الفصل 46 | من 51 فصل

رواية وشم على حواف القلوب الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم ميمي العوالي

المشاهدات
16
كلمة
4,880
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

كانت سميحة تدور حول نفسها بقلة حيلة. كانت تعلم أن هناك شيئًا خطيرًا يحدث في الكفر، لكنها لم تعرف ماهيته. لم تجرؤ على استطلاع الأمر خوفًا من رد فعل جابر. صوت عربات الإطفاء والأسعاف يعلو ويشق صمت الليل، لكنها لا تعلم ما حدث. دار جابر تبعد مسافة ليست بالقليلة عن دار تهامي، لكنها هرعت تجاه الباب بلهفة ما أن سمعت صوت المفتاح وهو يدور. "أنت بخير؟

" قالت بلهفة وهي تتحسس كتفيه. "إني قلقت عليك. وإيه صوت السرينة اللي مالّي الدنيا ده؟ إيه اللي حصل في الكفر؟ جلس جابر وهو ينظر إلى سميحة بجمود. "كان فيه حريقة كبيرة." "وحد حصل له حاجة؟ " سألت سميحة بفضول. "كلات اللي كانوا في الدار راحوا في النار." "يا ولداه يا أولاد، دار مين دي؟ " قالت سميحة بتعاطف.

نظر لها جابر وهو لا يدري إن كان من اللائق أن يكمل ما بدأه معها في موقف كهذا. لكنه قرر أن ينحي مؤقتًا كل ما حدث. "فلا شماتة في الموت." قال بحمحمة. "داركم." "دارنا؟ مالها دارنا؟ " سألت سميحة بعدم فهم. "داركم هي اللي ولعت." قال جابر بجمود. "كيف ده؟ ومين اللي مات؟ "أبويا تهامي، وأمك... وبكر." "انت بتقول إيه عاد؟ لا! انت بس عايز تكيدني بزيادة، مش كده؟ " قالت سميحة برفض.

"الكيد مش بالموت يا سميحة، وإلا كان زمان الخلق كلهم بيكيدوا في بعض." قال جابر بتنهيدة صغيرة. "ولو حتى فيه كيد، مش جابر برضه اللي يعمل كده." "معناته إيه حديثك ده؟ إني خلاص كده، ما عادليش حد؟ "عندك خالتك وعيالها وعيال خوكِ، ومن قبلهم كلهم عندك ربنا... ده لو كنتي لسه فاكرة." "هتوديني أحضر الدفنة والعزا، وإلا برضه هتفضل حابسني هنا من غير ما أشوف حد ولا حد يشوفني؟

"للأسف هوديكي." قال جابر مندهشًا من جمودها. "ما هي مرة شيخون لسه راقدة متجبّرة، يعني مش هتقدر تحضر حاجة، فمابقاش غيرك انتي." "ماشي، كثر خيرك." تركها جابر واتجه إلى الداخل. "إني هتسبح وأريح ساعة أو اتنين على ما نشوف هنعمل إيه." *** أما بدار بكر، فما أن وصلت لبيبة وبدر إلى الدار إلا وقالت نرجس ببكاء: "لو ما كانش مشي ما كانش... "بس يا نرجس، حرام عليكي." قالت بدور. "ده نصيبه اللي ربك كاتبه له."

"ريح واستريح." قال بدر بوجوم. "ليه يا بكر؟ ليه عملت كده؟ " قالت لبيبة ودموعها تجري على وجهها. "ليه تروح منينا بالطريقة دي وترجع لربك وأنت مغضوب عليك من الكل؟ ليه؟ "أبويا كده هيخش النار... صح يا أمة؟ " قالت فاطمة ببكاء. "بس يا فاطمة، ماتقوليش كده. ادعيله إن ربنا يرحمه." "إني زعلانة عليه يا فاطمة، بس زعلانة منه أكتر لجل اللي عمله." قالت بدور. "بس زي ما قال لنا زين، مش هنجيب سيرة الحكاية دي تاني واصل."

"أيوه، ويبقى مات وسره مات معاه." "سره ما ماتش معاه يا بدر، ياريت كان مات معاه." قالت لبيبة بنفي. "ياريت ما كنتيش سمعتي ولا عرفتي شيء. ياريتنا ما كنا عرفنا شيء واصل." كانت جنازة مهيبة حضرها جميع أهالي الكفر. كان الجميع يشعر بضخامة المصاب والحدث.

وكان العزاء ينقسم إلى قسمين. عزاء بكر بداره بعد أن أصر زين وإخوته على عمل العزاء بدارهم. وعزاء آخر أقيم بدار شيخون، والتي نقلت إليها حسنة بعربة إسعاف حتى تكون بالقرب من المعزين، بعد أن أبدت رغبتها في أن تحضر العزاء بنفسها. وأصرت نجاة على مرافقتها وحضور العزاء معها. فكان لتهامي معزة كبيرة بقلبها، مثلما كان لدى الكثير من أهالي الكفر. وبرغم كل ما حدث من عزيزة وبكر، إلا أن المصاب كان أليمًا وحدثًا كبيرًا.

وبعد أن استقرت حسنة في صحن دارها وعلى فراشها المخصص لها، والذي انتقل معها إلى دارها. "وقت ما تحسي إنك تعبتي قولي، وإحنا نطلعك على فوق." قالت لها نجاة وهي تعدل الغطاء من فوقها. "مش عاوزين نضيع تعب المدة اللي عدت دي كلها كده. ده انتي خلاص فاضل لك يا دوب أسبوع واحد، وإن شاء الله تفكي كل الجبس ده." "كثر خيرك يا نجاة... تعبتك معايا." قالت حسنة بحزن.

"ولا تعب ولا حاجة." قالت نجاة. "وشدي حيلك يا خالتك كده. أبوكي الله يرحمه إن شاء الله في الجنة ونعيمها. ده كفاية حب الخلق كلها ودعاها له." "أيوه... الله يرحمه." قالت حسنة بتنهيدة باكية. "هيقطع فيا قوي يا نجاة. من يوم ما رقدت رقدتي دي، ما كانش بيفوت يوم من غير ما يطل عليا وكان يحط إيده على راسي ويرقيني. كنت أحس إني طيبت وكل الوجع راح من جتتي كلها. من وقت اللي حصل والوجع ما بيروحش يا نجاة حتى بالعلاج."

لتسمع صوت سميحة قائلة: "وهو بس أبونا اللي مات يا حسنة؟ ما أمك وأخوكي كمان راحوا معاه." "البقية في حياتك يا سميحة." قالت نجاة وهي تلتفت لسميحة. "حياتك الباقية." ثم تتجه سميحة إلى حسنة وتجلس إلى جوارها قائلة: "خلاص يا حسنة... مابقالناش حد." "لينا ربنا يا خالتك... الله يرحمهم ويسامحهم." قالت حسنة بخفوت باكي. "وهو انتي هتفضلي في التجبرة دي لحد ميت؟ " قالت سميحة بامتعاض. "مش تفكيها بقى، كفاية كده."

"يوه يا سميحة، وهو بكيفها." قالت نجاة بدهشة. "مش الحكيم اللي قال." "أصل يعني إسعاف رايح وإسعاف جاي... بكفاية بقى، وتكون في دارها بقى بدل ما إحنا ضيوف عند الخلق كده." "الأكيد إنك عارفة إن كل حديثك ده عيبة في حق خالتك قبل ما يبقى في حقي." قالت نجاة. "بس هقول لك كلمتين أبرك من عشرة يا سميحة. لما أبقى أشتكيلك من خالتك، أبقى شيلي عني، رغم إنك ما تعرفيش."

"ولا حد يقدر يعمل اللي عملتيه معايا ومع عيالي يا نجاة." قالت حسنة. "وجميلك طوق في رقبتي لحد ما أموت." لتربت نجاة على يد حسنة وهي تنظر شذراً إلى سميحة وتقول: "إحنا أهل يا حسنة، ومرة أخويا اللي فاضل لي... كيف ما أشيلكيش على راسي أشيل. ويلا... هروح أقول لشيخون يفوت الباب مفتوح للناس اللي رايدين يعزّوكي. ومش هوصيكي تاني...

وقت ما تحسي إنك تعبتي قوليلي، وهروح بسرعة آخد بخاطر لبيبة وبدر وأعاود. وفايتة أم سعيد جوه في المطبخ وزينة هتجيكي دلوقت على طول وهتفضل وياكي على ما أعاود." "ماشي يا خالتك، وقولي لزين وإخواته إني رايدة أشوفهم. أوعدك تنسي." "حاضر يا خالتك... مش هنسى." لتتركهم نجاة وتذهب إلى الخارج. فتلتفت سميحة إلى حسنة قائلة بعتاب غاضب: "نجاة بقت خالتك دلوقتي يا حسنة."

"اللي عملته معايا ما عملتهوش خالتي شقيقتي ولا حتى أمي الله يرحمها ويساامحها." "وهو أمك كان عندها خدم كيف نجاة يساعدوها في خدمتك؟ " قالت سميحة باعتراض. "نجاة ما سابتنيش للخدم واصل يا سميحة، نجاة كانت بتخدمني بنفسها." "لسه صغيرة وصحتها مساعداها، ماهياش شقيانة زيينا." "تقصدي لسه نضيفة، لكن لو على السن... الفرق اللي بيناتكم مش كتير يعني." "هو إحنا في إيه ولا في إيه دلوقتي؟ إحنا في عزى أبوكي وأمك...

وإلا في التبكيت اللي عمالة تبكّتيهولي عاد؟ "إني لا ببكّيتك ولا شي، إني بس برد على حديثك. ويكون في معلومك إني شيلتك إنتي وأمك وبكر من حساباتي من يوم ما اتفقتوا على قتل جوزي." "بقى جوزك دلوقتي؟ مش ده اللي اتجوزتيه غصب؟ وإلا نسيتي؟ " قالت سميحة بغيظ. "حتى ولو... ما تنسيش إنه أبو عيالي." "أهو عندكِ... إتشبعي بيه." قالت سميحة بامتعاض.

"شيخون خابر إنكم اتفقتوا على قتله وخابر كماني إن الطلقة اللي جت في ولد الزيات كانت متقصداه هو مش حكملت." قالت حسنة بترصد. "وهو خابر من وين؟ " بهتت ملامح سميحة قائلة. "إني اللي قلت له يا سميحة لجل يحرص على حاله." "بعتي أمك وخواتك لجل شيخون يا حسنة؟ " قالت سميحة باستنكار.

"بطلت أسمع وأسكت يا سميحة كيف ما كنت بعمل زمان." قالت حسنة. "إني لما وقعت مالقيتش غيره ساندني يا خالتك. حتى نجاة اللي طول عمري باتفرج عليكم وأنتم بتتفقوا عليها وكنت شمتانة فيها لجل الخيبة القديمة اللي كنت ساهية جواها، هي اللي شالتني وعملت لي قيمة. لكن انتي... كل اللي كان هامك إنك تتجوزي جابر وبس، وصممتي إن الجواز يتم في معاده وما فكرتيش حتى تراعي خالتك ورميتيه."

"بس اديني عرفت واتعلمت درس غالي قوي يا بت أبوي. اتعلمت إن الجدعنة مش بالدم، واتعلمت كماني إن ربك ما بيسيبش حق حد." "وهو جوزك قال لجابر على حكاية التودير دي؟ " قالت سميحة بفضول يأكل جدران روحها. "ما خابراش." قالت حسنة بجمود. بهتت سميحة وهي تنظر بترصد لحسنة وتنسج بداخل مخيلتها عدة سيناريوهات تداخلت وتشابكت حتى أصبحت كشبكة عنكبوتية يصعب حلها. ***

أما نجاة، فعندما خرجت لشيخون، والذي كان بصحبة صديقيه بالقرب من الباب، أخبرته أن كل شيء معد بالداخل، وأنها في طريقها لدار بكر. "أحمد هناك مع زين وإخواته ومعاهم رامي كماني." قال شيخون. "أيوه خابرة." "طب أوصلها بالعربية." قال حكم بحمحمة. "هتسوق كيف بذراعك ده؟ مش هتقدري." "لا عادي هقدر، ماتقلقش." قال حكم وهو يتجه إلى سيارته. "يالا يا نجاة تعالي."

لتنظر نجاة إلى شيخون الذي أومأ لها برأسه دليل الموافقة قائلاً: "روحي مع حكم عشان تردي قوامك وما تعوقيش." "يعني هرجع وياه كماني؟ " سألت نجاة باستفهام. "أيوه هستناكي... يالا هُمّي عشان ما نعوقيش." فذهبت نجاة مع حكم على استحياء، وجلست إلى جواره بالسيارة. وبعد أن بدأ القيادة قال وهو ينظر لها بحسرة: "الله يرحمهم ويسامحهم كلهم بقى، فاتوا أيام ربنا كلها وما لقوش غير دلوقتي لجل يموتوا فيه." "استغفر ربك، كيف تقول كده؟

هو بكيفهم عاد؟ " قالت نجاة باعتراض. "استغفر الله العظيم... إني ما أقصدش." "خابرة... بس خد بالك لجل ما تشيلش ذنب وأنت مش خابر، فحتى ما تستغفرش عنه." "عندكِ حق." قال حكم بابتسامة. ثم أكمل بحمحمة. "شيخون قالي إنه خبرك إني خرجت من المستشفى بدري وجبت خالي ويايا ليه." "إيوة." قالت نجاة وهي تكتم ابتسامتها وعينيها مع أصابعها المتشابكة في أحضانها. "وقال لي إنك وافقتي... مش كده؟ لتومئ نجاة برأسها إيجاباً قائلة بخفوت: "إيوة."

"وخابرة كماني إن لولا اللي حصل ده... ما كانش خالي عاود على مصر قبل ما نقرا الفاتحة." "إيوة." قالت نجاة على نفس خفوتها. "طب ويا ترى خابرة كماني إني بحبك قوي؟ " قال حكم بحالمية. "إيوة." قالت نجاة دون أن تشعر. "ويا ترى خابرة كماني إني خابر إن انتي كماني بتحبيني كيف ما أنا بحبك... مش كده؟ " قال حكم بابتسامة ماكرة مستغلاً حالتها التي عليها. "إيوة." قالت نجاة بابتسامة حالمة.

لتتسع ابتسامة حكم وهو يراقب ملامحها التي انتفضت فجأة وتحول وجهها للون الأحمر القاني وهي تقول بلجلجة معترضة: "هااا... هو انت كنت بتقول إيه؟ إني ما كنتش سامعاك زين." "بقول إن إني سمعتك وقت ما وصفتيني بحبة القلب يا نجاة." قال حكم برزانة وهدوء أخذ بلب نجاة. "وقت ما وقعت من طولي وإنتي استلقتيني بين إيديكي، وبقول إن ده اليوم اللي كنت بتمناه من ياجي خمسطاشر سنة فاتوا...

من وقت ما كنتي لسه بتاخدي شنطة مدرستك بالحضن وإنتي رايحة جاية على مدرستك ودروسك لجل تاخدي الثانوية. وبقول كماني إن الظروف بعدتنا وفرقتنا سنين كتير قوي لو شيلتهم من تاني من عمري مش هيفضل غير حبك الموشوم على قلبي يا حبة القلب." لتتصعد روح نجاة لتهيم من حولها طرباً لما تسمعه وهي تتمنى لو تستطيع أن تصف له ولو جزءاً يسيراً مما عاناه قلبها في البعد عنه. ولكنها انتبهت على توقف السيارة أمام دار

بكر وصوت حكم يقول بهدوء: "يالا... ادخلي اعملي الواجب على ما أنا كمان أعزي زين وإخواته. ووقت ما تخرجي افتحي باب العربية واقعدي طوالي جواها، وإني تو ما هلمحك هاجيكِ طوالي لجل نعاود لشيخون." لتنفذ نجاة ما قاله حرفياً دون أن تستطيع أن تنطق بكلمة. وكان كل تفكيرها مع جملته الأخيرة: "مش هيفضل غير حبك الموشوم على قلبي يا حبة القلب." ***

انتهت أيام العزاء وحاول الجميع العودة لحياته الطبيعية، وخضعت حسنة لخلع القميص الجبس وحدد لها الطبيب عدداً من جلسات العلاج الطبيعي، والذي كان يرافقها فيها شيخون وزينة أو زينب. وااقترب موعد امتحانات آخر العام، وانشغل جميع الأبناء في الاستذكار استعداداً للامتحانات. ***

أما بدار جابر، فكان الوضع مختلف تماماً. فبعد انتهاء أيام العزاء، عادت سميحة إلى سجنها الاعتباري مرة أخرى. ولكنها هذه المرة كانت قد علمت تمام العلم أنها قد أصبحت وحيدة تماماً... معنوياً ومادياً. وها هي حسنة أيضاً... أبلغتها عن طريق غير مباشر...

أنها لم تعد تعتبرها أختاً لها. حتى أبناء أشقائها لم يكن بينها وبينهم يوماً ودٌ ملموس يجعل هناك سبيلاً للوصل بينها وبينهم. حتى أنها لم تطلب من جابر أن تذهب لتعزية بدر ولبيبة أو أحداً من أبناء بكر. وكانت تعتقد أن جابر سيرق قلبه لها بعد ما حدث، ولكن أملها خاب فور انتهاء العزاء وعودتهما إلى دارهما. فقد تصنعت البكاء والحزن وارتمت على صدر جابر وهي تنشج ببكاء مصطنع قائلة: "إني خلاص يا جابر...

ما عادليش غيرك. أبويا راح وأمي راحت، حتى خوي كمان راح. انقطعت، ما عادليش حد يحن ولا يسأل عليا غيرك." ولكنها تفاجأت بجابر وهو يبتعد عنها ويجلس على

أحد المقاعد ويقول بجمود: "إني كنت ناوي أطلقك وأخليكي تعاودي من تاني على دار أبوكي بعد شهرين تلاتة كده بعد ما أربيكي من الأول وجديد وأخليكي تبكي بدل الدموع دم على اللي عملتيه إنتي وخوكِ اللي ما بقاش يجوز عليه دلوقتي غير الرحمة. كنت ناوي أعرف أبوكي الله يرحمه كل اللي إنتي وهو عملتوه معايا ومع نجاة لجل تفرقونا عن بعض. وكنت برضه هعرفه إن كل سبب البلاوي كان من تحت راس أمك اللي أكيد ربك هيجازيها بيه."

"انت لسه عاشق نجاة لحد دلوقتي؟ " قالت سميحة بغيظ. "ما يخصكيش، وأوعاكي أبداً تدخلي في اللي مالكيش صالح بيه." قال جابر بكيد. "كيف يعني ماليش صالح... انت جوزي؟ "إني اتجوزتك بس لجل أصلح غلطتي اللي غلطتها وياكي." قال جابر باستهزاء. "غلطة إيه دي؟ انت اتجننت؟ " قالت سميحة باستنكار. "لا هو انتي نسيتي إني اتحرشت بيكي سابق وإلا إيه؟ " قال جابر بسخرية. "هو ده جزاتي إني عشقتك أكتر من حالي؟ بتتمسخر بيا وبحبي ليك؟

ولسه فاكر نجاة... نجاة اللي عاشقة حكم وحكم عاشقها من سنين وسنين، من قبل ما انت حتى تتحدث عنها مع شيخون." قالت سميحة وعيونها تمتلئ بالدموع. "انتِ جايبة الحديث ده منين؟ "لا هو انت ناسي إن خالتك مرة خوك اياك صاحبك اللي انت رايح جاي وياه... كان عاشق للبرنسيسة اللي كنت خاطبها وهي كماني كانت عاشقاه، وما كانتش موافقة عليك... لولا بس وافقت في الآخر لما أبوها وخوها هم اللي صمموا." قالت سميحة بسخرية وترصد.

ليشرد جابر قليلاً وهو يربط بعض الأحداث الماضية ببعضها ليشعر بمنطق حديث سميحة. ولكن عندما لمح نظرة الشماتة التي بعينيها قال: "يبقى إني لما اخترتها اخترت صح." "بقول لك ما وافقتش عليك غير بس لجل أبوها وخوها." قالت سميحة بصدمة. "معنى كده إنها متربية تربية زينة مافيش زييها، مش زي ناس كده... ما عملتش لحد أهلها اعتبار في أي حاجة، وفضلت كيف القطر اللي من غير سواق لحد ما فضل ينقلب عربية ورا عربية." قال جابر بسخرية.

"انت بتعايرني يا جابر... بتعايرني لجل إني بعت الدنيا وما فيها واشتريتك لوحدك؟ " قالت سميحة والدموع الحقيقية تترقرق بعينيها الشديدة الاحمرار. "إنتي ما بعتيش غير حالك يا سميحة... ومن غير لا تمن ولا قيمة." قال جابر وهو ينهض متجهاً إلى غرفة النوم.

لتظل سميحة واقفة بمكانها وهي تراقب جابر، والذي تنطق ملامحه بالاحتقار لها. وما أن أغلق باب الغرفة خلفه، سقطت جالسة على الأرض وهي تشعر أنها بكابوس يطبق على أنفاسها وهي وحيدة بصحراء مقفرة لا يوجد بها من يغيثها. *** أما بدار بكر، فكان الحزن يخيم على الجميع دون أي أحاديث تذكر، خاصة بعد أن فقدت لبيبة جنينها. وكأن بكر لم يكتب له أن يأتي أحد أبنائه دون أن يكون مطلعاً على جريمته الشنعاء في حق الجميع.

وفي عصر أحد الأيام، كانت بدر تجلس بصحن الدار، ورأت لبيبة ترتدي ثيابها وتتجه إلى الخارج. "على وين يا لبيبة؟ " قالت لها. "عندي مشوار مهم لازم أعمله." "إحنا لسه في الحداد عاد، هتروحي وين؟ "عليّ دين يا بدر، ولازم أوفيه. ما حدش ضامن الموت من الحياة عاد." "طب خدي عبد القادر وياكي يسندك، ده انتي وشك أصفر كيف الليمونة." "لا... ماهينفعش يا بدر، إني هعاود طوالي... ماتقلقيش عليا." قالت لبيبة برفض.

لتتركها وتذهب وهي واجمة دون أن تفصح عن وجهتها. *** كانت نجاة تجلس مع ولديها وصغيرتا حكم وهي تتابعهم جميعاً أثناء استذكارهم. لتخبرها أم سعيد أن هناك ضيفة لها. وعندما استطلعت القادمة وجدتها لبيبة. فهشت وبشت بوجهها وقالت بترحيب: "يا أهلاً يا لبيبة... يا خطوة عزيزة... كيفك يا خالتك؟ "إني الحمد لله يا نجاة... انتي كيفك؟ "مالك يا لبيبة؟ وشك مش حلو خالص يا خالتك." قالت نجاة وهي تطلع بوجه لبيبة بفضول. "قوليلي...

انتي محتاجة شيء؟ إني رقبتي ليكي." "تسلمي وتسلم رقبتك يا خالتك، بس إني رايداكي في كلمتين كده لحالنا." قالت لبيبة بخجل. "خير... قوليلى." "يمكن الحديث اللي هقولهولك ده ما يغيرش حاجة ولا يبقى له أي لازمة دلوقتي عاد، بس إني لما عملت كده زمان...

كنت فاكرة وقتها إني بحافظ على داري وراجلي، وما خابراش عملتي دي إن كنت آذيتك وإلا نفعتك." قالت نجاة وهي تضع عينيها أرضاً. "يمكن وقتها ما كنتش أعرفك ولا تعرفيني زين كيف دلوقتي، بس أحلفلك إن ما كانش في بالي أبداً إني أذيكِ، وإني جايلك أحكيلك النهاردة لجل تسامحيني." "إني مش فاهمة أي حاجة." قالت نجاة بعدم فهم. "انتي بتتحدتي عن إيه؟ وإذيتيني كيف يعني وأسامحك على إيه؟

"إني السبب في جوازتك من المصيلحي." قالت لبيبة بخفوت حرج. "إني اللي خليت سميحة تروح للمصيلحي الله يرحمه وتقع في عرضه كماني وتطلب منه إنه يتجوزك لجل يحميكي من جابر." "انتي يا لبيبة؟ " قالت نجاة بصدمة. "طب كيف؟ وكانت إيه مصلحتك وبعدين يعني يحميني من جابر من إيه؟ "يحميكي منه بعد العُملة اللي عملها مع سميحة." "بس جابر ما عملش حاجة عفشة في سميحة يا لبيبة." قالت نجاة بدفاع.

"خابرة، وخابرة كماني التمثيلية اللي اتعملت عليكم كلها... وعرفتي إن كل ده لجل إن جوزي كان رايد يتجوزك، فكان مفكر إنه لما يعمل كده هو وسميحة ويروح هو بعد كده يطلبك من شيخون، إن شيخون هيوافق ويجوزك ليه." "تقومي تدللي عليا للمصيلحي يا لبيبة؟ " قالت نجاة بذهول. "ما دللتش...

ولا فكرت فيكي وقتها من أصل يا نجاة، ما فكرتش غير في جوزي اللي كان رايد يجيب لي ضرة تانية تكيدني بزيادة. ما فكرتش فيكي ولا خطر على بالي حتى اللي عملته ده غير بعد ما دريت إنك خلفتي عيالك. وقتها كانت أول نوبة أسأل حالي انتي كان ذنبك إيه في كل ده. وعلى كد ما فرحت للمصيلحي إن ربنا رزقه بالخلفة بعد العمر ده كله، على كد ما كان بدي أعرف انتي مبسوطة وراضية بعيشتك وإلا لأ." "وقتها...

ابتديت أتحجج بحاجات محتاجاها من المصيلحي لجل أشوفك وأتقرب منكِ." قالت نجاة. "وفرحت من جوايا أما شفته كد إيه بيحاجي عليكي وبيراعيِك... قلت يبقى خلاص، كده... أبقى إني عملت طيب فيكم انتوا الاتنين." "طب وانتي إيه اللي خلاكي جاية تحكي لي كلات الحديث ده دلوقتي؟ معرفتي من قلة هتفرق وياكي إيه عاد؟ " قالت نجاة بجمود.

"إني دريت إن بكر حاول يتقدملك من تاني بعد موت المصيلحي." قالت لبيبة بدموع. "وقت ما أنا دريت، حكيت له على كل شيء، وعرفته إني كنت دارية بالليلة من أولها. وقبل ما يموت بحبة لقيته بيقول لي انتي كيف عملتي كده في نجاة. وقتها قلت له إني نجيتك منه، بس بعد كده بقى جوايا صوت كل يوم عن يوم بيكبر وبيقول لي إني آذيتك أذية كبيرة قوي."

"برضه ما خابراش لزمته إيه كل الحديث ده دلوقتي يا لبيبة." قالت نجاة ببعض الضيق وهي تدير وجهها عنها. "ما خابراش، ما خابراش غير إني من يوم ما سقطت وإني كل يوم بقوم من النوم على صوت بيقول لي إن ده ذنب نجاة اللي هيفضل متعلق في رقبتك. مش قادرة أنام من وقتيه." "يعني سقوطك هو اللي خلاكي تفوقي للي عملتيه يا لبيبة؟ " قالت نجاة بسخرية. "ثم انتي ما شاء الله عندكِ أربع بنات ربنا يخليهم لك." "كان ولد يا نجاة...

كان ولد." قالت لبيبة بحسرة. "كان هيبقى ولد بكر الوحيد اللي إني أبقى أمه. بكر ما حبكيش يا نجاة، بكر كان بيغير من جابر. وإني ما كانش ينفع أروح لشيخون وأقول له إنهم عملوا عليه الفيلم ده. وما كانش في قدامي طريقة أمنع بيها بكر من إنه يكمل عملته غير إنك تكوني لراجل تاني بكر ما يقدرش يقف قدامه. تفكيري ما ودانيش غير لإكده... سامحيني يا نجاة، يمكن أعرف أنام لو سامحتيني." "خلاص يا لبيبة...

اللي حصل حصل، والمسامح ربنا." قالت نجاة بقلة حيلة. "وانتي يا نجاة سامحتيني؟ "اللي راح راح عاد وخلاص يا لبيبة... قومي يا لبيبة... قومي روحي دارك... إني مسامحاكي." قالت نجاة بتنهيدة ثقيلة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...