الفصل 46 | من 51 فصل

رواية وسولت لي نفسي الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم روان الحاكم

المشاهدات
20
كلمة
5,320
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

"مستحيل، أكيد التقارير دي فيها حاجة." تحدثت الطبيبة وهي تمسك التقارير بين يديها بصدمة، نظرت له بتعجب لتكمل حديثها بدهشة: "اللي حصل دا معجزة، روان خفت من الكانسر، ولحد الآن مش عارفة استوعب ازاي." اتسعت عيناه بشدة وهو لا يصدق حديثها، نظر كلاهما لبعض وقد ألجمتهما الصدمة. كان "زين" أول من فاق من صدمته، ليقف من مكانه وهو يقول بفرحة: "حـ... حضرتك قولتي إيه.. عـ... عيدي كدا تاني." "بقولك روان خفت من الكانسر."

وما إن أكدت على مسامعه خبر شفائها حتى سجد أرضاً والعبرات تتساقط من عينيه، وهذه المرة بسعادة لأجلها. وما زال لا يستوعب الخبر، ولا يعلم كيف. ارتفعت شهقاته وظل ساجداً يشكر الله، ولا يوجد شيء يصف شعوره. بينما هي ما زالت تحت تأثير الصدمة، وما إن استوعبت الأمر حتى أخذت تضحك بشدة والدموع أخذت مجراها في الهطول. قام من مكانه ثم اقترب منها واحتضنها وأخذ يدور بها بسعادة، يخشى أن يكون هذا حلماً ويستيقظ منه على واقعه المرير.

أنزلها أخيراً وأجلسها بجواره، ثم نظر للطبيبة التي كانت سعيدة لأجلهما وقال بحرج: "احمم بعتذر بس ال... قاطعته وهي تقول ببسمة: "لا متعتذرش، حقكم تفرحوا وتعملوا أكتر من كدا." أومأ لها بامتنان، ثم قال: "طب ممكن أفهم إزاي خفت مرة وحضرتك قولتيلي احتمال شفائها ضعيف؟

"هو بالفعل الاحتمال في شفائها كان ضعيف، ويعتبر دي معجزة لأن حالات نادرة جداً إن حد يخف منه خصوصاً لو كان المرض بدأ يتمكن منها. لما بلغت حضرتك بالكلام وقولتيلي إنك واثق في شفائها، مأخدتش كلامك على محمل الجد لأني أنا الطبيبة وأنا اللي عارفة حالتها. لكن اللي حصل عكس كدا واللي فعلاً مش عارفة أفهم إزاي حصل." تحدثت الطبيبة وهي تخبره عن أعجوبة شفائها بالمرض والتي تجهل سببه. نظرت لها روان ثم هتفت ببسمة قائلة:

"علشان ربنا رب المعجزات، مفيش حاجة مستحيلة. رغم إن كل حاجة بتقول إني هموت ونهايتي قربت... إلا إن فيه حاجة جوايا كانت مأكدالي إني خفيت. لما زين كلمني عن قيام الليل، أنا ساعتها دعيت ربنا يشفيني علشان لسة نفسي أقرب منه أكتر، ودعيته برضه لو الموت هو الخير ليا دلوقتي ف أنا مرحبة بيه، ورضيت من كل قلبي باللي ربنا كتبهولي." توقفت عن الحديث وقد اختنقت بالبكاء وهي تهتف: "أنا بس...

مش عارفة أشكر ربنا إزاي، كل مرة ربنا بيكرمني فيها وبينقذني رغم إني مستحقش ومعملتش لسة حاجة، لكن أنا فرحانة بالابتلاء اللي عديت، اهو أديني شُفيت منه وأخدت أجر صبري عليه." أمسك يدها وهو يقبلها بحب والدموع تتساقط من عينيه هو الآخر. ها هو قد شعر بأن روحه عادت إليه مرة أخرى، وهذه المرة دون أن يفرقهما أحد.

خرجا سوياً وهو ممسكاً بها بشدة وكلاهما صامت، بل مشاعرهم هي من تتحدث هذه المرة، فلا يوجد حديث يصف ما بداخلهم. التفتت له فجأة وهي تهتف بطفولية وسعادة: "زين.. زين.. أنا عايزة أروح ملاهي، وعايزة آكل آيس كريم وغزل بنات، وعايزة حاجات كتير قوي يا زين.. أنا مش مصدقة نفسي." ثم أكملت حديثها تزامناً مع تركها ليده وهي تقول: "وكمان عايزة أفضل أجري وأطنط في الطريق."

وما إن أنهت كلامها وقبل أن يستوعب هو، ركضت بعيداً وأخذت تدور في الطريق بين السيارات. هرول خلفها بهلع وهو يقول: "يا بنت المجانين تعالي هنا." لم تستمع له وظلت تركض وهي تهتف بسعادة وتضحك بشدة وكأنها عادت طفلة صغيرة، بينما هو يلاحقها وهو يحاول الإمساك بها وأخذ يضحك هو الآخر، وكل من يراهم يظنهم مجانين، ولكنهم لم يهتموا.

ظلوا يركضون خلف بعضهم البعض حتى أوشكوا على فقد أنفاسهم. اقتربوا من الحديقة ثم ارتمت أرضاً وهي تضحك وتأخذ أنفاسها بصعوبة كما فعل هو الآخر. ولكنه وقف مرة أخرى وهو يعدل ملابسه ثم سحبها معه وهو يقول على عجالة: "يلا بسرعة مفيش وقت، عايزين نلحق الملاهي." نظرت له بصدمة، فهو أكثر شيء يكرهه منذ أن كان طفلاً (الملاهي) . أومأ لها وهو يقول بغمزة بعدما لاحظ نظراتها المصدومة وهو يهتف: "حبيتها عشانك... وهحبك كل حاجة انتِ هتحبيها."

أمسك يدها ثم ركضوا تجاه الملاهي تحت نظرات المارة المتعجبة، وكأنه نسي من هو، ولكن فرحته ألغت عقله تماماً. لذا فهو لم يستطع التحكم بتصرفاته، وللحقيقة هو أحب ذلك بشدة. دخل منزلهم وهو يقوم بإسنادها وهي تشعر بالإرهاق الشديد أثر ركضها ولهوها طوال اليوم معه. رغم أنها لم تسترد صحتها بشكل كامل، إلا أن فرحتها بشفائها أنستها بأنها كانت مريضة منذ قليل. كانت تمسك بحقيبة ممتلئة بكل شيء تحبه وهو من قام بجلبها لها.

وجدت جميع العائلة بانتظارهم وعلى وجوههم فرحة كبيرة. فقد قام بإخبارهم عندما خرجوا من عند الطبيبة. ذهبت إليها والدتها وهي تبكي بسعادة وهي تقبلها تارة وتحضنها تارة أخرى، وقد بدأت روحها تعود إليها من جديد، فكانت هي أكثر الناس تأثراً بخبر مرضها.

اقتربت منها ياسمين هي الأخرى وهي تمسح دموعها وتحضنها كما فعل الجميع، بينما لاحظت عمر يقف بعيداً وهو ينظر لها فقط. عملت ما يشعر به، فرغم أنه كان طوال الوقت يمرح ويضحك كي ينسيها حزنها، إلا أنها كانت تسمع بكاءه كل ليلة خشية فراقها، فهي تعلم كم هو متعلق بها. ذهبت إليه وهي تقول ببسمة وحنين: "طب مش حتحضني زي الناس اللي هناك دي." حاول التماسك كي لا يظهر ضعفه ثم قال بثبات زائف ونبرة مرحة بعض الشيء:

"لأ ياستي علشان سي زين بتاعك ميقلبش عليا." ولكنها لم تستمع له ثم اقتربت منه وقامت باحتضانه، ليجهش في البكاء مرير وهو يضمها له بحنان أخوي وقد زال عنه التماسك طوال الفترة الماضية، فها هي لن تتركه وأتم الله شفائها على خير. ابتعدت عنه وهي تمسح دموعها ورأت الفرحة في وجوههم جميعاً. تتخيل لو أنها رحلت لكانت ستسبب في حزن كل هؤلاء؟ رفع عمر بصره ليجد نظرات زين الحارقة نحوه وهو يضغط على يده بشدة ويحاول التحكم بأعصابه،

ليبتلع ريقه وهو يقول: "لأ متبصليش كدا... مراتك هي اللي جات حضنتني." ثم أمسكها وهو يلقيها بعيداً تجاه زين الذي أمسكها مسرعاً، ليقول الآخر بحنق: "روحي يابت انتِ عند جوزك واتلمي بقى." اقترب منها البقية وهم يحضنونها ببكاء وفرحة، ليقطع عمر هذا الجو الملئ بالأشجان وهو يقول: "جرا إيه يا جماعة احنا بنحب النكد ليه؟ مرضت نعيط.. خفيت نعيط؟ ربنا شفاها كفاية عياط بقى ونحتفل بيها، يلا نشغل أغان...

قاطع جملته وهو يرى والد ياسمين بالقرب منه، ابتلع ريقه وهو يقول: "نشغل تواشيح يا جماعة... نشغل تواشيح ونرقص عليها علشان نحتفل بيها." التفت إليه الجميع بتعجب كون الجميع يعرفونه عز المعرفة، ثم ظل بالقرب من والدها وهو يتحدث بلباقة واحترام أمامه حتى مر اليوم والجميع سعيد لأجلها.

وقف والدهم بمنتصف الصالة وقد قام بإخبارهم عن رغبة عمر في التقدم لخطبة ياسمين والتي شعرت بالخجل الشديد رغم سعادتها، فهي تشعر بالانجذاب الشديد نحوه. ليتابع والدها حديثه قائلاً: "بصراحة شاب ونعم، أنا مشوفتش في أدبه وأخلاقه، دا يكفي إنه مبيفوتش فرض... ياريت الشباب كلها زيه." سعدت والدتها وهي تراه عريس مناسباً لإبنتها، بينما ياسمين وزين نظرا لبعضهما البعض بصدمة، عمن يتحدث أبيها؟

انسحبت بهدوء من بينهم ثم ذهبت إلى غرفتها وهي تشعر بالسعادة وتتذكر مواقفهما القليلة معاً، وأول مرة حينما أنقذها. وجدت زين يطرق بابها ثم دخل لها وجلس بجوارها، لتتحدث هي قائلة: "إيه رأيك في عمر يا زين؟ "بصي يا ياسمين عمر مش وحش، بالعكس هو كويس وجدع ومش هنسى شهامته لما أنقذك. لكن برضه عمر بعيد يا ياسمين ومش زينا وأنا مش بقلل منه، لكن هتعاني معاه لأنه مترباش في نفس بيئتنا."

"بس ما دام هو كويس يا زين فيه أمل إنه يتغير، زي ما روان هي كمان اتغيرت. ولما روان مرضت مكنش بيسيبها وشوفته واقف معاها وحسيته قد المسؤولية." نظر لها زين قليلاً بتمعن، هو لم يكن موافقاً عليه ولكنه شعر بإعجاب أخته له، ليقرر أن يعطيه فرصة لإثبات نفسه وهو يقول: "طب صلي استخارة الأول، وربنا يقدم اللي فيه الخير."

ظل يتحدث معها قليلاً ثم انصرف وقد مر اليوم سريعاً حتى أتى يوم الرؤية. وقف عمر وقد ارتدى ثيابه واستعد ليذهب مع روان أول مرة ثم بعدها يأتي بوالديه. "يلا أنا جهزت." تحدث "عمر" وهو يعدل من ياقته. وما إن رأته هي حتى وقعت أرضاً من الضحك وهي تمسك بطنها من شدة الضحك.

كان يسير بتفاخر وهو يرفع رأسه مرتدياً عباءة لا تتناسب مع قامته الطويلة بل قصيرة بعض الشيء، وعلى رأسه تقبع عمة. وقف أمامها بغيظ وهو يراها تضحك بهذا الشكل. حاولت التحكم بضحكاتها وهي تقول بصعوبة: "إيه اللي انت لابسه دا." "دي جلابية نزلت اشتريتها مخصوص علشان أروح أتقدملها." "هتروح تتقدملها بالجلابية؟ أومأ لها ببسمة، لتكمل حديثها مرة أخرى قائلة: "وكمان إيه اللي ماسكه في إيدك دا."

تحدث بغرور وهو ينظر لما يحمله بين يديه قائلاً: "دا كتاب موطأ بن موطأ وتفسير ابن كثير." طالعته بصدمة وهي لا تصدق حتى هتفت بدهشة: "رايح تتقدملها بكتاب موطأ بن موطأ وتفسير بن كثير؟ "امال يعني كنت أجيب إيه، أروح أجيب لها ورد علشان ترميه في وشي ويكون شكلي هفأ، اللي زيك مينفعش معاها غير ابن كثير والموطأ اسمعني مني، هتجيب معاها نتيجة." نظرت له بتشنج وهي تلوي فمها ثم قالت بحنق: "مش هيبوظ الجوازة دي غير هطلك."

نظر لها بشر ثم أمسكها من رقبتها يقول بتحذير: "اسمعك تقولي كلمة الجوازة دي هتبوظ تاني وأنا هفصل راسك عن جسمك وما هيهمني سي هولاكو بتاعك دا." ظلت تسعل ثم بعدته عنها بغضب وهي تهتف: "ياض أوعى بقى متخلينيش أاتغابى عليك، ولولا إنك عريس كنت علّمت عليك، ربنا يعينك يا ياسمين على البلوة اللي هتاخديها."

تجاهل حديثها وهو يشعر بالسعادة الشديدة لكونه أخيراً سيحصل عليها. وقف يعدل ملابسه ثم سار معها لأعلى. رن الجرس عدة مرات حتى فتح له زين وهو ينظر له من أعلى لأسفل بإستياء شديد على هيئته. نظر له بتهكم وهم ليقفل الباب بوجهه ولكنه تراجع. نظر بجواره فوجدها تقف وهي تنظر له ببسمة وسعادة، ليطيل النظر إليها بهيام وحب مما جعلها تخفض رأسها أرضاً بخجل. لم ينتبه إلا على صوت عمر الحانق وهو يقول:

"طب بعد إذن الحب وآسف علشان هقطع اللحظات دي، بس أنا عندي معاد جوه وأنا بنام بدري." أفسح له زين الطريق وهو ينظر له بإستفزاز. وما إن دخل حتى اقترب منها وهو يهمس بجانب أذنها: "وحشتيني." شعرت بالتخدر أثر قربه منها بهذا الشكل حتى شعرت بأن الأكسجين يسحب من حولها. قالت بتوتر وهي تحاول الابتعاد عنه: "هـ... هروح.. أشوف ي.. ياسمين." علت ضحكاته عليها ثم اقترب منها أكثر وهو يقول قبل أن يرحل: "بكرة عاملك مفاجأة."

رحل وهو يغمز لها بطرف عينه بينما هي وضعت يدها على قلبها الذي كان ينبض بشدة وهي تبتسم بسعادة، ثم رحلت مسرعة تجاه غرفة ياسمين. أما عن عمر، مجرد أن رأى والدها حتى وقف له بإحترام، بينما الأخير تعجب من الملابس التي يرتديها وما أن لاحظ نظراته المتعجبة حتى هتف بحرج: "معلش يا عمي... أصلي يادوب خلصت الخطبة في الجامع وجيت هنا على طول ملحقتش أروح أغير." "لا يا حبيبي ولا يهمك، لبسك جميل ماشاء الله، ياريت الشباب كلها زيك."

رد عليه بخجل شديد وهو يمثل الإحترام: "تسلم يا عمي كلك ذوق." ظل الأخير يرحب به ثم جلسوا يتحدثون بعدما انضم زين لهم، وقد بدا عمر يتحدث بجدية حول بعض الأمور. وعند ياسمين، كانت تشعر بالتوتر الشديد وهي تفرك يدها وقد تعرق جبينها وهي تقول بنبرة أوشكت على البكاء: "مش قادرة يا روان، حاسة إني متوترة أوي، أول مرة أكون خايفة كدا." أمسكت يدها برفق وهي تجلس بجوارها ثم أردفت:

"اهدي يا بنتي الموضوع مش مستاهل التوتر دا كله، اعتبريها قاعدة عادية حتتعرفوا فيها على بعض بشكل كويس." تحدثت وهي ما زالت تفكر بيدها قائلة: "حاسة إني نسيت كل الأسئلة اللي كنت مجهزها." "بصي يا ياسمين، هقولك على حاجة... أولاً عمر مش شخص غريب بل أنتوا الاتنين عارفين بعض وتحديداً هو وعارف تفكيرك، بلاش جو الأسئلة بتاع الرؤية الشرعية دا لأنه مش هيفرق له يحفظ له شوية كلام من على السوشيال ميديا علشان تعجبني بتفكيره."

نظرت له بإستفهام لتكمل الأخيرة موضحة وهي تهتف: "يعني حاولي تشوفي أنتوا شخصياتكم هتتناسب مع بعض ولا لأ، تفكيركم زي بعض ولا العكس، مش هقولك عرفيه إنك عايزة الفرح إسلامي وطول الخطوبة ضوابط لأنه عارف إنك هتعملي كدا ومش بعيد هو اللي يقولك كدا علشان يعجبك، وكدا كدا الخطوبة جاية وهتعرفوا بعض وتشوفيه شخص هيلتزم ولا لأ." أومأت لها وهي تأخذ نفساً عميقاً وتفكر بما ستقوله. وجدت زين أمامها وهو يقول:

"تعالي يلا يا ياسمين كلمي بابا بيناديكي." زادت ضربات قلبها بشدة رغم أنها تشعر بالسعادة إلا أنها أيضاً تشعر بالتوتر والخوف. قامت وهي تود لو تبكي، فهي ليست من الشخصيات الخجلة زيادة عن اللزوم ولكن لا تعلم سبب توترها وخجلها الشديد. رغم أنها جلست مع عريس من قبل ولكنها لم تشعر بكل تلك المشاعر. ذهبت كما أخبرها أخوها ثم وقفت روان هي الأخرى تلحق بها ولكنها وجدت من يحتجزها بين ذراعيه وهو يقول بغمزة:

"لأ.. استني انتِ علشان عايزك." أما عن ياسمين، سارت بخطي متمهلة وقد تخلت عن نقابها وارتدت ملابس فضفاضة بعض الشيء ولفت عليها خمارها. لم تكن ملابسها فضفاضة زيادة كما تخرج بها، وإنما كانت في المعقول والتي أظهرت قوامها ووزنها دون أن تصف شيئاً بها أو تكون ملتصقة بجسدها.

جلست بتوتر وهي تفرك يدها ووالدها يجلس معه ثم سمعت صوته وهو يرحل ليتركهما قليلاً. لم ترفع عينيها عليه بعد، شعرت بلهيب في وجهها من شدة الخجل وهي تمسك أكمام فستانها بتوتر. "ياسمين... طب بصيلي حتى." وبصعوبة شديدة رفعت عينيها نحوه بخجل ولكنه تلاشى وحلت محله الصدمة وهي تراه بتلك الهيئة. ولأول مرة تراه يرتدي عباءة ولكن ما جعلها تنظر له بدهشة تلك العمة أيضاً، فاقت من صدمتها على صوته وهو يقول ببسمة:

"اتفضلي دا كتاب الموطأ وبن كثير، كنت عرفت إنك بتدورى عليهم ومش لاقياهم، قولتك أجبهملك أنا." ظلت تنظر له ببلاهة غير مصدقة، وما أن استوعبت حتى رُسم شبح ابتسامة على وجهها حاولت إخفائها ولكنها فشلت لتخفض وجهها كي لا يراها، ولكنه قال بمزاح: "شوفتك بتحاولي تداري ضحكتك." ابتسمت بشدة هذه المرة، بينما هو ظل ينظر لملامحها براحة وكأنه يحاول أن يشبع عينيه منها لحين أن يعقد عقدهما. وما أن لاحظت نظراته حتى أخفضت بصرها بخجل،

سمعت صوته وهو يقول بهدوء: "عندك أي أسئلة؟ أخذت نفسها وهي تحاول أن تهدئ من روعها ثم قالت بجدية: "بص يا بشمهندس عمر، بما إن حضرتك عارفني وكدا أنا مش هسأل الأسئلة التقليدية واللي أكيد حضرتك محضرها قبل ما تيجي." نظر لها بعدم فهم لتكمل حديثها موضحة وهو تردف:

"حضرتك عارفني وعارف مميزاتي وده يمكن اللي خلاك تتقدملي، ويمكن ده نفس الشيء اللي مخليني مترددة. أنا أهم حاجة عندي إننا نعرف عيوب بعض قبل المميزات، لأن المميزات مش هتزعلنا بالعكس دي هتقربنا من بعض. على عكس العيوب اللي ممكن تخليك تكره شخص مهما كنت بتحبه." صمتت قليلاً تأخذ أنفاسها ثم أكملت:

"مينفعش أوافق على حد لمجرد إني بحبه وأتغاضى عن أي حاجة شايفاها أنها ممكن تدمر علاقتنا تحت مسمى الحب. الخطوبة اتعملت علشان نعرف بعض أكتر ونشوف هنكون متفاهمين ومناسبين لبعض ولا لأ، لأن ممكن أكون أنا كويسة وحضرتك كويس ولكن مش مناسبين لبعض. الرسول كان طلق ثلاثة من زوجاته والصحابة كانوا بيطلقوا وأسماء بنت أبي بكر كانت متزوجة من الزبير وأطلقوا.. هل ده معناه إن فيه طرف وحش وطرف حلو؟ لأ كل الفكرة إنهم مكانوش مناسبين لبعض."

أومأ بتفهم ثم هتف بجدية: "أنا فاهم اللي بتقوليه، بس مش فاهم إيه علاقة ده بموضوعنا وعايزة توصلي لإيه." "اللي عايزة أوصله إنك متفكرش في ياسمين على إنها البنت اللي أعجبت بيها لأن مصير حب المراهقة ولهفة المشاعر دي بتروح بعد الجواز، وبيكون بعدها بقى فيه حب عشرة لو الشخص اللي معاك كويس ومتفاهمين هيقدروا يكملوا غير كدا مهما كانوا بيحبوا بعض قبل الجواز مش هيقدروا يكملوا.

ف أتمنى بعيداً عن أي إعجاب وحب حضرتك تشوفيني هل أنا المناسبة ليك وعيوبي هتناسبك وهنقدر نتفاهم ولا لأ، زي ما أنا كمان هعمل." كانت تتحدث بعفوية ومن غير قصد لم تنتبه بأنها قد صرحت له عن مشاعرها نحوه، ليغمز لها بطرف عينيه متجاهلاً كل ما قالت ومعلقاً على آخر حديثها قائلاً: "معنى كده إنك أنتِ كمان معجبة بيا."

شحب وجهها وقد شعرت بأن الهواء انسحب من حولها وهي تكاد تموت من الخجل، لتسمع ضحكاته وهو يغير الحديث كي لا يخجلها أكثر قائلاً: "صدقيني كل اللي قولتيه كلام جميل ويُحترم، بس للأسف أوبشن الموافقة والاختيار كان الأول لكن.... رفعت رأسها له بانتباه ليكمل هو حديثه تزامناً مع خلعه لتلك العمة من على رأسه قائلاً: "لكن بعد ما أخوكي خلاني أحلق الغالي ابن الغالي علشان أتجوزك وأنتِ من وقتها اسمك اتكتب على اسمي خلاص."

وقف أمام البحر ينظر بحزن وقد تبدل حاله كثيراً. نبتت ذقنه ولازمه الحزن، لم يعد ذلك المرح الذي اعتاده الجميع. منذ أن رحلت وهي أخذت معها روحه وقلبه. وجد من يضع يده على كتفه، التفت له فوجد "أحمد" ومن غيره الذي أصبح يلازمه طوال الفترة الماضية. لم يتحدث أحدهما بشيء، ليقطع الأخير الصمت وهو يقول: "صدقتني بقى يا يونس لما قولتلك إنك أسلمت علشانها؟ نظر له بصدمة وهو يرفض الأمر، هو بالفعل أحب الإسلام وإلا لكان تراجع الآن،

ليقول بنفي: "أحمد أقسم إنني أحب الإسلام الآن وإلا كنت عدت إلى ديانتي مرة أخرى." "أنا عارف يا يونس إنك حابب الإسلام دلوقتي، لكن أنت كان السبب الأساسي دخلت علشانها، وبالدليل لما هي مشيت ومبقاش عندك أمل إنها ترجع إيمانك اتزعزع حتى الصلاة بقيت تقطع فيها يا يونس، لعل ده اختبار." صمت وهو يرى تعابير وجهه التي بدا عليها الاقتناع ثم أكمل:

"اعرف إن كل حاجة بتحصل معاك هي الخير ليك، ارجع لصلاتك من تاني وجدد توبتك يا يونس وخليك راضي بكل حاجة تحصل حتى لو مش عارف إيه اللي بيحصل معاك، بعدين هتكتشف إن كل حاجة حصلت معاك كانت هي الخير ليك بس أنت مش عارف." تساقطت دموعه بألم وهو يقول بصوت مخنوق: "أنا أشعر بالألم يا أحمد، قلبي يؤلمني بشدة." صمت قليلاً يأخذ أنفاسه ثم أكمل بحزن وهو مطرق الرأس: "هل الله لا يحبني الآن؟ ابتسم له وهو يقول له محاولاً تهدئته مردفاً:

"لو مكنتش بيحبك مكنش بعتني ليك دلوقتي." رفع نظره إليه مرة أخرى بتعجب، ليقول الأخير ببسمة: "أيوه متتعجبش، ربنا اللي باعتني ليك مخصوص علشان أفوقك. اعرف دايماً يا يونس إن ربنا بيبعتلك فرص كتير قوي علشان تفوقك وتكون على الطريق الصحيح، ويمكن ربنا هداني علشان أجي أقولك الكلام ده، وأنت وشطارتك بقى، هتستغل الفرص دي ولا هتسيبها؟

وقف أمام باب غرفتها يطرق الباب بشدة وهو يشعر بالغضب وقد طار النوم من عينيه، بينما هي استيقظت بفزع على صوت خبطته الشديدة. نهضت بكسل من على الفراش وهي تتجه إلى الباب لتقوم بفتحه ثم تحدثت بتثاقل وعينيها شبه مغلقة: "إيه فيه يا عمر حد يصحى حد الصب... قطع حديثها الحقيبة التي اصطدمت بوجهها لتنتفض بفزع وهي تنظر له بغضب، ليقول هو بحنق: "ياريت تقولي لجوزك الكلام ده.. محدش بيصحى حد الصبح كدا، خدي ياختي البسي الفستان ده."

لم تفهم منه حرفاً واحداً، همت لتتحدث ولكنه قاطعها بحذر قائلاً: "خمس دقايق، خمس دقايق مش أكتر ولاقيكي لابسة اللبس اللي في الشنطة وجاهزة قدامي، وإلا أنت عارفني لما أتجنن." ورغم كونها لم تفهم شيئاً، إلا أنها امتثلت لأوامره دون التفوه بشيء وهي ترى علامات الغضب على وجهه. أمسكت الحقيبة وهي تخرج ما بداخلها لتجد فستاناً أقل ما يقال عنه غاية في الجمال.

كان باللون البنفسجي التي تفضله ومعه خمار بنفس اللون. الفستان فضفاض ولا يوجد به شيء سوى بعض تلك الفراشات الجميلة التي أعطته مظهراً رقيقاً. هذا ليس ذوق عمر، إنما زين، ولكن إن كان هو من جلبه لها، لم سيعطيه لعمر يعطيه ليها؟ وأين سيأخذها عمر من الأساس.

سمعت زمجرته بالخارج يستعجلها لذا قامت بارتدائه سريعاً دون أن تفكر بعدما غسلت وجهها وأدت فريضتها أولاً، ثم وقفت أمام المرآة تطالع الفستان بإنبهار ولكن قاطع تأملها دخوله المفاجئ بعدما تأكد أنها انتهت ثم سحبها وهو يقول: "مش وقته ياختي تقعدي تتأملي في جمالك.. قدامي يلا." سارت معه وهي تحاول نزع يدها منه قائلة: "طب بس فهمني إحنا رايحين فين، وأنت مالك متعصب كده."

جلست بجواره بتذمر لأنه لم يخبرها إلى أين كما أمره زين. كان يشعر بالغيظ والحنق، فقد ظل طوال الليل مستيقظاً وهو يفكر بياسمينته وقد هاجره النوم، ولم يستطع النوم إلا عندما حل الصباح، ومجرد أن ذهب في النوم حتى وجد اتصال من زين يخبره بما يفعل. لم يقوى على الاعتراض وهو يسمع تحذيراته بألا يضايقها وإلا لم يتمم له زواجه وما كان منه إلا أن يوافق على امتعاض.

أوقف السيارة على بعد مناسب من المكان ثم أخرج رابطة من جيبه وقام بوضعها على عينيها عنوة تحت رفضها، لهتف هي بتذمر تزامناً مع تكملة السياقة مرة أخرى: "يا عمر طب فهمني طيب إحنا هنا ليه." لم يجيبها ثم توقف بعد قليل وهو يترجل من السيارة ويساعدها في النزول برفق كي لا تتعثر بسبب عدم الرؤية. وما أن رأى المكان حوله حتى توسعت ابتسامته بسعادة وقد نسي غضبه منذ قليل.

سار معها قليلاً وهو ممسكاً بيدها ولم يأبى اعتراضها ثم توقف في مكان معين. ترك يدها واستدار ليرحل ولكن سمع صوتها تقول: "يا عمر أنت سبتيني ورايح فين." لمعت عيناه بخبث ليشفي غليله مما فعله به زين قبل أن يرحل. اقترب منها مرة أخرى ثم قبل رأسها وهو يقول بنبرة حزينة: "بصراحة كده يا روان أنا جبت آخري من جوزك وهو مطلع عيني، دي مكنتش جوازة، ف أنا حبيت أردله اللي عمله فيا بيكي أنتِ وجبتك هنا علشان أسيبه يقعد يدور عليكِ."

توقف ثم تابع بنبرة درامية وكأنه على وشك البكاء: "سامحيني ياختي... بس هو ذلني كتير والذل وحش أوي يا روان." "يا عمر ما تهزرش بقى وقول جايين ليه." أردفت بضيق وهو تظنه يمزح معها حتى شعرت به يبتعد عنها وهي ما زالت تنادي باسمه حتى سمعت صوت عجلات سيارته دلالة على رحيله. وقع قلبها بهلع... هل من الممكن أن يتركها بالفعل؟ تساقطت دموعها وهي تقول بخوف وقد نسيت تلك الرابطة التي على عينيها:

"يا عمر أنت رحت فين وسبتني.. متهزرش معايا أنت عارف إني بخاف." وعندما لم تستمع منه رد علمت أنه رحل بالفعل، لتقول برعب وهي تبكي: "يا عمررر." كانت ستنهار أرضاً ولكن وجدت من يمسك يدها برفق ثم ضمها بحنان. هذه ليست يد عمر.. بل.. بل هي يد زين!! نعم ورائحته أيضاً، فهي تحفظ رائحته عن ظهر قلب. ربت على رأسها وهو يقول بحنان: "بس.. هشش أهدي خلاص أنا جنبك، وعمر ده لما أرجعله بس ليا حساب معاه." هدأت قليلاً ثم هتفت:

"طب.. طب إحنا هنا ليه؟ ابتعد عنها ثم نزع أخيراً تلك الرابطة عنها. فتحت عيونها ببطء حتى توسعت عيونها بصدمة وهي ترى المكان حولها وقد تذكرت أمر المفاجأة التي أخبرها عنها. فكان المكان مليء بالورود باللون البنفسجي وبلالين من نفس اللون وكل شيء في المكان بنفس اللون، ليكمل هذا المشهد الخلاب لون فستانها وخمارها البنفسجيين أيضاً.

وقفت في المكان تتأمله بذهول، بينما هو يتأملها هي وقد فاق جمالها جمال المكان والذي لا يقارن بها. تساقطت دموعها وهي تستدير له وتقول: "أنت اللي عملت كل ده علشاني؟ أومأ لها ببسمة وهو يقول بسعادة: "أهم حاجة يكون عجبك." ارتمت بأحضانة وهي تقول بدموع سعادة: "عجبني فوق ما تتصور.. أنت أجمل حاجة حصلت في حياتي يا زين."

بينما هو شدد من أحضانها وقد أسعدته رؤيتها سعيدة وتلك البسمة التي زينت وجهها كانت مكافأته على المجهود الذي بذله لأجلها، ليهتف لها بحب قائلاً: "وأنتِ حياتي كلها يا روان." "يلا يا حور قومي امشي مع جوزك." تحدث والدها وهو يقترب منها، فمنذ أن غادرت رغد وهي طلبت من ليث أن يتركها معه كي لا يبقى وحده، فقد توسلت له هي وليث لكي يأتي ويعيش معهم ولكنه رفض. "أنا مش همشي يا بابا عمري وأسيبك لوحدك."

"ملكيش دعوة بيا أنا قادر أخلي بالي من نفسي." تحدث ليث وهو يوجه نظره نحوه: "يا عمي مينفعش تقعد لوحدك تعالى معانا وكده وكده هاخد بيت ليا أنا وحور ونستقر أنا بس مكنتش حابب أسيب بابا لوحده في الأول." رفض رفضاً قاطعاً بعدما حاول ليث معه وأيضاً حور، ليقول بنبرة حازمة: "قومي يلا يا حور امشي مع جوزك." هزت رأسها وهي تقول برفض وبنبرة ثابتة: "مش هسيبك يا بابا يعني مش هسيبك." تحدث هو بثبات أيضاً:

"وأنا مش هسيب بيتي اللي عشت عمري كله فيه وأنا بقيت كويس وهقدر أخلي بالي من نفسي." لم تقنعه بحديثه وظلت تجادله حتى ارتفع صوته عليها لأول مرة وهو يأمرها أن تذهب مع زوجها، لتقف وهي تستدير ثم تحدثت بغصة قائلة: "مش حضرتك جوزتني ليه علشان تحميني من ياسر؟ أهو ياسر معدش موجود ومبقتش محتاجة حماية، يبقى نطلق وكل واحد يروح لحاله." نظر لها كلاهما بصدمة ولم يتوقع أحدهما أن تتفوه بهذا الكلام.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...