منذ اللحظة التي استمع فيها الجميع في مستشفى جامعة القاهرة للطب البشري لصوت الدكتور عبد الرحمن الجبل في ميكروفون إستقبال الطوارئ، انقلبت المستشفى رأساً على عقب. "الرجاء تجهيز غرفة العمليات بالسرعة القصوى لاستقبال دكتور عبد الرحمن الجبل." هرول أصدقاء جبل من الأطباء والممرضين، وحتى العاملين، على رأسهم الدكتور أيوب الذي هبط من سيارة الإسعاف التي كانت تحمل جبل.
جاء الجميع يركضون عليه بأعين منذهلة دامعة، يحاولون تقديم المساعدة لصديقهم الخلوق، ليتم إنقاذه. كانت ورد في حالة يرثى لها من شدة صدمتها. لا تبكي، لا تصرخ، صامتة، صمت مخيف لا يبشر بالخير أبداً. تطلع حولها كالمغيبة، عقلها غير قادر على استيعاب ما حدث لزوجها الممد على سرير المشفى بلا حراك، غارق في دمائه. جدها الجالس أسفل قدم زوجها، تراه لأول مرة في حياتها. يبكي بكاء يقطع نياط القلوب على حفيده عزيز قلبه.
وقفت تراقب محاولات إنعاش قلب زوجها بملامح مبهوتة. "لااااااا عبد الرحمااااان لااااااا! انتفضت بفزع حين رأت فتاة ترتدي ثياب الأطباء جاءت تركض نحو زوجها وهي تصرخ بعويل، صرخات متتالية مرددة بانهيار. كثرت الهمهمات من الواقفين حول ورد، لتقول إحدى العاملين بشفقة: "يا حول الله يارب، دكتورة سارة خطيبته، هتجنن عليه." "خطيبته! نطقت بها ورد التي جحظت عيناها، كادت أن تخرج من محجرها حين رأت تلك المدعوة سارة ترمي
على صدر زوجها مرددة بصراخ: "قوم يا حبيبي.. متسبنيش يا عبد الرحمن.. أنا مقدرش أعيش من غيرك يا حبي! قطعت حديثها، وشهقت شهقة حادة حين هبطت على أعلى ظهرها صفعة قوية. يد قبضت على حفنة سخية من شعرها جذبتها بمنتهى العنف بعيداً عن جبل. ورد صاحت في وجهها بغضب عارم قائلة: "جوزي يبقى حبيبك وكمان متقدرش تعيشي من غيره! تحولت ملامحها المذعورة من شدة خوفها على زوجها لأخرى متوحشة حين تملكتها الغيرة عليه، وتابعت بلهجة جادة
دبت الرعب بأوصال سارة: "طيب أنا بقى هخلص عليكي، وهو لو فضل فيه الروح هخليه يحصلك." أنهت حديثها وهجمت عليها كالقطة الشرسة، تنهشها بأظافرها وتلكمها بكلتا يديها، وحتى قدميها، مرددة بصراخ مقهور: "أنتي يابت مش عارفة إن جبل يبقى جوزي ودايرة تقولي للمستشفى أنه خطيبك يا خطافة الرجالة يا عديمة الترباية!
ما تفوهت به وما فعلته كان صدمة للجميع، جعلتهم تسمروا مكانهم ويرمقون سارة بنظرات ساخطة. بعدما نجحت ورد في تشويه سمعتها بنجاح، بعضاً من الحاقدين على علاقة ورد بزميلتهم تركوا ورد عن قصد. تنفسوا عن غضبها، ومنعوا أصدقائهم لمساعدة سارة. اللحظات قبل أن يهرولوا عليهم ويبعدوها عنها بشق الأنفس. "أطمن على عبد الرحمن ويقوم بالسلامة، وهدفعك تمن اللي عملتيه ده غالي أوي."
قالتها سارة بنبرة متوعدة قبل أن تسير من أمام بخطى غاضبة. ورد تدلف داخل غرفة العمليات خلف جبل. وقفت ورد تلتقط أنفاسها، مختبئة خلف إحدى الجدران بعيداً عن أعين جدها الواقف أمام غرفة العمليات. تعلم أنه إذا أمسك بها الآن لن يتركها حية. علامات الذعر على وجهها منه، ولكن ارتجاف قلبها على زوجها أكبر. تدعو له وتتوسل للمولي عز وجل أن لا يضرها فيه.
مر الوقت ببطء مميت حتى فتح باب غرفة العمليات أخيراً. فانسحبت الدماء من عروق ورد وانقطعت أنفاسها حين خرج الدكتور أيوب واقترب من جدها الذي لم تقو قدميه على حمله، فسقط أرضاً من هول الموقف، مردفاً بنبرة راجية: "قولي إن حفيدي عايش يا دكتور."
"أطمئن ياعم الحج.. الحمد لله حفيدك كويس.. عنده حبة جروح هما أه كتير بسبب إزاز العربية اللي وقع عليه، بس كلها سطحيه والحمد لله مفيش كسور. شرخ بسيط في دراعه.. متقلقش عليه، جبل اسم على مسمى." قالها أيوب وهو ينحني عليه ويساعده على النهوض وأجلسه على أقرب مقعد. شهقت ورد شهقة قوية تسترد بها أنفاسها، وتركت دموعها تنهمر على وجنتيها بغزارة، مرددة: "الحمدلله يارب."
مسحت دموعها بظهر يدها، وسارت بخطى مرتجفة. اقتربت من أيوب مبتعدة عن جدها بحذر، وتحدثت بصوت متحشرج بالبكاء: "عايزة أشوف جوزي يا دكتور." "أنتي لسه هنا يا وش الفقر يا جوازة الشوم! نطق بها جدها وهو ينهض من مقعده، وكاد أن يقبض على عنقها إلا أن أيوب منعه عنها وهو يقول بتعقل: "أهدى يا حاج من فضلك.. هي ملهاش ذنب، ده قدر ربنا والحمد لله قدر ولطف، ومن حقها تطمن على جوزها." صاح الجد بغضب وهو يحاول
الوصول لها بشتى الطرق: "سيبني يا دكتور دي هي السبب في كل المصايب اللي بتحصل لنا.. وجبل كان عايز يطلقها وأنا اللي وقفت له ومنعته وخليتها على ذمته لحد ما كانت هتجيب آجله." صمت لوهلة يلتقط أنفاسه وقد وصل غضبه لزروته، مكملاً: "لكن ملحوقة والغلط مردود، وأول ما جبل يفوق أنا اللي هقوله يرمي عليكي يمين الطلاق، وهرجعك احبسك في البلد، ولو عملتي أي غلط تاني هدفنك جار أبوكي بيدي وأخلص منك ومن قرفك ومشاكلك."
كل هذا كان أمام أعين سارة التي خرجت للتو من غرفة العمليات، ووقفت تستمع لما يحدث بابتسامة ونظرات شامتة في ورد الواقفة بثبات عكس ما بداخلها. "عايز أشوف جبل.. وديني لحفيدي.. وديني لجبل أشوفه أحب على يدك يا دكتور." قالها الجد بصعوبة، وقد بدأ التعب يظهر على ملامحه وتلاشت أنفاسه، وسقط فجأة دون سابق إنذار بين يدي أيوب. "جددددي!!
صرخت بها ورد وهي تركض عليه وجلست على ركبتيها بجانبه أرضاً، تتابع أيوب بنظرات زائغة وهو يقوم بفحصه. حمله أيوب وتوجه به لغرفة الكشف هو وبعض زملاءه، من بينهم سارة. فهرولت خلفهم ووقفت بجوار السرير تتابع محاولاتهم لإفاقته. انقبض قلبها بفزع حين وصل لسمعها صوت أيوب يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم." همست ورد بخوف قائلة: "ماله جدي يا دكتور."
أجابها أيوب بحزن: "أنتي أكيد مؤمنة بقضاء الله.. البقاء لله وحده.. جدك توفاه الله." "سبحان الله وبحمده." بدر.. ابتعل ريقه بصعوبة بالغة وهو يتنقل ببصره بين مالك وبين المستشفى الذي توقف أمامها، وتحدث بقلب يأكله الخوف والقلق: "أنت جايبني المستشفى ليه يا حضرة الظابط! "أختي جرالها حاجة." رد عليه مالك قائلاً
بأسف: "أنا قولت قدام والدك إني هستجوبك على كام سؤال لأن عندي علم بحالته الصحية.. مكنش هيستحمل يعرف إن بنته الوحيدة محجوزة في الرعاية وحالتها خطيرة." ارتجف جسد بدر بشكل ملحوظ وفقد القدرة على كبح عبراته وهو يقول: "أختي حالتها خطيرة إزاي يعني! أيه اللي جرالها بالظبط." ربت مالك على كتفه برفق مغمغماً بنبرة يملؤها الفخر: "أختك عملت عمل بطولي وسلمتنا الإرهابي الدولي وليد العربي."
"الإرهابي ده يبقى جوزها وأكيد هو السبب في اللي جرالها مش كده." قالها بدر بحسرة على حال شقيقته. ليحرك مالك رأسه بالنفي مغمغماً: "هي كانت حامل وحاولت توهمه إنها بتسقط عشان تجبره يلحقها ويوديها المستشفى اللي قبضنا عليه فيها، بس حالتها ساءت مع الضغط النفسي والقلق والخوف الزيادة اللي مرت بيه." قال بدر بعصبية مفرطة: "إزاي تعمل كده في نفسها، ده مش أول جنين تخسره يعني عشان تسلم جوزها ليكم تخاطر بحياتها!!
أردف مالك قائلاً: "من يوم ما اتجوزت البني آدم جوزها ده وحياتها كانت ومازالت في خطر، ومش حياتها هي بس.. صمت لبرهة مكملاً: "وحياتك وحياة والدك ومراتك كمان.. عشان كده أمرنا ليكم بحراسة مشددة، وعايزينك تتعاون معانا يا بدر." حديثه جعل الخوف يتملك من قلب بدر، ليس خائفاً على نفسه بل على والده وشقيقته وزوجته حبيبة قلبه أن يصيبهم مكروه. غادر السيارة وهرول برفقة مالك
لداخل المستشفى وهو يقول: "أشوف أختي وأطمن عليها الأول وأتأكد إنها هي ووالدي ومراتي في أمان، وبعدها هنفذ كل اللي تطلبوه حتى لو هفديهم بروحي أنا موافق." "سبحان الله العظيم." وليد.. يقف أمامه الوزير غفران المصري بنفسه، ولم تهتز شعرة واحدة من رأسه، بل أنه يجلس بأريحية واضعاً قدم فوق أخرى
ويتحدث بثقة تثير الغضب: "أنا خارج من هنا وأنت عارف ده كويس.. بس مش عايزك تقلق دلوقتي يا سيادة الوزير، مش هخرج غير لما أطمن على مراتي وأشوفها يعيني الأول." ابتسم غفران ابتسامة ساخرة وهو يقول: "بقى عايز تقنعني إنك لسه باقي على الست اللي سلمتك لينا! "لا مش باقي عليها." هكذا أجابه بمنتهى السهولة وصمت للحظة قبل أن يقول: "أنا عايز أطمن إن محدش هيخلص عليها غيري." "بتكذب يا وليد."
قالها غفران وهو يشعل سيجارة وأخذ منها نفس دخانه ببطء، مكملاً: "شروق مراتك نقطة ضعفك الوحيدة، وبسببها أنت هنا، وقريب هتلبس البدلة الحمرا، إلا لو تعاونت معانا وساعدتنا نقبض على بقيت الحاشية بتاعتك.. ساعتها احتمال حكم الإعدام يتخفف من عليك، وبدل ما تتعدم." قطع وليد حديثه بضحكاته المتتالية، مردداً من بينها: "أتقتل!! توقف
عن الضحك وتحدث بلامبالاة: "أنا كده كده ميت، ومش فارق معايا كلامك ده كله، أنا عايز أشوف مراتي ودلوقتي، ومش هكرر طلبي ده تاني يا سيادة الوزير." برزت عروق غفران بخطورة تدل على شدة غضبه من لهجة التهديد الذي يتحدث بها وليد، ليزيد الأخير من غضبه أكثر حين حرك رأسه له بالإيجاب، مكملاً بصوت جوهري: "وأه بأهددك وبأهددكم كلكم، ولازم تخافوا لأنكم أكيد عارفين مين هو وليد العربي، ويقدر يعمل أيه."
نظر له غفران نظرة مطولة بعدما أدرك جيداً مع من يتعامل، الجالس أمامه الآن يشبه بشئ واحد فقط، وهو عشقه لزوجته، رجل عاشق على أتم استعداد حرق الأخضر واليابس من أجل معشوقته. أمسك غفران جهاز اللاسلكي الذي أمامه وتحدث به قائلاً: "أيه الأخبار يا حضرة الظابط." جاءه رد مالك يقول بعملية: "كله تمام سيادتك.. إحنا في المستشفى عند شروق الزيني و... توقف عن الحديث حين صاح وليد بحدة يصحح كنية زوجته: "شروق العربي."
تجاهل مالك ما قاله وتابع حديثه قائلاً: "والدكتور قال حالتها متسمحش أننا ننقلها خطوة واحدة لأن ده في خطر على حياتها وحياة الجنين." غزت الفرحة ملامح وليد، لكنه أخفاها ببراعة وتساءل ببرود: "هو الجنين منزلش." "صاح فجأة بغضب عارم وهو يخبط بكلتا يديه المقيدة على الطاولة أمامه: "أنا عااااايز أشوف مراتي دلوقتي حالا."
قال مالك بنفاذ صبر: "افهم يا بني آدم أنت.. الدكتور قال مراتك كانت حامل في تؤام، وفي واحد منهم نبضه وقف والتاني نبضه ضعيف، والأم حالتها مش مستقرة نهائي ومحتاجة نقل دم. لو كل ده مش فارق معاك وعايزها تموت قول وأنا أجبهالك." "لا متجبهاش.. تعالى خدني وديني ليها يا مالك." أردف بها وليد بنبرة شبه متوسلة رغم جمود ملامحه. صمت لوهلة قبل أن يقول: "ومش ههرب منك.. هرجع معاك تاني."
قال غفران بلهجة لا تقبل الجدال وهو ينهض من مكانه ويسير لخارج غرفة التحقيقات: "مالك بلغ الدكتور المشرف على حالتها أول ما تتحسن يبلغنا عشان نجيبها لجوزها لأنه مش هيخرج من هنا." "صل على محمد."
مر أسبوع كامل كان أصعب وأطول الليالي على الجميع. أخبر أيوب جبل بوفاة جده بعدما تحسنت حالته قليلاً. وفور تمكنه من النهوض على قدميه، استلم الجثمان من ثلاجة المستشفى، وقام بالسفر به ودفنه برفقة والده وعمه في مسقط رأسه. وعاد إلى مصر ثانية برفقة والدته وأشقاءه البنات، وزوجة عمه والدة ورد وشقيقاتها. كان مطمئناً عليهم في حياة جده. أدرك حكمة الله في نجاته من الحادث رغم صعوبته، فلم يصبح لأهل بيته أحداً سواه بعد الله. هو رجل لهم الوحيد، فقرر عدم تركهم بمفردهم بعد الآن.
ساعده الدكتور أيوب في العثور على شقة واسعة بنفس منزلهم، لكن بالطابق الثالث. فالغرفة التي كان يقيم بها على سطح المنزل لن تسعهم. قام بفرشها على أكمل وجه بعدما ورث مبلغاً معقولاً بعد وفاة جده. قام بتقسيمه بين الورثة بعدل الله.
طيلة هذا الأسبوع لم ينطق بحرف واحد لورد، حتى أنه لم ينظر لها حتى لو نظرة عابرة. يتحدث مع الكل إلا هي، ومنع الجميع من لومها وتحميلها ذنب ما حدث له أو وفاة جدهم. وهي ظلت بجواره لم تتركه لحظة واحدة أثناء تواجده في المستشفى، تحلت بالصبر ولجمت غضبها لأول مرة على غير عادتها من هول صدمتها حين رأته أمام عينيها وهو ممسك بيد المدعوة سارة ويتغزل بها. واليوم هو أول يوم لهم بشقتهم الجديدة. "بسم الله ما شاء الله!!
نطق بها وفاء والدة جبل وصباح والدة ورد بنفس واحد فور دخولهم من باب الشقة. تطلعوا حولهم بانبهار من جمال ورقي المكان حولهم. لتقول صباح بعتاب: "كلفت نفسك أوي يا ابني وخلصت كل فلوسك على فرش الشقة.. كنت وفرت اللي صرفته وجبت عفشك أنت وورد اللي في البلد ده، حتى لسه جديد بدل التكلفة دي كلها."
سار جبل نحو أقرب مقعد وهم بالجلوس عليه، فأقتربت منه ورد ومدت يدها له تريد مساعدته، إلا أنه رفض مساعدتها وأمسك بيد تلك السارة التي دلفت للتو عبر باب الشقة كسهم منطلق نحو زوجها، جعلت الدهشة تعتلي ملامح الجميع. تجاهل جبل نظراتهم المستفسرة عن تلك الواقفة بجواره وتحدث بهدوء قائلاً: "العفش اللي في البلد ده حاجة ورد وحقها يا مرات عمي.. مينفعش ناخده منها." "مين البنت دي يا جبل! سألته وفاء وهي ترمقه بنظرة غاضبة.
أجابها جبل وهو ينظر لسارة بابتسامة أحرقت قلب ورد الواقفة تتابع ما يحدث بصمت مريب: "دي سارة زميلتي في الكلية اللي حكيت لك عنها يا أمي." مدت سارة يدها لوفاء بالسلام وهي تقول برقة: "أتشرفت بمعرفتك حضرتك يا طنط." بادلتها وفاء السلام بملامح ظاهر عليها الغضب. أشار عبد الرحمن لها على زوجة عمه وهو يقول: "ودي مرات عمي وبعتبرها أمي التانية يا سارة." مدت يدها لها بالسلام: "أهلا وسهلا يا طنط، نورتوا مصر."
"مصر منورة بأهلها يابنتي." قالتها صباح بنبرة حزينة وهي تتنقل بنظرها بينها وبين ابنتها. لتسرع وفاء نحو ورد وتجذبها من يدها، أوقفتها أمام سارة وتحدثت بنبرة ذات مخزي قائلة: "ودي تبقى ورد مرات جبل." "كانت مراتي يا أمي." صاح بها جبل بنبرة لا تخفي غضبه المشحون أبداً. شهقت كلا من وفاء وصباح شهقات خافتة وساد الصمت للحظات قبل أن تقطعه صباح مردفة بتساؤل: "يعني أيه كانت دي يا جبل!
أخيراً نظر جبل لورد الواقفة بثبات وملامح خالية من المشاعر، ونطق بجملة جعلت والدته تلطم خديها حين قال: "ورد مش هتكون غير بنت عمي وبس." صمت لدقيقة كاملة ينظر لعيناها الظاهر بهما قوة وعناد ضاعفت غضبه منها، ومن ثم تابع بتنهيدة تدل على ارتياحه: "أنتي طالق يا ورد!!! بكت والدته وهي تقولي: "لهوووي.. طلقت مراتك يا جبل!! ليه كده بس يا ابني!! "طيب أنا هعمل مكالمة وارجع لك تاني يا جبل."
قالتها سارة قبل أن تنسحب لخارج الشقة، بينما كانت صباح تستعد لتنقض على ورد الواقفة لم تبدي أي رد فعل سوى الهدوء والصمت، ليوقفها صوت جبل الغاضب يقول: "مافيش داعي للضرب يا مرات عمي.. كفاية بهدلة وقلة قيمة لحد كده، و خلينا ننسى اللي فات ونبدأ من جديد.. ولاد عم وزي الأخوات وبس.. وصدقوني ده كده هيكون أفضل لينا كلنا.. مش كده يا ورد."
كان يتحدث دون أن يبتعد بعينيه عن عينيها، ذهلته حين ابتسمت ابتسامة تخفي بها وجعها واقتربت منه بخطوات بطيئة كأنها تجر قدميها جرا، وقفت أمامه مباشرة وأخذت نفس عميق قبل أن تتحدث بتعقل شديد وتستغني عن
اندفاعها لأول مرة بحياتها: "أنا لما جيت وراك من البلد كنت جاية هربانة من العذاب والمرمطة اللي بشوفهم على إيد جدي وأمي.. كنت جاية أرضيك وفي نفس الوقت أتحامى فيك منهم.. كانوا بيعملوني على إني عدوتهم مش بنتهم. ولما أنت رجعت بعد كل السنين اللي غبتها عني وشوفتك حسيت للحظة إن ربنا عوضني بيك بعد موت أبويا، وعشان كده كنت بحاول أحافظ عليك عشان مخسركش.. فكرت إني لما أجي وراك مصر هتفرح بيا ونفتح صفحة جديدة ونبدأ حياتنا مع بعض.. لكن أنت فضلت تجلد فيا وتعد عليا غلطي اللي أنا معترفة بيه أصلاً، بس كنت في حالة مش مستحملة تأنيب ولا لوم وعتاب."
توقفت عن الحديث حين شعرت برغبة قوية في البكاء. لجمت دموعها وتابعت دون أن تمحي الابتسامة عن وجهها: "كنت عايزك تطمني.. تقولي متخافيش يا ورد.. لكن أنت طلعت زيهم وضړبتني، وأنا اللي غبية فكرتك هتاخدني في تحت جناحك وتحميني." وقفت والدتها تبكي بنحيب بعدما شعرت بمدى خطأها في حق ابنتها. بينما نظرت له ورد نظرة جعلت الندم يشق طريقه نحو قلبه، نظرة تخبره بها أن الجميع خذلها وهو أولهم،
وتابعت بتنهيدة: "بس تعرف أنا فعلاً ارتحت لما طلقتني يا جبل.. أنا كنت غلطانة وأنت كان عندك حق.. ومن اللحظة دي أنت مش هتكون بالنسبالي غير ابن عمي وبس." نظرت لوالدتها الباكية بذهول مرددة: "أيه يا ماما أنتي وقفه ټعيطي! أنا أطلقت مش هتجبيني من شعري تحت رجلك وتخلصي عليا زي ما كنتي بتقولي لي!! "تعالى يا ورد.. تعالى يا ضنايا."
قالتها صباح وهي تقترب منها فاتحة ذراعها لها تنوي احتوائها بين يديها، لتبتعد ورد عنها على الفور وتتراجع للخلف وهي تحرك رأسها بالنفي مرددة بتعجب: "أيه ده معقول صعبت عليكي! غريبة أوي بجد، مع أن المثل بيقول ميصعبش عليك إلا الغالي." دارت بعينيها تتنقل بينهم فرد فرد مكملة بغصة مريرة: "وأنا عمري ما حسيت إني غالية عند حد غير أبويا الله يرحمه." هبطت دمعة حارقة من عينيها، مسحتها بعنف وأغمضت
عينيها مكملة بتمني شديد: "ويجمعني بيه في أقرب وقت." "بعد الشر عليكي." تمتم بها جبل بسره، رغم أنه مصطنع الجمود على ملامحه، إلا أن ما تفوهت به كان كالإعصار أحدث ضجيج وصخب بقلبه. فتح فمه وكاد أن ينطق اسم ورد، ولكن صمت ثانية حين جاءت تلك السارة مرة أخرى، وقفت بجواره: "لازم تغير على الجرح دلوقتي وتاخد العلاج يا عبد الرحمن."
همست بها سارة وهي تمسك كف يده أمام الجميع بجراءة، تحثه على النهوض معها. على الرغم من أنها ليست أول مرة تفعلها، كانت تتعمد تمسك يده أمام ورد. طول فترة مكثه في المستشفى حينها كان يرى نظرات ورد تشتعل بنيران الغيرة الحارقة، أما الآن تطلع في عينيها ليتفاجأ بنظرتها الخاوية الخالية من المشاعر خاصة تجاهه هو. اصطك على أسنانه، كاد أن يهشمها عندما انسحبت ورد من المكان وتركتهما ودخلت إحدى الغرف وأغلقت الباب خلفها. بالتأكيد تركت
دموعها تغرق وجهها. تمنى في تلك اللحظة لو يذهب خلفها ويحتويها بين يديه، ولكن كيف وهي أصبحت لا تحل له بعدما ألقى عليها يمين طلاق قبل أن يتم زواجه منها. فإذا أراد أن يردها لن ينفع إلا بموافقتها وبعقد جديد، وهو على يقين أن تلك العنيدة لن تقبل العودة له.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!