شعر مدحت ببعض الحيوية، فتح باب الشقة ونزل إلى المقهى. جلس على المقعد وطلب شيشة وشاي.
كان بحذاء المنزل وجلباب بلدي ووجهه أصفر مثل الليمونة التي طرحتها الشجرة بعد انتهاء موسمها. لا شيء يقضي على روح المرء أكثر من الهموم. كان يتابع نظرات الناس وأحيان همساتهم ويتصعب على نفسه وعلى الأيام. أيام زمان. لكنه لم يبلغ الأربعين بعد. ماله يشعر أنه رجل مسن رجله والقبر. إن كان مريض سيأخذ الدواء والله قادر على كل شيء. إنه لا يهذي ولا يركض في الطرقات نصف عارٍ.
"والله صعبان عليه المعلم مدحت، يوم هنا ويوم هناك." همس النادل مع عامل المكتب الذي يعد المشاريب. "الدنيا دي مش سايبة حد في حاله."
سعل المعلم مدحت. الدخان طعمه علقم. والشاى الذي كان يوزن دماغه لا يستسيغه. وزوجته مروة، بنت الأصول التي صبرت معه، مع رجل لا يستطيع أن ينجب تستحق كل الخير. وكان على وشك أن يعود إلى شقته ويأوي إلى سريره ويكفي خيره شره. إلا أن أسامة ظهر وجلس بعيدًا عنه يدخن الشيشة ويضحك مع أهل المقهى. الذي يموت لا يعود مرة أخرى. والرجل يقف أمامه سليم معافى. وإن كان صديقه يستحق اعتذارًا، وإن كان عدوه ولا يعلم لأن عقله ترك مرابطه فعليه أن يعامله بالحسنى.
شرفة بيته قريبة من المقهى وأحيان إذا مر أحد بالقرب منها يراه من في الشارع. لمح مدحت طيب طفل من الشرفة. "طفل كبير، ربما أحد عشر عام أو أكثر." ترك مدحت لي الشيشة وشمر جلبابه وصعد إلى الشقة. ليس لديه أمل. يعلم أن عقله يخونه لكنه إن يفضح نفسه. طرق باب الشقة ودلف إلى الداخل. "مروة انتي عمللنا ايه على العشاء؟ "إلى قلبه يحبه يا مدحت، محشي وبط ورز وخضار."
استدار مدحت ناحية الغرف ونظر داخلها مرة بعد مرة. وفي كل مرة قلبه يهوي بين قدميه. "بتدور على حاجة يا مدحت؟ "لا مفيش، محفظتي كنت بدور عليها." "لحظات والعشاء يكون جاهز." لكن مدحت لم يشعر بالجوع ولا رغبة له في خنقة الشقة. نزل إلى القبو وجلس على المقعد وسط الظلام. هنا ابتدأت حكايته. هنا تفجر جنونه. مر وقت طويل وهو جالس في مكانه حتى سمع حركة.
جرذان كان يتحرك بين الأثاث المخزن. في الماضي كان هناك هر يربيه يقضي على الفئران لكن ابنه أحمد أضاعه في الشارع. لكنه لا يمتلك ابن اسمه أحمد. ولا يستطيع الإنجاب. ضغط على قابس النور جواره، الذي أضاء القبو بأكمله. لمح الجرذان الذي هرب بسرعة. كان تحت مقعد خشبي مكسر. "هو الفقر ده بياكل ايه؟ رفع المقعد. ونظر تحته. وجد بقعة دم كبيرة. ولم يجد طائر ميت أو دجاجة أو عصفورة. "من أين أتت بقعة الدم؟ قرب مدحت عيونه من الدم وحدق فيه.
"دم بشري؟ ثم سمع صراخ مروة. "العشاء جاهز، لحظة واحدة وجاي." مرر أصبعه على الدم قشطه ولمس به طرف لسانه. "دم، مؤكد دم. حتى لو كان عقله كاذب مغيب عينه ترى الدم ولسانه تذوقه." جلس على المنضدة وهو يأكل قال لزوجته. "تصدقي أنا لقيت بقعة دم في القبو!! "مدحت." همست مروة بزعل. "احنا كنا نسينا الموضوع ده وبقينا تمام. هترجع تاني للأوهام؟ "مش أوهام يا مروة المرة دي أنا متأكد إنه دم. دم ناشف يابس لازق في البلاط."
"مدحت ارجوك بطل. أنا تعبت مش متحملة حاجة تانية ومصدقت إنك أخدت الدوا وبقيت كويس." تلعثم لسان مدحت. كاد أن يعترف أنه لم يأخذ الدواء بل ووضعه في قاعدة الحمام. "طيب ممكن تصدقيني المرة دي بس؟ "ناكل وننزل نبص على القبو." "يوه كفاية بقا يا مدحت، انت ايه مبتزهقش؟ "رايحة فين؟ " همس مدحت بتساؤل بعد أن تحركت مروة تجاه المطبخ. "هجيب الملح، نسيت الملح." بعد أن أنهى مدحت العشاء رافقته مروة تجاه القبو.
فتح الأضواء وسار تجاه المقعد الذي تركه مكانه. "رفع المقعد بص هنا." وكان قد سبقها بالنظر ولم يجد شيء. لا بقعة دم ولا يحزنون. "فين الدم يا مدحت؟ "كان هنا والله أنا شفته بعيني." "مدحت ارجوك كفاية، كفاية." تركت مروة القبو غاضبة. شعر مدحت بحزن وكآبة تزحف على صدره. ضرب الأرض بقدمه عدت مرات. ثم توقف مكانه واقترب بوجهه من الأرض. "الدم كان هنا." لكن البلاط كان يبرق من النظافة ولا أثر لأي بقعة دم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!