كانت تحمل الطبق بين يديها وباليد الأخرى تطعمه تحت تذمره الواضح وعنادها على إكمال الطعام. دفع يدها بعيداً باعتراض: _خلاص يا دنيا، ما عدتش قادر... وأنتي عمالة تأكليني برضه ولا كأنك بتزغطي بطة. ضحكت بقوة وهي تتابع تذمره، واقتربت تمسك وجنتيه تشدهما برفق، تهتف بضحكات حاولت التحكم بها: _ياروحى أنا على البطة الجمر دي... هو في بطة جمر إكده كيفك. احتدمت نظراته لتبتعد عنه بهدوء وهي تضحك بخفة، ليهتف بغيظ:
_إيه يا أم العيال، بتلاعبي ابن اختك ولا إيه. قبلته من وجنتيه بحب: _أنا بدلع جوزي... حرام ولا إيه يا سي وهيب. ابتسم بيأس: _ما فيش فايدة فيكي يا دنيا... هتفضلي تعامليني إكده علشان مريض، ولما أفوق هتنيميني على الكنبة. عبست ملامحها وهتفت باعتراض: _دا إزاي كلامك ده يا وهيب... فاكرني بشفق عليك ولا إيه. تنهد بضيق فهو لم يقصد ذلك: _يا دنيا أنا مقصدتش كلامي ده... وبعدين أنا هتعود على الدلع ده بصراحة...
وأنتي عيالك واخدينك مني. ابتسمت بخجل: _ماحدش واخدني منك... دول حتة منك وبشوفك فيهم... بشم فيهم ريحتك... بتكلم معاهم كأنك موجود جاري... دا كفاية إنك أبوهم. رفعت رأسها له وهتفت بحب: _وبعدين أنا أدلعك كيف ما أنا عاوزة... أنت جوزي وأعمل اللي أنا عاوزاه. التقط يدها ورفعها لفمه يقبلها بحنان: _ربنا يديمك ليا يا ست الستات، ويقدرني وأسعدك وأحققلك كل اللي نفسك فيه. ثم أردف بحزن: _وأقوم بالسلامة علشان ما بجاش تجيل عليكي. نظرت
له بصدمة وهتفت بمعاتبة: _أنت فاكر نفسك حمل تقيل... فاكرني مضايجة إياك ولا إيه... أنا لو ما كنتش أقف جارك في حزنك قبل فرحك مستحرجش أشيل اسمك. فقط لم تسعفه الكلمات ليعبر عن سعادته من كلماتها، اكتفى بأنه ضمها لأحضانه وقبل قمة رأسها بحب. راحت رأسها على صدره بخفة حتى لا تؤذيه وهي تبتسم براحة. ***
كانت تجلس على السرير وتحمل أحد الكتب بين يديها وهي تتابع أحداثها باندماج، وتتغير تعابير وجهها مع كل سطر تقع عينيها عليه، منفصلة عن العالم لبضع ساعات. سمعت صوت همس من النافذة، أخفضت الكتاب وهي تسترق السمع، فيبدو أنها تتوهم، ولكن عاد الصوت مرة أخرى، لتتحرك من فوق سريرها تجاه النافذة بهدوء. لتجده يقف وهو يحمل بين يديه كوبين من الشاي. ابتسمت بهدوء: _ياسين؟! خير محتاج حاجة؟ ابتسم بحرج وهو يمد يده بكوب الشاي:
_حسيتك اتضايقتي من كلام جدك معاكي. هزت رأسها بحزن: _عادي يا ياسين، ما حصلش حاجة... أنا كنت متأكدة إنه هيعرف... وإنه هيبهدل الدنيا... دا الموضوع عدى على خير. تساءل باهتمام: _طب ليه منعوكم من الشغل؟! بالرغم من إنه سمحلكم تكملوا تعليمكم وتقضوا فترة الدراسة في القاهرة. ابتسمت بسخرية: _جدي ما عملش كده غير علشان يرضي غروره... هو كبير البلد ولازم أولاده وأحفاده يكونوا أحسن من الكل في كل حاجة، بس بشروطه هو وقوانينه.
نظر لها بعدم فهم: _مش فاهم... طبيعي أي حد عاوز يشوف ولاده أحسن حاجة وأحسن من أي حد. _مش الطبيعي عند جدي... إحنا بندخل الكليات اللي هو عاوزها باختياره هو، ونطلع نشتغل زي ما هو عاوز... البنات ما تخرجش من البيت ولا ليها دعوة بأي حاجة... جدي محرج علينا ممنوع إننا نتدخل في أي حاجة تخص الشغل.
لم يعرف بما يجيبها، فهو يعلم بحبها لمجالها والعمل فيه، فبفضلها حُلت نصف المشاكل التي تواجههم في العمل، بذكائها من الصعب عليها التخلي عن كل شيء. ابتسم بهدوء مغيراً مجرى الحديث: _بس إيه رأيك في الشاي بالنعناع. ابتسمت بإعجاب وهي تتذوق طعمه: _تسلم إيدك بجد... دي أحلى كوباية شاي بالنعناع أنا شربتها. ثم تساءلت بفضول: _بس أنت عرفت منين إن بحب الشاي بالنعناع. أجابها بهدوء:
_كنتي مشيرة بوست قبل كده إنك نفسك تقعدي مع حد وتشربوا شاي بالنعناع وتحكوا سوا. تساءلت بمكر: _وكنت بتقلب في صفحتي ليه! توتر قليلاً وحمحم بإحراج: _عادي... احمم ظهرت قدامي وشدني الصورة اللي حطاها... فا... فا فتحت الصفحة وقولت أتسلّى. هزت رأسها وهي تبتسم له بخبث، فهتف بهدوء: _ما تحكيلي عنك شوية. تحمست كثيراً وجلسوا سوياً يتسامرون وهو يستمع لها بسعادة. *** كان يمسك الأوراق بسعادة بين يديه:
_يابنت الأيه، براڤو عليكي إنك قدرتي تعملي كده. ابتسمت بسعادة: _حاولت كتير علشان أعرف آخد إمضته على الأوراق، بس في الآخر قدرت. ابتسم بمكر: _تعرفي الورق ده هيسهل لنا حاجات قد إيه... ولا رحيم الحسيني اللي أخيراً مسكت روحه بإيدي. ابتسمت بخبث: _ومفعول المخدر زمانه بدأ يأثر عليه... وهنخلص منه عن قريب. زادت سعادته لمجرد تخيله رحيم وهو ينازع الموت، أرضت تلك الفكرة غروره كثيراً. أردفت ميار بحقد: _محدش هيدمر العيلة دي غيري...
وكل اللي عايشين فيه هيبقى بتاعي لوحدي... واحد واحد هقضي عليه. هتف بتساؤل: _هي ورد دي... بنت طه بجد؟! عقدت حاجبيها باستغراب: _أيوه بتسأل ليه؟! عجبتك ولا إيه. لمعت عيناه بخبث: _الا عجبتني دي حتة قمر. صمت تفكر قليلاً حتى هتفت: _واللي يجبهالك لحد عندك تعمل فيها اللي انت عاوزه. غمز لها بخبث: _أعمله اللي هو عاوزه. _نظبط الدنيا ونشوف هنجيبها إزاي... استمتع بيها شوية. اقتربت منه وهي تحاوطه: _طب إيه موحشتكش.
ضمها لاحضانه بخبث: _الا وحشتيني يا قمر. تعالت ضحكاتها الماكرة في المكان، وهز يبتسم بانتشاء. *** خرج من الغرفة وهو يضع يده على رأسه ويتأوه بألم، هبط لأسفل فالتفتت له والدته تسأله بقلق: _مالك يارحيم، إيه! هز رأسه نافياً هاتفاً باطمئنان: _ما فيش حاجة ياماما... بس صداع شديد أوي في دماغي. هتفت بحزن: _ألف سلامة عليك يا ولدي... طب ليه ما كلمتش أدهم يجولك على علاج تجيبه.
_أدهم في المستشفى هو وجميلة ياماما، عندهم عمليات كتير وأكيد مشغولين. هتفت رجاء بهدوء: _طب اطلع لورد واسألها على علاج تاخده... هو أكيد هي يكون عندها. هز رأسه باستحسان وهو يبتسم بخبث، حقاً رأسه تؤلمه بشكل مؤلم... فا هي حجة للحديث معها. صعد لغرفتها وطرق على الباب بهدوء وهو يمسد جبهته بألم. فتحت له الباب لتنظر له بغيظ ما أن رأته، فهتف بضيق مصطنع: _يا ساتر... مالك يا بنت عمي، عم تبصيلي إكده ليه. هتف بنفاذ صبر:
_إيه يا رحيم، إيه اللي جابك، عاوز إيه. ابتسم بحب: _جاي أطل على الجشطة بتاعتي... تجلانه عليا ومش راضية تعترف إنها هي كمان وجعت وعمالة تكابر. هتفت بانفعال: _هي مين دي اللي وجعت يا بني آدم أنت... رحيم أنت اتجننت. تنفس بهدوء يضبط نفسه من موجة الغضب التي اجتاحته: _بقولك إيه يا ورد... صوتك لو على تاني في الكلام أنا هكسر رقبتك. هتفت بعناد: _شئ ما يخصكش يا رحيم يا حسيني، أعمل اللي أنا عاوزاه. اقترب منها بخبث لتعود
للخلف وهي تنظر له بقلق: _في إيه أنت بتقرب كده. عادت للخلف وهو ما زال يقترب منها، فهتف بخوف وهي تهتف بتوتر: _أنت عمال تقرب كده ليه. ابتسم بخبث ولم يجيبها حتى هتفت بتحذير: _إياك تقرب مني وإلا والله. قاطعها وهو ينظر لها ببرود ويرفع حاجبه للأعلى: _هتعملي إيه يا عنيا. هتفت ببلاهة: _هقف أعيط والله وما حد هيقدر يسكتني. ضحك بخفوت عليها وهتف بهدوء: _أنا جاي بس أسألك على علاج ليه. هتفت بلهفة: _علاج إيه؟! مالك أنت كويس!!
فيك حاجة. ابتسم بخفة وهو يلاحظ لهفتها عليه، فهتف باطمئنان: _متقلقيش يا ورد... هو صداع بيجيلي كل فترة كده ومانمتش بسببه من امبارح. تحركت بهدوء تجاه حقيبتها تفتحها، وعبثت بها لثواني، وعادت تحمل بين يديها شريط. التقطه منها فهتفت بجدية: _تاخد منه حباية دلوقتي وترتاح لأنه في نسبة مخدر هينيمك، وده أحسن ليك علشان جسمك يرتاح. ابتسم بحب وهو يتأمل عينيها بحنان واقترب منها يهمس:
_عاوزك تعاندي كتير خصوصاً وأنا بطلبك للجواز قدامه. نظرت له بصدمة فابتسم هو عليها وتحرك للخارج بهدوء. *** _اسمع يا فارس... لو أنت نسيت نفسك أفكرك إنك بتتكلم مع اللواء بتاعك... يعني اللي أقوله يتنفذ. انتفض فارس بغضب: _يعني إيه يا سيادة اللواء. _يعني القرار اللي قلته يتنفذ... دي أوامر من القيادات العليا. ضحك فارس بسخرية وهو ينظر لنرمين بضيق التي تبتسم بخبث: _يعني تبقى دي لسه تحت التدريب قائد عليا أنا؟!
أنا الرائد فارس الحسيني... حضرتك واعي. اقتربت نرمين تهتف بحدة: _إيه يا سيادة الرائد... حضرتك إيه اللي مش عاجبك... ولا علشان ملازم زي هيبقى قائد عليك بسبب خبرتها وذكائها. أصدر صوت ساخر من فمه واقترب منها وهمس في أذنها: _ولا علشان دخلتي دلعتي عليه شوية وهو رال على واحدة زيك. ابتعد عنها وهو يهتف بصدمة:
_سيادة اللواء حضرتك ماتقدرش تنفذ قرار زي ده ولا أنت عارف أنا ممكن أعمل إيه، والمهمة دي أنا هنفذها أنا وفريقي الخاص بس... وأي تدخل من حضرتك، صدقني هتندم. تحرك للخارج بغضب وخرجت خلفه وهي تجيب على هاتفها: _أيوه ياباشا... أيوه جمعت المعلومات... متقلقش كله تحت السيطرة. _لا ما تخافش إحنا هننفذ قبل معاد هجومهم... تمام أنا راجعة القصر وهجبلك الورق اللي انت عاوزه. *** وقف وسط العائلة وهتف بهدوء:
_جدي أنا عاوز أتجوز ورد بنت عمي. نظرت له ميار بصدمة فاندفعت تجاه ورد وهي تقبض على حجابها وهي تصرخ: _عاوزة تسرقي مني جوزي يا حرامية يا خطافة الرجالة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!