سميحة بريبة: جوزك فيه في دماغه حاجة كبيرة يا حسنة. حسنة: أيوه، من يوم ما حكم رجع من بره ولمهم مع بعض من تاني، وأنا حاسة إنه بيفكر في حاجة، بس مش عارفة إيه هي. لتسمعا دقا على الباب فتقول سميحة: جابر شكله وصل. أما بالخارج، فما إن دلف جابر وألقى السلام، إلا واستقبله الجميع بترحاب شديد. جابر: كيفك يا بكر؟ ما بقيتش أشوفك كتير يعني. بكر: ما أنت عارف المشاغل كتيرة، والواحد ما بيلحقش حتى يتلفت حواليه.
جابر ضاحكًا: شوف يا خوي اللي بيقول لك مشاغل، أومال يعني كنت سمعت إنك عاوز تتجوز وتجدد شبابك من تاني. بكر وهو ينظر بريبة لشيخون: وأنت سمعت منين الحديث ده؟ جابر ضاحكًا بمرح: العصفورة قالت لي. تهامي باستنكار: جواز إيه ده تاني اللي يتجوزه؟ ده معاه جوز حريم لو لف الدنيا كلها ما يلاقي صفر واحدة فيهم. جابر بفضول مرح: إلا لو العصفورة اللي قالت لي راحت قالت للحريم عندك إنك ناوي تتجوز عليهم، ممكن يعملوا فيك إيه يا بكر؟ شيخون
وهو يجاري جابر في مرحه: هيعمل إيه يعني؟ هو يا ولداه هيعرف يفلفص منهم؟ لا، وإيه؟ ماشاء الله بدر بتعرف تدبح زينته. تهامي باستنكار: دي بدر دي بالذات لو سمعت حديث زي ده يقول على روحه يا رحمن يا رحيم. بكر بسخرية: هخاف منهم إياك؟ دا على أكده المعزة أكلت عيالها. جابر وهو يضج بالضحك: دي كلهم وحلت أبوهم كماني. شيخون: ده على أكده بقى الواحد يتطمن عليك كل يوم تلت مرات كيف الدوا يا بكر، قبل الأكل وبعده.
تهامي: بكر عاقل وما يعملهاش واصل. عزيزة: وهو يعني لو فكر يعملها حد له عنده حاجة؟ الراجل ما يعيبوش إلا جيبه، وبكر ولدي طول عمره جيبه عمران. شيخون: الراجل اللي على حق يا أم بكر، عمره ما ينقاس بفلوسه أبدا. عزيزة بنبرة تهكم: أومال بيتقاس بإيه يا جوز بتي؟ جابر: أقول لك إني بيتقاس بإيه يا خالة. تهامي: قول يا ولدي. جابر وهو ينظر لبكر نظرة زجاجية لا تكشف أبدًا
عن مكنوناته: الراجل اللي على حق بيتقاس بشهامته وجدعنته، الراجل اللي على حق عمره ما يخون ولا يغدر أبدًا مهما كانت مبرراته يا خالة. تهامي: الله عليك يا ولدي، سلم لسانك. بكر ببعض الارتباك وهو يشعر بأن هناك شيئًا ما مبهم فيما يدور: أيوه طبعًا، كلامك كله زين ومظبوط يا جابر، أنت منورنا النهارده. جابر: تسلم يا بكر. لتدلف إليهم حسنة وهي تحمل أكوابًا من الشاي، وقامت بوضعها
أمامهم وهي تقول بترحيب: يا أهلا يا جابر، نورت التهامية كلها. جابر وهو يغض طرفه: ده نورك يا أم أحمد، تشكري. شيخون: طب يا عم تهامي، أنت خابر طبعًا إن جابر مقطوع من شجرة، يعني لا أب ولا أم، وكمان لا باقيله عم ولا خال، بس طبعًا برضه خابر إن له بدل الأخ اتنين، أنا واحد منهم، وحكم أخوه التاني، بس وراه كام حاجة كده النهاردة بيخلصها، أنت خابر طبعًا إنه لسه راجع طازة من بلاد بره.
تهامي: أيوه يا ولدي خابر، ألف حمد الله على سلامته، ويخليكم دايما في كتف بعض وسند لبعضيكم. شيخون بمحبة: يا رب، تسلم يا راجل يا طيب، خلينا في المهم. تهامي: اتكلم يا ولدي. شيخون: أنا جايلك النهارده بصفتي أخو جابر مش بصفتي نسيبك، وجايين نتقدم لك طالبين يد سميحة لأخوي جابر. تهامي: يوم المنى يا ولدي، جابر زين الرجالة كلها وما يتعايبش أبدًا. شيخون: يعني نقرا الفاتحة؟ تهامي: نقرا الفاتحة يا ولدي.
لتصدح زغاريد عزيزة وتليها زغاريد حسنة من الداخل، وتتم قراءة الفاتحة، وبعد التأمين عليها يقول جابر: بعد إذنك يا ابة تهامي، الجواز هيكون بعد ما أضم محصول القمح إن شاء الله. عزيزة باستغراب مقرون بالفضول: يعني لسه فاضل لك بتاع أكتر من تلت أربع شهور؟ طب ليه يا جابر؟ لا هو أنت ناقصك حاجة؟ جابر: لا يا خالة، بس تقدر تقول لي كده، إني مش هبقى فاضي للجواز قبل كده. عزيزة: ليه يعني؟ هيبقى وراك إيه؟
تهامي: جرى إيه يا عزيزة، كل واحد أدرى بحاله. عزيزة: ما قلناش حاجة، بس يعني لا هو ولا سميحة صغار عشان ينخطبوا كده مجرد كلام وخلاص ومن غير حاجة. جابر: ومين قال إنه هيبقى من غير حاجة يا خالة؟ ليمد جابر يده بسيالة جلبابه الريفي ويخرج حافظة كبيرة من القطيفة ويمد يده بها إلى عزيزة قائلًا: شبكة سميحة أهي. لتتناول عزيزة الحافظة باستغراب قائلة: شبكة!! تسلم يدك يا جابر، بس شبكة إيه دي يا ولدي اللي تتجاب من غير العروسة؟
شيخون: الشبكة أصلها هدية من العريس على قد إمكانياته يا أم بكر، افتحي الكيس واتفرجي على هدية بتك. لتفتح عزيزة الحافظة بامتعاض ظاهر للعيان وتنظر بداخلها وتقول باقتضاب: عقد. جابر: أيوه عقد، عقد دهب عليه القيمة يليق ببت التهامية. عزيزة: شبكة أصغر بت في التهامية اليومين دول مش أقل من تلاتين جرام دهب يا جابر. جابر بسخرية متوارية: أديكِ قلتيها يا خالة. عزيزة: قلت إيه؟
جابر: أصغر بت، وسميحة لا بقت صغيرة ولا هي أول نوبة ليها تتجوز ولا إني كمان. عزيزة بترصد: أنت تقصد إيه بكلامك ده؟ جابر: أقصد إن لا إني ولا سميحة لسه عيال صغار، وهندور على الشبكة والفستان، إحنا سبق وجربنا كل الحاجات دي وخلاص، عاوزين نركز في المهم. عزيزة بسخرية: وإيه بقى المهم ده؟ ليسمع الجميع صوت سميحة وهي تقول بجرأة: المهم إحنا وبس يا أمه، مالناش دعوة بحد تاني واصل.
لتتقدم سميحة من أمها وتلتقط منها الحافظة القطيفة والعقد المتدلى من فوهته وهي تقول والفراشات تتراقص أمام عينيها: تسلم بدك يا جابر، تعيش وتجيب. تهامي: أهم حاجة إن الشبكة عجبت العروسة، ألف مبارك. ليتبادل جابر وعزيزة النظرات، عزيزة بتمرد وجابر بابتسامة نصر. ثم يقول: إن شاء الله دبلتك وخاتمك يبقوا عندكِ قبل الجواز. سميحة بفرحة: ما تفرقش قبل الجواز من بعده، اللي عاوز تعمله أنا موافقة عليه.
ليحمحم بكر بصوته قائلًا: مبارك يا سميحة، مبارك يا جابر. جابر: تسلم يا بكر، عقبال ما نبارك لك على جواز عيالك إن شاء الله. تهامي: إن شاء الله، ده يوم المنى. لينهض جابر قائلًا: طب أنا هستأذن بقى. تهامي: تستأذن كيف يعني؟ ده إحنا هنتعشى كلنا سوا. جابر: أعفيني أنا يا ابة تهامي، عندي حاجات كتير قوي محتاج أخلصها، وكمان في رجالة مستنياني في الأرض القبلية عشان خاطر الري، حتى اسألوا شيخون، هو بنفسه اللي اتفق لي مع الناس.
شيخون: سيبه براحته يا عم تهامي، الله يعينه على اللي وراه. تهامي: ياكل معانا لقمة على السريع كده وبعديها يروح يشوف حاله. جابر: معلش يا ابة تهامي، أنا قلت لك على اللي ورايا فاعذرني. سميحة بلهفة: طب استنى أنا أول لك لقمة تبر بيها حالك. جابر: نوبة تانية يا سميحة. ثم التفت إلى شيخون قائلًا: هتيجي معايا يا شيخون زي ما كنت بتقول ولا مش فاضي؟ شيخون وهو يتناول عباءته: جاي معاك. تهامي: وأنت كمان ماشي يا شيخون.
شيخون: معلش يا عم تهامي، خلينا نخلص من موال الري ده. تهامي بتسليم: ماشي يا ولاد، اللي تشوفوه. ليلتفت شيخون إلى بكر قائلًا: معلش بقى يا بكر، خد حسنة أختك في سكتك وأنت مروح عشان هتتأخر عليها على ما أعود. حسنة: هعدي آخد البنات من عند أختك. شيخون بحزم: لا، أنا هجيبهم في سكتي وأنا راجع، ما تشغليش بالك بيها. حسنة باعتراض: بس أنا عاوزة زينب محتاجاها. شيخون وهو يوليها ظهره استعدادًا
للانصراف: ما حبكتش يا حسنة، سيبيها مع أخواتها. وما إن انصرف شيخون وجابر إلا والتفتت عزيزة لزوجها بغيظ قائلة: هو مش إني منبهة عليك ما تجيبش سيرة لشيخون غير لما نتفق الأول؟ ويا جابر، إيه اللي خلاك تقوله النهاردة وكمان من غير ما تعرفني؟ تهامي باستنكار: وما أقولوش ليه؟
وإني قابلتهم هما الاتنين وهما خارجين مع بعض من الجامع بعد صلاة الجمعة وشايفهم بيتحدثوا سوا، والكفر كله بيتكلم على إنهم اصطلحوا سوا مع بعض برجعة حكم ولد الزيات. لتستدير عزيزة إلى حسنة قائلة: إيه الحكاية؟ ما تفهميني. حسنة: لو إني عرفت أبقى أقول لك يا أمه. تهامي: أما أمرك عجيب، إحنا كنا شايلين هم إن شيخون يزعل من الجوازة ولقيناه موافق ومرحب كمان وجه بنفسه يطلب يدها لجابر، يبقى إيه اللي مزعلك بقى كده؟
عزيزة: روح اتوضى يا تهامي، المغرب قرب يأذن. تهامي بانصياع: ماشي، بس حضروا لنا لقمة بقى على ما أرجع من الجامع، أحسن الواحد هيقع من قلة الأكل. ليذهب تهامي إلى الداخل من أجل الوضوء ليقول بكر لحسنة: إلا هو جوزك ما قال لكِ أي حاجة؟ حسنة: أبدًا. بكر: واليمين اللي كان حالفه عليكِ؟ حسنة بتنهيدة غاضبة: قالي إن اليمين زي ما هو. عزيزة: يعني إيه؟ منين اتصالحوا واتصافوا وجاي كمان يطلبها بنفسه، ومنين هيحرم على خالتك دخول دارك؟
حسنة بقلق: مش عارفة يا أمه، بس شيخون من وقت ما اتصالح ويا جابر وهو شكله بيقول إنه مخبي حاجة. سميحة بعدم اهتمام: ما تفلقولناش دماغنا بقى بحديث مالوش عازة. بكر بحدة: وأنتي إيه قلة الحيا اللي كنتي فيها دي؟ أنتي إزاي تخرجي وتعملي اللي انتي عملتيه ده وأنا وأبوكِ موجودين؟ إيه؟ ما فيش خشوع؟
سميحة بامتعاض: الحق عليا، قلت الحق أمك قبل ما تفشكل الجوازة وجابر ينتهزها فرصة ويرجع الموال القديم كله تاني، ويبقى كل اللي عملناه زمان عشان خاطرك راح على فاشوش. بكر: تقصدي إيه؟ سميحة: أقصد إن بما إن جابر اصطلح مع شيخون، ممكن يوصل الود القديم ويطلب نجاة من تاني، وطالما شيخون رضى إنه يصطلح معاه، مش بعيد يوافق من تاني إنه يجوزهاله، وخصوصًا إن جابر خالي، لا هو متجوز ولا عنده عيل ولا تيل. بكر: يوافق ولا ما يوافقش بقى؟
خلاص بقت محصلة بعضيها، أكده أكده شيخون عاصي عليا هو وخالته. سميحة: يعني إيه الكلام ده؟ بكر بعدم اهتمام: يعني لو أنتي كمان مالكيش كيف تتممي جوازتك من جابر، ارفضيه واحنا لسه فيها أهو. سميحة بلهفة: لاااا، أرفضه كيف يعني؟ وهو جابر ده ينرفض برضه؟ وبعدين ظروفنا إن كنت أنا ولا هو مناسبين لبعض. بكر وهو يتأهب للرحيل: بكيفك، أنا ما بقاليش صالح بالحدوتة دي، يالا يا حسنة عشان أوصلك في طريقي.
أما حكم، فقرر أن يذهب لزيارة عمته القاطنة بالكفر، وكانت دارها تقبع بجوار أرض النخيل المملوكة لحكم، فقرر الذهاب إليها مرورا بأرض النخيل. واثناء مروره بين النخيل وهو يسترجع ذكرياته سمع جدالا بين رجل وامرأة بأرضه وعلى مقربة منه. فدنا منهما وهو يحاول معرفة هويتهما وسبب جدالهما فوق أرضه. وما إن أصبح على بعد خطوات منهما قال: السلام عليكم. ليلتفت الرجل، والذي كانت هيئته كهيئة الغفير، قائلًا: وعليكم السلام، أنت مين يا أفندي؟
حكم: أنا أبقى صاحب الأرض اللي أنتم واقفين تتخانقوا فوقيها دي. الغفير: اسم جنابُك إيه؟ حكم: أنا حكم الزيات. ليسمع حكم شهقة مكتومة من المرأة، في حين قال الغفير: عدم المؤاخذة يعني، معاك بطاقة؟ حكم بابتسامة: معايا. الغفير: طب عدم المؤاخذة يعني، ممكن أشوفها؟ حكم بسخرية مرحة: عدم المؤاخذة يعني، ممكن أعرف أنت مين وعاوز تشوف بطاقتي ليه؟
الغفير: عدم المؤاخذة يعني، إني عبد المولى الغفير بتاع الأرض دي من أيام سيدي المصيلحي الله يرحمه، وإني مش أي حد بقى ييجي يقول لي إني صاحب الأرض دي يبقى هو صاحب الأرض دي، وعشان كده، عدم المؤاخذة يعني وريني بطاقتك. ليخرج حكم هويته من حافظته من بين ضحكاته ويقربها من وجه عبد المولى قائلًا: ادي يا سيدي البطاقة بتاعتي أهي، بس يا ترى بقى بتعرف تقرا؟ عبد المولى: الكذب خيبة، ما بعرفش، بس مصطفى ابني بيعرف.
ثم صاح قائلًا: ولاا يا مصطفى، أنت يا خلفة القرود انزل هنا بسرعة. ليسمع حكم صوت صبي يأتيه من فوق رأسه، وعند النظر إلى الأعلى وجد طفلًا لا يتعدى عمره الخامسة عشر عامًا وهو يعتلي نخلة خلفه ويهبط من عليها بمهارة فائقة وهو يلف حول خصره حبلاً خشنًا من الصوف ويقول: أديني نازل أهو. ما إن اقترب منهم الصبي حتى ناوله والده هوية حكم قائلًا: خد استقرالي البطاقة دي وشوف أكده باسم مين. مصطفى بزهو: حكم شهدى الزيات.
ليلتقط حكم هويته من يد مصطفى وهو يقول لعبد المولى: ها يا عبد المولى، اتأكدت إن إني أبقى صاحب الأرض دي؟ عبد المولى: أيوه طبعًا جنابك، ألف حمد الله على السلامة. حكم: الله يسلمك، بس ما قلتليش، كنت بتتخانق ليه مع... هي راحت فين؟ عبد المولى وهو يدير بصره باحثًا عن المرأة التي انتهزت انشغال عبد المولى بحديثه مع حكم والتأكد من هويته لتسرع مبتعدة عنهما، فيقول مصطفى: جريت من وقت ما كنت بتنده عليا أنزل من فوق النخلة.
حكم: وأنت بقى كنت بتعمل إيه فوق النخلة؟ مصطفى: بنضفها. حكم: بتنضفها من إيه؟ عبد المولى: ماهو ده الوقت جنابك اللي بننضف فيه النخل من الشوك والزعف كل سنة عشان يتحضر للمحصول الجديد، وكل سنة وأنت طيب. حكم بتذكر: أيوه أيوه، وأنت طيب يا سيدي، تمام، بس برضه ما قلتليش، مين الست اللي كنت بتتخانق معاها دي، وكنت بتزعق معاها ليه؟ عبد المولى: دي سعدية اللي بتشتغل عند الست كريمة الزيات. حكم باستغراب: عمتي. عبد المولى: أيوه جنابك.
حكم بفضول: طب برضه كنتوا بتزعقوا ليه؟ عبد المولى: أصل عمتك بتبعت من وقت للتاني بتطلب شوية تمر من المحصول، وكان سيدي المصيلحي الله يرحمه ويبشبش الطوبة اللي تحت رأسه ومن بعده الست نجاة موصيني إني أديها كل اللي تطلبه. حكم: وبعدين؟
عبد المولى: التاجر جه ضم كل المحصول وشاله عندنا في المخزن، وكانت الست نجاة موصياني أبعت لعمتك قفة بحالها قبل ما التاجر يلم المحصول، زي ما كان سيدي المصيلحي الله يرحمه ويبشبش الطوبة اللي تحت رأسه بيعمل قبل ما يموت. حكم وهو يحاول السيطرة على ضحكاته: ها وبعدين؟ عبد المولى: أنا عملت بوصية الست نجاة بالظبط، وبعتت القفة لعمتك مع الواد مصطفى ابني اللي واقف جنبك ده. حكم: ماشي يا عبد المولى تشكر، اتخانقتوا ليه بقى؟
عبد المولى: أنا كنت فوق النخلة بنضفها زي الواد مصطفى ابني ما كان بيعمل كدهون وبصيت لقيتها جاية وجايبة القفة وقالت وعاوزاني أملأها لها تاني، طب أملأها لها منين والتجر لم كل المحصول وعباه في زكايب وشايلها عندنا في المخزن، أقول لها ما ينفعش ده التاجر خلاص عباها في الزكايب، تقول لي لا الست كريمة بتقول لك املأها، وجنابُك جيت أهو وإحنا بنتناقر. حكم: طب وهي كل سنة بتحتاج تاني بعد القفة اللي بتديها لها دي؟
عبد المولى: ما خابروش جنابك، هي كانت على طول بتتعامل مع سيدي المصيلحي الله يرحمه ويبشبش الطوبة اللي تحت رأسه، لكن دي أول محصول ينضم من بعد ما سيدي المصيلحي الله يرحمه ويبشبش الطوبة اللي تحت رأسه مات. حكم: ماشي يا عبد المولى، طب هو التاجر لما بياخد المحصول، ما بيتفضلش منه حاجة خالص؟ عبد المولى: ما بيتفضلش غير نخلتين الصدقة بس، هم دول اللي بنجمعهم لوحدهم بعيد عن المحصول. حكم: وبتودوهم فين بعد كده؟
عبد المولى: بنوديهم لشيخ الجامع يوزعهم بمعرفته. حكم: تمام، وما فيش أي تمر تاني بيتفضل؟ عبد المولى: فيه زكيبة واحدة، التاجر سابها هدية للست نجاة. حكم بفضول: وهي أخدتها؟ عبد المولى: لا، قالت لي خليها عندي ونبقى نوزعها بعد كده على الغلابة. حكم: طب ما اديتش لـ عمتي منها ليه؟ عبد المولى: وهي عمتك غلابة؟ دي عمتك تشتري مية نخلة بمحصولها. حكم ضاحكًا: خلاص يا عبد المولى، بس أنت قلت لسعدية إيه؟ عبد المولى: قلت لها خلاص جبرنا.
حكم: يخرب عقلك، طب روح أنت، أنا هتصرف. ليخرج هاتفه ويهاتف أحمد ويطلب منه الحديث إلى نجاة، وما إن ردت عليه حتى قال لها: معلش يا أم عبد الله هتعبك معايا. نجاة: خير يا أبو ياسمين. حكم: كنت محتاج شوال تمر من اللي التاجر شاله في المخزن، فممكن تكلميه عشان ناخد موافقته ونسقطه من الحساب. نجاة: طب هو إني في عندي هنا شوال، متعودين نشيله لـ عمتك لما بتطلب بنديها منه، لو أنت عاوز شوية يعني ولا أنت محتاج كمية كبيرة؟
حكم بابتسامة واسعة: لا لا، أنا كنت عاوزه لـ عمتي أصلًا. نجاة: تحب أبعته لك مع حد من الغفر؟ حكم: لو مش هتعبك، ابعتيلي شوية، شوية قد اللي كنتم بتبعتوهولها كده، ما تبعتيهوش كله، بس يا ريت بسرعة، وابعتيهولي عند عبد المولى في أرض النخيل. وبعد أقل من ساعة، كان حكم يقف أمام دار عمته كريمة وبجواره حقيبة من الخوص تمتلئ بالتمر. وما إن دق الباب، حتى فتحته له نفس المرأة التي كانت تتجادل مع عبد المولى،
لتخفي وجهها بوشاحها قائلة: اتفضل يا سيدي. حكم بابتسامة: عمتي موجودة. سعدية: أيوه، اتفضل، موجودة. ليشير حكم إليها لتحمل التمر إلى الداخل، ثم يدخل وهو يتجول بعينيه بين أنحاء الدار التي لا يتذكر متى كانت آخر مرة دخلها. وأثناء تجول عينيه وقع بصره على عمته وهي تجلس بجوار الشرفة وتنظر إليه بعينين وكأنها الزجاج. ليقترب منها حكم قائلًا: السلام عليكم، إزيك يا عمتي.
كريمة دون أن ترد السلام: توك ما افتكرت إن لك عمة تيجي تطل عليها يا ولد شهدى. حكم: معلش يا عمتي، حقك عليا، بس انشغلت بكذا حاجة كده من وقت ما وصلت. كريمة بتهكم: انشغلت مع ضرة عمتك. حكم باستغراب: ضرة عمتي مين دي؟ كريمة بسخرية: السفيرة نجاة. حكم: نجاة عمرها ما كانت ضرة عمتي، عمي مصيلحي ما اتجوزهاش أصلًا غير بعد موت عمتي الله يرحمها بكام سنة. كريمة بحزم: برضه تبقى ضرتها. حكم وهو
يحاول كبت ضيقه من حديثها: المهم أنت صحتك عاملة إيه؟ كريمة: أنا بخير. حكم وهو يجلس أمامها: أنا جبت لك معايا شوية تمر، ولو احتاجتي تاني ابقي ابعتيلهم في الدوار وهما هناك. كريمة بعنجهية: أنت عاوزني أطلب التمر بتاع الزيات من نجاة؟ لما كان المصيلحي عايش، كنت ببعت آخد منه اللي أنا عاوزاه، لكن ابعت لنجاة لا. حكم: ولا يهمك، ابقي كلميني وأنا ابعت لك بنفسي اللي انتي عاوزاه. كريمة: لا هو أنت ناوي تفضل هنا في الكفر على طول؟
حكم: لسه مش عارف. كريمة: مرة صاحبك قالت لي إنك خلفت وجايب بناتك معاك، هو أنت ما عندكش جدعان؟ حكم: لا يا عمتي، ربنا رزقني بياسمين وورد. كريمة بسخرية: وما جبتهمش معاك ليه؟ وسايبهم مع مين؟ أنا عرفت إن مراتك ماتت.
حكم: أيوه، الله يرحمها، بس أنا قلت آجي أسلم عليكِ خفيف كده الأول وبعدين ابقى أجيبهم يتعرفوا عليكِ وعلى عمي بسيوني وتبقى تعرفي بقى ولاد عمتي كلهم ويبقوا موجودين عشان أسلم عليهم كلهم بالمرة، واضح كده إن مافيش حد منهم هنا خالص. كريمة: لا كيف يعني ما فيش، سهى موجودة. ثم تقول بصوت عالٍ: يا سهى، أنتي فين؟ ليأتيهم صوت سهى وهي تقول بتبرم: أنا أهو يا أمه، خير.
ليلتفت حكم إلى مصدر الصوت، ليجد سهى وهي تمسك كتابًا بين يديها وتضع نظارة القراءة فوق طرف أنفها وهي تنظر إليهما من فوق عدسات نظارتها بدهشة لتقول بتخمين: مش معقول، حكم ولد خالي شهدى، أخيرًا فكرت تيجي وتسلم علينا. حكم: كيفك يا سهى، ماشاء الله كبرتي. سهى: ما حدش بيفضل صغير على طول يا ولد خالي، حمد الله على السلامة. حكم: ويا ترى الدنيا عاملة معاكي كيف؟ وقبل أن ترد سهى، كان الرد من
كريمة التي قالت بتنهيدة: الدنيا رملتها زي ما رملتك بالظبط، جوزها مات في حادثة من قيمة سنتين فاتوا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!