الفصل 21 | من 23 فصل

رواية ونس الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
23
كلمة
3,669
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

غادر أديم غرفة نرمين ليجد سالي تقف أمامه، كادت أن تطرق الباب. ظل أديم ينظر إلى أخته ثم قال بحب يحمل الكثير من الأسف: -ممكن نقعد نتكلم شوية أنا وأنتِ. أومأت سالي بنعم مع ابتسامة رقيقة وهي تشير له أن يسير معها. ليحاوط كتفها وهو يقول: -تعرفي أنك وحشاني قوي. نظرت له بعدم تصديق. ليقول بأسف: -عارف أني مقصر معاكِ. استريحت رأسها على كتفه وهي تقول: -نرمين كويسة، أنا كنت عايزة أطمن عليها.. قبل ما تطلع أوضتها كان شكلها غريب؟

ليقبل أعلى رأسها وقال موضحًا: -نرمين جالها عريس.. وعلشان كده متلخبطة.. وحبت تقعد لوحدها علشان تفكر. ابتسمت بسعادة.. لكنها قالت بشك: -طيب وطارق؟ فتح باب الغرفة ودلفوا وهو يقول: -ده موضوع يطول شرحه.. خليني أطمن عليكي أنتِ الأول.. وبعدين أحكيلك كل حاجة. جلست على الأريكة وجلس بجانبها ليقول مباشرة: -قوليلى بقى أخبارك أيه؟ والواد حاتم عامل معاكي أيه؟ قوليلي لو مزعلك أجيبله. لتقاطعه وهي تقول:

-حاتم مفيش منه.. أنا إللي كنت مزعلاه.. ولولا عقله وقلبه الكبير إللي بيحبني هو إللي رجعني لعقلي وأنقذ علاقتنا من الضياع والفشل. شعر بالقلق وظهر على ملامحه. لتقول حتى تطمئنه: -أطمن.. أحنا كويسين أوي.. حتى أني بعيش أجمل أيام حياتي معاه.. أتغيرت بقيت أشوف الدنيا بشكل مختلف.. وأكيد أنت لاحظت التغير الواضح في مواقفي وأسلوبي. أومأ بنعم لتكمل كلماتها:

-أنا كنت لعبة في إيد مامي.. كنت بحكم على كل حاجة بسطحية وميهمنيش إلا المظاهر وبس.. لكن حاتم قدر يخليني أفهم أن كل حاجة ليها أكتر من شكل وإني مينفعش أحكم على حاجة من وجهة نظري بس.. كمان عرفت أن الحب أعمق وأكبر كتير من كل المظاهر الكذابة إللي بيعملها الولاد للبنات علشان يكسبوا قلوبهم بالكلام المعسول.. مش هو ده الحب.. الحب الحقيقي إنك تقبل شريكك بكل عيوبه قبل مميزاته.. إنك تحفظ تفاصيله.. بيحب أيه.. بيكره أيه.. بيخاف من أيه.. بيطمن أمتى.. إنك تحس جمبه بالأمان والراحة وأنك جوه بيتك.. هو ده الحب يا أبيه.

يستمع إلى كلماتها وهو يتذكر إحساسه مع ونس.. ذلك الشعور الذي كان يتمناه.. ويحلم به.. ولم يجده مع أحد سواها. لكنها وبكل قسوة جرحت قلبه.. شوهت إحساسه وألمت روحه. حاول الخروج من أفكاره وأبتسم ابتسامة صغيرة وقال بسعادة: -الحمدلله أنك فهمتي.. حاتم راجل مميز.. عمري ما كنت هطمن عليكي مع حد غيره.. راجل من كل قلبه بيحبك.. ومستعد يعمل كل حاجة علشان خاطرك.. حافظي عليه يا سالي.. وحافظي على حبكم وحياتكم. أومأت

بنعم وهي تقول بتأكيد: -أنا مقدرش أعيش من غير حاتم.. متقلقش. كان يستمع لحديثهم منذ البداية.. وكم أسعدته كلماتها التي خرجت من قلبها بصدق. ليطرق بقوة على الباب وقال بابتسامة مرحة: -خيانة مراتي وأخوها في أوضتي وعلى سريري. ليضحكا سويا وهي تقول مشاركة في المرح: -أيوه.. لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى. ليضمها حاتم بقوة وقبل رأسها بحنان قائلاً يكمل كلماتها: -حتى يراق على جوانبه دمي. لـ تضمـه بقوة وهي تقول: -بعد الشر عنك.

ليلوِ أديم شفتيه بمتعاض قائلاً وهو يغادر: -قرف.. إيه المحن ده. ليضحكوا جميعاً.. حين نظر إليهم بتقزز وغادر الغرفة. ليقبله حاتم من جديد.. وهو يهمس لها بكلمات العشق والغزل. لتقول من جديد: -جبت الفول؟ -بالليل هنتعشى منه.. وعاملك مفاجأة. أجابها بهمس أيضًا وكأنهم يتحدثون عن ممنوعات.. وليس طعام عادي وبسيط. لتصفق بسعادة وهي تقول: -ربنا يخليك ليا يارب. ***

قرر أديم الذهاب إلى المؤسسة أولاً. وفي المساء يتحدث مع شاهيناز في أمر فيصل.. حتى يكون ترك وقت كافٍ لنرمين تفكر جيدًا. حين وصل إلى هناك شعر ببعض القلق الواضح على وجه السكرتيرة التي قالت وهي تشير لغرفة مكتبه: -في ظابط مستني حضرتك جوه. أومأ أديم بنعم وهو يتحرك في اتجاه غرفته بثبات لكنه كان يفكر في سبب تلك الزيارة. أغلق الباب خلفه وهو يقول بترحيب: -أهلاً وسهلاً حضرة الظابط. ليقف همام ينظر إلى أديم وبادله التحية وهو يقول:

-أهلاً بيك أديم باشا.. أسف على الزيارة الغير متوقعة.. وآسف كمان على أني أصريت أستناك هنا في مكتبك. ابتسم أديم وهو يجلس على الكرسي الخاص به خلف مكتبه وقال: -مفيش داعي للاعتذار همام باشا.. حضرتك تشرف المؤسسة في أي وقت. جلس همام واضعًا قدم فوق الأخرى وهو يتأمل أديم عن قرب. أن هيئته مميزة وله هيبة طبيعية دون ادعاء. صحيح يبدو أقرب إلى النفس غير إحساسه به حين شاهده في المؤتمر الصحفي. وذلك جعله يقول:

-أنا جاي هنا بخصوص البلاغ إللي أنت قدمته.. في الحقيقة في شوية تفاصيل عايز أعرفها منك بوضوح وبالتفصيل. ليؤمئ أديم بنعم. ليقول همام من جديد: -حضرتك تفتكر الصحفية مختفية فين؟ قطب أديم بين حاجبيه وقال ببعض الاستخفاف: -أعتقد أنا آخر واحد ممكن يتسأل السؤال ده. -صحيح.. لكن قولت ممكن يكون عندك خلفية بما إنها فضلت شغالة عندك لفترة. وضح همام وجهة نظره ليقول اديم ببعض الاسترسال:

-هي مشتغلتش مدة طويلة.. هي افتكرت أنها خلصت مهمتها ومشيت.. ومشفتهاش من وقتها. وكل اللي كانت بتقوله أنها عايشة مع والدتها وأخواتها.. بس طبعًا ده كله ممكن يكون كذب. هز همام رأسه بنعم ثم قال: -مدير الجريدة قال إن كان هناك أدلة تثبت كل كلمة قالوها في المقال الصحفي. -تمام.. يظهر الأدلة دي ونشوف. قال أديم كلماته بهدوء شديد لكن بقوة أيضًا أظهرت ثباته. غادر مقعده ودار حول المكتب وجلس على الكرسي المواجه لهمام وقال:

-أنا معنديش حاجة أخاف منها.. وإللي عنده أي حاجة تديني يواجهني بيها.. مؤسسة الصواف ليها اسمها وسمعتها ووزنها في السوق من زمان.. مش لسه جديدة.. وبالنسبة للكلام إللي يخص النسب ده شيء ميخصش حد أبداً ويعتبر تشهير واضح وصريح. ابتسم همام ابتسامة وقورة قائلاً بمرح:

-حضرتك طبعاً معاك حق.. لكن للأسف في الزمن إللي أحنا فيه ده كل شيء بقى مشاع.. السوشيال ميديا خلت حياتنا كلها على الملأ.. والترند لحس مخ الناس.. حتى لو بالفضايح والتشهير. أنزل قدمه ثم وقف وأكمل قائلاً: -أنا كنت محتاج أتكلم معاك وش لوش.. وده فادني جداً.. وان شاء الله نلاقي الصحفية.. ونرجع لكل واحد حقه. ابتسم أديم ووقف حتى يودع همام. لكن أوقفهم طرقات على الباب ودخول كاميليا وهي تقول بخوف: -ألحقني يا أديم.

أقترب منها أديم سريعاً وقال بقلق: -مالك يا كاميليا.. أيه إللي حصل؟ لتنتبه لوجود همام فحركت عيونها بينه وبين أديم. ليستعيد أديم هدوئه وقال معرفاً: -حضرة الظابط همام إللي ماسك القضية. ثم أشار على كاميليا وقال: -الآنسة كاميليا الصواف بنت عمي. حياها همام بابتسامة صغيرة ثم مد يده لأديم وقال: -فرصة سعيدة جداً يا باشمهندس أديم. سعيد أني قابلتك. ليمد أديم يديه يحيه وقال بصدق: -أنا أسعد.. شرفت.

غادر همام المكتب لكنه نسي قلبه بالداخل. حين دلفت كاميليا إلى الغرفة بعيون خائفة لمست قلبه. وشعر بحمية رجولية تريد أن تضمها إلى صدره تطمئنها وتحميها. يريد أن يعرف ما سبب هذا الخوف. لكنه أخذ نفس عميق لعله يهدئ من إحساسه ورغبته القوية في العودة إلى الداخل ومعرفة ما يحدث. *** -في أيه يا كاميليا؟ -طارق. كلمة واحدة كفيلة تجيب على كل التساؤلات التي تدور في رأسه. لكنه قال بهدوء قدر استطاعته: -عمل إيه؟ هو عرف يوصلك؟

هزت رأسها بلا وقالت وهي تتوجه إلى أقرب كرسي والذي كان يجلس عليه همام منذ قليل وقالت بصوت باكي مرتعش: -اتصل بيا وقعد يزعق ويهدد.. وفي آخر المكالمة قالي لو مرجعتيش القصر النهاردة هقتلك وهقتل أديم بتاعك إللي أنتِ متحامية فيه وإللي عامل حامي الحما. جلس أديم على الكرسي المواجه لها وقال بابتسامة: -طارق جبان ومش هيقدر يعمل حاجة. ثم رفع سماعة الهاتف وقال بصرامة: -طارق باشا وصل ولا لسه؟ صمت يستمع إلى رد السكرتيرة ثم قال:

-طيب تمام.. أول ما يوصل عرفوني. أغلق الهاتف ونظر إلى كاميليا وقال بصوت هادئ حتى يطمئنها: -هتنزلي دلوقتي تروحي شغلك ومنه على البيت وأنا هوصي فيصل عليكي.. ما هو مش هيبقى غريب خلاص. ظهر الاندهاش وعدم الفهم على ملامحها ليقول بابتسامة واسعة: -فيصل طلب إيد نرمين النهاردة.. بس لسه مفتحناش الموضوع مع شاهيناز هانم. لتتسع ابتسامتها وهي تقول بسعادة:

-الله بجد.. الاثنين يستاهلوا كل خير.. وبجد لايقين على بعض جداً.. ربنا يتمم لهم بخير. ليقف أديم وهو يقول: -عقبالك أنتِ كمان.. علشان أبقى مطمن عليكي. ظهر الحزن على ملامحها لكنها قالت بابتسامة صغيرة: -إن شاء الله.. الحق أروح أنا قبل ما طارق يوصل. حين غادرت ظل أديم واقف خلف الباب والغضب يرتسم على ملامحه وهو يقول: -لازم أحطلك حد يا طارق.. لازم. ***

مر اليوم وطارق لم يظهر وذلك أقلق أديم بشدة. فحركات طارق الهوجاء تطمئنه لكن ذلك الصمت والاختفاء يجعله يشعر أن طارق يدبر شيء ما ولن يكون سهلًا أبدًا. أخذ مفاتيح سيارته وهاتفه وغادر الشركة مقرراً الذهاب إلى الشقة أولاً حتى يرى ونس. حينها سينزل ثم يعود إلى القصر ويواجه شاهيناز بطلب فيصل. وصل إلى البناية ليقابل الحارس الذي قال له ببعض الخوف:

-كويس إنك جيت يا بيه.. الشقة بتاعة حضرتك فيها حاجات غريبة.. أنا كنت بحاول أتصل بيك طول اليوم بس حضرتك مردتش عليا.. وكنت خلاص هتصل بالبوليس. لتتسع عيون أديم وهو يستمع لكلمات عبد الصمد وقال سريعاً: -بوليس ليه.. إيه إللي حصل؟ -النور يا بيه اشتغل لوحده.. وفي صوت حركة جوه.. أنا خوفت ليكون في حرامي ولا حاجة.. ولا يكون اللهم أما احفظنا الشقة بقت مسكونة أو البت إللي جات اشتغلت فيها دي عملتلك عمل ولا حاجة.

أجابه عبدالصمد بصوت مرتعش وكان مع كل كلمة يرتفع حاجب أديم بصدمة. تركه وتحرك ليركض خلفه عبدالصمد وهو يقول: -أطلع معاك يا بيه؟ -لأ. أجابه أديم دون أن يتوقف أو ينظر إليه. ليقول عبدالصمد من جديد: -خطر تطلع لوحدك يا بيه.. لو في حرامي أو لو الشقة ملبوسة. وقف أديم مكانه ينظر إلى الرجل بصدمة وهو يردد بعدم تصديق: -ملبوسة. أخذ نفس عميق وأخرجه بقوة. ثم قال:

-الشقة مش ملبوسة.. زرار النور عندي معلق علشان كده ممكن يشغل النور لوحده أو يطفيه.. فهمت. ظل عبدالصمد واقف مكانه وفمه مفتوح بعدم فهم. ليتركه أديم ودلف إلى المصعد. يوبخ نفسه على نسيانه لفكرة الإضاءة والجيران وعبدالصمد. لكنه سيجد الحل أكيد. وقف أمام باب الشقة لعدة ثوانِ. وطرقه عدة طرقات خافتة ثم فتح الباب بمفتاحه.

وحين دخل وجد الصالة فارغة ولم يسمع أي صوت. أغلق الباب خلفه وخطى إلى الداخل. يبحث عنها. لم يجدها في المطبخ وغرفة المكتب مغلقة. توجه إلى ممر الغرف وطرق باب الغرفة التي كانت لنرمين. لم يتلق رد ففتح الباب ولكنه وجدها فارغة. مر من أمام الحمام ليجد بابه موارب ومظلم. أنها ليست بالداخل. لم يتبقى سوى غرفته. بخطوات ثابتة أقترب من غرفة نومه وفتح الباب بهدوء.

ليقف مكانه مشدوه من ذلك المنظر. كانت نائمة في منتصف سريره. وفوقها الشرشف. شعرها الغجري مبعثر حول وجهها يعطي لهيئتها إغراء من نوع خاص. ولكن ما أدهشه هو ما تضم بين ذراعيها وتريح رأسها فوقه. أنها ثيابه الذي أبدلها آخر مرة قبل أن يغادر البيت بعد اكتشافه لما فعلته. وليس هذا فقط. أن صورته أيضًا تتوسد الوسادة بجانبها. أقترب بخطوات هادئة من السرير ليصدم بخط الدموع الحي الذي يسيل فوق وجنتها.

ظل يتأمل ملامحها الذي يعشقها بجنون وعقله يلوم قلبه الذي مازال يحن لها ويشفق عليها. والأكثر من ذلك أنها مازالت تؤثر على روحه التي تهفو لوصالها. ظل يتأملها لعدة دقائق. يحاول أن يروي عطش روحه لها دون أن تشعر به أو تراه. لا يريد أن يخسر كبرياءه أمامها. هو ورغم حبه لها الذي وللأسف لم يتأثر بما فعلت إلا أنه لن يستطيع أن يكون معها أبداً أبداً. شعر بتململها فغادر سريعًا وجلس في الصالة يحاول لملمة شتات نفسه قبل أن تخرج إليه.

*** فتحت عيونها بتثاقل. فكلما غفت حلمت به ينظر إليها بكره كبير. ولم تتوقف دموعها بسبب ذلك حتى أنها تشعر بدوار حاد. فمنذ ما حدث في الجريدة هي لم تأكل شيئاً. ضمت ملابسه إلى صدرها واستنشقت عبيره المميز. وعيونها تناظر صورته من خلف غيمة دموعها. ثم تركت كل شيء في مكانه وقررت أن تذهب إلى المطبخ تأكل أي شيء حتى تستطيع الصمود والتفكير بشكل عقلاني.

وبخطوات مترنحة سارت في الممر. حتى نهايته ومرت في الصالة دون أن تنتبه لوجوده. كان يتابعها بقلق. ليقف بلهفة حين اصطدمت بباب المطبخ وسقطت أرضًا تتأوه بألم. ليقترب منها وهو يقول: -مش تركزين. نظرت إليه بصدمة وهي تقول بضعف: -أنت هنا فعلاً.. ولا أنا لسه بحلم؟ لم يعلق على كلماتها وساعدها في النهوض. لتسير معه بهدوء والرؤية مشوشة بالكامل. ليقول هو: -أنتِ تعبانة؟ أومأت بنعم وصوتها يكاد لا يصل لأذنه:

-ما أكلتش حاجة من ساعة إللي حصل. ليرفع حاجبه بصدمة وأجلسها على الأريكة وقال بهدوء يصل حد البرود عكس تمامًا من يشعر به من ألم في قلبه: -اقعدي وأنا هجبلك حاجة تأكليها.. ولا أنتِ عاملة حسابك تموتي هنا علشان تجيب لي مصيبة؟ نظرت له بانكسار. ليزداد ألم قلبه لكنه غادر من أمامها سريعاً. لتنحدر دموعها وهي تهمس لنفسها: -تستاهلي يا ونس.. تستاهلي.

يقف في منتصف المطبخ وضع يديه على خصره ويحاول التنفس بانتظام حتى يهدأ من ضربات قلبه السريعة ألما عليها وعلى تلك النظرة التي ذبحته. لكن ليس بيده شيء. هي من حطمت تمثال الحب. وهي من اختارت ذلك الطريق. نفخ الهواء من صدره وبدأ في تحضير شيء خفيف لها. وخرج بين يديه صحن من الشطائر وكوب عصير. ووضعهم أمامها بصمت وجلس على الكرسي الجانبي.

ظلت تنظر إليه لعدة ثوانٍ ثم إلى الصحن والعصير والدموع تتجمع في عيونها. لكنها بصمت أيضًا أخذت الصحن وبدأت في الأكل. كان من يراه يظنه ينظر إلى هاتفه لكنه كان يتابعها هي. يدها التي تمسك الشطيرة. فمها الصغير الذي يلوك الطعام وكم يبدو شهيًا أمام عينيه. لكنه ورغم صدره الذي كان يرتفع وينخفض بقوة إلا أن وجهه خالي من أي تعبير. مرت عدة دقائق على نفس الوضع. لتقطعه وهي تقول: -أنا هروح أسلم نفسي.

ينظر إليها بعيون غاضبة لكنه لم يظهر ذلك الغضب على ملامح وجهه وقال بهدوء: -إيه إللي غير رأيك؟ مش كنتي خايفة يتقبض عليكي؟ أومأت بنعم وهي تكمل كلماتها موضحة: -عايزة أكفر عن غلطي في حقك.. لو سجني هيردلك حقك أنا موافقة. من داخله يشعر بالسعادة أنها تفكر فيه. لكنه قال ببرود: -الحكاية مش بس سجن.. ده فيه كمان غرامة مادية وأنا المحامين بتوعي مش هيطلبوا أقل من مليون. أخفضت رأسها وهي تقول:

-ما أنا بتكلم عن الحبس بس علشان أنا مش معايا فلوس الغرامة دي وهيبقى يا الدفع يا الحبس. أومأ بنعم رغم أن بداخله نار تحترق بمجرد تخيلها داخل الأسوار الحديدية بين القتلة واللصوص وفتيات الليل. ليأخذ نفس عميق وهو يغادر المقعد ويقف أمامها لا يفصل بينهم سوا تلك الطاولة الصغيرة وقال:

-اعملي إللي أنتِ عايزاه يا ونس.. لكن لازم تعرفي حاجة مهمة جداً.. أنا مش هوايتي أذية الناس ولا إني أشوف آلامهم ووجعهم.. ده إللي بيفرح قلبي. قرارك ده بتاعك.. والبيت هنا مفتوح أهو مقفلش بابه في وشك. وتحرك في اتجاه الباب لكنه قبل أن يفتحه: -الأضواء إللي شغالة دلوقتي متطفيهاش علشان الناس متلاحظش وجود حد في الشقة وأنا مش فيها.. عبدالصمد كان هيبلغ البوليس أصله فاكر أن الشقة مسكونة.

فتح الباب وخرج. ظلت تنظر إلى الباب بالدموع. هو لم يشجعها ولا ينهاها عن تنفيذ فكرتها. هو لم يتمسك بها ولم يظهر أنه قد باعها. لكن من الواضح أنه قد زهدها. وذلك ألمها أكثر لتعود إلى البكاء من جديد وهي تقول لنفسها بتوبيخ: -من أمتى وأنتِ ضعيفة كده؟ .. من أمتى وأنتِ سلاحك بس الدموع والاستسلام؟ .. من أمتى يا ونس؟ من أمتى؟ وكان هو يقف خلف الباب يشعر بالاختناق. كل ما يحدث حوله حقًا يجعله يشعر أن روحه تختنق.

لكنه غادر سريعًا حين وصله صوت بكائها وهمهمات لم يفهم منها شيئاً. لكن قلبه يؤلمه. خرج من المصعد وكأن عفاريت العالم تطارده. ليتأكد عبد الصمد أن الشقة الآن مسكونة. ليغلق الأغنية التي لا يتوقف عن استماعها للست وأدار محول الراديو على إذاعة القرآن الكريم وهو يقول: -السماح يا أهل السماح لا تأذوني ولا أؤذيكم. *** انتهى من عمله وغادر مكتبه متوجهًا إلى مكتبها. طرق على الباب برفق ثم فتح الباب حين سمع صوتها يسمح له بالدخول.

وحين تقابلت عيونهم قال: -أنا خلصت.. خلصتي علشان أوصلك ولا لسه عندك شغل؟ لتقول بابتسامة شاكرة: -هو أديم كلمك؟ أومأ بنعم وقال بصدق: -متقلقيش.. أنا جنبك.. وأصلاً بيتي قريب من بيتك جدًا.. لو حصل أي حاجة مجرد رنة منك خلال دقيقة هكون عندك. لتـحمل حقيبتها وهي تغادر مقعدها خلف المكتب وقالت بمحبة: -نرمين محظوظة بيك بجد.. ربنا يوفقك. ليقول بابتسامة عاشقة: -ادعيلي توافق عليا. سارت بجواره وهي تقول بمرح:

-وهى هتلاقي زيك فين.. ولو هي موافقتش هشوفلك ست ستها. -هي ست الستات وست البنات وست قلبي وروحي. قال بحب حقيقي لتضحك بصوت عالٍ وهي تقول: -ده أنت واقع واقع يعني.. يلا يا عم يارب توافق علشان نرحم عذاب قلبك. ثم قربت وجهها من وجهه قليلاً وقالت بهمس: -هكلمها ليك علشان ترحم عذاب قلبك. ليضحك وهو يقول: -يبقى جميل ونردها في الأفراح إن شاء الله. أرتسمت ابتسامة رقيقة على ملامحها وكل منهم يصعد إلى سيارته حتى يعودوا إلى بيوتهم.

وقبل أن تغادر السيارة وجدت اسمه ينير شاشة هاتفها فأجابته وهي تنظر لانعكاس صورة سيارته في المرآة: -أيوه يا فيصل. -خليني معاكي على الفون لحد ما تطلعي الشقة علشان أبقى مطمن عليكي. غادرت السيارة وصعدت إلى شقتها وهو كان يحدثها كل عدة ثوانٍ ليعرف إلى أين وصلت. وحين دلفت إلى الشقة أغلقت الباب وقالت بمرح: -وصلت بسلام والشقة خالية سيدي الضابط. ليضحك فيصل بصوت عالٍ وهو يقول: -تمت المهمة بنجاح.. أروح أنام بقى.. ده لو عرفت.

صمت لثوانٍ ثم قال: -كاميليا.. ادعيلي نرمين توافق. لـتضحك وهي تقول: -صحيح الحب بهدلة.. بس علشان أنت جدع معايا أنا كمان هبقى جدعة وهكلمها دلوقتي.. وأجس نبضها وهتصل بيك أطمنك. شكرها كثيراً ثم تحرك بسيارته وهو يدعو الله أن يرزقه بها. أغلقت الهاتف الإبتسامة تزين وجهها بصدق ومحبة. ولكنها لم تترك الهاتف بل اتصلت بنرمين حتى تنفذ وعدها. ***

ظل جالس داخل السيارة ينظر إلى نافذة الشقة يريد أن يعود إليها يضمها إلى صدره بحنان. يضربها بقوة حتى يخرج كل الغضب بداخل صدره. وكان هناك من يراقب كل شيء ينتظر رحيله حتى يكتشف السر. ويصبح لديه بدل السر الواحد اثنان وبدل الضربة اثنان وبذلك يضمن نهاية أديم الصواف.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...