تكون صداقتنا إما كبحر ماؤه أجاج عندما نروى به يموت النبات أو كماء عذب فرات نروى فيزدهر ويترعرع ويظلل علينا بالأغصان المورقة. فتكون صداقتنا كظل نهرب به من زمهرير حياتنا. ولا تكون كنار تحرق كل شئ جميل. فحذاري ثم حذاري عند اختيار الصديق. كان علاء يقف على الباب ولا يدري لما سمع كلام شيطانه وأتى. ولكنه حقًا ظن أنه يستطيع أن يقاوم. واه والف آه من كبر النفس وعجرفتها.
دخل عليهم وأصدقاؤه ينظرون لبعضهم البعض على نجاح مخططهم في استقطاب علاء مرة أخرى. نظر إليه سمير بابتسامة كاذبة: أهلاً أهلاً يا أبو الصحاب، وحشتنا ووحشتنا أيامك. نظر إليه علاء وبداخله صوت يقول له لا تفعل وصوت آخر يقول سأجلس قليلاً وفقط ولن أشرب شيئًا. جلس بجانب راغب وقال: أهلاً بيكم، إيه يعني ملحقتش أوحشكوا، مانتو على طول بتتنطولي في شغلي. غمز راغب بعينيه بلؤم وقال:
بس قاعدتنا دي مختلفة، يعني بزمتك موحشتكش السجارة المحشية دي ولا حجر الشيشة المغمس. ثم قهقه بصوت عالٍ للغاية. ابتلع علاء ريقه وقال بصوت مهزوز: بصوا بقى أنا جاي أقعد معاكم شوية، لكن لو قعدتوا تقولولي أشرب إيه ومعرفش إيه همشي وأسيبكم، ماشي. نظر سمير لراغب وقال بخبث ومكر: خلاص يا راغب متتقلش عليه في الكلام، يمكن الحاج شده ولا حاجة ومش عايز يقول. وقف علاء بغضب وقال:
بقولك إيه، أنا راجل ومفيش حد بيشدني حتى لو كان أبويا، بس الفكرة إني بطلت ومش عايز أرجع تاني. ضحك راغب وقال: وده من إمتى يا علاء، داحنا قولنا بقى إنك رجعتلنا وهنعيد الأمجاد تاني، بس على العموم براحتك خالص وكفاية إنك قاعد معانا ومأنسنا، ولا إيه يا سمير. ابتسم سمير بخبث وقال: آه طبعًا أوماال. جلسوا جميعًا يتحاورون في كثير من المواضيع. بينما سمير وراغب يشربون ما حرم الله وهم يتلذذون به تحت أنظار علاء وعقله
الذي يراوده ويقول له: ماذا فيها إن أخذ مرة واحدة، فلن يحصل أي شيء حينها. كان علاء يبتلع ريقه بشدة في كل مرة يرى من يقولون أنهم أصدقاؤه وهم ينتشون مما يشربون. أراد أن يجرب هذا الإحساس ثانية ولما لا. ضعفت قواه وقل إيمانه ولم يقو على الاختبار. فمد يده إلى سمير وقال: بقولك إيه، اديني الشيشة بس مرة واحدة بس. غمز سمير راغب وهم يرون علاء وقد بدأ في طريق العودة إليهم.
وتلك المرة لن يتركوه أبدًا ولن يبتعدوا عنه حتى لا يبتعد هو. وضع علاء مبسم النرجيلة على فمه لكي يسحب منها. ولكنها فجأة وفي ومضة بسيطة جاءت صورة نوران أمامه وهي تنظر له بإشمئزاز لما يفعل. قذف النرجيلة ووقف مرة واحدة وقال بصوت جهوري وكأنه يعنف نفسه أولاً قبل أصدقائه: بصوا بقى القرف ده مش هرجعله تاني. أنا بحمد.
بما كل يوم اني بعدت عنه وربنا هدانى ولو عايزين تفضلوا اصحابى يبقى تسيبكوا انتو كمان من القرف ده سامعين يا إما مش عايز أعرفكم خالص. ثم ذهب بإتجاه باب الشقه وخرج بقوه وكأنه يهرب من شئ ما. لو كانت قلوبنا بأيدينا لأصبحت حياتنا أفضل، وذلك لأننا سنوجهها كما نريد ولما نريد، ولكنها دايماً تروح لأشخاص لم يكن يوماً نفكر أن تكون قلوبنا ملكاً لهم.
كان إحسان يجلس في غرفته بالفندق، فاليوم العمليات بعد وقت الظهيرة، فلم يرد أن ينزل إلى الأسفل لكي لا يلتقي بها، هي مرهقة قلبه وعقله، ولكن فلتفعل ما تشاء فهي محقة فيما تفعل. دخل عليه إستيوارت وهو مشفق عليه، ربت على كتفه وقال: "مابك يا صاح؟ هل ستظل هكذا وحيداً شريداً؟ ألم ترجع لبلدك لكي ترجع لك حبيبتك والتي إلى الآن زوجتك؟ إبتسم إحسان بحزن وقال:
"بلى رجعت، ولكني لم أكن أعلم أني حين خرجت من بلدي تركت ورائي زوجة وطفل مات بسبب عنادي وكبريائي اللعين." أكمل بشرود: "ظننت أنها لا تمثل لي شيئاً، ولم أكن أعلم أنها تمثل لي كل شيء، بل إني دونها ضائع ولا أجد لي مأوى غير بين يديها. أشتاقها وهي أمامي." "آآآآآآه يا رجل من كم المرارة والألم الذي أشعر به، فكيف شعورها هي وأنا من تركتها ورائي ورحلت دون أن أنظر خلفي ودون أن أقيم اعتباراً لأي شيء آخر." نظر إليه إستيوارت وقال:
"يا الله كم غريب هذا القلب، كانت بين يديك وتركتها طواعية، والآن تريدها بشدة بعد أن جرحتها وآلمتها، ولكن ماذا أقول غير أن عليك أن تحارب بشدة حتى تستعيدها، أم تريد ذلك السمج الآخر يأخذها منك؟ فزوجتك جميلة ومن يريدها ليس بخصم سهل." إشتد احمرار عين إحسان من الغيرة والغضب وقال: "من قال لك على ذلك السمج إستيوارت؟ ضحك إستيوارت بشدة وقال:
"ويحك يا رجل، إن أذنيك تكاد تخرج منها النيران، وصدقاً فلم يقل لي أحد على هذا السمج، ولكني نظرت وفهمت نظرات الرجال وهو ينظر لها نظرة محب عاشق." وقف إحسان وأخذ يذهب ويجيء وهو يتوعده بالقتل إن لم يتركها ويبتعد. ذهب إلى باب الغرفة وقال: "سأهبط للأسفل حتى أتكلم معها." ضحك إستيوارت بلؤم وقال: "نعم نعم، فأنت يجب عليك الهبوط حقاً، فهي تجلس مع بيانكا بمفردهم بعد صعود بروفيسور أرمان لحجرته." صرخ إحسان وقال: "ماذاااااا!
هبط بسرعة وهو يدعو الله ألا تقول لها بيانكا شيئاً عن حبها لإحسان، فهي لم تفقد الأمل أبداً حتى بعد أن علمت بمدى عشقه لزوجته. ظل يبحث عنها وسط الوجوه حتى وجدها تجلس مع بيانكا ويضحكون سوياً في المطعم التابع للفندق. ذهب إليهم وسط فرحة بيانكا العارمة وشعور متضارب من قبل أسمهان بين خجل وغضب وألم، ولكنه أبداً لم يكن كره. كان ذاهباً تجاههم وهو يبتسم ابتسامة واسعة صادقة لرؤيته أسمهان، رغم خوفه من بيانكا وكلامها معها.
كادت أن تتحدث بيانكا، ولكن ما فعله إحسان قد ألجمها، ليس هي فقط ولكن أسمهان أيضاً، فهو توجه لأسمهان وأخذها بين أحضانه وقبل وجنتيها وقال بصوت منخفض مشتاق: "وحشتيني.. وحشتيني جداً." لم تفهم بيانكا ما قاله، ولكنها غضبت وبشدة، فمن تلك التي يأخذها بأحضانها؟ ألم تكن تطلبها منه صراحة أنها تريد أن تشعر بطعم أحضانه ولو لمرة واحدة، فكان يرفض بحجة دينه ووفائه لزوجته.
أما أسمهان فكانت بعالم آخر، فهي لم تشعر بشيء مما حولها، فقط تشعر بارتياح غريب وهي بين أحضانه، اشتياق كامل لزوجها المبتعد عنها، كانت تريد ألا تخرج من بين يديه، ولا تعرف لماذا؟ هل لأنها تشعر بالخجل أم لأنها متلذذة بطعم أحضانه التي اشتاقتها كثيراً؟ لوهلة بسيطة استجمعت قواها وخرجت من بين أحضانه وقالت بحرج شديد وصوت مهزوز من خجلها: "انت إيه اللي عملته ده؟ إزاي تعمل كده؟
ضحك عليها بشدة وفرح كثيراً لكونه علم أنه ما زال يؤثر عليها، إذاً هي لا تكرهه وهو راضٍ تماماً عن تلك النتيجة حتى الآن. نظر إليها وقال بعبث: "والله اللي أنا شايفه إنك كنتي مبسوطة." ضحكت بسخافة وقالت: "والله واللي أنا شايفاه إنك بقيت وقح." ضحك بشدة وقال: "واللي أنا شايفه برده إن بيانكا حتموت وتاخد حضن زيك." نظرت له أسمهان بغيظ مكتوم وقالت بلا مبالاة عكس إحساسها بالغضب:
"والله وماله روح اديها وأنا إيه اللي يهمني في الموضوع." نظر إليها إحسان بعدم تصديق وقال: "ماشي براحتك، بس ساعتها بقا لو مطلعتنيش من حضنها متبقييش تتكلمي، أصلها بتموت فيا." نظرت إليه أسمهان وقالت بغيظ: "لا والله انشاله تموت انت وهي." غمز بعينيه وقال: "غيرانة ولا إيه؟ تكلمت بحزن وقالت: "لا بس متنساش إنها مراتي، ولا دي كمان هتنساها؟ والمفروض تحافظ حتى على كرامتي، ولا أقولك عادي مانت دست على كل حاجة قبل كده إشمعنى دي."
حزن إحسان بشدة عليها وقال لها: "عندك حق، أنا دوست على حاجات كتير جداً، بس صدقيني أول حاجة دوست عليها هي قلبي أنا." نظر إلى بيانكا الواقفة بجوارهم وهي لا تفهم أي شيء بالمرة، ولكنها تنصهر من الغضب والغيرة عليه. أمسك إحسان بيد أسمهان دون رغبتها. قبلها بشدة ثم قال موجهاً كلامه لبيانكا: "أقدم لك عشقي وزوجتي أسمهان، أعتقد أنكِ قد تعرفتِ عليها بصفتها المترجمة الخاصة بنا، ولم تكوني تعلمين أنها زوجتي وحبيبتي."
بهتت بيانكا وقالت: "ماذا تقول إحسان؟ ألم تقل لي أنك قد طلقت زوجتك وتركتها؟ أجابها بسرعة عندما رأى نظرة الحزن على وجه أسمهان وقال: "وأيضاً قلت لكِ أني ما زلت أعشقها وأني لن أكون مع امرأة غيرها مهما كانت فاتنة، وأنها هي فقط من ستكون معي لآخر عمري ولن أتخذ دونها بديلاً." ابتلعت بيانكا ريقها وقالت بصوت مهزوز: "حسناً حسناً، هنيئاً لكم العودة لبعضكم البعض."
ثم أمسكت بحقيبة يدها وخرجت مسرعة من المطعم متجهة إلى غرفتها وهي تبكي. نظر إحسان إلى أسمهان ولسان حاله يقول: "أصدقتني الآن؟ جلست أسمهان بارتباك وقالت: "الساعة دلوقتي 11 ونص والمفروض نروح على المستشفى على الساعة واحدة، ياريت ترن على بقيت الدكاترة عشان يستعدوا إننا نمشي." جلس إحسان بجوارها وقال: "مالك حاسة مضايقة ليه؟ زفرت أسمهان وقالت: "مفيش حاجة، ياريت تبلغهم خلينا نمشي لو سمحت."
وقفت واتجهت لخارج المطعم وذهبت إلى قاعة الاستقبال في الفندق وجلست على مقعد وثير بانتظارهم، ولسان حالها يقول: "لما شعرتِ بالغضب عند معرفة أن بيانكا تحب إحسان؟ لا تعرف، ولكن عقلها يقول لها أنه سيتركها مرة أخرى ويذهب مع بيانكا، فهي طبيبة وجميلة جداً وتعشقه وسوف تساعده في تحقيق طموحه اللامتناهي." زفرت بشدة وهي تصمم أكثر على طلب الطلاق منه، فهي لن تستطيع أن تعيش ما عاشته مرة أخرى.
تمر بنا الأيام ونحن نشتاق لمجرد الكلام مع من نحب، خاصة عندما يكون أمامنا وليس ببعيد. ظلت إيمان غاضبة على رزق، لا تعرف لماذا، فهو لم يفعل شيئاً، ولكن إحساسها أن غيرها كان بين أحضانه يشعرها بنار تأكل قلبها. عندما أراد معها الكلام أكثر من مرة، فإنها ترفض بهدوء وتتركه. غضبت منها شهد كثيراً، ولكنها لم تقتنع بغضبها، بل لامتها لكونها لا تشعر بما تشعر هي به. جلست شهد أمامها وقالت:
"يلا بينا يا زفتة، عندنا محاضرة دكتور رزق، ولا مش ناوي تحضريها؟ وقفت إيمان بغضب وقالت: "طبعاً هحضرها، أمال إيه يعني؟ زعلي منه حاجة والمحاضرات حاجة تانية." ضربت شهد كفاً على كف وقالت: "آآآآه يا مثبت العقل والدين يا رب، يا بنتي هو عمل إيه؟ أموت وأعرف، ده حتى يومها على طول طلع على رئيس الجامعة وقدمهم لمجلس تأديب، عايزة إيه تاني يعني؟ وقفت إيمان وقالت بشدة: "ياسلام يا أختي، انتي شايفة إن مفيش حاجة حصلت؟
وست زفتة وهي في حضنه." غضبت شهد وقالت: "اديكِ قلتيها، هي اللي في حضنها مش هو." قالت إيمان بغيرة: "بقولك إيه؟ أنا كل ما أفتكر ببقى عايزة أولع فيه وربنا." ضحكت شهد وقالت: "يا بنتي ماهو ولع في هدوم اللي كان لابسها عشان خاطرك، لأ وصورهالك كمان عشان ترتاحي، وحلفلك إنه استحمام بديتول، يعملك إيه تاني؟ ضحكت شهد بخفة وأكملت بغمزة وقالت: "انتي عارفة يا بت يا إيمان إيه اللي هيريحك؟ نظرت إليها إيمان بريبة وقالت:
"إيه يا أم العريف؟ ضحكت شهد وقالت: "إنك تروحي انتي وتحضنيه جامد." قالت شهد هذا الكلام ثم أشرعت بالفرار من أمام إيمان والتي كادت أن تقتلها لما تفوهت به. ظلت إيمان تتكلم بصوت منخفض وهي تقول: "قال أحضنه قال، هبلة وكلامها أهبل وربنا." وجدت من يقول من ورائها بصوت منخفض: "لو هيتحضن ده يبقى أنا فأنا موافق جداً." قفزت أمامها من الخوف فوجدته رزق يضحك بعد ما قال ما قاله. نظرت إليه شرزاً وقالت: "تعرف تسكت أحسنلك، ولا لأ؟
أغلق فمه بيده وكأنه يغلق سحاب على فمه. أشار لها بيده بأن تمشي معه حتى المحاضرة. مشت إيمان تحت غيظها من شهد ورزق، ولكنها تنهدت وقالت: "بس ياترى هيبقى شكله إيه؟ أجابها رزق بعبث: "حلو والله، عايزة تجربى أنا موافق جداً." لكزته في يده وقالت: "على فكرة عيب على دكتور محترم زيك يقول الكلام ده." ضحك بشدة وقال: "والله أنا حالياً بكلم مراتي المستقبلية وخطيبتي وحبيبتي، مش بكلم طالبة عندي، فيه فرق حضرتك." وقفت أمامه
وقالت وهي تجز على أسنانها: "هو انت عايز تكلم الطلبة بتوعك كده؟ دانا كنت موتُك وموتهم." غمز بعينه وقال: "أموت أنا في الشرير اللي بيغير يا ناس." ابتسمت لدعابته وتغيره معها وقالت: "على فكرة بقا انت اتأخرت على المحاضرة يا دكتور." ضرب جبهته بيده وقال: "روحي منك لله، نسيتيني نفسي وربنا، يلا يا أختي قدامي على المحاضرة يا أخرة صبري." لم يكونوا قد تقدموا بعد، وجاءت طالبة من المدرج إليهم ثم توجهت بالكلام
لرزق وقالت برقة متصنعة: "دكتور رزق حضرتك نسيت المحاضرة ولا إيه؟ إحنا مستنينك من بدري. رفعت إيمان إحدى حاجبيها وهي تنظر لها، وهي تتحدث. أما رزق فقال بينه وبين نفسه: "الله يرحمك، والله كنتي طالبة مجتهدة، مع إني معرفش اسمك." نظر إلى إيمان وقال بابتسامة: "اتفضلي، وأنا جاي وراكي على طول. وأسف على التأخير." نظرت إليه إيمان بغيظ وقالت لتلك الطالبة: "هو مش انتي برضه سمعتيه وهو بيقولك جاي؟
وكمان عايزة أكلم خطيبي في حاجة مهمة، ولا إيه؟ ثم ابتسمت لها ابتسامة متكلفة. ارتبكت الطالبة وذهبت من أمامهم وهي تهرول من نظرات إيمان. فالجميع قد علم بما فعلته بجنة وضربها لها بالقلم. نظرت لرزق فوجدته يكتم ضحكته حتى احمر وجهه. صرخت به وقالت: "إضحك، إضحك بدل ما يحصلك حاجة. انت تضحك وأنا أفرقع عادي." ثم قلدتها وقالت: "حضرتك نسيت المحاضرة يا دكتور رزق." ضحك رزق وقال: "بزمتك هي كانت بتتكلم كده يا شيخة؟
دي كانت بتتكلم برقة تهبل." نظرت إيمان إليه بغيظ وقالت: "لا والله. طب روح اشبع بيها يا دكتور." ذهبت وتركته. أما هو فلحق بها وهو يضحك بشدة عليها. وعندما وصلت للمدرج وقفت ونظرت إليه وقالت: "يلا يا دكتور اتفضل ادخل، وأنا جنبك عشان البنات اللي جوا تعرف إنك ملكية خاصة." ابتسم لها وقال بفرحة من غيرتها: "تحت أمر البرنسيس إيمان." ثم أمسك يدها ودخل إلى القاعة أمام الجميع. فهي تمثل له كل شيء في حياته.
عندما يحتاج الإنسان لشخص قريب لكي يروي له آلامه، شخص يستمع فقط دون أن يبدي أي نصيحة، بل يصبح كالإسفنجة يمتص الألم وفقط دون أن يرجعه، عندها وفقط يبحث الإنسان إلى أقرب شخص إليه، أو إلى شخص غريب كليًا عنه. كانت أسمهان تجلس داخل مقهى المستشفى كالعادة حتى ينتهي الفريق الطبي من العمليات المخصصة لهم في ذلك اليوم. وكانت ليست بالكثيرة، فهم عمليتان فقط. تمت واحدة بالفعل، وهم الآن في الثانية وعلى وشك الخروج.
رن هاتف أسمهان فوجدتها نورين أختها. تذكرت أن اليوم هو الخميس وأن نورين ستأتي إليها اليوم. كادت أن تجيبها بسعادة، ولكنها فجأة تذكرت إحسان وأنه من الممكن أن يأتي للمنزل، فماذا ستقول عندها؟ أجابتها وهي تدعو الله بداخلها أن تسافر هذا الأسبوع إلى منزلهم. "ألو، أيوه يا حبيبتي عاملة إيه؟ "أيوه طبعًا تنوريني، إخص عليكي مانتي عارفة إني بستنى لما تجيلي عشان نرغي مع بعض."
"خلاص ماشي، أنا ساعتين وأخلص، وكده كده أنا معايا عربية، هفوت عليكي وآخدك من قدام السكن. ماشي يا حبيبتي، يلا سلام." أغلقت الهاتف وهي تزفر بشدة. ماذا تفعل في هذا الأمر؟ قررت أن تكلم إحسان وترجوه ألا يأتي في هذه الأيام، ولا تعلم أن إحسان سيستغل هذا الوضع لصالحه. انتهت العمليات الجراحية وانتهى الفريق من متابعة المرضى، والتي كانت معهم أسمهان بالطبع تقوم بالترجمة بين البروفيسور وأهل المرضى.
أما بيانكا فكانت لا تتحدث إلى أسمهان مطلقًا رغم تقاربهم في الصباح. علمت حينها أسمهان أن بيانكا بالفعل عاشقة لزوجها. شعرت بالغيرة منها. نعم، الغيرة، حتى أن أسمهان نفسها نبذت هذا الشعور، ولكن ما باليد حيلة. انتهوا من العمل. طلبت أسمهان أن تتكلم إلى إحسان. أخبرته بما تريده منه. نظر إليها إحسان وقال: "يعني انتي عايزاني مجيش البيت اليومين دول؟ أومأت برأسها وقالت:
"ياريت. مش عايزة مشاكل مع أختي، خاصة يعني إنهم ميعرفوش بموضوعنا. هم مفكرين إنك مسافر وبتعتذر وبتكلمني والأمور بينا طبيعية، وكمان ميعرفوش بموضوع الحمل ده، فارجوك مش عايزة حد يعرف حاجة. وأنا هخترعلهم أي حاجة عشان نتطلق." أمسك إحسان يدها بقوة وقال بغضب: "طلاق مش مطلق يا أسمهان، سامعاني؟
وإياكي أسمعك تقولي كده تاني. أنا سايبك براحتك عشان عاذرك وعارف إن اللي عملته فيكي صعب، بس مش معنى كده إني هطلقك. وأنا بقولهالك أهو، هتقعدي سنة هتقعدي عشرة، فانتي ليا ومش لحد تاني، سامعة؟ إنتي مراتي أنا، وأنا مش هسيبك. أنا غلطت مرة ومش هعيد غلطي تاني." تركها وذهب وهو غاضب، ولا يعرف أن هناك من سمع كلامهم وينوي أن يكون هذا الكلام لصالحه. كانت أسمهان واقفة مكانها ولا تعرف ماذا تفعل. وما هذا الشعور بالفرح لكونه متمسك بها؟
فهي ترى ندمه داخل عينيه، ولكن مازال جرحها غائر ولم يلتئم بعد. تنزل حبات المطر على الأرض لترويها وتخرج ما في بطنها من خيرات. كذلك الأمل نروي به حياتنا فنخرج أحسن ما فيها، لعلنا يومًا نصل إلى ما نريد. رجعت أسمهان هي ونورين إلى منزل عبد الرحمن. كان في استقبالهم، مرحبا بنورين بشدة، فهو يحبها كثيرًا لمرحها وشبهها القريب جدًا لأسمهان. دخلت أسمهان ونورين وقد أبدلوا ملابسهم وأخذوا حمامًا منعشًا.
كانت نورين ترتدي عباءة بيتية رقيقة بكم وعليها حجابها، لأنها ستجلس مع اللواء عبد الرحمن. أما أسمهان فكانت ترتدي كاش مايوه طويل وبربع كم وتترك لشعرها العنان. قال عبد الرحمن: "إيه يا أسمهان، مش هتاكلوا ولا إيه؟ ضحكت أسمهان وقالت: "أيوه طبعًا، دانا ميتة من الجوع. بس الأخت نورين نفسها في بيتزا، وأنا بصراحة مفييش دماغ أعملها، فطليتها وأنا جايه، وزمانها على وصول." غضب عبد الرحمن وقال:
"يا بنتي عمك إلهامى عامل أكل كتير قبل ما يمشي." قبلته أسمهان بحب وقالت: "معلش بقى. وكمان متقلقش، إحنا سهرانين وهناكل تاني، ولا يهمك." ضحك عبد الرحمن وقال: "طب يا ستي، بالهنا والشفا." رن جرس الباب، فقامت نورين لتفتح لكونها بكامل ملبسها. وجدت إحسان أمامها فقالت بصدمة: "إيه ده، أبيه إحسان. حضرتك جيت إمتى؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!