي لم يكن أحدًا غيره، خالد صديق عمره، فأجابه بتأكيد وهو يحتضنه بسعادة: _إني جلت هتطلع ندل ومتاجيش. ضحك خالد وقال بنفي:

_مقدرش طبعًا أتأخر عن فرح ولادي، بس غصب عني معرفتش أجي بدري عن كده. رحبت وسيلة به وبزوجته: _الصعيد نورت بأهلها، حمد لله على السلامة. أجابت منال بصدق: _منورة بوجودك إنت يا أم جاسر، تعالي معايا بقى نروح نبارك للولاد. وافقتها وسيلة: _تعالي يا جلبي. ذهبوا وتركوا خالد، الذي تلفت حوله: _أومال فين أبو العروسة؟ أجاب جمال باستغراب: _أكيد بيتحدث في التليفون، من وقت ما جاه وهو مبطلش كلام فيه. أومأ بتفاهم، وسأله بجدية:

_عملت إيه معاه؟ أجاب بهدوء: _ولا حاجة، ومرديتش أفتح معاه أي مواضيع، ولا حتى أبويا وأمي محاولوش يعاتبوه وسكتوا. _أحسن حاجة عملتوها، لأن العتاب هيفتح جروح كتيرة، مصدقنا إنها اندملت. المهم، تعالى نبارك للعرسان. تقدموا من جاسر وسارة، التي ما إن رأته حتى ابتسمت بسعادة. نهض جاسر ليصافح خالد بود، وقال: _كنت خايف متجيش. نفى خالد قائلاً: _وإني أقدر برده. نظر إلى سارة وصافحها: _مبروك يا عروسة، ألف مبروك. ردت سارة بحب:

_الله يبارك فيك يا عمي، مبسوطة أوي إني شوفتك. أكد خالد بفرحة: _وإني أكتر يا حبيبتي، إنتي عارفة غلاوتك عندي قد إيه. رغم شعور الغيرة الذي اعتراه، لكنه قال بامتنان: _متشكر أوي لجيتك، وحمد لله على السلامة. ربت على كتفه: _الله يسلمك، هسيبكم أنا بقى وأروح أقعد شوية مع الحاج عمران. وقبل ذهابه، أوقفته سارة: _عمي، إنت عملت إيه في أوراق النقل؟ أنا بقالي شهر بعيد عن الجامعة. طمأنها خالد:

_متقلقيش، أنا عامل حساب كل حاجة، وإن شاء الله في خلال يومين أوراق النقل هتكون خلصانة. نظر إلى جاسر وتابع: _ومعلش بقى، هنتعب العريس وييجي يستلم مني الأوراق ويقدمها في الجامعة هنا. أومأ جاسر: _إن شاء الله. كان مصطفى واقفًا ينظر إلى تلك الفتاة التي تقف بجوار ليلى، وقد شعر بالإنجذاب تجاهها. لكن وجد يد توضع على كتفه، ليلتفت إليه فيجده معتز، الذي تحدث بهدوء: _انسى، دي بالذات متفكرش حتى. قطب جبينه بدهشة وسأله: _هي مين؟

أشار له بعينيه: _اللي عينيك متشالتش من عليها، دي مخطوبة لابن عمها، أو مجبورة زي ما بتقول ليلى، لأنهم مبيدخلوش حد غريب وسطيهم. اندهش مصطفى من تلك العادات التي لم تتغير، رغم التقدم والازدهار الذي وجده في الصعيد، وسأله: _أومال إيه اللي اتغير فيكم، مادام لسة متمسكين بالأعراف دي. _ومين جابك إننا متغيرناش!

وأكبر دليل على كده إنها بتكمل علامها في كلية الطب وفي القاهرة كمان، وحاجات كتير اتغيرت، بس في ناس قليلة جوي اللي لسه متمسكة بعرفها، ودول منهم. اشتعلت النيران بداخله وهو يسأله بغيرة: _وهو شغال إيه ابن عمها ده؟ _هو اللي ماسك أعمالهم بعد موت أبوها، الأرض والمزرعة. هز رأسه بتفهم: _المقصود إن خيرهم ميطلعش بره. وضع معتز يده على صدره مؤكدًا: _عليك نور، بالظبط كده، وعشان كده بقولك متعلجش نفسك بحبال دايبة. زم فمه بحيرة:

_بس البنت حلوة أوي، وحرام إنها تدفن نفسها مع واحد زي ابن عمها ده، أخده طمع. أجابه معتز بتعب: _وهي خابرة ده زين، بس دي عوايدنا، ومش هتجدر تهرب منها. عاد بنظره إليها، وقد أشفق عليها من تلك الحياة التي فرضتها عليها الظروف. وشيء بداخله يدفعه إلى أن يكون هو دافعًا لها للمقاومة ورفض ذلك التسلط. وهذا ما لاحظه معتز، لينبه: _أوعاك يا ولد عمي تعاند، الناس دي مبترحمش، جبروت بمعنى الكلمة. تنهد مصطفى، وشعر بأن القادم أصعب.

وكزت ليلى حلم، وهى تقف بجوارها، وقالت بمكر: _خدي بالك من الواد الحليوة اللي واقف جنب معتز أخويا. نظرت حلم إلى حيث أشارت، فوقع نظرها على مصطفى، فسألتها ببراءة: _ماله؟ أجابت ليلى بفطنة: _أصله عينيه مترفعتش من عليكي من وقت ما جيتي. لاح الحزن على ملامحها، وردت باستياء: _شكلك رايحة، وإني مش ناجصة، إني جيت دلوقتي بمعجزة، ولولا إن جدي ومهران مسافرين، ما كنت جيت واصل. _إنت هتسافري إمتى؟

_مش هقدر أسافر إلا لما جدي ييجي، وأخد منه المصروف، غير كده مجدرش. _تعرفي يا حلم، مفيش حاجة هتخليكي تتحركي وتعترضي، إلا لما تحبي بجد. ضحكت باستهزاء، وهى تسألها: _ومين ده بقى اللي هيقدر يقف جدامهم؟ وكزتها في ذراعها، وقالت بمكر: _شكله هيكون الواد ابن عمي ده، وصراحة هيكون أحسن واحد ليكي، لأنه هيخلص السنة دي ويسافر طوالي، يبجى تسافري معاه وتخلصي منهم. هزت رأسها بنفي، وقالت:

_إني خلاص عرفت نصيبي من الدنيا، ومستحيل أفكر في حب وكلام من ده، ولو زي ما بتقولي، قوليله مفيش أمل منه. نظرت ليلى إليه، لتجده يرمقها بنظرات تعلمها جيدًا، فقررت أن تقرب المسافات بينهم، ربما يستطيع هو انتشالها من هذا الجحيم. انتهى الزفاف، وها قد جاء ما يخشاه كلاهما، وهو ذلك الباب الذي أغلق عليهم فور دخولهما. نظرت سارة إلى الغرفة التي تراها لأول مرة، بعد أن منعت وسيلة كلاهما بالولوج إليها قبل تلك اللحظة.

استقرت عينيها على ذلك الفراش الذي زين بالورود، ولم يعلموا بأن تلك الورود قد سحقت من قبل، ولم يعد لها بريق. أما هو، فقد عقد حاجبيه مندهشًا، عندما لم يجد الأريكة التي ابتاعها خصيصًا للاستلقاء عليها، ليست في الغرفة. نظر إليها ليقول بجمود: _ادخلي إنتِ الحمام، غيري هدومك. أومأت بصمت، وأخرجت ملابس لها من الخزانة، ودلفت المرحاض.

أما هو، فأخرج هاتفه من سترته، وقام بالاتصال على والده، الذي خرج من المرحاض لتوه، وعندما وجده المتصل، أجاب بقلق: _خير يا جاسر، في حاجة؟ سأله جاسر بدون تفكير: _فين يا بوي الكنبة اللي جبتها مع الفراش؟ اندهش جمال من سؤاله، وقال بعدم استيعاب: _هو ده وقته تسأل عن حاجة زي كده؟ زم جاسر فمه بضيق من تسرعه، وقال: _لا، إني بس استغربت لما ملجتهاش في الأوضة. تنهد جمال بيأس منه، وتحدث بلين:

_خليك في عروستك دلوقتي، والصبح أشوف اللي بتقول عليه ده، لأنه مش وقته. أغلق جمال الهاتف، وجلس على الأريكة يفكر في أمر ابنه. ولما لاحظ غياب الأريكة فور دخوله، وكأنه دلف ليبحث عنها. ولجت وسيلة الغرفة، لتندهش عندما وجدته يجلس على الأريكة شاردًا، فتقدمت منه تجلس بجواره وتسأله بتوجس: _مالك يا جمال؟ هز رأسه بحيرة، وهو يجيبها: _إني قلقان من ولدك يا وسيلة. قطبت جبينها بعدم فهم، وجلست بجواره تسأله بريبة: _ولدي مين؟

تنهد وهو يجيبها: _هو فيه غيره، جاسر اللي تعبني. ازدادت حيرتها: _قلقان منه في إيه؟ نظر إليها جمال بوجوم، وأجابها قائلاً: _ابنك لما دخل، مفيش دقيقتين، ولقيته بيتصل يسأل على الكنبة. تقدري تقوليلي ليه؟ وإيه السبب؟ احتارت هي أيضًا، لكنها قالت بثبوت كي لا تقلقه: _عادي يعني، تلجاه ملجاش حاجة يريح عليها، وعشان كده سأله. هز رأسه بنفي: _لا، ده كان بيسأل عليها وهو متضايق، زي ما يكون... قاطعته وسيلة بصبر نافذ:

_لو كنت فاكر إنه هيسيبها وينام على الكنبة، فبقولك إنت غلطان، إنت مش واخد بالك هو بيطلع لها كيف. وبعدين، حتى لو هينام على الكنبة، يمكن حب يسيبها براحتها لحد ما تتعود عليه، أو هي خجلانة منه. حياته ودنيته مع مراته، محدش ليه دخل بيها. وإني الصبح إن شاء الله هدخل أطمن عليهم. ابتسمت عينيه قبل شفتيه، وهو ينظر إليها بنظرات رضا، تحمل لها كل الحب الذي يكنه بداخله لها وحدها.

تلك المرأة التي كانت ومازالت مستمرة في العطاء دون مقابل. لكن كيف يظن بأنه دون عطاء، وهو ينعم عليها بكل هذا العشق. في غرفة جاسر. خرجت سارة من المرحاض، وقد ارتدت منامة قطنية فضفاضة. وحررت خصلاتها المموجة لتنساب حول وجهها بأريحية. وها قد بدأت رحلة العذاب، والأدهى من كل ذلك، اقترابها منه، وهى تتهادى بخطوات مترددة. ثم رفعت عينيها إليه تسأله بريبة: _أنا هنام فين؟ حمحم كي يسترد ثباته، وأشار لها بجمود ناحية الفراش:

_على السرير، هيكون فين يعني. نظرت ناحية الفراش، وقد اهتزت نظراتها بارتباك، وعلم هو ما يدور بخلدها. فتقدم من الخزانة يخرج ملابس له، وتحدث بلين وهو يدلف المرحاض: _متقلقيش، إني هنام على الأرض. وقبل أن ترفض أو تعترض، كان جاسر يغلق الباب خلفه دالفًا إلى المرحاض. نظرت إلى الفراش، وظلت تفكر، هل ستتركه يستلقي على الأرضية! لكن إلى متى؟ انتبهت لذلك السؤال حقًا، "إلى متى؟ " سيظلان على هذا الحال.

وماذا ستفعل هي إذا أراد يومًا الزواج؟ فلن يظل دون زوجة وأولاد طوال عمره. لا تعرف لما شعرت بإنقباض حاد في قلبها، عندما تخيلت زواجه من أخرى. أما هو، فقد ظل قابعًا على حافة حوض الاستحمام يفكر، ماذا يفعل؟ هل ينسحب بهدوء دون أن يراه أحدًا ويعود إلى غرفته؟! لكن ماذا إن رآه أحدًا! وضع رأسه بين يديه، لا يعرف ماذا يفعل، لن يستطيع البقاء معها، فهو لم يعد يثق في مشاعره بعد الآن.

تخللت أصابعه في خصلاته، وقام بجذبها حتى كاد أن يقتلعها، يريد أن يجد حلًا لتلك المعضلة، لكنه لم يجد. نهض من مجلسه بغضب، عندما يأس من الوصول لحل. قرر ألا يضعف، وعليه أن يكون حازمًا معها، بغيض، حتى لا يسمح لمشاعره بالانسياق خلف هواه. خرج من المرحاض، وقد ارتدى منامة من قطعتين، فوجدها تجلس على الفراش في وجوم وحزن، جعل قلبه يدق بعنف.

ألمه رؤيتها بكل ذلك الحزن المرتسم على ملامحها، لكن عليه ألا يرضخ لها، ويوضح لها كل شيء من البداية. تقدم منها ليقف أمامها، ويتحدث بجمود: _إني كنت رايد أتحدت معاكي شوية. أومأت برأسها، ثم جلس هو على المقعد بجوار الفراش، وقال بامتعاض يتنافى تمامًا عما بداخله من نيران الشوق: _جلتلك جبل سابج، حاولي تبيني جدامهم إنك مبسوطة وسعيدة بزواجنا، وإنتي طبعًا منفذتيش حاجة من اللي جلت عليه. أومأت له قائلة: _حاجة تاني؟ لم يعجبه ردها،

لكنه تابع: _الطرحة متخلعيهاش واصل، طول ما معتز وحازم موجودين في البيت، والأفضل إنك تفضلي بيها. هزت رأسها باستسلام، مما جعله يستاء من هدوئها، وتابع: _كمان موضوع الجامعة، كلها يومين وهروح عشان أجيب الورق، زي ما جال الدكتور خالد. بس في حاجة تانية. مفيش مرواح الجامعة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...