الفصل 30 | من 51 فصل

رواية وشم على حواف القلوب الفصل الثلاثون 30 - بقلم ميمي العوالي

المشاهدات
17
كلمة
5,026
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

في دوار نجاة.. كانت نجاة تجلس بصحبة زينب والصغار، بينما حكم ورامي بصحبة شيخون وأحمد في الملحق. كانت نجاة تراقب الصغار بشرود واجم أثناء لعبهم، خاصة ورد التي كانت تتبعها بعينيها أينما تحركت خشية عليها من أي مضاعفات أو إصابات جديدة قد تحدث سهوا. وكانت زينب تقول: الإجازة أكده باظت. نجاة بانتباه: بتقولي إيه يا زينب؟ زينب: بقول إن الإجازة أكده باظت. نجاة باستغراب: ليه يعني؟

زينب: كنت ناوية أستأذن عم حكم، وآخد العيال كلها ونروح نقضي يوم في الأرض ونشوي هناك. نجاة: طب وماله.. لسه الإجازة سبوعين بحالهم ما عدىش غير يوم واحد. زينب: إزاي بقى وورد بالشكل ده؟ نجاة: إن شاء الله هتروق وتبقى زي الفل، بس هو إنتي يعني هتبقي فاضية للحديث ده؟ زينب: أنهي حديث ده؟ نجاة بمكر: دروس الكمبيوتر بتاعة سي رامي اللي قال إنه هيديهالك إنتي وأخواتك دي. زينب بحمحمة: ماهو لسه أحمد ما ظبطش معاه المواعيد.

نجاة وهي تتصنع عدم الفهم: إنما إنتي يعني ما كنتيش موافقة ليه في الأول وبعد كده وافقتي؟ زينب بحمحمة: لا.. إني بس كنت خايفة أبويا ما يرضاش. نجاة بسخرية: هعمل حالي مصدقاكي. زينب: في إيه يا عمة، ليه بتقولي كده؟ نجاة بتنهيدة ثقيلة: بقول كده لجل ما إني خايفة عليكي يا زينب. زينب: أباي.. وخايفة عليا من إيه عاد؟ نجاة: مش عاوزاكي تتعلقي بحبال مانتيش عارفة مين اللي ماسك خيطانها يا بتي.

وقبل أن تعبر زينب عن فضولها لحل ألغاز حديث عمتها، تستمعان لصوت زينة وهي تقول بمرح: السلام عليكم يا أهل الدار. وعندما تلتفتان اتجاه الصوت، تريان زينة بصحبة حسنة وهما تتقدمان نحوهما. لتقول نجاة ببعض الدهشة: أها.. مرحب يا حسنة. زينة بامتعاض: إيه ده يا عمة.. هترحبى بأمي بس وأنا لا؟ نجاة بمرح: ودي تيجي برضيك، بس هرحب بيكي كيف وإنتي قاعدة جوة في قلبي يا بنت قلبي. زينة

وهي تقبل وجنة نجاة بقوة: أباي يا ولاد على الحديث الحلو ده اللي ما بعرفش أرد عليه واصل. نجاة: تعالوا اقعدوا.. اتفضلوا.. خطوة عزيزة. لتذهب زينة اتجاه ورد الجالسة بجوار شقيقتها وهي تلهو معها ومع ولدي نجاة، وتنحني عليها مقبلة رأسها بحنان قائلة: إحنا جايين خصوصي لجل نتطمن على الورد ده. لتجلس حسنة أمام نجاة وهي تتلفت حولها وتقول: شيخون فين أومالي هو وأحمد؟ نجاة: عند حكم في الملحق. لتجلس زينة بجوار

زينب وهي تقول لها بمرح: اتوحشتك.. حتى ما جاليش نفس آكل شيء وإنتي مش معايا. نجاة: وهي كمان ما أكلتش عدل وقت الغدا، روحوا كلوا يالا، خلوا أم سعيد تسخنلكوا اللي يلد عليكم وافتحوا نفس بعض. لتنهض زينة وهي تسحب معها زينب قائلة: أيوه يالا نروح لأم سعيد المطبخ وهي تظبطنا أحسن إني جوعت أول ما شفتك وعاوزة آكل. وبعد ذهاب الفتاتين، تقول حسنة: ما تنادي لنا على حكم. نجاة: رايداه في إيه؟

حسنة: لجل يعرف يعني إني جيت أشقر على بتُه وأتطمن عليه. نجاة: عنده ضيوف من مصر. حسنة: ضيوف مين يعني؟ نجاة باختصار: قرايب. حسنة: اممم، طيب برضك عرفيه إني هنا. لتنظر لها نجاة بامتعاض ثم تنادي على عبد الرحمن وتقول له: روح يا عبد الرحمن قول لخالك إن مرته هنا لجل تشقر على ورد وقول لأم سعيد تعمل لنا شاي ولا قهوة أحسن دماغي كان فيها وابور زلط. عبد الرحمن مهرولاً إلى الخارج: حاضر يا أمة. أما زينب فكانت تتناول الطعام مع

زينة التي كانت تقول بفضول: أومال لما هم رجعوا من المستشفى ما عاودتيش الدار ليه لحد دلوك.. دي أمي قالبة الدنيا. زينب بامتعاض: ومن ميتى يعني أمك مش قالبة الدنيا على دماغي.. إيه اللي جد يعني؟ زينة: طب سيبك من أمي، إنتي إيه اللي قعدك كل ده وما رجعتيش على الدار من وقتيها؟ زينب: ولا هو إنتي ما شفتيش وش عمتك عامل كيف.. كنت هسيبها كيف إني يعني وهي أكده؟ زينة بدهشة: إلا هو صحيح إيه اللي مخلي عمتي متاخدة أكده؟

زينب: دي أكده راقت، إنتي ما شفتيهاش وهم معاودين من المستشفى كانت عاملة كيف وقتها، دي كانت معاودة من هناك وشها ده كيف الليمونة الصفرا، ولا ورد.. كمشانة ومتعلقة في رقبتها كيف البسة اللي متحامية في أمها، لما قطعت قلبي. زينة بفضول: يكونش الحكيم قال لهم حاجة عفشة يعني على ورد؟ زينب: تفّي من خشمك.. ربي يبعد عنها الشر، إني في الأول برضك كنت فاكرة أكده لما وعيت على حالهم وقت ما أجم، بس أما سألتهم طمنوني الحمد لله.

زينة: طب الحمد لله اهه، أومال إيه بقى هتقلقيني عليها ليه؟ زينب بحيرة: إني نفسي مش عارفة، بس حساها متغيرة ومش زي عادتها أكده. زينة: طب ما سألتهاش ليه؟ زينب: كنا دوبك بنتحدث إني وأهي وقت ما إنتي وأمي جيتوا، فمالحقتش أسألها. زينة: طب وناوية على إيه؟ زينب بامتعاض: لولا خوفي من أمك.. كنت قلت لأبويا يخليني بايته معاها الليلة دي، أقله آخد بالي من العيال.

أما في الخارج.. فقد أتى شيخون عندما علم بوجود حسنة وزينة وقدم عليهم وهو ينظر إلى وجه نجاة وهو يحاول أن يقرأ معالمه ليعلم أن كانت حسنة قد بخت سمها كعادتها كلما تلتقي بها، ولكن لم يتبين شيء. فقال: إيه يا حسنة.. حاجة ولا إيه؟ حسنة: حاجة إيه يعني، إني قلت إنه ما يصحش ما أجيش أطل على العيلة الصغيرة اللي اتجبرت دي. شيخون بسخرية متوارية: لا والله.. فيكي الخير، أومال فين زينة أومالي؟

نجاة: قلتلها تاخد زينب وتدخل تاكل وتوكلها معاها لأني حسيتها ما أكلتش واصل على الغدا. شيخون لحسنة: وهتمشوا ميتى؟ حسنة بامتعاض: لا هو إحنا لحقنا ناجي عشان نمشي، بس عامة إني قلت أعمل الواجب وأقول لصاحبك سلامة بتُه وهمشي طوالي. شيخون وهو يتجه إلى الخارج مرة أخرى: ماشي.. إني هرجع لحكم وهبلغُه واجبك، وهبقى أبعتلكم أحمد بعد شوية أكده عشان يوصلكم.

لتنكوى حسنة برد شيخون، فها هي لن ترى حكم في ليلتها تلك وأصبح مجيئها دون فائدة تذكر، ولكنها التفتت بعد ذهاب بكر إلى نجاة التي كانت عيناها لا تزال مع ورد قائلة: إلا إنتي بقى قاعدة أكده للعيال طوالي؟ نجاة: أيوه.. خايفة لا البنية تقع من تاني لا قدر الله ولا تحتاج لحاجة. حسنة بسخرية: فيكي الخير، ده حكم لو جابلها دادة خصوصي مش هتعمل كيف ما إنتي بتعملي أكده، بس أو عاكي تنسي المثل اللي بيقول يا مربي في غير ولدك. لتنظر

لها نجاة بتهكم قائلة: عمر الزرعة اللي بتنزرع ما بتطلع زرع شيطاني أبدا.. غير أما تنروي بالغل يا حسنة، وإني قلبي عمره ما عرف الغل أبدا، ودائما راضية باللي ربنا كاتبه لي. حسنة بسخرية: أيوه أيوه.. إنتي هتقوليلى، بس أصل ياما ناس بتبقى سهتانة أكده والكل يفكرها ملاك وهي عاملة كيف البطيخة القرعة اللي قشرتها بتطبل على الفاضي. لتعتدل نجاة بجلستها

وتنظر إلى حسنة قائلة: عندكِ حق، بس تعرفي يا حسنة.. حتى لو البطيخة طلعت قرعة كيف ما بتقولي.. بس أقله عمرها ما آذت حد، ولا عمرها بصت على اللي في يد حد، وتعرفي كماني.. البطيخة القرعة دي يا حسنة لا عمرها خططت ولا دبرت إنها تحرق قلب حد حتى لو كان الحد ده من اللي دبروا وخططوا كتير أوي إنهم يأذوها، بس بالك.. عشان ربك اسمه العدل، كل تدبير كان بيتدبر لها.. كان بييجي من وراه خير ياما ليها يخلي اللي بيدبروا لها ينحرقوا بزيادة.. أومال إيه، ماهو برضك ربنا قال في كتابه

(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ، فاتخيلي بقى أكده إنهم لو كانوا قاصدين يخدموها ما كانتش ظبطت أبدا معاها أكده. ثم أسندت نجاة ظهرها واعتدلت بجلستها وهي تكمل قائلة بسخرية: وياريتهم بيحرموا.. إلا بعيد عن السامعين والواعين.. كيف اللي ربنا قال عليهم في كتابه الكريم {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون} صدق الله العظيم.

كانت حسنة تنظر إليها بغضب كامن بصدرها، وشعرت أن نجاة تعلم أكثر كثيراً مما كانت تعتقد، لتنهض من مجلسها وهي تنادي زينب وزينة، وما أن قدما إليها وهما تهرولان قالت بحزم: يالا عشان هنروح، شيّع حد لأحمد يالا يا زينة يقول له ييجي يوصلنا قوام. نجاة وهي تميل برأسها جانباً: أها.. هو إنتو لحقتوا تقعدوا.. دي حتى أم سعيد لسه ما جابت لناش حاجة نشربها.. اقعدي يا حسنة أما تاخدي واجبك أومال. حسنة: واجبك وصل يا نجاة، خليها نوبة تانية.

لتقترب زينب من حسنة وهي تقول هامسة: ما تخليني مع عمتي الليلة دي يا أمة، يمكن تحتاجني وياها. لتنظر حسنة اتجاه نجاة المتربصة لها ثم قالت بجمود: وماله، تعالي معانا بس الليلة دي محتاجاكي تعمليلي كام شغلة أكده، وأرجعي لها من تاني الصبحية، بس همي يالا معايا دلوقتي. لتودعهم نجاة بعد قليل وهي تشيع حسنة بنظراتها اليائسة من طباع تلك الحية الرقطاء التي لا تترك فرصة لتعكير صفو بالها إلا وانتهازتها.

أما أحمد.. فعندما هم لمغادرة الملحق لإيصال أمه وشقيقتيه.. إلا ونهض رامي قائلاً: خدني معاك يا أحمد.. تعالى نوصلهم بالعربية. شيخون: وعلى إيه يعني.. الدار مش بعيدة للدرجة دي. حكم: لا بعيدة يا شيخون.. سيبه يوصلهم ما فيهاش حاجة عاد. شيخون: إني عامل على تعبه والمشورة اللي على الفاضي دي. رامي: لا تعب ولا حاجة، وبعدين الصراحة كمان عاوز أتفرج على الكفر بالليل.. أكيد بيبقى غير.

شيخون: ماشى.. بس ماتعوقوش.. عشان الحق أروح إني كماني. بسيارة رامي.. قال لأحمد الجالس بجواره: اتفق مع أخواتك بقى على المواعيد اللي تناسبكم وبلغني عشان أظبط أموري. أحمد بمرح: ولا هو إحنا كماني اللي هنحدد المواعيد.. ده إيه الدلع ده عاد.. إحنا فاضيين أصلاً في أي وقت ما وراناش شيء. رامي: لأ.. ماهي المواعيد دي هتستمر فترة، يعني بعد الدراسة كمان ما تبدأ.

أحمد بتفكير: أيوه صح.. كنت ناسي إني الحكاية دي واصل.. بس إنت على كده هتفضل حدانا هنا في الكفر كتير؟ رامي وهو ينظر إلى زينب في مرآة السيارة: والله نفسي، بس طبعاً مش هينفع عشان شغلي اللي في مصر. أحمد: يبقى إنت اللي هتحدد المواعيد برضك. زينب بحمحمة: إني بقول يا أحمد إنك تظبط المواعيد السبوعين دول، وبعد كده ربنا يسهلها. حسنة: هو إيه الحكاية إني مش فاهمة حاجة. أحمد: الأستاذ رامي هيعلمني إني وزينب وزينة كمبيوتر وبرمجة.

زينة بلهفة: الله.. طب خلوا زين كمان معانا. ليتأكد رامي من حديث حكم عن زين وزينة فيقول بابتسامة: وماله يا آنسة زينة.. ينور، أنا تحت أمركم كلكم. بعد أن ذهب الجميع.. شعرت نجاة أن النعاس يداعب عينا ورد بسبب جرعة المسكن التي تناولتها، فأصطحبتها إلى غرفة نومها ورقدت إلى جوارها حتى تستكين الصغيرة. وأغمضت نجاة عينيها وهي تتذكر ما حدث بالمشفى. **فلاش باك**

كانت ورد في أحضان نجاة أثناء عمل الطبيب للجبيرة، وكان بكاؤها يمزق نياط القلوب مما جعل نجاة هي الأخرى تبكي لبكاء الصغيرة مع محاولاتها المستميتة أن تسري عنها. وعند انتهاء الطبيب من عمله، أخذت نجاة تواسي الصغيرة وهي تمسح عن وجهها العبرات، لتجد حكم أمامها وهو مخطوف الوجه والأنفاس قائلاً بلهفة: إيه اللي حصل؟ نجاة وهي تجفف عبراتها هي الأخرى: ماتنخلعش كده، الحمد لله بسيطة، هو جبر لها دراعها بس عشان تطيب بسرعة.

لينحني حكم ويضم رأس الصغيرة إلى صدره وهو يتفرس وجه نجاة باهتمام ويقول: أومال مالك.. باكية ليه عاد، إنتي بيكي حاجة؟ نجاة بخفوت وهي تهرب من عينيه: لا ما فيش.. إني بس انخلعت عشان ورد وعياطها. لينظر إليها حكم نظرة حانية كادت أن تفضح مكنون قلبه، فأغمض عينيه سريعاً وكأنه يقبض عليها بين جفنيه، لينتبه على رامي وهو يقول: طب الدكتور فين؟ نجاة: راح يغسل يده وهيكتب الدوا. رامي بفضول وهو يتلفت حوله: هو أحمد مشي؟

نجاة: لا.. راح مع الحكيم. ليسحب رامي حكم من ذراعه قائلاً: طب تعالى يا حكم نقعد برة شوية على ما أحمد ييجي. ليجلسا على المقاعد المجاورة للغرفة من الخارج ليقول رامي: الحمد لله يا حكم سليمة أهي.. إن شاء الله حاجة بسيطة ماتقلقش كده. حكم بتنهيدة ثقيلة: الحمد لله. رامي: وبصراحة الست نجاة كتر خيرها، دي ولا كأنها أمها. حكم بتنهيدة معتلة: أيوه يا رامي.. كأنها أمها.. ياريتها كانت هي أمها صح.. عليه العوض ومنه العوض.

رامي: إنت هتقلبها مواجع ليه بس، أقول لك.. تعالى نروح نشوف أحمد والدكتور فين. ليذهبا دون أن ينتبها لمن كانت تستمع إلى حديثهما ودقات قلبها كحوافر الخيل وهي تعدو بحلبة السباق وعبارتين قصيرتين تترددان بين جنباتها.. ياريتها كانت أمها صح.. عليه العوض ومنه العوض. **عودة من الفلاش باك**

نجاة وهي تتذكر ما حدث وتزيل العبرات من فوق وجنتيها قبل أن تبلل الوسادة، وكانت تحدث نفسها وهي تتأمل ملامح الصغيرة الشبيهة بأبيها.. ياريتك كنتي بتي صح، ياترى تقصد إيه بحديثك ده يا حكم، ياترى تقصد إن اللي في قلبك كيف اللي في قلبي، ولا تقصد إنك كان بدك أم بناتك تكون هي اللي موجودة وياك دلوقتي؟

أما في دار شيخون.. كانت زينة قد خلدت إلى النوم، وأما زينب فكانت حسنة قد طلبت منها أن تصنع لها كوباً من الشاي، فذهبت لتصنعه لها وهي مشغولة البال بما حدث من رامي وهي تصارع أفكارها التي لا تكاد تذهب بعيداً عنه حتى تجده مرة أخرى يحتل بالها عنوة. فقد ضبطت نفسها متلبسة بالغيرة عليه عندما ظنت أن مي ما هي إلا فتاة سيئة السمعة والسلوك وأنها تقضي معه لياليها بمسكنه، فقد شعرت وقتها بغضب جامح لو أطلقت له العنان لأحرق رامي حياً.

ولكنها ما كادت تحترق بنيران الغيرة.. حتى وجدته يلقي عليها دلواً من الماء البارد الذي أطفأ نيرانها المشتعلة عندما علمت أن مي ما هي إلا شقيقته الصغرى وشعرت أنه تعمد إبلاغها المعلومة بطريقة غير مباشرة. وكانت تقف مبتسمة لنفسها وهي تتذكر مواقفه المشاكسة لها، حين انتفضت على صوت حسنة التي وجدتها أمامها قائلة بحدة: إنتي مالك واقفة أكده والمية اللي في البراد قربت تتبخر كلها عاد؟ زينب بارتباك: إني هصب لك الشاي اهه.

حسنة بترصد: صبيه وهاتيهولي على أوضتي فوق. زينب: ماشي. لتدخل زينب غرفة نوم حسنة لتجدها جالسة بالفراش، وما أن رأتها حتى قالت: حطي الشاي هنا جاري واقفلي الباب وتعالي عوزاكي. لتنفذ زينب ما أمرتها به حسنة وتجلس أمامها بتوجس قائلة: خير يا أمة. حسنة بترصد: إني بقى رايداكي تقولي لي دلوقتي، لسانك الفلتان ده فلت بإيه بالظبط من تاني لعمتك؟

زينب: إني ما اتحدثتش مع عمتي من أصله، إني كنت مع العيال الصغار، وما قعدتش معاها غير وقت ما إنتي وزينة جيتوا، وكنا بنتحدث عن العيال. لتمد حسنة يدها لتقبض على ذراع زينب بقسوة قائلة: إني ما بتحدث على النهاردة وبس، إني بتحدث على كل المرات اللي كنتي بتقعدي تلطي معاها بالحديث. زينب: هو إيه اللي يا أمة، لزمته إيه الحديث ده دلوقتي، إني عملت إيه عاد، وليه دايماً متهماني إني بنقل الحديث من ده لده، رغم إني ما بعملش أكده؟

حسنة بغل: لا يا شيخة، أومال مين اللي كان بينقل لها الحديث كله قبل سابق؟ زينب: كنت صغيرة وما بفهمش، وكانت نوبة وعدت وقت ما قلت لها على خالتك أما بعتتني مرسال لعم جابر، ومن وقت ما نبهتِ عليّ ما كررتهاش من تاني، وإنتي خابرة زين إني لو كنت كررتها كان زمان الدار دي خربت من زمان قوي. حسنة بترصد: قصدك إيه يا بت انطقي؟

زينب والدموع تملأ عينيها: أقصد إنك على طول زعلانة في وشي لجل الحديث اللي سمعته بينك إنتي وخالتك زمان، رغم إن المفروض تزعلي من حالك مش مني إني. حسنة بغضب: حديث إيه ده يا بت اللي بتتحدثي عنه؟ ماتقعديش تلفلفي في الحديث. زينب بتردد: حديثك عن عمي حكم وعمتي نجاة. حسنة بجمود: حديث إيه ده يا بت؟ زينب بتذكر: **فلاش باك**

كانت زينب في الثانية عشرة من عمرها، وكانت نائمة على فراشها وهي تعاني من بعض حساسية الرمد بعينيها.. ليأمرها شيخون بالتزام غرفتها والابتعاد تماماً عن أي أبخرة أو روائح قد تؤذيها، فالتزمت بأوامره، حتى كان ذلك اليوم الذي غلبها النعاس بعد الظهيرة لتنتبه من غفوتها على صوت حسنة وسميحة وهما تتحدثان بالقرب من فراشها، عندما سمعت سميحة تقول: العباية حلوة عليكي، لولا بس محتاجة تتجسم شوية.. هتبقى عليكي كيف الكحكة. حسنة وهي

تخلع العباية لتجرب أخرى: ما أدرى إيه لازمة اللي إنتي عاوزة تعمليه ده، ليه كل العبايات دي، هو إنتي هتتاجرى فيهم عاد ولا إيه؟ سميحة: الحق عليا إني رايداكي كيف البرنسيسة قدام سلفتي. حسنة بامتعاض: وإني هستفيد إيه يعني عاد أما أبقى برنسيسة ولا الوالدة باشا حتى؟ سميحة: أقله أفتحلك سكة للحديث معاها يمكن تعرفي تتطمني على حبيب القلب. حسنة

بتنهيدة وهي تمصمص شفتيها: وطّي صوتك، لا شيخون نعسان في أوضتنا، وبعدين يعني إني هعمل إيه بقى بأخباره يا ست سميحة، ما خلاص.. فات البلد وهرب من سنين أها لجل ما عرف إن المحروسة هتبقى لغيره. سميحة بفضول: وهو إنتي متأكدة يعني إنه عاشقها كيف ما بتقولي؟

حسنة بتنهيدة: لما كان بييجي لشيخون ما كنتش بنزل عيني من عليه، واللي كنت بشوفه في عينيه وقت ما كان يبص لها لا يمكن أغلط فيه أبداً، يعني لولا المخبل التاني طلبها، ما كانش فاتها أبداً.

سميحة بسخرية: أهي لا طالت المخبل ولا المجنون، وكلنا اتوكسنا وما حدش طال اللي رايده، بس أقله إنتي احمدي ربنا.. إنتي مع شيخون أديلك زمن، وبرضك شيخون سيد رجالة الكفر وألف مين يتمناه، ووقت ما أخدك.. أخدك وإنتي لسه ما كنتيش جبتي أربعتاشر سنة وأديكي جبتي بدل العيل اتنين وإنتي لسه أهه صغار وفي عزك، يعني المفروض تكوني نسيتي بقى حكم ده خالص، خصوصي إنه خلاص ساب الكفر والبلد كلها.

حسنة بقهر: ولا عمري نسيته ولا عمري هنساه، لو إنتي نسيتي جابر كنت إني كمان نسيت حكم، ده بييجي أوقات شيخون بيجيب فيها سيرته، ببقى عاوزة أصرخ فيه بعزم ما فيا وأقول له إنت السبب اللي خلتني بعدت عنه. سميحة باستنكار: بعدتي عن مين يا مخبلة إنتي، ولا هو كان أصلاً شافك ولا عرفك حتى قبل ما تتجوزي صاحبه، وحتى أما اتجوزتي.. أديكي بتقولي أها إنه كان عاشق البرنسيسة نجاة ولولا إن جابر طلب يدها كان زمانه اتقدم لها واتجوزها.

حسنة: ماهو ده اللي بيخليني أرجع أسكت من تاني، بس الله يسامحها أمك، هي اللي خلتني أتجوز شيخون غصب عني وأنا ما كنتش رايدة أتزوجه لا هو ولا غيره واصل. **عودة من الفلاش باك** زينب: يومها التفتّي ناحيتي مرة واحدة كأنك كنتي ناسية إني معاكم في الأوضة من أصله وأول ما لقيتيني صاحية ومفتحة عينيّ قعدتي تزعقي لي وتتعاركي معايا كأني عملت عملة.

حسنة بترصد وتهديد: اكتمي خالص، وعلى الله أسمعك تجيبي سيرة الحديث ده مرة تانية على لسانك لا أقطعهولك.. ولا حتى بينك وبين حالك إنتي فاهمة ولا لأ، ما أبقاش أويّاكِ في داري وتاجي على آخر الزمن تخربيه لي بحديثك ده.

زينب بدموع تملأ عينيها: إنتي ليه بتعملي معايا كده، إني لما سمعت حديثكم كنت نايمة في مكاني، إنتوا اللي دخلتوا عليّ وفضلتوا تتحدثوا فوق دماغي لحد ما صحيت على حسكم جاري، يعني لا اتصنطت عليكم ولا حكيت بعد كده حرف واحد لأي مخلوق. حسنة بتهديد: وهو إنتي تقدري تنطقي، ده إني كنت خليت عمك يدفنك في الزريبة تحت رجلين المواشي. زينب: يدفنني إني.. طب ليه، لا هو إني اللي كنت متجوزاه وأنا عاشقة غيره. لكتلتها

حسنة على وجهها بحدة قائلة: قلت لك اكتمي.. مش عاوزة أسمع حسك مرة تانية.. إنتي فاهمة؟ لتشهق زينب بألم وهي تضع يدها فوق وجنتها الملتهبة وتتجه إلى الخارج وهي تعدو باكية، ولكنها تسمرت بمكانها فجأة ما أن فتحت الباب.. عندما وجدت شيخون واقفاً بالباب وهو ينظر إليهما شزراً. لتحاول زينب التماسك قدر استطاعتها وهي تنظر إلى الأرض قائلة: حمد الله على السلامة يا أبة.. تحب أحضر لك العشا ولا حاجة تشربها؟

شيخون وهو ينظر إلى زينب ووجنتها التي ترتسم عليها أصابع حسنة بوضوح: روحي حطي تلج على وشك ولو عاوزة حاجة هبقى أندهلك. لتسرع زينب بالانصراف من أمامه تاركة خلفها حسنة التي هرب الدم من أوصالها وهي تنظر إلى شيخون بضياع ولا تدري أن كان قد استمع لكل حديثهم أو فقط الصفعة.

وما أن أغلق شيخون الباب حتى التفت واتجه إليها بهدوء وهو ينظر إليها كالقط الذي يلاعب فأراً قد وضعه تحت قوائمه، وما أن وصل أمامها حتى رفع يديه عالياً وهبط بكل قوته فوق وجنتها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...