اللهم لا تشمت أعدائي بدائي، واجعل القرآن العظيم شفائي ودوائي، فأنا العليل وأنت المداوي، وأنت ثقتي ورجائي، فإجعل حسن ظني بك شفائي. بعد أن انتهت صلاة العشاء، توجه جابر إلى دار التهامي. وعند وصوله، كانت عزيزة في استقباله مع زوجها. وبعد أن جلس بصحبتهم، قالت له عزيزة:
"اسمع يا جابر يا ولدي.. انت قريت الفاتحة مع عمك تهامي وبكر وشيخون، وحددتوا كمان معاد الجواز، لكن يا ولدي في حاجات مهمة لازم تتعمل، وأني مش شايفة إن في أي حاجة بتتعمل." جابر: "حاجات زي إيه يعني يا خالة اللي أنتي تقصديها؟ عزيزة: "أني عاوزة أشوف الدار عندك وأشوف ناقصها إيه، لجل حتى أعرف بنتي محتاجة إيه وناقصها إيه في جهازها، وأشوف كماني أنت هتجيب إيه وإحنا هنجيب إيه زي ما كل الناس بتعمل."
جابر: "وأني قبل سابق قلت إن الدار عندي مش محتاجة أي حاجة، كل حاجة فيها لسه جديدة وبخيرها، وأني مابقعدش فيها من أصله من يوم المرحومة." عزيزة باستنكار: "يعني هتدخل بنتي على عفش قديم يا جابر؟ جابر بسخرية: "لا بنتك بنت بنوت، ولا أني أول مرة أتزوج يا خالة. الحديث اللي أنتي بتتحدتي فيه ده لو أني أول بخت بنتك، لكن دي مطلقة.. يبقى إيه لزمته بقى الحديث ده كله." عزيزة بضيق: "وهو أنت يعني يا جابر اللي أول مرة تتزوج فيها؟
جابر: "طب ما أني لسه قايل لك نفس الحديث أهه، لا أني ولا بنتك أول مرة نتزوج فيها." عزيزة بإصرار: "حتى لو اتجوزتوا عشر مرات، برضك فيه أصول لازم تتعمل." جابر: "إحنا مابقينش صغار يا أم بكر على الحديث ده." عزيزة بتهكم: "وهي سهى وحمدي كانوا صغار على الزفة والفرح اللي اتعمل النهاردة إياك؟ أني بنتي مش أقل من سهى يا جابر." جابر باستيعاب: "أيوة أيوة، قولي أكده بقى. أنتي كل ده عشان حمدي اتجوز وعمل فرح عاد؟
عزيزة: "وافرض، هي بنتي أقل من سهى؟ جابر بحزم: "اسمعي يا خالة أم بكر.. أول هام.. أني ما أحبش إن أي حد مهما كان هو مين إنه يقارنني بأي حد تاني، سواء كان أحسن مني ولا أوحش، لأن ده عمره ما كان مربط الفرس." "تاني هام.. أني وقت ما قريت الفاتحة مع الرجال قلت اللي في ضميري والرجال وافقوا عليه، والعروسة بذات نفسها وافقت، وأني مش شايف يعني أي سبب عشان أغير الحديث اللي اتفقنا عليه."
"أما بقى تالت هام.. إننا لو هنبتديها من دلوقتي بأن فلان عمل وإني ما عملتش وإشمعنى.. يبقى نفضوها سيرة من دلوقتي وإحنا حبايب ويا دار ما دخلك شر." تهامي: "استهدى بالله بس أكده يا جابر واسمع الحديث للآخر." جابر: "لا إله إلا الله محمد رسول الله، بس إحنا كان بينا اتفاق يا عم تهامي، ولو هتخلفوه من دلوقتي يبقى بلاها أحسن." سميحة بلهفة وهي تهرول من الداخل: "لااا يا جابر.. أوعاك تبيعني أكده."
عزيزة بغضب: "أنتي يا بت انتي إيه اللي مدخلك في حديث الكبار؟ سميحة: "أني قلت لك يا أمة قبل سابق إني موافقة على كل حاجة جابر عاوزها، وإني ماليش صالح بأي حاجة تانية." عزيزة: "حتى لو هيتجوزك على عفش مرته القديمة يا خايبة؟ سميحة بامتعاض: "أني موافقة وراضية، أنتي إيه اللي مزعلك.. ماتتحدتي يا أبة." تهامي: "خلاص يا عزيزة بقى، طالما بنتك راضية ومبسوطة."
عزيزة: "يعني يرضيكم حمدي يجيب جهاز جديد لأرملة أخوه رغم إن عندها عفشها القديم وهو كماني عنده عفشه بتاع سميحة، لكن غير لها العفش كله، هي بنتي قليلة عن سهى عاد ولا إيه." جابر باستيعاب: "أيوة أيوة.. مش تقول لي أكده من الأول يا خالة عشان تفهميني." عزيزة: "اديني قلت يا ولدي.. ها هتعمل إيه بقى عاد؟ جابر: "برضيك.. ولا هعمل أي حاجة غير اللي أني قلت عليها سابق، أني ماليش صالح بحمدي، ولا سميحة ليها صالح بسهى."
"المفروض إن خلاص أكده بنتك مالهاش صالح بطليقها ولا باللي بيعمله، وبعدين أني مابيعجبنيش الحديث ده من أصله، أني ما أحبش أبداً إن مرتي تبقى عينها من الناس وإشمعنى فلانة وإشمعنى تلتانة، كل واحد على قد حاله وعلى قد لحافه بيمد رجليه يا خالة." عزيزة: "طب أقله تعجل هبابة بجوازكم، مش لسه هنستنى كل ده، طالما بقى أنت عندك كل حاجة ومش ناوي تجيب حاجة."
جابر: "ودي كماني مش هغيرها يا خالة، أني قلت بعد ضم المحصول، هو ما كانش كلام رجالة ولا إيه." عزيزة: "وأني بمية راجل يا جابر." جابر: "والله لو بألف راجل، ماينفعش تحطي يدك بيدي يوم كتب الكتاب، وأني حديثي من هنا ورايح مع اللي هيحط يده في يدي." لينهض جابر من مجلسه وينظر إلى سميحة ويقول بحزم: "أني حديثي مابيتغيرش ولو بعد مية سنة، وما أحبش حد يراجعني في حاجة فيها اتفاق." ثم نظر إلى تهامي وقال: "تتمسى بالخير يا عم تهامي."
تهامي: "ماتقعد يا جابر تتعشى معانا." جابر بكيد وهو ينظر لعزيزة: "لا معلش اعذرني.. كلت كتير عند العروسة." تهامي بطيبة: "عقبال فرحكم يا ولدي." جابر وهو يتجه إلى الخارج: "تصبحوا بالخير." لتلحق به سميحة بلهفة وهي تنادي عليه قائلة: "ماتمشيش وانت زمقان مني، أني ماليش ذنب." جابر بتحذير: "غلطاتك كترت يا سميحة، وما خابرش إني هعرف أعديها كلها ولا إيه." سميحة بمحايلة: "سامحني يا جابر، وبعد أكده مش هعمل أي حاجة تضايقك مني."
جابر وهو يوليها ظهره منصرفاً: "الأيام بتورينا يا سميحة." وما إن غاب عن ناظريها حتى عادت إلى الداخل وقالت لأمها بغضب: "دي عملة تعمليها دي، أنتي عاوزاه يفوتني بعد كل ده؟ عزيزة بحدة: "خليكي انتي أكده لحد أما يلعب بيكي زي الكورة الشراب." سميحة: "أني راضية." عزيزة بتهكم: "ولما يلعب بيكي يا حزينة.. كيف هنستفيد من الأرض؟ سميحة: "أني ماليش صالح بكل الموال ده، أني ما يفرقش معايا غير جابر وبس، وياريت بكفاياكي بقى لحد أكده."
أما بدوار نجاة.. فقد أوصلهم حكم بسيارته، وأصرت الصغيرتان أن يدخلا مع نجاة لأمر ما لم تفصحا عنه. ليقول حكم: "الوقت اتأخر، وأنتم طول النهار قاعدين مع خالتكم نجاة، بكفاياكم لحد أكده بقى عاد." نجاة بعتاب: "بقى أكده برضيك يا أبو ياسمين، أنت بتعد علينا شوية الوقت اللي بنقعدهم مع بعض؟ حكم: "واخدين منيكِ يومك كله يا نجاة، وأكيد برضيك شاغلينك عن حاجات كتير." نجاة: "ما اشتكيتلكش إني، سيبهم معايا على ما نخلصوا كل حاجة."
حكم بفضول: "ما أني بدي أعرف حاجة إيه اللي عاوزين تعملوها عاد؟ نجاة وهي تنظر للصغيرتين بامتعاض: " عاوزين يتفرجوا على حاجة العرسان." حكم بفضول: "حاجة إيه دي؟ نجاة: "يعني.. هدية أكده لسهى وعريسها بعملها لهم عشان أديها لهم مع النقطة." حكم بتعجب: "بتعملي لهم إيه؟ نجاة بخجل: "بعمل لها شال، وبعمل لعريسها طاقية." حكم بوجوم: "كفاية الشال، مالهاش لازمة الطاقية." نجاة: "يوه، وليه عاد.. ده أني حتى ابتديت فيها وقربت أخلصها."
حكم بحزم: "قلت لك لاا.. كفاية الشال." نجاة بحرج: "اللي تشوفه." بعد أن التفت للذهاب إلى الملحق، حتى وقف مكانه لبرهة، ليتنهد بملل، ثم التفت إليها مرة أخرى قائلاً: "هي لونها إيه؟ نجاة لعدم فهم: "هي إيه دي؟ حكم: "الطاقية." نجاة: "بيضة." حكم بابتسامة واسعة: "تبقى من نصيبي، على الأقل هتليق على الشال اللي عملتهولي قبل كده." نجاة بخجل: "ماتغلاش عليك." حكم: "تسلم يدك." نجاة وهي تبحث عن أحبالها الصوتية: "تسلم من كل ردي."
ليلتفت حكم مرة أخرى منصرفاً بعد أن قال: "ما تخليش البنتة تعوق، عشان تقدر تصحى بدري." لتشيعه نجاة بعينيها التي ارتسمت ابتسامتها بداخلهما، وما إن همت بدخول الدوار حتى وجدت أحمد ينظر إليها بابتسامة خبيثة، لتتجهم معالمها وهي تقول: "أها.. أنت واقف عندك أكده بتعمل إيه عاد؟ أحمد: "ماني قلت ما يصحش أدخل وأسيبك لحالك مع عمي حكم." نجاة: "طب أهو مشي، ادخل يالا."
أحمد: "لاا.. أني هسيبك وأروح أشقر على زينب، وأشوفها عملت إيه في الامتحان بتاع النهاردة." نجاة وهي تهرب من نظراته: "ماشي.. سلم لي عليها وخليها تبقى تعدي علينا." أما شيخون.. فكان يجلس بمنزله وهو يتابع التلفاز حين قدمت عليه حسنة من دار أبيها. وحين وجدته قالت: "العوافي عليك، جيت متى من عند العروسة؟ شيخون: "من بدري، أنتي كنتي فين لحد دلوقتي؟ حسنة: "كنت عند أمي."
شيخون: "أيوة.. عيالك قالوا لي، بس خير يعني، أمك مش عادة يعني إنها تعوزك أخرى أكده." حسنة: "مش أخرى ولا حاجة، ده كان بعد العصر." شيخون: "وإحنا دلوك بعد العشاء كماني، إيه اللي كانت عاوزاكي فيه وقعدك هناك كل ده من غير ما تقولي لي؟ حسنة: "وأني من متى لما ببقى رايحة لأمي لازم أقول لك؟ شيخون: "من هنا ورايح." حسنة بذهول: "خبر إيه، إيه اللي جد يعني لحديثك ده؟
شيخون: "اللي جد إن دار أبوكي دلوك، زاد عليهم نفر.. واللي يبقى جابر قبل ما تسألينى هو مين النفر ده، وأني مش رايد إنك تبقي موجودة وقت ماهو يبقى موجود." حسنة باعتراض: "وهو جابر قاعد في دار أبويا يا شيخون، ده من يوم ما قرى فتحتها ما عتبش باب دارنا." شيخون: "أني ماليش صالح بالحديث ده كله، مراوح لدار أبوكي بعد أكده.. تبقى بالنهار، وتعرفيني قبليها." حسنة باستنكار: "إيه.. بتغير عليا بعد العمر ده كله؟
شيخون بسخرية: "بلاها كلام ماسخ مالهوش لازمة، الحديث اللي أقوله يمشي." حسنة باستغراب: "ماشي.. وإيه كماني؟ شيخون: "حضري لي العشاء.. عاوز آكل." حسنة بسخرية: "إيه ما أكلتش عند العروسة عاد ولا إيه؟ شيخون: "أكلت طبعاً.. بس من بدري، ودلوقتي جعان وعاوز أتعشى.. إيه بلاش، ولا خدتي إني بأكل برة وما عاوزاش تعملي لي أكل؟ حسنة: "لا طبعاً ودي تيجي برضيك، حالا هروح أعمل لك أحلى عشاء كماني."
وبعد بعض الوقت عادت إليه وهي تحمل صينية عليها بعض أصناف الطعام وهي تقول: "العشاء." شيخون: "هو أني هاكل لحالي.. فين العيال؟ حسنة: "قالوا مش جعانين دلوك، قلت خلاص اتعشى إني وانت." ليعتدل شيخون وهو يقول: "ماشي، ويسمي الله ويبدأ في تناول الطعام لتقول حسنة بحمحمة: "بقولك إيه يا شيخون." شيخون: "خير." حسنة: "كان فيه حكاية أكده عاوزة آخد رأيك فيها." شيخون: "ماتتحدتي على طول.. حكاية إيه دي." حسنة بتردد
وهي تنظر إلى عينيه بدقة: "زينب." شيخون بانتباه: "مالها؟ حسنة: "جايلها عريس." شيخون بانتباه: "عريس مين ده؟ حسنة بتردد وهي تهرب من عينيه: "أمي رمت لي كلام أكده عن زين ولد بكر أخوي." شيخون باستخفاف: "زين وزينب." حسنة: "أيوة." شيخون: "ها.. وأنتي قلتيلها إيه؟ حسنة: "هقول إيه يعني، قلت لها إني هقول لك." شيخون وهو يكمل طعامه: "وأمك بقى بتجتهد أكده لحالها، ولا ده كلام مين بالظبط؟
حسنة: "ما خابرش، بس يمكن زين اللي قال لها وطلب منها تفاتحك ولا حاجة." شيخون: "ما حصلش." حسنة بدهشة: "وأنت إيش دراك عاد؟ شيخون: "ما تشغليش انتي بالك بالموال ده." حسنة بغيظ دفين: "طب يعني لما أمي تسألني أقول لها إيه عاد؟ شيخون: "ولا كأنك قلت لي حاجة." حسنة: "ودي تيجي إزاي دي كماني؟ شيخون بلا اهتمام: "تيجي كيف ما تيجي، ماتوجعيش راسي بكلام مالهوش لازمة." لتنظر له حسنة بامتعاض ولكنها لا تنبس بكلمة.
كان رامي يجلس بصحبة مي وهما يتناولان العشاء سوياً ليقول لها: "بابا ما حاولش يكلمك؟ مي: "خالص، مامى هي اللي كلمتني أكتر من مرة." رامي: "مكالمات عادية ولا في حاجة؟ مي بسخرية: "مكالمات خناقة، كل مرة تكلمني تزعق معايا وتقفل السكة في وشي." رامي: "طب وبعدين، ماهو مش معقول برضه الموضوع يفضل كده كتير." مي: "اللي فهمته من كلامها إن بابي ناوي يعمل حاجة." رامي: "حاجة زي إيه يعني؟
مي: "هي ما تكلمتش بوضوح، بس كل كلامها إن بموقفي اللي أخدته ده، خلى بابي يغير موقفه من حاجات معينة، وإني بكده هتسبب في ضياع حاجات كتير عمرها ما اتخيلت إنها تضيع." رامي: "وإنتي يعني تفتكري إيه اللي حصل؟ مي: "مش عارفة، بس حاسة إن بابي كان ميال للكلام اللي قلته له آخر مرة." رامي: "طب أنا مسافر بعد بكرة، أنتي نظامك إيه؟ مي: "مسافر فين؟ رامي: "رايح لحكم."
مي بامتعاض: "هو إيه الحكاية بقى، هو أنت مش لسه كنت عنده الأسبوع اللي فات لما وديت له العربية؟ رامي بهدوء: "حصل، بس أنا حالياً بعمل له شغل، وكمان محتاج أعرفه على ناس هناك تخلص له شوية إجراءات بتاعة الشركة بتاعته.. أنا وعدته ومش هقدر أخلف وعدي ليهم." مي: "لا طبعاً.. أنا عمري ما أطلب منك حاجة زي كده." رامي: "برضه ما قولتيليش.. ناوية على إيه، هتفضلي هنا على ما أرجع ولا هترجعي الفيلا؟ مي: "زهقت مني؟
رامي: "بلاش خيبة، أنا بس مش عاوزك تبقي لوحدك، خصوصاً إني مش عارف أنا هقعد المرة دي قد إيه." مي: "يعني أرجع." رامي: "إنتي حرة، يا ترجعي، يا تشوفي واحدة من أصحابك تيجي تقعد معاكي هنا لحد أما أرجع." مي بتفكير: "ماشي.. من هنا للصبح أكون فكرت." رامي: "وعرفيني، عشان لو هتفضلي هنا أوصي عليكي البواب وأكلمك كل شوية أطمن عليكي." مي: "إيه ده بقى، يعني أنا لو رجعت الفيلا مش هتكلمني تطمن عليا؟
رامي ضاحكاً: "ماهو لو رجعتي الفيلا وثريا هانم سمعت بس اسمي وعرفت إن أنا اللي بكلمك هتقيم عليكي الحد، فانتي زي الساطرة كده اللي هتكلميني لما تبقي لوحدك بعيد عنها.. ده لو رجعتي يعني." مي بابتسامة: "خلاص اتفقنا، بس تعمل حسابك لما ترجع بالسلامة إن شهاب عاوز يقابلك ويتعرف عليك." رامي بتحذير: "أوعي تكوني حكيت له أي حاجة عن فضايحنا دي." مي: "لا طبعاً.. بس يعني لو اتجوزنا فعلاً.. ماهو أكيد لازم يعرف."
رامي بتحذير: "بلاش يا مي." مي: "ليه يعني، مش المفروض نبقى صرحا مع بعض وما نخبيش حاجة عن بعض؟ رامي: "في اللي يخصك انتي شخصياً وبس، إنما اللي يخص بابا وماما والعيلة بلاش، إحنا مش عارفين الزمن ممكن يكون مخبي لنا إيه، وبلاش يبقى عندك نقطة ضعف ممكن تتعايري بيها بعد كده رغم إنك مالكيش ذنب فيها." مي بحزن: "ماليش ذنب فيها إزاي بقى، وأنا السبب في كل اللي حصل ده، لولا المركز ما كانش بابي فكر أبداً إنه يعمل كده في ورث حكم."
رامي: "يمكن كلامك فيه جزء من الحقيقة، لكن مش الحقيقة كلها." مي: "وإيه هي بقى كل الحقيقة؟ رامي: "الحقيقة الكاملة إن بابا بيكي أو من غيرك.. كان هيعمل كده آجلاً أو عاجلاً، ماتنسيش إن ميراثه بالكامل راح وانتهى بسبب المظاهر الفارغة والحفلات والرحلات وحياة البذخ اللي عايش فيها هو ومامتك." مي باستياء: "وما تنساش إن أنا كمان كنت عايشة معاهم نفس العيشة."
رامي: "الأهل هما اللي بيربوا وبياخدوا بايد ولادهم ويعلموهم الصح من الغلط يا مي مش العكس، الأهل هما اللي بيصلحوا ولادهم مش العكس." مي: "طب ما أنت أهو.. أنت اللي بتحاول تصلحهم مش هم اللي بيحاولوا يصلحوك." رامي: "مش يمكن عشان مش هم اللي ربوني، أنا اللي الدنيا هي اللي ربتني، ماتنسيش إني اتنفيت بعيد عنهم من وأنا لسه في ثانوي." مي بفضول: "بتحملهم الذنب عشان بعدوك عنهم، ولا حاسس بالامتنان؟
رامي ضاحكاً: "سؤالك صعب أوي يا مي، ده محتاج سنين عشان ألاقي له إجابة." مي: "لا بجد.. عاوزة أعرف." رامي بعد فترة تفكير قصيرة: "يمكن كنت ناقم عليهم في البداية، ويمكن تمنيت أب تاني يحس بيا ويحتويني على الأقل، لكن بعد فترة.. حسيت إني ارتحت من حاجات كتير أوي." مي: "زي إيه؟ رامي: "أول حاجة.. وما تزعليش مني.. تحكمات مامتك، مامتك كانت بتدخل في كل حاجة تخصني، مش اهتمام.. لا، بس تحسيها إنها كانت بتعمل معايا كده من باب ال......
مي: "الغلاسة." رامي بتردد: "أنا آسف، أنا عارف إنك ممكن تزعلي عشان مامتك بس... مي: "بس أنا كنت شايفة وعارفة، يمكن ماكنتش فاهمة قوي وقتها، بس شوية بشوية فهمت." رامي وهو يحاول المرور بعيداً عن سيرة والدتها: "واسترتحت كمان من جو الحفلات والدوشة.. لو تفتكري إني ماكنتش بحب أحضر الكلام ده ولا أتواجد فيه." "وكمان قدرت أكون صداقات من غير تدخل من حد، مش هنكر إني أوقات كنت بحس بالنقص وأحياناً كمان بالغيرة."
مي بذهول: "نقص وغيره.. من مين؟ رامي: "من كل الناس، زمايلي وأصحابي، لما كنت بشوفهم مع أهاليهم، واهتمام أهاليهم بيهم، لكن الإحساس ده اختفى شوية بشوية، بعد ما الكل ابتدى يتعامل معايا على إني يتيم." مي: "يتيم، إزاي بقى؟ رامي بسخرية: "واحد في ثانوي أبوه نافاه في شقة لوحده وهو لسه في سنة أولى ثانوي لمجرد إنه يبعده عن مراته.. يبقى إيه الفرق بينه وبين اليتيم يا مي؟ مي بأسف: "عندك حق."
رامي بمرح: "بس يا ستي، وبعد ما كنت يتيم، بقى عندي خمس ست أمهات وآباء، اللي بيعمل لي أكل واللي بياخدني معاه المصيف واللي بيتابعني مع المدرسين، واللي بيشتري لي لبس وغيارات." مي ضاحكة: "جت بمصلحة يعني." رامي: "عرفت حاجات عمري ما كنت عرفتها قبل كده، عرفت يعني إيه عيلة ودفا واهتمام، عرفت الاحتواء اللي بجد، واللي كان نفسي ألاقيه في بيت أبويا بس للأسف عمري ما لقيته هنا." مي: "أنا آسفة إن مامى هي السبب في كل ده."
رامي: "ورغم كل اللي مامتك عملته ده إلا إنها عملت لي أحسن حاجة حصلت في حياتي." مي بفضول: "إيه الحاجة دي؟ رامي بحب: "أنتي." مي: "أنت بتتكلم بجد، يعني عمرك ما فكرت مثلاً إني اتسببت في بعد بابي عنك؟
رامي: "إنتي الحاجة الوحيدة اللي كانت بتخليني أغفر لبابا كل اللي عمله، إحساس إنك لوحدك ده وحش أوي يا مي صدقيني، الإخوات برضه بيبقى لهم كده طعم تاني، وخصوصاً أما تبقي أختي أصغر مني وأحس إني مسئول عنها.. حاجة كده في حتة تانية خالص." مي بابتسامة: "أنا بحبك أوي يا رامي، ودايماً بفتخر بيك وسط أصحابي، وتعرف كمان أنا قلت إيه عنك لشهاب." رامي: "قلتيله إيه؟
مي: "قلت له طبعاً رأي بابي ومامي مهم، لكن أهم رأي عندي هو رأي رامي، فقال لي يعني لو بابي ومامي وافقوا على جوازنا ورامي ما وافقش مش هتجوزيني." رامي بابتسامة: "وقلتيله إيه؟ مي ضاحكة: "قلت له آه طبعاً مش هتجوزك، بس هحاول أتحايل عليه يوافق 😂." كان حكم بالمركز يتابع تطور العمل في موقع الشركة بصحبة رامي الذي قد وصل منذ يومين.
وكانت إجازة نصف العام قد بدأت، وكانت نجاة بهذه المناسبة وكعادتها في هذا التوقيت.. قد تركت لولديها حرية اللعب بدراجاتهم حول الدوار احتفالاً بقدوم الإجازة، وطلبت منهما مشاركة ورد وياسمين في اللعب والانتباه لهما جيداً فالصبيتان مازالتا جاهلتين لدروب الكفر. لتسمع صوت عبدالله وهو يصرخ قائلاً: "الحقي ورد يا أمة." نجاة برهبة: "مالها ورد يا عبدالله؟ عبدالله: "وقعت من على العجلة وعمالة تصرخ وتعيط جامد."
نجاة وهي تسرع إلى الخارج: "وهي فين؟ عبدالله وهو يسرع من ورائها ويشير إلى موضع ما: "هناك أهي." لتجدها نجاة جالسة على الأرض وهي تبكي بشدة وتضم إليها إحدى يديها بألم، لتحملها بسرعة وهي تتفحصها جيداً وتقول بلهفة: "سلامتك يا ضنايا.. قولي لي إيه اللي بيوجعك." ورد ببكاء: "إيدي يا خالتي نجاة بتوجعني أوي." لتتفقد نجاة يد الصغيرة لتلاحظ احمراراً شديداً وبعض التورم الذي قد بدأ في الظهور، لتلتفت نجاة حولها برهبة حتى وجدت أحمد،
فصاحت عليه قائلة: "تعالى يا أحمد بسرعة وديني مستشفى المركز وكلم عمك حكم يحصلنا على هناك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!