تختبرنى الحياة مراراً .... فلا تسقينى إلا مراراً. صابرة أنا وأنتظر .. أن يكافأني ربي لما أعاني وأصطبر .... فما الدنيا إلا ابتلاء ... وأنا لا أملك غير الرجاء .... خواطر سلوى عليبه.... الإحساس بأنك محق حتى لو أجمع الجميع على خطأك لا يدل إلا على وجود خلل ما بتفكيرك. وأنك يقيناً ستعاني بمفردك ولن تجد بجوارك من ابتعدت عنهم لأنك على حق أيها المخطئ .... من وجهة نظرك فقط ......
كان إحسان يجلس بشرود فهو يشعر أنه بين شقي الرحى فقلبه يوجهه لمكان وعقله يوجهه لمكان آخر ...... كلام باهر ما زال يشتته يشعره بأنه لا يعلم ماذا يفعل .... لما هذا القلب اللعين يحثه على شيء لم يكن في تفكيره من بادئ الأمر.. لما وضعه والده في هذا المنعطف .. فهو لم يكن يريد الزواج ولكنه رضخ للأمر حتى يحقق ما يريد فلما الآن أصبح ما يريد وكأنه حمل ثقيل لا يقدر على تحمله ......
ظل يفكر كثيراً حتى وقف مرة واحدة وكأنه يخاف أن يرجع مرة أخرى في تفكيره ...... رن على أسمهان فهي كانت عند والده ثم استدعاها لأمر مهم ..... أتت أسمهان وهي لا تعلم ماذا يريد ... أخذ ينظر إليها وكأنه يشجع نفسه على الكلام حتى لا يتراجع..... ذهبت إليه أسمهان وهي تمسك يده وتشعر بتوتره وتقول ..... مالك في إيه؟ نظر إليها وكأنه يستمد القوة من عينيها رغم أنه يعلم أنه سيحزنها بكلامه ...... تكلم بهدوء : ....
بصي يا أسمهان إنتي عارفة إن سفري كان كمان 10 أيام..... أدار وجهه ليهرب من عينيها. وأكمل ..... بس النهارده طلبوني وقالوا إني لازم أسافر في خلال يومين لأن فيه أوراق ناقصة ولازم أروح أكملها .... ظل يعطيها ظهره ولكنه استدار عندما لم يجد أي رد منها ...... زهول وشعور بالندم هو كل ما شعر به إحسان عندما وجد أسمهان ودموعها تنسج خيوطاً على وجنتيها وهي تكتم شهقاتها .... لم يعرف ماذا يفعل ... شعر بغصة في حلقه ...
فاسترسل بالكلام وهو يحاول ألا يتراجع عما يريد .... أمسك يديها وأجلسها بجواره على الأريكة ... مسح دموعها بيديه برقة شديدة متنافية مع الموقف .... وقال .... إنتي عارفة من البداية إني مسافر يبقى ليه العياط؟ تحدثت أسمهان من بين دموعها وقالت .: كنت فاكرة إن لسه بدري مش على طول كده ..... ابتسم بخفة محاولاً أن يداري شروده وقال ..... بدري إيه دانا اتأخرت بسبب الجواز .... لم تفهم ماذا يقصد ..... قصدك إيه؟ ابتلع ريقه : ....
قصدي يعني إني كان المفروض أسافر بس اتأخرت شوية على ما أتميت جوازنا يعني ..... ثم أكمل بهدوء وكأنه يستعطفها .... وكمان إنتي عارفة إن ده مستقبلي وحلمي ومش ممكن أتخلى عنه أبداً مهما كان الثمن ...... نظرت إليه بريبة وقالت ... يعني إيه مهما كان الثمن .. طب لو كنت أنا الثمن ده .. هتتخلى عني عشان حلمك؟ ارتبكت معالم إحسان فهو لم يتوقع أبداً مثل هذا السؤال ..... أجاب بهدوء محاولاً أن يتدارك ارتباكه ....
للا طبعاً إنتي عندي مهمة يا أسمهان بس أنا قصدي يعني إن المفروض السفر كان من بدري بس أنا اللي اتأخرت .... ثم أكمل محاولاً تلطيف الأجواء ...... وكمان أنا ناوي أجي كل كام شهر إن شاء الله أسبوع ولو معرفتش هبقى أبعت لك تجيلي .... تهللت أسارير أسمهان من كلامه ولم تتدارك نفسها إلا وهي ترتمي داخل أحضانه وهي تبكي بشدة وتقول ...
ربنا ما يحرمني منك أبداً وأنا هفضل مستنية إنك تيجي أو أنا أجليك وعمو عبدالرحمن في عيوني بس بالله عليك ابقى كلمني على طول عشان هتوحشني قوي .... قالت له هذه الجملة بصوت خافت وكأنها تخجل من أن يسمعها ولا تعلم أنها دخلت قلبه مباشرة فمزقته إرباً لشعوره أنه يخدعها رغم ما يشعر به تجاهها .... أقنع نفسه بالنهاية أنه سيحاول بالفعل أن يأتي كما وعدها ولكنه لن يأخذها أبداً إلى تلك البلاد .......
لا يدري الإنسان أين سيكون نصيبه أو متى سيحصل عليه فكل شخص يحاول ويحاول أن يحقق ما يريد ولكنه دائماً سيحققه بإرادة الله وحده... ولا يعلم أحد أي الأقدار أفضل ...... كانت إيمان تجلس في الكافيتيريا بانتظار شهد فهي قد تأخرت اليوم ولم لا وهي كالعادة تظل مستيقظة لفترة طويلة وهي تكلم أحمد في الهاتف ...... وجدت من يجلس جوارها دون حديث فاتجهت بوجهها إليه ظناً منها أنها شهد ...... إنتي يا كلبة الب........
ولم تكمل لأن من يجلس بجوارها لم يكن غير رامز ذلك الزميل الذي حاول أن يكلمها منذ عدة أيام ..... قال رامز بهدوء وهز يده ارتباك إيمان ..... أنا آسف إني قعدت مرة واحدة كده من غير ما أستأذنك .. بس أنا عايز أتكلم معاكي ومش عارف ....... وقفت إيمان بخجل وارتباك وقالت .... بس أنا آسفة أنا مبكلمش حد ...... رد رامز بسرعة شديدة ...
عارف والله وده اللي عاجبني فيكي بجد إنك مليكيش في حوارات البنات دي .. مهتمية بدراستك وبس .. ومبتصاحبيش أي شاب ... أردفت إيمان بتعجب .... طالما انت عارف كل ده جاى دلوقتي عايز تكلمني في إيه؟ تنحنح رامز وقال .... صراحة أنا معجب بيكي وكن........ لم يكمل حديثه لانتفاض إيمان بشدة وهي تقول بصوت مرتبك ...... لو سمحت أنا مبحبش الكلام ده وأظن أنت نفسك اللي بتقول كده ......
أجاب رامز عليها بسرعة وهو يحرك يديه كأنه ينفي عن نفسه اتهام ..... لالا طبعاً أنا مقصديش كده أنا قصدي يعني لو مفيش حد في حياتك فأنا بتمنى أكون فيها ولما نتخرج هخطبك على طول وكمان مستعد أخطبك من دلوقتي لو انتي عندك استعداد وكمان أنا مش هكلمك ولا هعمل أي حاجة تضايقك بس تديني أمل بس ....... ذهول هو كل ما كان مرسوم على وجه إيمان ... ردت بحدة وقالت ...
بص يادكتور كل اللي بيني وبينك هو إنك زميل وبس والزمالة اللي بينا مديلكش الحق في الكلام ده وحتى لو مفيش حد في حياتي بس آسفة جداً لو فيه مش هيكون إنت تمام وأظن أنا عارفة انت بتعمل كده عشان خاطر إيه بس بلاش نفتح في حاجة ملهاش لازمة وياريت تبعد عن طريقي ...... ذهبت إيمان من أمامه وهي يتآكلها الغضب أما هو فيتآكله الغيظ منها وهو يتوعد لها بالكثير والكثير ......
كل هذا يحدث أمام ناظري رزق والذي كان سيتدخل لولا تدخل شهد والتي قد أتت هي الأخرى لتسمعهم وترى رزق وهو متجه صوبهم فأوقفته قائلة له ..... سيبها يادكتور هو مش هيسكت غير هي ما ترد عليه وأنا واثقة في إيمان وفي اللي هتقولهوله .... ثم نظرت إليه بتردد وقالت ولا انت مش واثق فيها؟ جاوبها بسرعة شديدة قائلاً .:
لا طبعاً واثق فيها جداً كمان بس مش واثق فيه هو لأني عارفه طالب بينجح بالعافية وبيجي الجامعة عشان البنات وبس .. وإيمان مليهاش في اللوع ... ثم أكمل بغيره ..... بس ليها إنها تتعبني وخلاص من كتر النار اللي بتولع فيا لما بشوف حد بيبصلها مابالك بقى باللي واقف هناك زي الطور ده بيتكلم معاها ..... كتمت شهد ضحكتها على منظر دكتور رزق ولكنها فجأة ورد على خاطرها سؤال .... ألا قولي يادكتور يعني بدون زعل هو ليه سموك رزق؟
نظر إليها رزق بدهشة وقال ..... يعني إيه ليه؟ ثم استطرد بامتعاض وقال .: يلا أهو اسم وخلاص ثم أكمل بهمس منها لله بقى جدتي قال إيه سموه رزق لأنه وحيد على البنات وكمان الصغير .......... ضحكت شهد بشدة على كلامه والذي ظن أنها لم تسمعه ...... نظر إليها بغضب وقال ..: بتضحكي على إيه؟ نظرت إليه شهد ببراءة وقالت ....
والله يادكتور جدتك دي زي العسل يلا متجوزش عليها غير الرحمة وعلى العموم لو الاسم مضايقك غيره مفيهاش مشكلة ثم ضحكت بشدة ..... تكلم رزق بهدوء حذر وقال :..... امشي من قدامي أحسنلك لأنك والله لولا إنك صاحبة إيمان لكنت مشيلك المواد بتاعتي كلها لغاية ما تتخرجي ...... ركضت شهد من أمامه وهي تحاول أن تكتم ضحكاتها بشدة ذهبت إلى المدرج ووجدت إيمان تجلس بوجه مكفهر فهي لم تلاحظ أنها قد مرت بجوارهم هي ورزق .....
كلمتها إيمان بغضب وقالت .... كنتي فين يازفتة من ساعتها مستنياكي ومش عارفة حضرتك فين؟ ضحكت شهد بشدة وقالت ... كنت بشوف ليه سموه رزق ...... نظرت إليها إيمان وكأنها برأسين ... هم مين دول؟ جاوبت إيمان من بين ضحكاتها ... لا مش مين دول ... د مين دي طلعت جدته عشان ياحرااام طلع ولد وحيد على البنات وجاي بعد شوقه ...... هو مين؟ سألتها إيمان باندهاش فقلت لها .... حبيب القلب رزق رزوقه .....
ضربتها إيمان على كتفها بشدة ولم ينقذها منه غير دخول الدكتور إلى قاعة المحاضرة....... عندما تشعر أنك ظلمت شخصاً بريئاً ليس له أدنى ذنب بما تريده أنت غير أنه قد وقع أمامك عن طريق الخطأ ... فماذا يفعل حينها؟ هل يدرأ عنه هذا الظلم؟ أم يتركه يمضي بطريقه؟ لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.
كان شعور عبد الرحمن بعد ما علم بسفر ابنه غير المتوقع في هذا الوقت، شعورًا مفرطًا من الألم. ليس بحقه هو، ولكن على إنسانة بريئة ليس لها ذنب غير أنها أصبحت زوجته. ولكن ألم يقع عليه بعض من هذا الظلم؟ فهو من صمم عليها وكأنها ستقوم بإصلاح ما أفسده هو بتربيته الصارمة. ولا يعلم أن سنين من اللامبالاة وعدم الشعور بالآخرين لن يمحيه مجرد أيام مع فتاة نقية مثل أسمهان.
دخل عليه إحسان وهو يعلم بما يفكر. جلس بحواره على الكرسي وما زال عبد الرحمن صافنًا فيما فعل هو وما فعل ابنه. "بابا... " هكذا ناداه إحسان بهدوء حتى أخرجه من شروده. نظر إليه عبد الرحمن وقال بسخرية: "خير، تكونش جاي تسلم عليا؟ تأفف إحسان وقال: "فيه إيه يا بابا؟ أظن حضرتك عارف إني هسافر، فليه بقى السخرية دي؟ نظر
إليه عبد الرحمن بشدة وقال: "أيوه عارف إنك هتسافر، زي ما أنا عارف برضه إن سفرك لسه كمان 10 أيام، أقل حاجة. مش بكرة يا دكتور." وضع إحسان وجهه في الأرض وقال بخفوت: "والله بقى هو ده اللي حصل." رفع وجهه ونظر لأبيه وقال: "وكمان أنا مش عارف فيه إيه لكل ده. أنا عملت كل اللي انت عايزه، يبقى من حقي أعمل اللي أنا عايزه، ولا إيه؟ " وكما مش حضرتك اللي ربيتني جدو، إن مستقبلي أهم من أي حاجة."
غضب عبد الرحمن بشدة وقال: "أيوه، منكرش إني غلطت في تربيتك، وكنت مفكر إني كده صح عشان متطلعش لعبي وفلاتي وأنت وحيدي. بس برضه جبتلك زوجة بنقائها وطيبتها تخلي الحجر يلين، مش بس قلبك." نظر إليه إحسان وهو يحاول أن يواري بداخله شعوره ناحية زوجته وقال: "مستقبلي مش هقدر أعوضه، لكن الزوجة ممكن تتعوض، حتى لو انت بتحبها، فممكن تحب تاني. لكن فرصتي في مستقبلي لو راحت، مش هقدر أجيبها تاني ولا أعوضها." نظر
إليه عبد الرحمن بأسف وقال: "يا خسارة يا ابني، بكرة انت اللي هتندم وتعض على إيدك، ومحدش ساعتها هينفعك، حتى مستقبلك اللي انت بتضحي بالكل عشان خاطره." *** ياليت دنيانا سهلة المنال، ولكنها دائمًا محاطة بالصعاب وبالأحلام المستحيلة. كان رزق يأتي في مكتبه ويجيء، ولا يعرف ماذا يفعل في رأسها اليابس هذا، ولكنه لن يتركها أبدًا. فهو يعرف رامز هذا جيدًا، ويعرف أنه لا يوجد أمامه مستحيل، بل يأخذ ما يريد بأي ثمن.
سمع طرقًا على الباب فأجاب بأن يدخل، وهو يعرف أنها هي، ولم لا، وهو من بعث في طلبها. دخلت إيمان وهي متأهبة بشدة، فهي لم تكن تريد أن تأتي، ولكن شهد من شجعتها حتى تعلم ما يريد. قالت بهدوء: "حضرتك طلبتني يا دكتور." أجابها بهدوء ما قبل العاصفة: "اتفضلي يا إيمان، اقعدي." "آسفة يا دكتور، بس أنا ورايا سكشن كمان نص ساعة." أجابها بصوت هادر: "إيمـــــــان، أنا بقول اقعدي، يا ريت تسمعي الكلام من أول مرة، لأني على أخرى، سامعة؟!
انتفض جسدها من صوته الهادر وقالت بتلعثم: "ههـو فيه إيه؟ ليه بتكلمني كده؟ "لأنك غبية. عرفتي ليه بكلمك كده؟ " نظرت إليه بشدة وكأنها استعادت رشدها وقالت: "أولًا، أنا مسمحش لحضرتك تكلمني كده، وكمان أنا معملتش حاجة لكل ده." أجابها وهو يكز على أسنانه من فرط غيرته: "لا وربنا، يعني معملتيش حاجة؟ أمال مين اللي كان قاعد مع الزفت رامز؟ إيه، تكونش أمي؟ نظرت إليه باندهاش،
ولكن بداخلها فرحة عارمة: "معرفش حضرتك مامتك كانت قاعدة مع مين." أكل المسافة التي بينهم ووقف بالقرب منها وهو يحرك سبابته أمام وجهها ويقول: "استظراف مش عايز. وهي كلمة واحدة، كان عايزك في إيه؟ نشرت إليه ببراءة وقالت: "كان عايز يخطبني." "نععععععععععم يا أختي، كان عايز إيه؟ " هكذا رد عليها بصوته المرتفع، فرط غيرته وعصبيته. وهي بكل برود وهدوء قالت، وكأنها تتهجى حروفها: "يـ... خـ... طـ... بـ... نـ...
ـي. يعني يخطبني يا دكتور." سيطر رزق على غيرته وحاول أن يهدأ، وقال لها بصوت حاسم شديد اللهجة لم تسمعه منه من قبل: "طب يا إيمان، لو لمحتك مرة واقفة معاه، مش هيحصلك كويس. أنا مبراش أكلمك لأني بدعي ربنا إنه يجعلك من نصيبي، عشان كده مبحاولش إني أغضبه فيكي. بس مش معنى كده إني مركب قرون، ماشي؟! "أنا قلتهالك ولسه بقولهالك، انتي إن شاء الله هتبقي مراتي، تمام؟ فياريت تحترمي ده وتراعي إن معايا في نفس المكان."
فتحت إيمان فمها حتى تتكلم، فأوقفها بيده وقال: "مش عايز أسمع منك ولا كلمة، واتفضلي يلا على السكشن بتاعك، وبعدها من باب المدرج على باب الجامعة، ومنه لباب بيتكم، ماشي ولا مش ماشي؟ يلاااااا." انتفضت إيمان وخرجت مسرعة، وكأن بداخلها تناقض في مشاعرها. فهي سعيدة جدًا بغيرته الظاهرة، وأيضًا تشعر بالغيظ من تحكماته الغير مبررة، ولكنها بالتأكيد شعور السعادة يطغى على أي شعور آخر. ***
عندما يشعر الإنسان بأن روحه تُسلب منه، وكأن أحدًا ينتزعها انتزاعًا، فإنه لا يقدر على المقاومة. بل أن كل ما يملكه هو الاستسلام للظلام السائد من حوله. كانت أسمهان تشعر بالعجز وهي ترى أن زوجها سيتركها ويسافر. كان لديها شعور داخلي بأن ما سيأتي لن يكون في صالحها. فهي تشعر بغصة في قلبها، ولكن ماذا تفعل؟ فهي لن تقف أمام مستقبله. وهي منذ البداية تعلم أنه سيسافر ليكمل دراساته العليا، فلما تشعر بالحزن الآن؟
كان إحسان بالمقابل يتأكد من غلق حقائبه وأن بها كل ما يريد. وفي المقابل، فهو لا ينظر لأسمهان. لا يعلم لما يشعر تجاهها بالخزي وأنه خذلها، ولكن عقله كالعادة يهيئ له أنه لم يفعل، وكل ما يحدث هو متفق عليه منذ البداية، إذا فهو لم يظلمها أبدًا. حمل حقائبه واتجه ناحية الباب لينزلهم إلى التاكسي المنتظر تحت العمارة. نادت عليه أسمهان بصوت خافت متحشرج من أثر البكاء: "إحســــــــان...
" وقف على مضض، فهو لا يستطيع أن يودعها، ولا يعلم لماذا. أكملت عندما لم تجد منه إجابة وقالت بصوت مخنوق: "انت حتى مش حابب تسلم عليا." أجابها إحسان بارتباك: "لا طبعًا، بس كل الحكاية إني كنت هنزل الشنط وأطلع أسلم على سيادته اللواء، وبعدها هسلم عليكي." صدقه قلبها الأحمق الذي خفق له دون دراية منها. ولكنها رغم ذلك تقربت منه وقالت: "ليه مش عايزني أوصلك؟ ماذا يقول لها؟ أيعترف لها أنه خائف من أن يضعف أمامها ويلغي سفره؟
ماذا يقول إذا؟ استدار إليها وأخذها بين أحضانه وضمها بشدة وهو يحاول تهدئة دموعها الفياضة وقال: "طب بتعيطي ليه دلوقتي؟ إحنا مش قلنا إننا إن شاء الله هنتكلم على طول؟ وكمان أهو يا ستي أنا سافرت بدري عشان تركزي في امتحاناتك وتطلعي من الأوائل زي كل سنة، تمام؟ قبل جبينها بشدة، ثم تركها بسرعة وأخذ حقائبه ونزل الدرج وهو يهرول، وكأنه خائف أن يلتفت خلفه فيتغير مصيره.
ذهبت إلى البلكونة لكي تراه وهو يركب التاكسي. أشارت له بيدها وهي تغتصب ابتسامة على شفتيها، ورد إليها الإشارة، ثم ركب بسرعة ومشى أمام عينيها التاكسي وهو بداخله. ولا تدرى هل بسفره ستبدأ حياتها أم أنها ستنتهي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!