في منتصف الليل، كان حكم قد استرد وعيه. وصل الضابط المسؤول عن الحادثة، وبعد أن علم ملابسات الحادث، سمح لشيخون ومن بصحبته بالتواجد مع حكم بعد أن أخذ أقواله التي أفادت بأن الحادث ليس أكثر من عيار طائش وأنها غير مقصودة.
أبلغهم الطبيب بأنه سيسمح لهم بالاطمئنان عليه فرادى لمدة دقيقة واحدة لكل منهم فقط لأنه يحتاج إلى الراحة. لكن مع إصرار شيخون، سمح له الطبيب بالبقاء معه كمرافقًا مع انصراف الجميع على أن يعودوا في اليوم التالي. عند انصراف الجميع، كان حكم قد عاد للنعاس مرة أخرى من تأثير الأدوية، حيث كان يعاني من بعض ارتفاع في درجة الحرارة. لكن عندما سأل شيخون الطبيب بقلق، طمأنه وأكد له أن ارتفاع الحرارة مع جراح حكم أمر طبيعي للغاية.
جلس شيخون وهو يراقب حكم بكث، وكأنه يعتذر له عما حدث له، فهو يعلم تمام العلم أن الطلقة كانت موجهة إلى صدره هو وليس صدر حكم، لولا تحرك حكم أمامه تلك اللحظة ليفديه بعمره دون أن يدري. ليتنهد شيخون بغضب كامن وهو يقول: "ما أبقاش شيخون إن ما خدت تارك يا أخوي، واخليهم يبكوا بدل الدموع دم. مش هينجيهم من يدي غير ربنا وحده." ليسمع حكم وهو يهمس قائلاً: "شيخون." ليقترب منه سريعًا ملبيًا النداء وهو يقول:
"رقبتي يا أخوي، إني جارك أها، عاوز إيه قول لي." ليسمع حكم مرددًا اسمه مرة أخرى، ليكتشف أنها هلوسة الحرارة التي قد بدأت في الارتفاع مرة أخرى. فعندما وضع كف يده على جبهته وجدها تتصبب عرقًا من شدة حرارته. وقبل أن يتحرك ليطلب المساعدة الطبية، سمعه يهمس قائلاً: "عشقك اتوشم على قلبي يا نجاة، يا حبة القلب، ليه يا جابر، ليه يا خوي، نجاة، شيخون، ورد، ياسمين، نجاة، نجاة، نجاة." شيخون وهو ينظر إلى رفيقه بأسى:
"ما أبقاش شيخون إن ما جمعت قلوبكم على بعضيها من تاني، وخدت تارك وتار خايتي من كل الواغش اللي محاوطيننا من كل يامة دولي يا صاحبي." ثم أسرع باستدعاء أحد فريق التمريض لاسعافه من الحرارة. أما بدار بكر، فقد كان يجلس بحديقة داره وهو يندب حظه ويدق على قدميه بأسى قائلاً:
"آه يا حكم الكلب، أنت السبب، بدي أعرف إيه اللي خلاك تتحرك قدامه وقتها وتتلافى الطلقة مكانه. طب لو حبينا نعاودها من تاني نعاودها كيف ومتى، والفلوس اللي أمي دفعتها دي كلها وراحت على الفاضي." ليسمع صوت هاتفه ينبئه بمهاتفة أمه له. لينظر إلى الهاتف بامتعاض وهو يشير إلى شاشته قائلاً: "هي، هي أمي، أكيد بتتحدثني لجل تشيلني الطين وتمسحه في راسي، كني إني اللي غلطت في النشان." ليجد أن الهاتف قد توقف عن الرنين فيقول:
"والله يا أمي عملتي طيب إنك فوتتيني بحالي الليلة دي." وما كاد ينهي كلمته حتى سمع رنين الهاتف مرة أخرى فيمتعض قائلاً: "يييه، مش هتسكت؟ إني خابر." ليجيبها مضطرًا وهو يقول: "آيوة يا أمي." عزيزة بغل: "كتك موت أما يلهفك، هو أنت غطسان في أي مصيبة؟ بكر: "عاوزاني أعمل إيه بس يا أمي، إني رحت داري، هروح وين يعني." عزيزة باستنكار: "بقى فرح خالتك يقلب بغم وأنت تروح تقعد في دارك يا حزين." بكر:
"أومال عاوزاني أعمل إيه عاد، تتحدثي على طول من غير ما تظرفيني أكده." عزيزة: "تطل على خالتك، ولا حتى تطل على الراجل اللي نقلوه المستشفى ده." بكر بامتعاض: "راجل مين ده يا أمي اللي رايداني أطل عليه؟ يعني نطخه ونروح نعاوده." عزيزة بغضب: "وهو مين يعرف إننا اللي ورا اللي حصل ده يا أبو مخ تاخين، وبعدين يعني إشحال إن ما كنتش وصياك من امبارح إن الطلقة لما تصيب شيخون لازما تبقى مع عياله وما تفوتهمش واصل." بكر:
"بس أهي ما جاتش في شيخون وجت في صاحبه، أروح إني لعيال شيخون أهبب إيه." عزيزة: "أهي يا مرتي من غباك ده، لازما برضك نبان إننا معاهم وجارهم، مش نفوتهم أكده واكننا بنقول لهم أيوه إحنا اللي ورا الطلقة اللي جت في ولد الزيات." بكر: "طب أنتِ رايداني أعمل إيه دلوك." عزيزة: "من النجمة، تروح تطل عليه في المستشفى وتشوفهم فهموا إيه ومتهمين حد ولا لأ." بكر: "طب ما تخلي أبويا هو اللي يروح يا أمي، على الأقل مش هيبان عليه حاجة."
عزيزة وقد فاض بها الكيل: "هو أنت ما فيش منك رجا أبداً، امسك روحك هبابة وانشف أكده، أومال لو كانت صابت شيخون صح زي ما كنا مخططين كنت عملت إيه، هم ماشافوهمش وهم بيقتلوه قاموا شافوهم وهم بيتأوهوا ولا إيه." ليضحك بكر بشدة ثم يقول: "حلو يا أمي، حلو قوي المثل ده، ماشي، هروح أطل عليه الصبح." عزيزة: "وتمسك حالك أكده، ويا ريت ما تعلقش يافطة على صدرك بالعملة اللي عملناها واللي ياريته ما نفع." بكر:
"خلاص يا أمي بقى، ما تقعديش تبكتي فيا كل شوية أكده، بزهق إني من الحديث ده." عزيزة بتهكم: "ماشي، أما أشوف آخرته." تغلق عزيزة الهاتف وتصعد إلى الأعلى وهي لا تعلم أن زين قد سمع كل ما قالته، فهي لم تعلم من الأساس أن تهامي قد طلب منه أن يبيت ليلته بدارهم حتى يتجهون من الصباح الباكر للاطمئنان على حكم. فجلس زين والدموع تملأ عينيه صدمة مما سمعه وهو يتساءل بجنون: "لم، لم يتفق أبيه مع جدته على قتل زوج عمته؟
سؤال ظل يتردد بين جنباته حتى الصباح دون أن يجد له أي إجابة. أما نجاة، فما إن عاد أحمد من المشفى حتى هرولت إليه بلهفة قائلة: "ها يا أحمد، طمنني يا حبيبي وقول لي إيه الأخبار." أحمد باشفاق: "ما تقلقيش يا عمة، عمي حكم فاق وبخير الحمد لله، وحتى الظابط اتحدث معاه وسمح لنا إننا نشوفه، بس الحكيم خلانا كلاتنا نمشي وقال لنا ماينفعش نفضلوا هنا." نجاة باستنكار: "يعني فوتتوه كلاتكم لحاله أكده وهو مصاب." أحمد:
"لاا يا عمة، أبوي صمم إنه يفضل وياه، والحكيم وافق." نجاة بلهفة: "طب حكم لما فاق، كان بيتحدث زين أكده وحاسس باللي بيدور حواليه." أحمد: "يعني، بس الحكيم قال إنه مديه علاج ينيمه." نجاة بتردد وكأنها تخجل من الاستمرار في الأسئلة: "طب يعني أبوك ما قال لك تقول لي حاجة أكده ولا أكدا." أحمد: "لاا يا عمة، بس هو قال لي إنه هيحدثنا الصبحية قبل ما نروح له عشان لو محتاج حاجة ناخدهاله ويانا."
تتمسك نجاة أحمد من ذراعه باستجداء، وكأنها تريد التأكد من سلامة حكم: "بس حكم زين، صح يا أحمد، مش أكدا." أحمد بابتسامة اطمئنان: "آيوة يا عمة، أحلف لك إنه بخير الحمد لله، وكمان سألني عليكي." نجاة بلهفة: "سألك عليا كيف، قال لك إيه." أحمد بابتسامة ماكرة: "كان بيتطمن عليكي إنك زينة يعني وأكده." نجاة بقلة صبر: "آيوة يعني، قال لك إيه بالظبط." أحمد: "قال لي عمتك زينة، فقلت له إنك زينة وإنك كنتي موجودة بس رحتي." نجاة بامتعاض:
"ما قلت له إن أبوك اللي صمم يروحني." أحمد وهو يقبل رأس نجاة: "قلت له يا عمة، ما تقلقيش، قلت له." تتربت نجاة على صدر أحمد قائلة: "ماشي يا حبيبي، اطلع يلا غير خلقاتك عشان تعرف تنام لك شوية، ولا جعان." أحمد: "لاا، أكلت مع رامي، روحي أنتِ نامي." أما جابر، فما إن قام بالدخول إلى داره حتى وجد سميحة تأتي إليه بلهفة قائلة: "حمد الله على السلامة يا جابر، طمنني صاحبك إخباره إيه." جابر بجمود: "الحمد لله إنها جت على كد أكده."
سميحة: "طب الحمد لله، اومال مالك بقى مزاجك متعكر أكده." جابر وهو يجلس إلى أحد المقاعد ويخلع حذائه: "عاوزة صاحبي ينطخ بالنار ومزاجي ما يتعكرش، كيف يعني." سميحة: "طالما إنه بخير، يبقى تحمد ربنا." جابر: "الحمد لله على كل شيء." سميحة: "طب مش هتقوم يلا تغير خلقاتك." جابر: "لاا، ماليش كيف." سميحة بتردد: "طب مش هتنام." جابر: "لااا، إني عاوز أقعد لحالي هبابة، روحي أنتِ نامي." سميحة بامتعاض:
"دي أول ليلة ليا في دارك يا جابر، هتفوتني أنام لحالي." جابر بوجوم: "روحي انعسي يا سميحة وفوتيني دلوك، وفوتيني لحالي، اللي كنت ناوي أعمله الليلة دي، ما بقاليش دماغ لجل أعمله." سميحة بغنج: "الأيام والليالي لسه قدامنا كتير يا جابر، بس برضيك ما تفوتنيش أبات لحالي أكده في أول ليلة." جابر وهو يكتم غضبه:
"إني قلت مشي انعس يبقى تمشي تنعسي، ما فياش حيل إني للمناهدة كتير، وقلت لك سابق الكلمة تنقال نوبة واحدة وما تنعدش تاني، مشي يلا من قدامي." لتهرب سميحة من أمامه وهي غير مستوعبة ما حدث وتتسائل بين جنبات نفسها: "إن كانت تلك البداية، فكيف هي التتمة؟ ليقول جابر بخفوت: "الطلقة الطايشة دي نجدتك من تحت يدي الليلة يا بت عزيزة، بس معلش، الجايات أكتر من الرايحات، إني بس أفوق لك وأخليكي تندمي على اليوم اللي لمحتي فيه توبي."
أما الصباح، فكان صباحًا مختلفًا على الجميع. ففي دار عزيزة، ما إن صحت من نومها واتجهت إلى الأسفل إلا ووجدت تهامي جالسًا بصحبة زين فقالت: "اصباح الخير." وبعدما ردوا الصباح أكملت بريبة: "هو فيه حاجة ولا إيه، إيه اللي جابك بدري قوي أكده يا زين." تهامي: "لا هو أنت ما شفتيهوش غير دلوك ولا إيه، زين بايت هنا من امبارح." عزيزة: "بايت هنا فين." زين وهو ينظر إليها بجمود: "في المندرة، يا ستي." عزيزة بشك:
"كيف يعني وأني ما شفتكش ولا حسيت بيك، ومن ميتى يعني بتبات عندي." تهامي: "قلت له يبات هنا عشان يروح معايا نتطمن على الجدع اللي انطخ امبارح ده، اتسند عليه." لتنظر عزيزة لزين بريبة لتجده ينظر إليها نظرة مليئة بالاحتقار فقالت بفضول: "وكنت بايت وين على أكده." ليشير زين بعينيه إلى غرفة تطل على صحن الدار قائلاً بتهكم: "ما قلت لك في المندرة، جارك هنا يا ستي."
لتنظر لهما عزيزة بغضب تحاول كبته وتعاوود الصعود إلى الأعلى مرة أخرى، فيقول تهامي بتعجب: "لاا، أنتِ مش كنتي رايحة تعملي الفطار، رجعتي في كلامك ولا إيه." عزيزة دون أن تنظر إليهم: "نسيت حاجة فوق، هجيبها وأعاود من تاني." ليقول زين بسخرية: "أبويا تلاقيه لسه نايم يا ستي." لتنظر إليه قائلة: "وإني مالي ومال أبوك دلوك." زين بتهكم: "إني بس قلت أقول لك، إنك لو حبيتي تتحدثيه دلوك هتلاقيه لسه نايم."
لتنظر له وهي تضغط على ضروسها من الغضب، ولكنها لا ترد بأي كلمة وتكمل طريقها إلى الأعلى، وما إن دخلت غرفتها إلا وأغلقت الباب خلفها وقامت بمهاتفة بكر مرة بعد مرة حتى رد عليها من بين نعاسه قائلاً: "آيوة يا أمي، حصل إيه تاني عشان تتحدثيني الساعة دي." عزيزة بلكنة غاضبة وهي تحاول خفض صوتها: "أنت كنت خابر من امبارح إن ولدك زين بايت حدايا." بكر وهو يحاول التذكر:
"آيوة، تحدثني وقال لي امبارح إن أبويا رايد يتعكز عليه في مشوار أكده." عزيزة وهي تكاد تموت كمدا: "طب ولما هو قال لك يا ابن المركوب ما قلت لي ليش، ماني كنت بتحدثك بالليل." بكر: "وهو يعني يا أمي ما عندكيش مكان تنيميه فيه عاد ولا إيه، فيها إيه يعني، إيه اللي حصل لكل ده." عزيزة بغيظ:
"فيها إنه سمعنا وإحنا بنتحدث بالليل يا أبو المفهومية، وشكله أكده عرف كل شي وإحنا اللي ورا اللي حصل لابن الزيات وإحنا كماني كنا قاصدين شيخون بس جت بالغلط في ابن الزيات." ليعتدل بكر وهو يزيح الغطاء من فوقه قائلاً: "يا سنة سوخة يا أولاد، وهو كان فين وسمع كل الحديث ده يا أمي." عزيزة: "كان بايت في المندرة يا فالح." بكر: "طب هو قال لك إيه يعني لجل تقول لي إنه سمع." عزيزة بحدة:
"هو لازما يقول يعني، سحنته باينة من وقت ما اصبحت بيه وهو قاعد مع أبوك." بكر: "طب والعمل يا أمي، هنعمل إيه دلوك، لو الولد قال أي كلمة أكده ولا أكده لحد من خواته ولا أمه، هبقى قدامهم قتّال قتلى." عزيزة بأمر: "نص ساعة والأقيك واقف هنا قصادي وتاخد ولدك وتتحدث وياه وتعرف منه هو سمع وفهم إيه بالظبط." بكر وهو يندب حظه: "إيه الوقعة المربربة اللي على الصبح دي." عزيزة: "اخلص وابقى كمل ندب بعدين."
وما إن وضع بكر الهاتف من يده إلا وظل يدب بيدبه فوق قدميه وهو يقول: "هي مالها عمالة بتغفلق أكده." لينتفض على صوت بدر قائلة بترصد: "هو أنت لسه شفت غفلقة يا بكر." ليقول بكر برعب: "سلامًا قول من رب رحيم." بدر بتنمر: "لا وأنت تعرف ربنا قوي عشان يرحمك، بقيت شيخ منصر يا بكر، بقيت من ولاد الليل والمطاريد وماشي تقتل في خلق الله." بكر باستنكار: "إيه اللي أنتِ بتقوليه ده يا مخبلة أنتِ." بدر:
"إني برضك اللي قلت ولا أنت وأمك اللي تحدثاك من النجمة وبتندب حظها إن زين ولدي سمعكم، بقى بتطخ جوز خالتك، ليه، عمل فيكم إيه شيخون عشان تطخه بيدك." بكر بإنكار: "ما حصلش، جبتي الحديث ده منين." بدر بتوعد: "ما تجننينيش يا راجل أنت، وتعالى معايا دوغري أحسن لك، ماهو إني لا يمكن أكذب وداني، وأنت عارف وداني بتسمع الكلمة من البر التاني." بكر بإحباط: "أنتِ هتقولين لي." بدر: "انطق وقول على طول بتطخ جوز خالتك ليه." بكر لقلة حيلة:
"مش إني، ده إحنا كارين عليه." بدر: "كمانى، وهي يعني تفرق، انطق وقول لي كاريتوا عليه ليه." بكر وهو يزدرد لعابه بصعوبة بالغة: "أصله، أصله…" بدر بحدة: "أصله إيه ماتنطق." بكر: "هقول لك، بس سيبني أروح أشوف زين الأول." بدر بغضب: "مش هتتعتع من هنا قبل ما تقول لي الحكاية كلها." بكر بقلة حيلة: "أصله عرف الموال القديم كله." بدر بفضول: "موال إيه ده." بكر:
"أقول لك، ماهي بقت خربانة خربانة، روحي بقى للبيبة وهي تقول لك الموال كله من أوله لآخره، وسيبني إني أروح لولدك." بدر بصدمة: "لبيبة؟ أما فؤاد، فقد استيقظ هو الآخر مبكرًا، وكان يتناول إفطاره وقهوته مع ثريا دون اشتراكهم في أي حديث، عندما انضمت إليهما مي قائلة: "صباح الخير، إيه يا بابي، حضرتك نازل المكتب بدري النهارده ولا إيه." فؤاد: "لأ أنا مش نازل المكتب، أنا مسافر لحكم." مي بلهفة: "بجد يا بابي؟
خلاص هتخلص كل حاجة مع حكم وتخطب لرامي." فؤاد بنفي: "لأ يا مي، حكم انصاب بطلق نار امبارح." ثريا بلهفة متطلعة: "وحصل له إيه." فؤاد بترصد وهو يعلم نية ثريا: "الحمد لله، جت سليمة." مي بصدمة: "إيه الكلام ده، هو عيلته عليها تار ولا إيه." ثريا بتهكم: "أومال أنتِ فاكرة إيه، ولسه ياما هنشوف." فؤاد موجهًا حديثه لمي وهو يتجاهل ثريا تمامًا: "كان فيه فرح وكان فيه ضرب نار زي ما بيجاملوا بعض كده، والظاهر عيار طايش جه فيهم."
مي بتعاطف: "يا عيني، طب هو كويس." فؤاد بكيد لثريا: "زي الفل." مي: "يعني حضرتك مسافر دلوقتي على طول." فؤاد: "آيوة، هخلص القهوة وهاخد شوية أوراق وهتوكل على الله على طول، تحبي تيجي معايا." مي: "هو ينفع." فؤاد: "آه طبعًا، لو تحبي تيجي معايا استناكي تجهزي." مي: "أنا جاهزة، هكلم بس المركز أعرفهم إني مش رايحالهم النهاردة، وأكلم شهاب كمان أعرفه." فؤاد: "ماشي، أما تخلصي فطارك، أنا مستنيكي في المكتب." مي: "ماشي، مش هتأخروا."
بعد مغادرة فؤاد، نظرت ثريا بامتعاض لمي وقالت: "ممكن أعرف هتسيبي مركزك وشغلك وتروحي الصعيد تعملي إيه." مي: "أتطمن على حكم، ده ابن عمتي، يعني واجب." ثريا: "وما أخوكي الشملول هناك، وأبوكي كمان رايح، لزمتك إنتي إيه." مي بلا مبالاة وهي تتناول طعامها: "اسمه باباكِ على فكرة مش أبوكي." ثريا: "إحنا في إيه ولا في إيه دلوقتي، ما تسيبش المهم وتتكلمي في حاجة هايفة." لتضع مي الطعام من يدها وتقول:
"الحاجات الهايفة دي، اللي حضرتك اتحججتي بيها في يوم من الأيام ورفضتي بسببها البنت اللي رامي كان عاوز يتجوزها، رفضتيها لأنها كانت بتقول أبويا وأمي، ولا نسيتي." "ثم أنا من فترة وأنا نفسي أشوف البلد والصعيد كلها، فهعتبرها فسحة وأبقى مع بابي، وبالمرة أتطمن على حكم، ها، تحبي تيجي معانا." ثريا برفض: "أكيد لأ." لتقول مي بصوت عالٍ: "أنا جاهزة يا بابي." ثم تنظر لثريا قائلة بتمني: "نفسي حضرتك تقتنعي إن إحنا اللي صح مش حضرتك."
ليأتي عليهم فؤاد وهو يحمل بيده حقيبة أوراق ويقول لمي: "طالما جاهزة يلا بينا." ثم التفت لثريا قائلاً لها بكيد: "أنا بلغت القسم إني مسافر، يعني لو الإنذار ضرب عندهم المرة دي هيبجوا يهجموا ويضربوا في المليان على طول، أنا قلت لك وعملت اللي عليا، عشان ما تقوليش إني ما حذرتكيش، يلا يا مي." لتلحقه مي وهي تكبت ضحكتها حتى جلست بجانبه بالسيارة لتفرج أخيرًا عن قهقهاتها العالية وهي تقول بمرح:
"أنت بقيت شرير قوي كده إزاي يا بابي." فؤاد بمرح مماثل: "من عشرتي لأمك." مي: "حضرتك عامل لها رعب بالإنذار ده." فؤاد: "كل ما افتكر منظرها وهي واقفة وواخدة الخزنة في حضنها ببقى نفسي أفتح دماغها عشان أعرف كانت بتفكر في إيه." مي: "أكيد كانت هتكسرها." فؤاد: "وهو كسر الخزن بالساهل كده." مي: "هي تخيلت كده." فؤاد: "ما علينا، كلمتي شهاب والشغل." مي وهي تخرج هاتفها من حقيبتها الخاصة: "هكلمهم دلوقتي على طول." فؤاد:
"تمام، بعد ما تخلصي، كلمي رامي وعرفيه إننا على الطريق." أما نجاة، فلم تغمض لها عين، وظلت طوال الليل ما بين صلواتها ودعواتها لله بأن ينجي حكم ويطمئن قلبها، وما إن انتهت من صلاة الفجر، حتى حاولت أن تشغل وقتها بتجهيز الصغار لمدارسهم، وقد عانت كثيرًا في تهيئة الصغيرتين اللتين افتقدتا أبيهما كثيرًا هذا الصباح، والحتا على نجاة كثيرًا وطالبتان مهاتفته وسماع صوته أو الذهاب إليه دون مدرستهما.
ولكنهما اقتنعتا أخيرًا بالذهاب إلى مدرستهما حتى لا يغضب منهما أبيهما على أن تذهبا إليه بعد عودتهما. وما إن ودعت نجاة الصغيرتين وصغيريها أيضًا جلست تراقب عقارب الساعة وهي تتمتم بدعائها وتوسلها لله، وما إن دقت الثامنة، أطفأت الهاتف وقامت بمهاتفة شيخون، وما إن أجابها حتى قالت بلهفة: "صباح الخير يا أخوي." شيخون: "صباح الخير يا خالتي، كيفكم كلاتكم." نجاة: "كلاتنا بخير، أنتم كيفكم، طمنني." شيخون بابتسامة ماكرة:
"بخير يا خالتي في نعمة." نجاة بقلة صبر: "وحكم كيفه دلوك، فاق ولا لسه ما فاقش برضيك، طمنني." شيخون بتنهيدة صغيرة: "اطمني يا خالتي، حكم بخير، بيفوق وبيتحدث كماني، بس لسه بيدوه حاجات ينيمه، بس إن شاء الله يفوق كمان هبابة أكده." نجاة بتردد وهي تزدرد لعابها: "البنات قعدوا يعيطوا كتير وما كانوش رايدين يروحوا المدرسة، وما راحوش غير لما قلت لهم إني هوديهم يطلوا عليه بعد ما يرجعوا." شيخون: "ماشي، أما يرجعوا ابقى ابعتيهم مع…"
نجاة بمقاطعة: "لاا، إني ما آمنش عليهم مع حد أبداً، إني هجيبهم وأجي." شيخون بخبث: "وليه بس الشحططة دي يا بت الناس وتتعبى حالك ليه." نجاة: "إني مش تعبانة يا شيخون، إني بخير، وعلى ما يعاودوا أكون عملت لكم لقمة تسند قلبك وقلب اللي راقد ده." شيخون: "ماشي يا خالتي، اللي يريحك اعمليه."
أما بدار جابر، فما إن صحت سميحة من نومها، إلا وظلت تتجول بعينيها في معالم الغرفة، حتى سمعت حركة بالخارج، فعدلت من هندامها وخرجت من الغرفة، فوجدت جابر يحتسي كوبًا من الشاي، فقالت: "صباح الخير." جابر: "الله أعلم." سميحة باستغراب: "هو إيه ده، إني بقولك صباح الخير تقوم تقول لي الله أعلم." جابر: "الله أعلم، عشان لسه مش عارفين إن كان هيوبقى خير ولا لأ." سميحة: "وليه بس ما يوبقاش خير كفانا الشرج." جابر:
"ده بقى، على حسب اللي أنتِ هتقوليه لي دلوك." سميحة بتردد: "إني مش فاهمة حاجة." جابر وهو ينهض من مكانه: "إني هفهمك كل شي." لينقض عليها في لحظة واحدة ويمسكها بشدة من شعرها قائلاً: "بسم الله، الله أكبر."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!