جحظت عيناه بصدمة عندما طالع شاشة الهاتف. بالكاد يتنفس، بصعوبة وغضب. نيران تشعل صدره. بدأ يحطم كل ما تطوله يده. بداخله نيران تحرق العالم من حوله. بينما النعماني وقف أمامه يتنفس بغضب، قائلًا بخشونة: -خلصت خلاص، ممكن تهدى بقى؟ عرفت ليه قولتلك تتجوزها. أنت مش لؤي، بس أنا ليا بردو نظرة. وبقولك الموضوع مش زي ما أنت فاهم، أو الرسالة جتلك. الموضوع فيه سر، وياريت تتصرف طبيعي الفترة دي لحد ما نعرف كل حاجة. ومتعرفش أخوك حاجة.
أخذ نفسًا عميقًا بشدة ثم زفر على مهل، وبدأ يحدثه بهدوء وثبات، لكن بنبرة قوية: -نظرة إيه؟! الرسالة واضحة. "مبروك عليك الليلة، أنت شربتها يا عريس". أنا قولت تبع حد من المنافسين وقولتلك سيبني أتصرف ساعتها، بس كويس إني عملت حساب كده وأنا اللي اتجوزتها. لؤي مش هيفهم دماغها. هز رأسه النعماني ثم تأمله بضيق وهو يغادر مكتبه هامساً: -متعملش حاجة نندم عليها كلنا.. الموضوع مش مقتنع بيه.
دار يعقوب حول نفسه باحثًا عن هاتفه. وقعت عيناه عليه، أسرع يلتقطه ويضغط على زر الاتصال، ثم وضعه على أذنه ينتظر إجابة الطرف الآخر: -أيوه يابني اسمعني، هبعتلك عنوان واسم واحدة عايز أعرف كل تفاصيل حياتها من يوم ما اتولدت، خصوصًا الفترة الأخيرة. قدامك كتير، يومين معاك. أغلق الهاتف ثم تنفس الصعداء واستدار يجلس على مكتبه. يطرق بأنامله على سطحه الزجاجي، ينظر أمامه بشرود. ***
بينما على الجانب الآخر، قضت ليلتها دون أن يغمض لها جفن. غارقة في بحر شجونها، عبراتها تنساب على وجنتها في صمت. قلبها ينزف ألمًا. لم يصل لتفكيرها يومًا أن يصل تحررها إلى كسر ثقة أبيها. فماذا ظن بها؟! خسرت حياتها، أصبحت وحيدة في بيت لم تعرفه. كيف ستقضي حياتها؟ كيف والدها تخلى عنها؟! لحظة لحظة... من أين عرف بوجودها؟! طرقات على الباب قطعت تفكيرها. رفعت عينيها صوب الباب بانكسار. طالعها وجه لؤي. ولج وأغلق الباب خلفه. اقترب
وجلس أمامها على الفراش: -أنتِ كويسة؟! هزت رأسها وهي تضع كفها على شفتيها تكتم شهقاتها: -لؤي قول لي، اللي بيحصل ده كابوس وهصحى منه. حالتها ألجمت لسانه فلم يسعفه ذهنه برد عليها وتهدئتها. صمته ونظراته جعلتها تبتسم في ذهول وتقول بعدم تصديق واستيعاب: -مش كابوس صح؟ أنا ضعت يا لؤي. أخذ شهيقًا طويلاً وهو يجيبها بتأسف: -أنا اللي غلطان يا دالين. ياريتني ما كنت سمعت كلامك، كان لازم أقولك لأ...
بس اللي مستغربوا والدك وأهلك عرفوا منين؟ قبل أن تجيب عليه، سمعوا صوت طرقات على الباب. ثم انفتح الباب ولج مباشرة بدون انتظار إجابة. أنصدم عندما طالع أخيه في غرفتها. توسعت عيناه وتطاير الشرار منهم، وصاح بغضب: -لؤي بتعمل إيه هنا؟! في أوضتها هنا ليه؟! أنصدم لؤي من عصبية أخيه المبالغ فيها. ابتلع لعابه: -أبيه، كنت بس بطمن عليها. صاح بنبرة على حافة الانفجار: -تطمن عليها لوحدكم في الأوضة مقفول عليكم باب؟
الهانم نستك الأصول ولا إيه يا أستاذ لؤي؟ طأطأ رأسه واستأذنه وولج للخارج وأغلق الباب خلفه. بينما هي بقيت شاردة تحدق بنقطة ما في الفراغ. بينما هو يستند على حافة المكتب المقابل لها. تمكن الغيظ من كافة ملامحه الخشنة، ليتشكل في ثوانٍ جمود رهيب. هو يخبرها: -البيت ده ليه أصول، وأنتِ هنا مجبرة تمشي عليها. ومش مسموح لأي حد أي كان أنه يهدمها، فاهمة؟ يعني تروحي لشاب بيته، تقعدي معه لوحدكم قافلين الباب؟ مش هنعرف.
رفعت "دالين" نظرها إليه بأعين لامعة بدموع الخذلان، تبتلع غصة مريرة في حلقها. قلبها ينزف دمًا. ردت بنبرة باكية: -لو سمحت كفاية كلامك ده وتجريح. أنا مستهلش كل ده، أنت متعرفنيش وحكمت عليّ. تلاقت عدسته بخضرواتيها وجنتها الملتهبة أثر البكاء. رق قلبه لوهلة. بداخله شئ يصدق، صدق حديثها. تبدو طفلة بريئة. أجابها بسخرية:
-شاطرة، أنتِ جاوبتي على نفسك أهو. محدش يعرف جواكي إيه، لكن طريقة لبسك، تعاملك مع الشباب، ده هيخلي الكل يفكرك إنك سهلة. المجتمع بتاعنا كده. عنده ثوابت فكرية، وبالأخص البيئة اللي اتربيتي فيها. ده بكلمك بثوابت، مش بالدين عشان ده موضوع تاني خالص. غامت عينيها بدموع حارقة، وأجابته بصوت مرتعش من البكاء: -ليه؟ حد قالك على معرفش في دين على فكرة، بس ربنا اللي يعرف نيتي. باغتها بقبضة يده الضخمة التي قبضت على ذراعها وجذبها بعنف:
-أنتِ لسه بتجادلي بكلام؟ أنا لو من أبوكي كنت كسرت رأسك من زمان. نيتك الناس هتشوف بنت رايحة مع شاب في بيته وتقوليلي نيتك إيه؟ مفيش مخ ولا فكرة التحرر بيعمل حاجة غلط خلاص. تراجعت للخلف خوفًا منه في محاولة لتحرير معصمها وانهارت باكية. كل حديثه صحيح. ماذا ستقول؟ هي المخطئة أم مجني عليها؟ -آآآه، إيدي! أنت بتوجعني! آآآه!
تنهد بعمق ينظر حالتها وبكائها الذي يدمي القلب. أبتعد عنها يحدق بها. كانت كطفلة تائهة من والدتها. لا يعلم لماذا انتفض قلبه بين ضلوعه تمرداً عليها. لانت ملامحه وترك يديها وولج خارج الغرفة. *** دلف لؤي إلى مكتب أبيه ليجد النعمان شاردًا في نقطة ما. تقدم لؤي ثم نظر إليه بتوتر. هتف: -صباح الخير يا بابا. نظر النعماني لهيئته ثم قال بجمود وهو يتفحصه:
-أممممم صباح الخير. أنا كنت لسه هبعتلك بسبب عملتك بتاعت امبارح. أنت مقدر حجم المصيبة؟ طأطأ لؤي رأسه بأسف: -يابابا صدقني لو أعرف إن كل ده هيحصل ما كنتش جبتها هنا، بس والله يابابا ما في حاجة زي ما باباها اتخيل. هي بنت محترمة جدا، بس هي ليها طريقة تفكير مختلفة شوية. وأوقفه عن الحديث بنظرة من عينيه ثم قال بصوت رجولي رخيم:
-أبوك بيفهم اللي قدامه من نظرة، وأنا عرفت من أول ما شفتها. بس الخوف عليها من يعقوب. اسمع يا لؤي، أهم حاجة إنك تخرجها من حالتها عشان الامتحانات عشان السنة. وبعد كده هنشوف إيه اللي هيحصل. حك مؤخرة رأسه ثم أجابه: -بصراحة ده اللي كنت بعمله على أول ما صحيت، بس أبيه يعقوب اتنرفز عشان طلعت عندها الأوضة وشبه طردني. هز رأسه بيأس من تصرفات ابنه ثم ارتسم الجمود: -أنت بردو محرمتش؟ في حد ممكن يطلع لها يناديها؟
متحاولش تتعدى حدودك. هي مراتك أخوك مش زميلتك لحد ما نشوف حل. وده اللي لازم تتعامل معاه دلوقتي. زفر لؤي أنفاسه بارتباك هامساً بتوتر: -والله يابابا أنا حبيت فكرة جواز يعقوب، بس هو يخف عصبية شوية. هي غلبانة، كفاية موقف إن أبوها يرميها كده. طب ده حتى يعقوب يبقى ماما الله يرحمها، دعيلها. ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيه ثم ظل صامتًا. ابتسم لؤي ونهض من مكانه ثم انحنى يقبل جبينه وقال بمرح مداعبًا والده:
-عقبالك بقى أنت كمان يا بوص وأفرح بيك. هو حد كان يصدق أبو الهول يتجوز؟ يستجب لمزاحه ونطق بصرامة: -أوعى تهزر بكلام ده قدام البنت دي ويسمعك يعقوب. اتفضل يلا اطلع بره. عدل وضع قميصه ثم قال بمزاح: -كمان طردة واحدة وهمشي من البيت؟ محدش يعرفلي طريق. *** بعد مرور عدة أيام (يوم الامتحان)
. في الصباح جلس "يعقوب" و"لؤي" على طاولة الطعام يتناولان الفطار معًا. فاليوم امتحانها. ينتظر نزولها من الأعلى فهي ظلت حبيسة غرفتها. يتذكر كلما مر من أمام غرفتها يسمع صوت بكاؤها الذي مازال يدور ويرن بعقله كعقارب الساعة. تنهد يعقوب بضيق على كثرة تفكيره بها في الأيام الماضية. بداخله شئ يريد تصديقها. رفع عينه من صحنه، ليطالعها أمامه، لكنها فتنة تمشي على الأرض. فكانت ترتدي قميصًا من اللون الوردي وبنطلون من خامة الجينز فكان كطبقة ثانية على جلدها. ورفعت سلسال الذهب خاصتها بدبوس شعر ووضعت بعضًا من مساحيق التجميل البسيطة. توسعت عيناه بذهول من تغير حالها لحال آخر. أهي من كانت تبكي في الأيام الماضية؟
استقام عن الطعام مدعيًا الشبع. بينما هي تجاهلته ووجهت أنظارها صوب لؤي وهي ترى نظراته المصدومة: -صباح الخير يا لؤي، يلا بينا أنا جهزت. أيقظت بركانه الخامد بتعمد تجاهله، فقد أثارت عواصفه وهيجت أمواج غضبه. فلم تجد منه إلا أن قبض على ذراعها صائحًا بها بأعين نارية: -والهانم رايحة فين بلبس ده على الصبح؟ دفعت يده بعيدًا عنها صارخة بسخط شديد: -ابعد إيدك عني يا بني آدم أنت! هو أنت استحليت الموضوع؟
على العموم أنا أصلاً ماشية ومش راجعة تاني. صرخ بنبرة كادت تسقطها أرضًا: -عيدي تاني، قولتي إيه؟ ابتلعت لعابها وتملصت من يده ورجعت للخلف لا إراديًا في خوف ظاهر. فمنظره دب الرعب في أوصالها: -بقول همشي. كلمت واحدة صاحبتي وهقعد معاها في شقة مع بنتين تاني لحد ما أخلص امتحانات. وبعد كده أسافر لخالتي إسكندرية. أي أسئلة تاني؟
قبض على شعره بعنف يكاد يخلعه من منبته، لاعنًا حظه الذي ألقى بها في طريقه. هم لؤي بالحديث لتلطيف الأجواء، أشار له "يعقوب" بالالتزام الصمت ورفع سبابته في وجهها: -دخول الحمام مش زي خروجه. أنت نسيتي إنك على ذمة رجل والتسيب بتاعك ده تنسيه. ولا التمثيلية خلصت بقى؟
ثانيًا: هتطلعي تغيري هدومك دي بفستان من الهدوم اللي جت. ثالثًا: مفيش مرواح الجامعة مع لؤي. في عربية بسواق هتوديكِ وتجيبك، والمواعيد كلها معايا. اتفضلي وخلي بالك أنا عيني عليكي. زفرت أنفاسها بغضب ثم صرخت بسخط شديد: -إيه التحكمات دي كلها؟ آآآه أنت مفكر عشان اللي حصل ده يبقى خلاص؟ لا شكرًا، كتر خيرك على موقفك الرجولي. بس أنا هعرف أحل مشاكلي لوحدي. بعدين طالما هي تمثيلية شاغل نفسك ليه بقى؟
ها هو الطوفان قد هلك. هكذا كان تفكير لؤي، لكن احتلت الصدمة ملامحه من رد فعل يعقوب الذي دس يده في جيبه واقترب منها هامسًا ببرود: -آه، اللي حصل ده اسمه جواز، بس أنتِ مجبرة تحترميه. وبلاش تخلي يعقوب النعماني يوريكي الوش التاني. ومتنسيش إحنا اللي مستحملينك هنا، وصوتك ميعلاش تاني. انفجرت دالين ببكاء كالقنبلة دون سابق إنذار: -أنا استحالة أعيش هنا. هو أنت بتتحكم كده ليه؟ فكرني إيه؟ رفع جانب حاجبيه وابتسم بسخرية:
-مراتى. أنتِ مرات يعقوب النعماني لحين إشعار آخر. حتى لو لسبب معين، بصي، أي حاجة تخصني تمشي على مزاجي. لاحظ نظراتهم الشبه مصدومة من كلامه: -قولت اتفضل يالؤي على الامتحان، وانت انجزي غيري عشان تلحقي.
أسبوعان مر أسبوعان. في ساعة متأخرة من الليل جلست في الحديقة تضم كتابها إلى صدرها وتنظر للسماء بقلب مفطور. مشاعر مبعثرة لأبعد حد. قلب متألم بشدة. مر ما يقرب على شهر على هجر والده لها. ستجن وتعرف كيف عرف والدها. من الذي قلب حياتها وأدى بها لوقوع في براثن ذلك الوحش الثائر. أغمضت عينيها عند سيره. فمر ما يقارب أكثر من أسبوعين تذهب للامتحاناتها وتظل حبيسة غرفتها. تتلاشى الصدام معه فهو يثير جنونها. انتفضت
حين أتاه صوت من الخلف: -أنتِ قاعدة في الوقت ده هنا ليه؟ أغمضت عيناها بألم ثم نهضت من مكانها متوجهة للداخل. بدون رد على أسئلته، تجاوزته ومرت من أمامه. فجذبها من معصمها. ساد الصمت لحظات بينهم وهو يطالعها. بينما هي نظرت له بعينين متسعتين مدمعتين من أثر البكاء قائلة بشهقات طفولية بحتة: -لو سمحت إيدي.. اتخنقت من فوق شوية نزلت هنا واديني طالعة تاني، سيب إيدي بقى. خفف من ضغط على معصمها: -أنتِ بتعيطي ليه؟ في إيه حصل تاني؟
رفعت نظرها إليه تتطلع إليه أول مرة بتمعن؛ بدون أن يعنفها. فملامحه رجولية خشنة لكنه وسيم. مسحت دموعها بظهر كفيها وأجابته بصدق: -مفيش تاني لأن الأول لسه مخلصش ولسه وجعني. غير عندي مادة لسه مش عارفة أذكرها والامتحان بكرة. لؤي حاول بس أنا مفهمتش. ممكن إيدي بقى؟ ترك يدها برفق وسحب منها الكتاب ينظر له بتتمعن: -مادة (استركتشر) . تعرفي إني كنت بجيب امتياز فيها على طول. هذكرلك أنا، مش مستاهلة كل ده عياط.
توسعت عيناها بصدمة من تحوله المفاجئ ثم ردت عليه بنبرة حزينة وهي تلتقط الكتاب من بين يده: -مفيش داعي خلاص، اللي فهمته هكتبه أنا. أنا كده كده هشيلها سمر كورس. ابتسم بغرور يدس يده في جيب سرواله: -بقولك هذكرلك أنا يعني مفيش سمر كورس. اتفضلي على جوه عشر دقايق أغير وتكوني في المكتب. ثوانٍ وصدح صوت هاتفه معلنًا عن وصول رسائل جديدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!