بعد محاولات الأقناع التي قام بها النعماني، حصل على موافقة والدها، حتى أعمامها أيدوا الفكرة بدلًا من الذهاب بها إلى الصعيد لنجاة من عارها. جاء المأذون وبدأ في مراسم الزواج في حضرة أعمامها وتحت نظرات والدها المكسورة. مد يده في يد المدعو "يعقوب"، فهو مجبر، حتى إن لم تفعل شيئًا خطأ، فهو أعطاها حريتها وكانت مدللته، لكنها خانت الثقة. كيف يثق بها ثانية؟ فالناس تثق بما تسمعه أكثر من ما تراه.
أما هو، فسمع ورأى ابنته في بيت شاب غريب. أحنت رأسها، تحت مسمى الانفتاح والقرن الواحد والعشرين. وما الفرق بين البنت والولد؟ لكن الإفراط في الثقة مؤشر خطر. رفعت نظرها وعيناها الدامعتين تتعلق بعين والدها، فلم ترَ بهم سوى الخزي والانكسار. انفجرت باكية بشدة، تشعر أنها بكابوس، حتى انتهت مراسم الزواج. انتفض والدها يهرول للخارج، تبعته ببكاء حار وجسدها يرتعد.
"يابابا أنا بنتك اللي مربيها كده ترميني وتسبني، والله أنت عارف أخلاقي، ما تسمعش كلام حد، أنت هتسبني لمين هنا؟ طب خدني البيت معاك ومتكلمنيش." أشرق قلبه لها ورمقها والدموع متحجرة بعينيه. "روحي يابنتي الله يسامحك زي ما كسرتيني." وقعت على الأرض تنحب ببكاء. "خدني، أنا معملتش حاجة، أنا دالين يابابا حبيبتك." اقترب منها لؤي يساعدها في النهوض، أوقفه صوت عالٍ دوى صداه في المكان.
"سيبها يا لؤي وعلى أوضتك وحسابنا بعدين على المهزلة دي، انتي قومي من عندك خلي أي حد يوديكي أوضة فاضية تنامي فيها وكفاية نووااااح." *** وقف يعقوب بهيئته الطاغية وتقسيم عضلاته البارزة، يدس يده في جيب سرواله، ينظر من شرفة مكتبه بشرود بعينيه الزيتونيتين التي تناقض سمار بشرته. فعينيه حادة كصقر تجعل من يراه يخشاه، الرجال قبل النساء. ضحك ساخرًا على ما حدث، يشبه المسلسلات والروايات. **Flash back**
ترجل من سيارته ثم دلف للداخل. طالعها تقف في البهو، وقف خلفها. كانت تتمتم بكلمات أغنية وتتحرك بارتياح في المكان، وشعرها منسدل على ظهرها كشلال من الذهب. عقد ما بين حاجبيه متسائلًا. "احمممم، انتي مين؟ وبتعملي إيه عندك؟ استدارت له بفزع ثم طالعت هيئته التي خطفت أنفاسها وتاهت في ملامحه. ثم همست بخفوت. "لا مش معقولة، انت شغال هنا؟ ده انت تقعد ويجيلك طقم جواري حواليك ويبقى حرم السلطان."
استراق السمع إليها وصلته بعض من كلماتها البلهاء. رفع طرف حاجبيه. "انتي بتقولي إيه؟ أردفت بابتسامة دافئة. "برتقال فريش لو سمحت." ضحك مستهزئًا وبنبرة رجولية أرعبتها قليلًا. "أفندم؟ عيدى تاني كده، انتي بتطلبي مني أنا؟ خرجت الكلمات من فمها متقلقلة وهي تطالع هيئته خاطفة الأنفاس. "إيه مالك صوتك بيعلى ليه؟ انت مش لابس ببيون تبقى شغال هنا جرسون، مالك بقى؟ رمقها بنظرة ساخرة تحمل في طياتها الوعيد، ولم تكن نظرة فقط بل إنذار.
بتفوه بكلمة أخرى. "انت كل معلوماتك عن البيبون... يبقى جرسون؟ انت مين؟ انتي دخلتي هنا إزاي؟ عند هذه النقطة دلف لؤي مسرعًا ببعض الخوف والقلق. "يعقوب انت جيت بدري ليه؟ أقصد حمد على السلامة." لم يطل الصمت وهو يتفحص تعابير وجهه. "حضرتك النهارده يابيه في حوار صحفي هنا، انت نسيت؟ ثم أكمل رافعًا حاجبيه مشيرًا إليها متسائلًا بصمت عن هويتها. تنهد لؤي بعمق وأجابه في رسمية تامة.
"آه أسف نسيت يا أبيه. 'دالين' زميلتي كانت جاية معايا تاخد الملازم عشان عندنا امتحان آخر الأسبوع." كان يستمع لحديثه وقسمات وجهه تنم عن صدمة حقيقية مما يسمعه. ثم هتف بتساؤل. "وهي زميلتك تيجي معاك البيت لوحدكم عادي كده؟ ومن إمتة الكلام ده يا أستاذ لؤي؟ تأففت "دالين" بقوة تستغفر ربها. "معلش سوري حضرتك بتتكلم كده ليه؟ وإيه في البيت لوحدكم دي؟ حاسب على كلامك، بعدين طالما أنا مش بعمل حاجة غلط خلاص ميهمنيش."
تمكنت الدهشة منه عند سماع كلماتها، توسعت عيناه بذهول. ثم تجاهلها وأكمل حديثه مع أخيه. "خلص يا لؤي عايزك في المكتب قبل ما بابا يرجعهم." ما بال انصراف، لكن استوقفه صوت ضجيج عالٍ يأتي من الخارج. أصبحت نظرته أكثر قتامة وحدّة. فصاح بأعلى صوته. "إيه بره؟ الدوشة اللي برة دي ليه؟ هتف حارس الأمن بارتباك. "في ناس بره ومصممين على الدخول." رفع يعقوب جانب حاجبه متشدقًا بغلظة. "هي سايبة أي اللي عايزين يدخلوا دي؟ من الناس دي؟
نظره للأرض وهتف باستحياء. "يعقوب باشا بيقولوا إنهم تبع الهانم اللي مع البيه الصغير." قطبت ما بين حاجبيها باستغراب. "ناس مين؟ عايزينى أنا؟ ومين يعرف إني هنا؟ هز الحارس رأسه بالإيجاب لها. "آه يافندم بيقول والد حضرتك ومعاه كام واحد بجلابيات وشكلهم مش جايين في خير." سرت الرعشة بجسدها، ابتعلت ريقها بصعوبة وانعقد لسانها وعلى وجيف قلبها. رمشت بعينيها ثم انتفضت بذعر. "بابا!!! بابا هو يعرف أنا هنا إزاي؟
نظر إليها يعقوب بنظرات تحمل الشك وبصوت رجولي خشن. "دخلهم يابني خلينا نشوف الحوار إيه؟ ولج والدها للداخل ووزع نظراته في المكان كله حتى وقع نظره عليها. حدجها بنظرات نارية. في لحظة اقترب منها يجذبها من شعرها سحبًا لها، فوقعت أرضًا تحت قدميه. القى عليها بعض السباب بوعيد بأشد العقاب. فنادَى على من معه من رجال ليأخذوها عنوة. هتفت بخوف جلي ودموع تنهمر على وجنتيها. "يابابا في إيه؟
والله يابابا ماعملت حاجة، أنا بس جايه كنت آخد ملازم." أجابه صوت من الخلف بخشونة. "هنطلع بيها على البلد على طول يا عمي ولا إيه؟ صوت آخر أشد قسوة. "مش لما نخلص منها ومن اللي مرمغ شرفنا، ياما قولتلك يا أخويا كفاية بتك علام ونجوزها ولدي تجول لا لحد ما يجلنا الناس لأماكن أكل عيشنا ويقول ألحقوا بتكم في البيوت جابتلنا العار." صرخ بيهم يعقوب بصوت عالٍ جعل أعضائهم ترتجف. "إيه انتوا وهو اللي بتعملوا ده؟
سيب يا جدع انت شعرها ده... وأيه الحوار هابط اللي بتعملوا ده؟ عشان فلوس وكده ولا إيه؟ صاحت دالين بكاء وهي تحاول التملص من يد عمها. "أخرس يابني آدم انت، والله يابابا اللي في دماغك ده مش صح.... وبلد إيه هتسافرني ليه؟ صدقني والله ما عملت حاجة، ما تسمعش كلام عمي." ملامحه جامدة بلا تعبير، فقط يحلق يستشف صدق حديثها. غرق في تفكيره لتحليل الموقف ونظراته تحذرها من صحة ما يدور بعقله. جذب "لؤي" معصمه همسًا له.
"يا أبيه الحقها دول هيموتوها بجد." كما هو على وضعيته يدس يده في جيبه ولم يرف له جفن تحت صراخها ونحيبها وترجي والدها بأن يسمعها أو يصفح عنها. ضحك داخله باستهزاء، كانت من دقائق قليلة ترفع رأسها عاليًا تتفاخر بتفكيرها. دقائق من الصمت الممتزج بالخوف والارتعاش. لكن بدأ الأمر يستفزه ويثير أعصابه. صاح بصوت جهوري. "انتوا إيه؟ اتجننتوا؟ ما بنتكم قدامكم إيه؟ كنتوا جبتوها من على السرير؟ تار وعار إيه؟
بينما والدها لم يتسع صدره أكثر لسماع تحليلات في شرف ابنته. فسحب يديها بقوة خلفه وهو يتجه للخارج، متجاهلاً اعتراضها وتعثرها. ثم وقف يهتف. "بنتي أنا هعرف أربيها، أما ابنكم خافوا عليه." لكن قاطعه دخول والد يعقوب "النعماني". وقف يطالع وجههم بملامح مجعدة. "ممكن أفهم إيه اللي بيحصل هنا؟ الصوت جايب لبره خير." صاح رزق (والد دالين) "يلا بينا من هنا بتي وأخدتها وأنا أعرف أربيها بأيدي."
صاح أحد عمومتها بحدة وهو يحدجهم بنظرات نارية صارمة ويهتف بسباب لاذعاً. "إحنا ميغسلش اللي حصل ده غير الدم، مهما حصل مش هنعديها بساهل لو هنموت ميهمناش." أشار لها (النعماني) بيده يستوقفه. ثم رفع نظره ليعقوب، عقد حاجبيه متسائلاً. بينما يعقوب بدوره يسرد عليها ما حدث. هز رأسه بتفهم رافعًا نظره للؤي بتوعد. هز النعماني رأسه بكل ثبات وقوة. تفهم الموقف وجاهد في حل الأمور رغم انفعالاتهم وغضبهم.
إلا انه رجل ذو هيبة وله تأثير من نوع خاص على من حوله. فطلب منهم البقاء لتوضيح الأمور أكثر. ذهب صوب مكتبه وأشار لأبنه يعقوب بأن يتابعه. *** (( يعقوب مفيش حل غير إنك تتجوز البنت دي ) كانت تلك الجملة التي أردف بها النعماني. ضيق يعقوب عينيه ثم أكمل بنبرة تحمل السخرية. "أزاي يعني؟ هو فيه إيه؟ ده أنا ممكن باتصال صغير مخرجهمش من هنا." حاظت عيناه بشدة وارتسم الانزعاج على ملامحه.
ثم اقترب منه بخطوات ثابتة وتوقف ليستطرد بصوت عميق وهو يشير إلى نفسه. "يعني تفتكر أنا مقدرش أعمل كده؟
بس البنت دي لو خرجت على الصعيد بالفضيحة دي مش هتعيش، وإذا عاشت مش هتبقى بني آدمة مش سويا. ده غير الأهم أهلها هيخرجوا من هنا ومش هينسوا تارهم من أخوك، دول صعيدة، ده شرف يعني أصعب من التار عندهم. ولو خلصت من دول في غيرهم كتير، أنا أخاف عليك وعلى أخوك. ده غير الصحافة اللي زمانها جاية والمشروع الكبير اللي هيتضر وأعدائنا ما هيصدقوا." استحوذت الصدمة على يعقوب للحظات وجلى غضبه على ملامحه.
"إيه يا بابا واحنا مالنا ومال الكلام ده؟ تارا ليه هما حريين فيها؟ نشيل بلاوي ليه؟ جت هنا برضاها تستاهل بقى، وأخويا أنا أعرف أحميه." هز رأسه متفاهمًا ثم أجابه بغضب. "خلاص براحتك يا يعقوب. ابعتلي لؤي هو اللي هيوافق، أنا مش هضحي بيه. يكتب كتاب وبعدين نشوف الحل في الورطة دي." زفر بحنق وهو يحك مؤخرة رأسه. "لا لا لؤي لسه في التعليم ومستقبله هيضيع. ابعت هات المأذون." **back** أغمض عينيه بألم يشعر بالصداع يفتك خلايا دماغه.
*** في منطقة شعبية تتأجج بسكان المنازل متراصة بجوار بعضها. فكل ما يقال بها حتى وإن كان همسًا تستطيع معرفته. المنطقة لا يبقى بها أسرار، فمذ أن جاء رزق والد دالين ويقطن هذه المنطقة هو وأخواته وأصبح مصدر رزقهم بها. فهم تجار وسمعتهم الطيبة ساعدتهم. ولج رزق إلى شقته بأكتاف متهدلة. فابنته كانت تملأ البيت بضحكاتها وطفولتها. تزوجت بأصعب طريقة يمكن أن يتخيلها عقله.
وضع رأسه بين كفيه، فهو السبب بالغ في تدليلها والثقة الزائدة، فأصبحت متمردة تتصرف بدون حساب تحت مبدأ "أنا لم أخطئ فأين المشكلة... طالما لم أتجاوز الحدود." صوته يمزق نياط قلبه، فهو حرم من فرحة تسليمها لزوجها بيده. تنهد بحرقة. *** بينما في الجهة الأخرى تقف سيارة بعيدًا تراقب قصر النعماني. زوج من العيون تشتعل بالنيران. عديم المروءة، بعد ما فشل في القرب منها خاض في عرضها. يغرس أنيابه في شفتيه بغيظ كاد أن يدميهم.
فكل ما خطط له سار عكس ما تمنى. ضرب المقود بيده بغضب. حقد مضاعف غلف نظراته. هتف أنس صديقه بتبرم. "خلاص يا ياسر اللي خططت عشانه باظ، هي دلوقتي تبع بيت النعماني، أبعد عنها. أنا أصلا مش عارف إزاي وافقت إننا نعمل كده فيها، ده أنت وصلتلهم كلام يخليهم يدبحوك." تحولت نظرته أكثر قسوة وتغلفت نبرته بمزيد من الغل. "هي بتاعتي أنا، حاولت معاها بكل طرق ومش هتتنازل عنها."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!