الفصل 16 | من 27 فصل

رواية ونسيت أني زوجة الفصل السادس عشر 16 - بقلم سلوى عليبة

المشاهدات
17
كلمة
4,115
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

عندما يشعر الإنسان بالعطش وسط نهر من المياه، لا يقدر أن يرتوي ولا يقدر على الابتعاد. كان هذا حال إحسان عندما وجدها أمامه. لم يستطع التصديق إنها هي، من أراد البحث عنها، من أراد أن يقابلها لعلها تغفر أو تسامح. أما أسمهان، فكان الحال عندها مختلف. كانت تشعر أن الأرض تميد بها ولا تستطيع الوقوف. حاولت كثيراً التماسك ولكنها لم تستطع، وقررت الاستسلام للظلام من حولها، لعلها تفيق مرة أخرى فتجد أنها كانت في حلم.

وقعت أسمهان وسط خوف حمزة الفعلي ووسط زهول إحسان، والذي لم يفق منه حتى الآن. كان حظ أسمهان أن ورائها كرسي، فعندما وقعت، وقعت عليه. كان حمزة ينظر لأسمهان وهو لا يفهم شيئاً. لماذا عندما رأت ذلك الطبيب حدث لها ما حدث؟ أهي تعرفه؟ وجد باسل يسحبه من يده وهو يقول: "ابعد كده يا حمزة عنها، خليها تشم هوا وخلينا نجيب حاجة تفوقها."

عند تلك اللحظة، وكأن إحسان قد استيقظ مما هو فيه. ذهب إليها مسرعاً، أمسك يدها وهو يدلكها لها. أخرج زجاجة عطر من حقيبته وذهب إليها حتى يفيقها. في هذه الأثناء، كان حمزة يصيح بباسل أن يجد شيئاً حتى تستفيق. سحبه إحسان بشدة وتكلم معه بغضب وغيره لما رآه من لهفة حمزة على أسمهان: "لو سمحت، متنساش إني دكتور. ابعد شوية كده خليها تفوق. ويا ريت تروح تقف مع دكتور أرمان عشان ميحسش بحاجة، والحمد لله إنه بيتكلم مع اللي جنبه ومركزش."

نظر إليه حمزة ولسان حاله يقول: من أنت؟ ولماذا أنت قلق هكذا؟ ولكنه لم يستطع. فأشار إلى باسل وقال: "روح يا باسل، خلص الإجراءات خلينا نمشي من هنا. وأنا مش هتحرك غير لما أسمهان تفوق." لم يعيره إحسان بالاً، فكل ما يريده هو أن تفوق إسمهان من إغمائها. ظل إحسان يقرب العطر منها ويدلك يدها ويضرب على صدغها برفق، وهو يقول بصوت خافت، ولكن سمعه حمزة، ذلك الذي يستشيط غضباً:

"فوقي يا أسمهان، فوقي يا حبيبتي. أنا آسف لو أعرف إن رجوعي هيتعبك، مكنتش رجعت. عارف إني جرحتك كتير، بس كنت راجع وعندي أمل إنك تسامحيني. أرجوكي فوقي عشان خاطري." بدأت أسمهان تستفيق. ويا للغرابة، فإحسان بالفعل أمامها. لم تكن تتخيل. مهلاً، مهلاً، ماهذه الدموع التي بعينيه؟ هل كان يبكي؟ تبًا! هل الآن فقط يبكي؟ لما؟ لما الآن؟ أبعد أن بدأت تجد نفسها وتحقق ما تريد؟ فوجئت بحمزة وهو يتكلم معها بلهفة ويقول: "إنتي كويسة؟

فيكي حاجة؟ حاجة بتوجعك؟ أجبلك دكتور؟ عند تلك النقطة، زمجر إحسان بغضب وقال: "على أساس إني إيه؟ سباك؟ مانا دكتور ولا مش عاجبك؟ نظر إليه حمزة بتفحص شديد وقال: "لا أبداً، إزاي. أنا بس من لهفتي على أسمهان قولت كده. أصلك متعرفش هي غالية عليا قد إيه."

نظر إحسان إليها بعد أن فهم من كلامه أنه يوجد بينهم شيء، خاصة بعد صمت أسمهان. ولم يكن يعلم أن أسمهان لم تسمع حرفاً واحداً مما قيل، فهي حتى الآن لم تخرج من صدمتها من رؤياه غير المتوقعة، والأكثر من ذلك، كيف ستراه يومياً ولمدة شهر؟ يا الله، أخرجني من هذا الموقف. نهضت مرة واحدة وقالت: "آسفة جداً يا مستر حمزة. أنا بس ما أكلتش حاجة من الصبح ويومي كان مشغول جداً، فحصلي هبوط مفاجئ." صرخ إحسان بها بقلق وقال:

"وإنتي إزاي تخرجي أصلاً من غير أكل يا أسمهان؟ إنتي بتستهبلي؟ نظرت إليه وردت ببرود وقالت: "سوري، المرة الجاية هاكل." ثم نظرت لحمزة وقالت: "آسفة كمان مرة. هو فين دكتور أرمان؟ ضحك حمزة وقال: "دكتور أرمان زمانه راح الفندق. ستر ربنا إنك اغم عليكي في أول القاعة، وهو كان معاه ناس جوه، مأخذش باله." سألته أسمهان بهدوء: "طب دلوقتي إيه اللي المفروض يحصل؟ يعني هنروح الفندق ولا هو دلوقتي هيرتاح وهنتقابل بكرة؟ أجابها إحسان بغيظ

من كلامها السلس مع حمزة: "تقدري إنتي تروحي، ودكتور أرمان لو احتاج حاجة، أنا هترجماله. أظن إنك تعبانة والمفروض تاكلي وتستريحي، ولا إيه؟ لم ترد عليه أسمهان، ولكنها نظرت إليه نظرة عتاب معناها: هل أنت تهتم حقاً؟ أجابها هو الآخر بنظرة أسف، لعلها تقبلها، ولكنها حولت عينيها عنه وقالت لحمزة: "أستأذن أنا بقى من حضرتك، ولو فيه أي حاجة، مع حضرتك تليفوني."

اطمأن إحسان من كلام أسمهان مع حمزة، فهي تتكلم معه برسمية شديدة، إذاً لا يوجد شيء بينهم، أو على الأقل لا يوجد شيء منها تجاهه. أما هو، فبالطبع لا، فعينيه تحكي الكثير. ولكن، صدقاً، لن يتركها لأحد، سيسترجعها مرة أخرى. آآآه، لو تعرف أنها حتى الآن لم تذهب لغيرك، ولكنها ملكك أنت. ورغم هذا، فاسترجاعها أيضاً صعب. استوقفها حمزة وقال: "مدام أسمهان، اتفضلي معايا أوصلك." أجابته بابتسامة لم تصل لعيناها وقالت:

"شكراً لحضرتك، بس أنا معايا عربية بره." قال إحسان بتهور: "خلاص، وصليني في طريقك." نظر إليه حمزة وكان سيرد عليه، ولكن سبقته أسمهان وقالت بنظرة ذات معنى: "آسفة، طريقي غير طريقك يا دكتور، ومعتقدش إنه ممكن يبقى واحد في يوم من الأيام." ثم خرجت وهي تدعو القوة، ولكنها حقاً تريد أن تتوارى من أمامه وتنفرد بنفسها. وقف حمزة أمام إحسان وقال: "تعالى يا دكتور، وأنا أوصلك." نظر إليه إحسان بضيق وقال: "شكراً، هاخد تاكسي."

ثم ذهب وهو يود الفتك بذلك الحمزة، ويود أيضاً أن يذهب ويأخذ أسمهان بين أحضانه حتى ترضى عنه وتسامحه. عندما ترى وأن الدنيا بأسرها تجبرك على شيء حاولت نسيانه. هكذا كانت أسمهان. ظلت طوال وقتها بالسيارة وهي تحاول أن تتمالك نفسها حتى لا تنهار. وصلت إلى المنزل ولا يوجد بداخلها غير سؤال واحد: هل كان عمها عبد الرحمن على علم برجوع إحسان، أم أنه لا يعلم؟ قررت أن تسأله وتعرف منه إن كان يعلم، لما لم يقل لها؟

فتحت الباب ودخلت إليه، ولكنها لم تجده. سألت عليه إلهام، فقال لها إنه خرج للقاء بعض الأصدقاء. لم تعلم مع من تتحدث، فنادر ورواء بشهلهما، ولن تقلقهما أبداً. دخلت إلى غرفتها وأبدلت ملابسها وتوضأت للصلاة. رن هاتفها، فأنهت صلاتها وذهبت للرد. لم يكن رقماً مسجلاً. "السلام عليكم، مين معايا؟ "............. "أهلا مستر حمزة، فيه حاجة." "................ "الحمد لله، أنا أحسن دلوقتي." "................

"الف شكر على سؤال حضرتك، وأنا آسفة جداً، مضطرة أقفل، مع السلامة." قذفت الهاتف على التخت وهي تقول: "وماله ده كمان، كل شوية بلاقيه في وشي. ربنا يستر." كان حمزة يستشيط غضباً مما حدث، خاصةً عندما هاتف أسمهان وردت عليه ببرود. دخل عليه باسل وهو يقول: "فيه إيه؟ مالك كده مش على بعضك؟ نظر إليه حمزة بزمجرة دليل على غضبه: "عملت إيه؟ جبت اللي قلتلك عليه ولا لا؟ تنحنح باسل وقال:

"بقولك إيه، متفضك من الموضوع ده وتنساه. ما البنات على قفا من يشيل، واللي انت بتشاور عليه بيجيلك لتحت رجلك." رد عليه حمزة بغضب وقال: "بقولك إيه يا باسل، أنا مبعملش حاجة حرام، سامعني؟ ضحك باسل باستهزاء وقال: "حق ربنا، انت بتتجوزهم عرفي بس، واللي تعصلج قوي تتجوزها رسمي، وأقصاها شهر وأقلب." نظر إليه حمزة بضيق وقال: "محدش بيضربهم على إيدهم، ماااشي؟ صرخ باسل وقال: "عشاااان كده نفسي أفهم، عايز إيه من أسمهان؟

ليه بعتني أعرفلك كل حاجة عن دكتور إحسان؟ لييييه؟ "لأن نظراته ليها مش مريحانى. لهفته عليها وجعتني. فهمت، لازم أفهم مين ده ويبقى ليها إيه؟ ده أنا كنت مبسوط إني هشوفها كل يوم ولمدة شهر بحجة دكتور أرمان. كنت هحاول أقرب منها، يمكن تحبني." نظر إليه باسل باستغراب وقال: "تحبك مين دي اللي تحبك؟ جاوبه حمزة بصياح ونفاذ صبر: "أسمهاااان يا أخي. إيييييه؟ مش من حقي إني أحب وأستقر مع حد نضيف؟

حد أبقى عارف إنه هيصونى وأنا معاه وأنا مش معاه؟ جلس على المقعد وقال بصوت هادئ قليلاً: "غصب عني حبيتها، أتمنتها تكون ليا. إيه؟ مش من حقي؟

ولما عرفت إنها متجوزة حسيت إن ده عقاب ربنا ليا على اللي عملته. إن اللي أنا حبيتها مش من حقي. بس من كلامك عرفت إنها متجوزة جواز صالونات، في خلال شهرين خطوبة وفرح، وإن جوزها مسافر بقاله أكتر من سنتين ومرجعش. قولت خلاص فرصة إني أقرب منها، يمكن تحبني وتطلب الطلاق من جوزها. عارف إني غلط، بس والله غصب عني." ربت باسل على كتفه وقال: "ياااه يا حمزة، كل ده جواك. بس للأسف يا حمزة، اللي أنا عرفته مش في صالحك خالص."

رفع حمزة بصره إليه باستفهام، فأكمل باسل وقال: "دكتور إحسان عبدا الرحمن يبقى جوز أسمهان. وغير كده، اكتشفت إنه كان بيشتغل في المستشفى بتاعتنا قبل ما يسافر للمنحة بتاعته. وكمان كان من أكفأ الدكاترة اللي في المستشفى، وفعلًا هو أثبت نفسه في ألمانيا، عشان كده بروفيسور أرمان اختاره إنه يكون ضمن الفريق الطبي بتاعه، وعشان كده جه مصر مرة تانية." وقف حمزة وهو يضحك بشدة وقال: "يعني أنا كنت مشغل غريمي عندي في المستشفى؟

ههههههه، نكتة والله. وكمان جه مرة تانية ضمن الفريق الطبي اللي أنا بسعى إنه يجي من أكتر من ست شهور. ههههههه، لا والله، أنا طلعت غبي قوي. وأنا اللي كنت فرحان إني هقرب منها، قمت إيه؟ جبت لها جوزها." توقف مرة واحدة عن الضحك وقال:

"بس لا، مقابلتهم لبعض تدل إن فيه حاجة مش مظبوطة مابينهم. لو فعلاً هم زوجين وبيحبوا بعض وكان عاملها مفاجأة مثلاً لها، كانت أول ما شفته اترمت في حضنه. بس دي اغم عليها، وغير كده قالتله إن طريقهم مش واحد." ابتسم بخبث وقال: "لو طريقهم مش واحد، أنا بقى هخليه مش موجود أصلاً." كان إحسان يجلس بشرفة غرفته بالفندق، يفكر بأسمهان وكيف تغيرت وأصبحت أجمل وأنضج. تذكر أيضاً كلمتها له وأنهم طرقهم مختلفة. ردد بينه وبين نفسه:

"حتى لو طريقنا مختلف، فأنا هخليه واحد يا أسمهان. بقه معقول مسمعتش الحرب اللي كانت جوا قلبي لما شفتها؟ تنهد بشدة وقال: "شكل طريقنا طوييييل، بس مش مهم، أنا بقى اتعلمت البرووود ومش هسيبك." دخل عليه استيوارت وهو يضحك ويقول: "مابك يا رجل؟ هل تحدث نفسك؟ نظر إليه إحسان وقال بسعادة: "نعم استيوارت، فأنا لم أتوقع أن أراها فور وصولي، لقد كانت أفضل مفاجأة يا رجل." رفع استيوارت يديه الإثنين وقال:

"ليس لي يد بتلك المفاجأة إحسان، بل إن مفاجأتي لك كانت في وجودك ضمن فريق بروفيسور أرمان، ولأنك تستحقها، فلم تأخذ مني أي مجهود، ولكني كنت أعلم أنها ستكون مفاجأة مبهجة لك يا صديقي." ضحك إحسان وقال: "صدقاً استيوارت، لقد كانت أفضل مفاجأة حصلت عليها منذ مدة." جلس استيوارت بجواره وقال: "ولكن يا رجل، إن امرأتك أجمل بكثير من الصور. ثم أكمل بخبث: وأعتقد أن لديها معجبون." انتفض إحسان وقال: "ماذا تقول؟ عن أي معجبون تتكلم؟

وضع استيوارت قدماً فوق أخرى وقال: "ذلك الرجل المدعو حمزة، صاحب المشفى الذي سنجري بها العمليات الجراحية." نظر إليه إحسان بغيره وخوف من فقدانها، فهو كان يشعر بذلك، ولكن أن يواجهك أحد، فالأمر مختلف. سأله إحسان بخوف: "هل من الممكن أن أفقدها استيوارت؟ فعندما رأيتها أردت أن أضرب نفسي بالرصاص لابتعدي عنها يا رجل. عندما رأيتها أردت أن آخذها بين أحضاني وأخفيها عن العالم بأسره." رد عليه استيوارت بنزق: "ولما لم تأخذها يا أحمق؟

طأطأ إحسان رأسه وقال: "لأنها لا تحل لي. ألم أقل لك أني طلبت من والدي تطليقها مني؟ "أحمق أنت، فقط أحمق كبير. رغم أنك طبيب عبقري، إلا أنك مُحِبٌ غبي يا رجل." وقف إحسان وقال: "حسنًا استيوارت، فأنا لن أتخلى عنها، فهي لي أنا، ولن تكون لغيري." ضحك استيوارت وقال: "هذا هو يا رجل، وأنا سأساعدك حقاً حتى تسترجع حبيبتك." "نعم استيوارت، فأنا سأسترجعها. وسأحدث أبي غداً وسأجعله يساعدني هو الآخر." نظر إليه استيوارت باستغراب وقال:

"حقاً يا رجل، لما لم تبلغ أباك بميعاد وصولك؟ ألم تشتاقه؟ زفر إحسان بحنين وقال: "بل أشتاقه كثيراً استيوارت، ولكني لم أرد أن أبلغه حتى أفاجئه بوجودي وأرى اشتياقه لي." سأله استيوارت: "إذاً، لما لم تذهب إليه الآن؟ رد عليه إحسان بهدوء وقال:

"فكرت بذلك، ولكني أعلم والدي، فهو يقابل أصدقاءه بالنادي يومياً ويتسامرون سوياً، وإذا ذهبت إلى المنزل فلن أجده. وأنا أريد أن أفاجئه عندما يستيقظ، سيراني أمامه، فأنا سأذهب إليه في الصباح الباكر. فأنا حقاً أشتاقه جداااااا." لماذا يدق القلب لمن لن يكون أبداً من نصيبك؟ ولكن مهلاً، هل عندك علم ماذا سيفعل القدير؟ بالطبع لا. إذاً علينا السعي وعلى الله التدبير.

جلس علاء وهو يحاول أن يرتب أوراقه من جديد. فهو قرر أن يبدأ حياته الفعلية بعيداً عن تلك الأفعال المشينة والتي تجعله محط سخط من الجميع، عدا والدته بالطبع. قرر أن يحاول ويسعى، وأن يدعو الله أن يجعلها من نصيبه. فهو ما زال يذهب لها في الجامعة لكي يراها، ولكن لم يتحدث معها أبداً. بل والأكثر من ذلك، عندما يعرف أنها سترجع إلى بلدتهم، فإنه يذهب حتى تركب السيارة ويمشي ورائها حتى يطمئن على وصولها. ولا يعرف إن كانت تراه أم لا. فهو يفعل هذا حتى يطمئن عليها فقط. شعور جديد عليه أن تكون مسؤولاً عن شخص ما، ويكون هذا الشخص هو محور حياتك، بل وتحاول أن تسترضيه إلى الرضا التام.

ذهب إلى والده في ورشة الميكانيكا الخاصة به، وجده جالسًا على المكتب، فهو الآن لا يعمل بيديه. فوجئ به إبراهيم واستغربه في الوقت نفسه. وقف إبراهيم وقال: "خير؟ عايز فلوس ولا إيه؟ ابتسم علاء بينه وبين نفسه، ولسان حاله يقول: أن والده هو أيضاً له يد في ضياعه. جلس علاء بهدوء وقال: "لا يا بابا، مش عايز فلوس، بس عايز حاجة تانية." قال إبراهيم باستغراب: "حاجة إيه دي إن شاء الله؟ رد عليه علاء بثقة:

"أشتغل. عايز أشتغل يا بابا. أظن قبل كده كنت قلت لحضرتك إني عايز أمسك الأجانس وانت رفضت، وأنا دلوقتي بكرر طلبي. وقبل ما توافق أو ترفض، فأنا هقولك على حاجة." سأله إبراهيم وقال: "إيه هي الحاجة دي؟ قال له علاء بهدوء:

"شهرين. إديني مهلة شهرين أمسك فيهم الأجانس. لو عجبك شغلي، هكمل. لو معجبكش، خلاص، هروح أدور على شغل تاني. وغير كده، مش هاخد غير مرتبى وبس. والمرتب ده هو نفس مرتب عادل اللي كان ماسك الأجانس قبل كده. وبرضه، أي عربية هبيعها، هيبقى ليا نسبة منها زي ما كان ماشي بالظبط. مش عايز حاجة أكتر ولا أقل." نظر إليه إبراهيم وقال بهدوء غريب، رغم السعادة التي بداخله، فها هو ابنه الوحيد يريد أخيراً أن يساعده:

"إيه السبب اللي غيرك كده وخلاك بقيت جد؟ ولا دي حيلة جديدة عشان تقرب وتاخد اللي انت عايزه وتفضل ماشي في طريقك اللي انت ماشي فيه؟ نظر إليه علاء بحزن وقال:

"حقك يا بابا. بس ياريت متنساش إن الطريق ده أنا مرحتلوش لوحدي. بالعكس، انت وماما ليكم يد فيه وانتوا كنتوا السبب الرئيسي. ماما بحقدها وغيرتها من عمي ومراته وولاده. وانت بسلبيتك معايا لدرجة إني مهما عملت من غلط، مكنتش بتوجه أو بتعاقب. لا، للأسف كنت بتسيبني مجرد ما ماما تقولك خلاص، ده حتة واحد. بس المفروض يا بابا، عشان أنا حتة واحد، كنتوا تحبوني أكتر. كنتوا تخلوني عندي مسئولية أكتر، لأني ببساطة مليش سند غير نفسي، لأن مليش إخوات."

وقف مرة واحدة وقال:

"أنا مش وحش يا بابا. صدقني، أنا عمري ما كنت وحش، وده لأن إبنك، لأن عارف إن قلبك طيب وقد إيه بتحب الخير للكل، وبتحب عمي وولاده قد إيه، عكس ماما. ربنا يهديها. بس برضه انت اللي اديتها الفرصة لكده. لو كنت من البداية رفضت أي كلمة ليها عن عمي وولاده، مكنش الموضوع وصل لكده. بس الحمد لله إني واخد منك انت مش منها. أخدت قلبك انت وطيبته. عشان كده أنا حابب إني أتغير. هتساعدني يابابا ولا برضه مش هيكون ليك موقف؟ وقف إبراهيم أمام

علاء وأخذه بأحضانه وقال: "من بكرة تستلم مفتاح الأجانس وتشغله زي ما انت عايز، وأنا واثق في قلبك وعقلك يا ابن إبراهيم." ضحك علاء وقال: "ربنا يباركلي فيك ياااارب." أخرجه إبراهيم من أحضانه وقال بلؤم: "أقطع دراعي من هنا إن ما كان الموضوع ده له علاقة بمزة حلوة خلتك تتغير." ابتسم علاء بحزن وقال: "حتى لو اتغيرت، هيفيد بإيه؟ وهي واخده عني فكرة زي الزفت. يلا الحمد لله. يلام يابابا." تتبع إبراهيم علاء حتى خرج من الورشة وقال:

"ربنا يريح قلبك يا بني ياااارب."

عندما لا يشعر الإنسان أنه يريد المواجهة، فإنه يهرب لأي شيء حتى يبتعد. لم تستيقظ أسمهان من النوم حتى الساعة الثامنة، فهي بالعاده تستيقظ في السادسة. استغرب عبد الرحمن، والذي شعر بالقلق عليها، خاصةً بعد كلام إلهامى أنها كانت في حالة مزرية بالأمس وأنها قد سألت عليه. حاول الدخول لها بالأمس، ولكنها وجدها مستغرقة بالنوم على غير عادتها، فهي بالعاده تنتظره حتى يأتي مهما تأخر. ولم يكن يعلم أن نومها هذا ما هو إلا هروب مما حدث.

طرق الباب مرة بعد مرة حتى استيقظت أسمهان. نظرت إلى الموبايل فوجدت الساعة قد تخطت الثامنة. قفزت من على التخت وهي تقول: "كيف حدث هذا؟ " ذهبت مسرعة إلى دورة المياه، أخذت دشًا سريعًا وخرجت، غيرت ملابسها بسرعة، صلت فرضها وخرجت، فوجدت عبد الرحمن أمامها. نظر إلى وجهها وقال: "مالك يا أسمهان؟ وشك شكله مرهق ليه؟ ولا انتي كنتي بتعيطي ولا إيه؟ اتجهت إلى الباب وقالت: "لو سمحت يا عمو، سيبني دلوقتي، ولما أرجع نبقى نتكلم." صرخ بها

بشدة لم تعهدها منه وقال: "أسمهااااان، من إمتى لما بكلمك بتسبيني وتمشي؟ نظرت إليه أسمهان وأجابت بحدة: "من لما عرفت إني مليش قيمة عندك. طب كنت قولي إنه جاي، مكنتش روحت وحسيت باللي أنا حسيته لما شفته قدامي." لم يفهم عليها عبد الرحمن وقال: "مين ده اللي شوفتيه واللي أنا مقلتلكيش عليه؟ أنا مش فاهم حاجة." وقفت أسمهان أمامه قالت بحزن:

"يعني حضرتك متعرفش إن دكتور إحسان العظيم رجع، وإني شفته امبارح مع الوفد اللي أنا كنت رايحة أقابله؟ جلس عبد الرحمن على المقعد بقوة وهو يشعر بغصة في قلبه. أراد ولده دون أن يقول له، بل والاكثر أنه هنا منذ الأمس ولم يأت إليه. جلست أسمهان على الأرض أمامه ووضعت يديها على رجليه وقالت، من بين دموعها وكأنها تستجديه:

"أرجوك قولي إنك مكنتش تعرف. قولي إنك اتفاجأت دلوقتي زي ما أنا اتفاجأت. صدقني مش هستحمل إنك انت بالذات تكون بتكذب عليا، والله ما هستحمل. انت أبويا. أيوه والله، أنا بحس معاك إنك فعلاً أبويا. فبلاش تخذلني عشان خاطري." أمسك عبد الرحمن وجهها بين يديه، ودموعه هو الآخر تجري على صدغيه حزنًا عليها وعلى ولده الذي لم يضعه في الحسبان. قال لها:

"والله يابنتي ما عرفت غير منك دلوقتي. ولو كان قال لي أو عرفني، كنت هقولك وأخيرك. عمري ما كنت هسيبك تتفاجئي زي ما حصل. إنتي يا أسمهان مليتي عليا حياتي وحسستيني فعلاً إني ليا بنت وبتخافي عليا. دانتي أحن عليا من ابني نفسه اللي اكتشفت إنه وصل مصر ومفكرش إنه يجي لي أو يفوت عليا حتى." نظرت إليه أسمهان وقالت: "أنا مش هينفع أقعد هنا تاني. لأنه لو قرر يجي، مينفعش إنه يلاقيني هنا." اعتدلت في وقفتها وقالت من بين

دموعها وهي توليه ظهرها: "أرجوك يا عمو، طلقني منه. أنا مش عايزاه يعرف إني لسه مراته. أرجوك." لم تلق إجابة من عبد الرحمن، فاستدارت فوجدته ينظر لذلك الواقف أمامه وعيناه ملئى بالدموع وهو يقول بهذيان: "بجد؟ أسمهان لسه مراتي؟ يعني بابا مطلقهاش مني؟ صرخ بشدة وهو يقول: "مراااااااتى، أسمهان لسه مراااااااتى."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...