العاشرة رجع مدحت على الشقة، كان منكسر مثل عود شجر ضعيف هبت عليه عاصفة. كان شارد لحد بعيد. "مروة فين البرشام؟ لم ترد مروة، واخده على خاطرها. زمت شفتيها بتمنع. "أنا عارف إنك زعلانة، بس أنا هاخد البرشام، هاخده على طول ومش هسبب ليكي ولا ليا الاحراج مرة تانية." أربعة برشامات: Haloperidol Chlorpromazine Thiothixene Fluphenazine شعر بلسعة في يده وعدم اتزان، ثقل تملك رأسه. "أنا هدخل أنام، مش قادر أصلب طولي."
رقد مدحت على السرير يشعر بسكون غريب. "خد ده كمان هيخليك كويس." ناولته مروة برشامة بريدنيزون. ابتلعها مدحت وراح في نوم عميق. توالت الساعات وهو راقد، وعندما أفاق شعر ببعض الحيوية. كانت مروة في الصالة تشاهد التلفاز. جلس مدحت بعد أن قبل يديها. "أنت كويس يا حبيبي؟ "الحمد لله، أنا حاسس إني كويس جداً، العلاج ده ممتاز." "أنا هخليه في أوضتي دايماً وآخد منه على طول."
"بقلك يا مروة، بيتهيألي إني سمعت ذي ما تكوني بتتكلمي مع حد وأنا نايم." "هكلم مين يا مدحت ومين بيجي عندنا أصلاً؟ "ده من أثر العلاج يا مدحت، معاكي حق. أنا دماغي بقت تتخيل حاجات كتير جداً." "هنزل أقعد على القهوة شوية وارجع." قضى مدحت جلسته في المقهى، ثم في طريق عودته مر على القبو. رفع المقعد المكسور ونظر تحته. البلاط النظيف الذي تراكمت فوقه حبات تراب قليلة.
ترك مدحت القبو وعاد إلى الشقة، قصد غرفته وفتح الدولاب، ثم أخرج نقوداً كان يحتفظ بها للأيام السوداء. "انت هتعمل ايه بالفلوس دي يا مدحت؟ دخلت مروة فجأة. "هشترى بيها تليفون جديد، تليفون حديث من بتاع التتش." "ليه يا مدحت تليفونك اشتكى؟ "مشتكاش ولا حاجة، بس أنا مريض دلوقتي ومحتاج تليفون أنزل عليه ألعاب أتسلى بيها بدل ما أقعد على القهوة."
اشترى مدحت هاتفاً جديداً وعاد به إلى الشقة. أخذ جرعات الدواء ثم جلس في غرفته يتسلى ببعض الألعاب. مضت أيام ومدحت يواصل أخذ العلاج والجلوس في غرفته لا يخرج منها. وكان عقله بدأ يمتلأ بالأوهام والهذيان ويتخيل علاقات وهمية تدور داخل عقله. كانت مروة تتابع جرعات الدواء باستمرار وتتطمأن أنها تنقص باستمرار. ثم زهق مدحت من الحبس، فخرج إلى المقهى. وكان بين الناس شخصية محبوبة، إلا أن غمزاتهم ولمازاتهم كانت تقتله.
كان الجميع ينظر إليه بعين الرهبة. وعندما تأخرت الشيشة، صرخ مدحت: "فين الشيشة؟ صاحب القهوة قال: "انت هتطلع جنانك علينا ولا ايه؟ وضحك الجالسين، وضحك معهم أسامة. لم يتحمل مدحت الكلام. ترك المقهى وسمع أذان العشاء فدخل يصلي. وبعد أن خرج وقف تحت منزله غير قادر على الصعود. ومضى وقت طويل وهو جالس في ركن مظلم لا يراه أحد، لكنه يكشف الشارع. وبعد أكثر من ساعة، مر أسامة تحت بيته، ثم وقف ونظر تجاه الشرفة قبل أن يطلق ضحكة كبيرة.
أخرج مدحت هاتفه والتقط صورة لأسامة قبل رحيله. ثم عاد أسامة بعد مضي ساعتين أو أكثر. وكلما مر تحت المنزل نظر تجاه الشرفة مدة دقيقة قبل أن يرحل. لكن تلك المرة، وضع هاتفه على أذنه وهو راحل. صعد مدحت شقته، لم يتحدث مع مروة، دخل شقته وأغلق الباب على نفسه. فتح الاستديو وتأمل صورة أسامة. "إذا كان عقلي يكذب، فإن الهاتف لا يكذب."
وخلال نومه، فعل برنامج التسجيل وترك هاتفه قرب باب الغرفة في أقرب نقطة للصالة. ورغم أنه سمع صوت همس خارج غرفته وكلام لم يخرج. كان لا يزال تحت تأثير الهذيان ويتخيل أن عقله يكذب عليه. وعندما فتح عينيه في الصباح، أمسك هاتفه بسرعة وفتح تسجيل الصوت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!