الفصل 6 | من 23 فصل

رواية ونس الفصل السادس 6 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
23
كلمة
2,058
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

بدافع خوفها على أخيها، أحضرت حقيبة صغيرة ووضعت بها الملابس، وأبدلت ملابسها. عند باب غرفتها وقفت قليلاً تشحن طاقتها استعداداً لما سيحدث بالأسفل. العقبة الكبرى، شاهيناز هانم السلحدار.

أخذت نفساً عميقاً وتحركت بقوة وثبات. من يراها يعترف أن تلك الفتاة لا تخشى شيئاً أبداً. لكن لو تطلعوا إلى عمق عينيها لشعروا بارتجاف قلبها بتجويف صدرها، ولمسوا خوفها. لكن لتنتهز الفرصة، فرصة مرض أديم ولتغادر ذلك البيت الذي يخنقها، ولتبتعد فترة عن ضغط والدتها، وأيضاً بعيداً عن طارق. طارق التي أصبحت تشعر تجاهه بالاحتقار وتشعر بالغضب من نفسها، بسبب إحساسها الذي يملأ قلبها وتركض خلفه روحها، ويؤكد عليه عقلها التي اكتشفت كم هو خاوي، وتحتاج دائماً لمن يوجهها وينصحها ويفتح لها أبواب الحقيقة.

كل هذا كانت تفكر فيه وهي تنزل درجات السلم في اتجاه البهو الخاص بقصر الصواف، ومن مكان والدتها الثابت. وقفت نرمين أمامها وبهدوء شديد قالت: "أديم تعبان وأنا رايحة أقعد معاه يومين لحد ما يتحسن." وقفت شاهيناز عن الكرسي الخاص بها، والذي يشبه كرسي العرش يتوسط البهو ولا يجلس عليه غيرها. وقالت والشرر يتطاير من عينيها: "أنتِ بتلوي دراعي يا نرمين." رفعت نرمين كتفيها وهي تقول: "ليه؟

أنا بقول لحضرتك أديم تعبان وحاتم اتصل بيا وطلب مني إني أروحه علشان هو لوحده." "دي لعبة بتلعبيها أنتِ وأخوكي، بس خدي بالك أنا مش هقبل أبداً بده، وإللي قولته هو إللي هيتنفذ." ظلت نرمين تنظر إلى والدتها بيأس من أن تتغير تلك المرأة يوماً، أو تكون أم حقيقية لهم وليست شاهيناز هانم السلحدار، كبيرة عائلة الصواف. أخذت نرمين نفساً عميقاً ثم رفعت يد حقيبة ملابسها وقالت قبل أن تتحرك لتغادر القصر:

"حضرتك حرة في أفكارك، وكمان في قراراتك، بس قراراتك في إللي يخصك يا أمي مش في إللي يخص حياتنا، أنا رايحة لأخويا." وتحركت من أمامها لتشتعل عيون شاهيناز بغضب كبير. لتمسك بهاتفها وبعد أن ضغطت على زر الاتصال ووصلها صوت محدثها، قالت بأمر: "تعالي لي حالاً." وأغلقت الهاتف وهي توعد الجميع. *** ظل حاتم جالس في مكانه على الأريكة في صالة منزل أديم يفكر. هل هناك شيء خاص بين أديم وتلك الفتاة، كما شعر من كلماتها ونظرات عينيها؟

أم يصدق كلمات عبدالصمد الذي يصف الموقف ببساطة أنها مجرد خادمة يعطف عليها أديم حين وجدها بحاجة إلى عمل. لكن ورغم ملابسها البسيطة، إلا أن هيئتها، وخصلات شعرها، ونظرات عينيها له جعلته يشعر بأن خلفها سر كبير، أو شيء ما. لكن قلبه لم يشعر بالراحة تجاهها. طرقات سريعة على باب الشقة جعلته ينتفض سريعاً حتى يفتح لنرمين، التي يرتسم على ملامحها الكثير من القلق والخوف. وحين وقعت عيناها على حاتم، سألته بلهفة: "ماله أديم؟ فيه إيه؟

ألتفت حاتم ينظر إلى الممر المؤدي للغرف، ثم عاد بكل اهتمامه وقال: "متقلقيش، دور برد شديد. بس أنا مطلبتش منك تيجي علشان كده." قطبت حاجبيها بعدم فهم ليقول هو بقلق واضح: "تعالي معايا." وتوجه إلى ممر الغرف بعد أن أغلق الباب. سارت خلفه وهي تشعر بعدم الفهم. لكن الصدمة حين وجدت تلك الفتاة المميزة بشعرها الغجري وعيونها الواسعة ترتب ملابس أديم في الخزانة. لتنظر لحاتم باستفهام، لينظر إليها بابتسامة صفراء وقال بهمس:

"اتصلت علشان كده." ظلت تنظر إليه بصدمة وهي تحاول ترجمة الأمر. لتنتبه ونس لهما، فأغلقت الخزانة ونظرت في اتجاههما. ليقول حاتم ببعض الغضب: "انسة نرمين أخت باشمهندس أديم، وهي هتفضل مع أخوها خلال مرضه. تقدري تروحي." تراجعت ونس خطوتين للخلف بصدمة، ثم نظرت في اتجاه أديم لعدة ثوانٍ، ثم قالت: "تحت أمر حضرتك." أمسكت حقيبة الأدوية وقالت: "دي الأدوية إللي الدكتور قال عليها، وفي دوا هيتاخد بعد ساعة."

أخذت نرمين الحقيبة من يدها لتغادر ونس مباشرة ودون أي كلمة. لكن حاتم لحق بها ليراها تدلف إلى المطبخ، وبعد عدة ثوانٍ عادت وبين يديها حقيبة يدها ومباشرة في اتجاه الباب. ليقول: "ثانية لو سمحتي." وقفت مكانها والتفتت تنظر إليه بهدوء. ليقول هو ببعض التعالي رغمًا عنه: "مقولتليش، ليكِ كام قبل ما تمشي." احتدمت نظراتها لعدة ثوانٍ واختفت سريعاً قبل أن يراها حاتم. وعادت عيناها تنظر إلى الأرض وقالت بصوت مختنق:

"خير الباشمهندس سابق. كثر خيركم." تركته وغادرت غالقة الباب خلفها. ليشعر حاتم ببعض الضيق، والقليل من الذنب. لكنه أيضاً شعر بالراحة بعد رحيلها. *** عاد حاتم إلى البيت وكانت في انتظاره شاهيناز، الشرر يتطاير من عيونها. وبمجرد دخوله من باب القصر، وقفت شاهيناز وقالت بغضب: "لا أنت ولا البيه التاني تروحوا الشركة النهاردة، وسايبين كل حاجة فوق راس طارق لوحده." ابتسم حاتم بجانب فمه وأخفض رأسه قليلاً ثم قال:

"أديم عيان. أنا لسه جاي من عنده، وسايب نرمين معاه علشان مش بيقدر يقوم من على السرير." وأقترب عدة خطوات أكمل قائلاً: "وأنا جاي أغير هدومي ورايح على الشركة. الشركة إللي حضرتك بتنسي أني مش مجرد موظف فيها، أنا شريك." نفخ الهواء من صدره بقوة، ثم قال: "بعد إذنكم."

تركها وصعد إلى الأعلى. الغضب يجعله يريد الانفجار في أي شخص الآن. أن الصدمات تتوالى عليه منذ ما حدث مع سالي وقراءة مذكراتها وكلماتها له صباحاً. وأديم وتلك الفتاة الغريبة التي أثارت بداخله الشكوك. هل صديقه وابن عمه الذي يعرفه كما يعرف نفسه يستطيع أن يفعل هذا؟ أم أن عرق الغرور في عائلة الصواف نبض الآن وعمى بصيرته عن حقيقة الأمر، وأنها مجرد خادمة تأتي إليه لتهتم ببيته فقط.

ظفر بقوة وهو يفتح باب الغرفة ليصدم بما رآه. الغرفة كل شيء بها منقلب رأس على عقب، وكأن إعصار قوي ضربها دون رحمة. انقبض قلبه بخوف لا يعلم سببه. وتحركت قدماه دون إرادة منه وعيونه تبحث عنها بخوف. ليقف مكانه بعد أن تخطى السرير إلى الجهة الأخرى ليجدها تجلس أرضاً، خصلات شعرها متناثرة جوارها وبين قدميها المقص مفتوحاً. الدموع تغرق وجهها. جلس على ركبتيه أمامها بعد أن أغلق المقص وأبعده: "سالي مالك؟ أيه إللي عمل فيكي كده؟

أيه إللي حصل؟! وقال الأخيرة بعصبية تصل حد الجنون من حالتها التي ألمت قلبه وجعلت جسده ينتفض بحمية ذكورية من أن تكون شاهيناز قد تحدثت معها بما يسوؤها. لكنها شهقت بصوت عالٍ ليكتشف أنها كانت تكتم أنفاسها وارتعشت نظراتها وهي تقول: "كرهتني يا حاتم خلاص... خسرتك... مش... مش كده." قطب جبينه بصدمة وهو يحاول فهم مقصدها وسبب حالتها، وأيضاً تلك الرعشة القوية التي تجتاح جسدها كل دقيقة وأخرى.

وقبل أن يسألها سبب قولها لتلك الكلمات، وجدها تمسك بيديه بقوة وهي تعتدل جالسة فوق ركبتيها: "يأست مني وزهقت صح... ناوي تطلقني وتسيبني... هو أنت بتحب نرمين؟! لتجحظ عيونه بصدمة وهو يستمع لكلماتها التي تهذي بها. ولكن الغضب سيطر عليه للحظة. وأقترب منها يمسك ذراعيها بقوة وقال من بين أسنانه: "أيه إللي أنتِ بتقوليه ده؟ أنتِ اتجننتي؟ "طيب ليه سيبتني وجريت بعد ما اتكلمت معاها؟ حتى دموعي وكلامي معاك مهتمتش بيه."

قالت كلماتها وهي تشهق من بين كل كلمة وأخرى. وأعتدلت تحوط وجهه بيديها والدموع تغرق وجهها حتى أنه يشعر بارتجاف جسدها ويشعر قلبه بالشفقة عليها. وكلماتها زادت تلك الشفقة والحزن أيضاً: "أنا بحبك يا حاتم... صدقني بحبك... أنا آسفة عارفة إنك زعلان مني... صحيح مش عارفة ليه بس أنت بعيد عني أنت مش معايا... كلامك نظراتك... أنا بقيت أتمنى أن العيلة كلها تبقى معانا هنا في الأوضة علشان تفضل تعاملني بحب وتضمني...

وعينك تضحك ليا ديماً... أنا آسفة... والله آسفة يا حاتم." لم يتحمل قلبه كل ما هي به أكثر من ذلك، ليجذبها بشدة إلى حضنه يضمها بقوة حتى كاد يسمع صوت تكسر عظامها بين ذراعيه. وهمس بصوت هادئ حتى يطمئنها: "شششش... أهدي يا سالي... أهدي يا حبيبتي... أهدي... مفيش أي حاجة من إللي أنتِ قولتيها دي... أنتِ مراتي وحبيبتي وبنت عمي... أهدي دلوقتي وأوعدك هنتكلم في كل حاجة أنتِ عايزاه."

شعر بحركة رأسها الضعيفة بنعم، رغم صوت بكائها الذي لم يهدأ. لكنه ظل يقبل رأسها ويزيد في ضمها. يغمض عينيه بقوة وكأنه يحاول تجاهل الألم الذي يشعر به داخل قلبه، أو أن يختفي فجأة. لكن كيف وهو رآها على تلك الحالة؟ هل دمرها كبرياؤه وكرامته الذكورية؟

فتح عينيه بعد عدة ثوانٍ ثم حملها بين ذراعيه ووضعها على السرير ومازالت تخبئ رأسها في صدره. ولم تبتعد عنه. ظل بجوارها حتى شعر بجسدها يتراخى وتستسلم للنوم. لكنه لم يبتعد عنها. ظل يضمها بقوة وكأنها ابنته الصغيرة، الذي يخاف عليها من الهواء. وعقله يفكر في حل لما حدث بينهم. ولكن أديم والشركة ماذا يفعل بهم؟ أغمض عينيه من جديد لكن بإرهاق وهو يقول: "يارب... يارب." ***

مر يومان. كانت نرمين تهتم بأخيها الذي يفيق لعدة دقائق يتناول القليل من الطعام وهو في حالة بين النوم والاستيقاظ ويعود مرة أخرى إلى غيبوبته المؤقتة التي فرضتها عليه ارتفاع حرارته. كانت تشعر بالراحة في بيت أخيها بعيدًا تمامًا عن تحكمات شاهيناز هانم السلحدار، وأيضاً دون أن ترى طارق.

طارق. لوّت فمها بعدم تصديق وهي تتذكر وقفته أمامها قبل مغادرتها لقصر الصواف بنفس ابتسامته المتسلية وتلك الغمزة بعينه اليسرى. ثم رفع يديه لها بتحية عسكرية ورحل. هل يتحداها؟ هل ستستطيع الصمود أمامه وأمام والدتها التي تدعمه بقوة ولا تفهم سبب ذلك أيضاً؟ أحيانًا تشعر أن والدتها تحب طارق وتدعمه أكثر من أديم ابنها الوحيد، كبير عائلة الصواف.

أخذت شرفتها من كوب قهوتها، ثم أخذت نفساً عميقاً وهي تنظر لذلك المنظر البديع التي تطل عليه شرفة منزل أخيها. حين جائها همسه ضعيف من خلفها: "نرمين." التفتت تنظر إلى أخيها بصدمة وتركت الكوب من يدها وأقتربت تدعم وقفته، عائدة به إلى غرفته وهي تقول: "أيه إللي قومك من على السرير بس يا أبيه؟! ساعدته ليتمدد على السرير ودثرته جيداً ليقول: "هو إيه إللي حصل؟ وأنتِ هنا من إمتى؟

أخبرته بكل ما حدث لكنها تجنبت أن تقول أي شيء عن طرد حاتم لتلك الفتاة. لكن أخيها لم يسمح لها بذلك حين قال: "فين ونس؟ هي ما جتش النهاردة؟ صمتت ولم تجب على سؤاله. ليعيده مرة أخرى بصوت أعلى، جعلها تقول كل شيء. ليقطب جبينه بضيق وقال بلهجة صارمة: "نادي عم عبد الصمد وناوليني التليفون بتاعي." أعطته التليفون وغادرت الغرفة حتى تنادي عم عبد الصمد كما طلب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...