اقترب "ياسر" من مقود سيارته وهو يكاد يموت من السعادة. هاهو نجح في مخططاته. فتح الباب وكانت الصدمة، الباب لا يُفتح. أخذ يكرر الأمر مراراً وتكراراً، وأيضاً لا جديد، الباب لا يُفتح وكأن أحدهم أوصده بسلاسل من حديد. جن جنونه. هنا فقط أدرك أنها إن استمرت خمس دقائق فقط سوف تختنق، إن لم تكن قد اختنقت بالفعل. أخذ يحاول مرة أخرى بشتى الطرق ولكن لا فائدة. صعد سيارته مرة أخرى وهرول تجاه أقرب ميكانيكي بالقرب منه.
بعد مرور بعض الوقت وصل أخيراً، دلف من سيارته واقترب من الشاب الواقف. "افتحي الشنطة دي بسرعة." تحدث بصوت مرتفع وهو ينهج بشدة ويمسك الشاب من ثيابه يحثه على السرعة. وافق الشاب واقترب من السيارة يحاول فتحها ولكن لا فائدة. "مش عارف مالها دي مش راضية تتفتح، ممكن تستنى.... لم ينتظر "ياسر" أن يكمل كلامه وصعد السيارة مرة أخرى تجاه مغفر الشرطة. حتى ولو وصل الأمر لحبسه.
كان "ليث" على وشك المغادرة وهو يلملم أشيائه، ولكن قطع هذا رنين هاتفه برقم غريب. لم يهتم "ليث" وأكمل ما كان يفعله، ولكن تكرر الاتصال مرة أخرى ثم بعدها حتى ثار الأمر ريبته. أخذ الهاتف وأجاب على المتصل، ولم تكن سوى "رغد". "السلام عليكم.. استاذ ليث أنا رغد... هو حور لسه عندك؟ "هي موصلتش البيت لحد دلوقتي!! " أجابها "ليث" بصوت مرتفع وهو قلق عليها. "لا لسه مرجعتش، حتى تليفونها مقفول.. وأنا خايفة عليها أوي."
"متقلقيش وطمنّي عمي محمد... أنا هنزل أشوفها." اشتعل جسد "ليث" رعباً. ولأول مرة في حياته منذ أن تركته والدته يشعر بالخوف هكذا. لقد رحلت منذ ما يقارب ثلاث ساعات، وطريقها للمنزل يأخذ ساعة واحدة في المواصلات. إذاً، ماذا حدث لها؟ عند هذا الحد توقف عقل "ليث" عن الخفقان وهرول خارج الشركة. سيقلب الدنيا رأساً على عقب حتى يجدها.
مرت عليه ساعة من البحث ولا شيء جديد. قد أخبر جميع المستشفيات القريبة منهم إذا كانت هناك، وقد أبلغ الشرطة والتي رفضت أخذ أي إجراء دون مرور أربعة وعشرين ساعة. قام بإنفاق الكثير من الأموال للمحتاجين بنية أن يجدها. شعر بالعجز حتى وجد مسجداً أمامه. نظر له ثم تذكر حينما رآها تصلي في مكتبه. وبدون تردد نزل من سيارته ثم دلف للمسجد. توضأ ثم صلى. ومجرد أن سجد تساقطت دموعه وهو يدعو الله أن يحفظها.
كم كنت تحتاج لهذه السجدة يا مسكين. طال في سجوده وهو يدعو الله وتتساقط دموعه. لا يدري خشوعاً أم خوفاً، ولكنّه يشعر بشعور غريب يسكنه، يشعر بالراحة أيضاً. يود لو يظل بقية حياته هكذا بعيداً عن ضجيج الحياة. كم يحتاج الإنسان لتلك السجدة التي تنسيه متاعب الحياة. انتهى من صلاته وجلس مكانه وهو يشعر بهدوء وسكينة تغمره. أتى رجل عجوز جلس بجانبه. "يعني تبقى قاعد في بيت ربنا وشايل هموم!؟
نظر له "ليث" بضع دقائق ولم ينطق بشيء. ظل صامتاً حتى تحدث العجوز مجدداً. "أي كان الأمر اللي شاغلك، ادعي ربنا وهو هيحلهولك. مفيش يابني حاجة مستحيلة عليه. قول لا حول ولا قوة إلا بالله." الإكثار من قول: "لا حول ولا قوة إلا بالله" عبادة عظيمة، فإذا لزمتها أنار الله بصيرتك، وألهمك رشدك، وثبّت قلبك، وسدّد رأيك، وقوّى عزيمتك، وأعزّ نفسك، وجمع أمرك، وفرّج همّك، وسدّ فاقتك، وشرح صدرك، وفتح لك وأعانك.
إننا نقوى بالله، ونتعافى بالله، ونطمئن بالله. نحن لا قوة لنا إلا بالله. فلا حول ولا قوة إلا بالله. ارتاح قلب "ليث" بعد سماعه لحديث العجوز، والذي أخرج من جيبه بضع أموال لينفقها على المسجد وأخذ يفعل كما قال له. لم يمر أكثر من خمسة عشر دقيقة، حتى وجد هاتفه يرن. قام بالرد مسرعاً وجاءه الرد. "باشمهندس... الآنسة حور موجودة في مغفر الشرطة."
"أنا بحب أختك" نبس "عمر" بتوتر وهو ينتظر أن ينقض عليه "زين". وللحقيقة هذا أقل رد فعل. نظر له "زين" وهو يحاول تمالك أعصابه وهو يردف: "وأنت ملقتش لفظ أفضل من كدا تقوله؟ جاي تقول لي بحب أختك في وشي كدا." "الله... مش أحسن من ما أقول من وراك..! "آه، هي كدا معقولة شوية.." ضحك الآخر وهو يجيبه. "وحشني هزارك ياعم زين من واحنا صغيرين... بس بقيت الشيخ زين خلاص وواحد معقد." "ومين قال إني مبقتش بهزر...
مش معنى إني بجاهد نفسي وبحاول مغضبش ربنا يبقى معيش حياتي." "انتوا كملتوا حياتكم متشددة يا زين... وعموماً دا مش موضوعي، أنا جاي أكلمك عشان... "ياسمين." كان "زين" يشعر بالغضب والضيق كلما ذكر اسم أخته، حيث أن "زين" من الأشخاص الشديدة الغيرة على كل محارمه. "طب وبعد ما تحبها... "عايز أتجوزها طبعاً" أجابه "عمر" بتلقائية وقد توتر بشدة مع الحديث معه. أو أن يرفضه. "بس ياسمين مش هتوافق...
ياسمين عايزة شخص ملتزم وبيجاهد نفسه وكل همه الآخرة وياخد بأيديها للجنة... أنت هتقدم لها إيه من كل دا!؟ صمت "عمر" ولم يجبه، وتوّترت معالم وجهه. انتظر بعض الوقت ثم أردف: "أنا مش ملتزم زيكم آه... لكن برضه أنا مش وحش يازينوه. هسعدها برضو وعمري ما هزعلها... مهي ممكن تاخد واحد ملتزم ومتبقاش سعيدة معاه ويكون شخص مش كويس، واقرب مثال اللي كان لسه متقدملها دا، شخص معقد. متشدد وعايز يتجوزها عشان خليها خدامة لأمه."
كان "زين" يُنصت لحديثه باهتمام، يحاول تنقية كلامه حتى لا ينفر "عمر" ما كلامه، فمن مثل "زين" يأخذه الجميع قدوة. "شوف يا عمر... أولاً متجبش سيرته عشان حرام وغيبة وهو كدا كدا راح لحاله... تاني حاجة، الإنسان لما بيحاول يلتزم بيبقى كل همه الآخرة بس، والدنيا كلها ذنوب ومعاصي وبيكون صعب على الإنسان إنه يبعد عنهم...
ولما الإنسان بيتجوز بينشغل في حياته، فلو مكنش معاه شريك همه الآخر أيضاً وشجعوا بعض، بيبقى صعب عليه يكمل وخصوصاً الفتن بتزيد وانشغاله بيزيد. ومفيش شخص بيفضل عمره كله ملتزم، عشان كدا لما تختار صح وتيجي تقع، تلاقي اللي يقومك على طول. فهمت ليه الملتزمة بتدور على ملتزم.. والعكس؟ وعايز أوضح لك نقطة مهمة.. مش لازم الملتزم يكون مربي دقنه للآخر ولا المنتقبة لابسة نقاب...
ممكن تلاقي شخص عادي ملتزم أكتر منهم، بس مش دايماً هي بتلبس النقاب عشان تقرب من ربنا وتجاهد نفسها، بس طبعاً مش كل اللي بيلبسوه دلوقتي عشان كدا، ممكن تلبسه كـ موضة والشاب أيضاً يطول دقنه موضة. العبرة إن الملتزم هو همه الآخرة وبيجاهد عشانها حتى لو لسه موصلش للالتزام الكافي."
"عارف يا زين لما قولت لك إني بحب أختك.. رغم إني عشت حياتي بره إلى إني هفضل أغار على أهل بيتي. لو كان حد تاني قالي كدا أنا مش متوقع رد فعلي هيكون إيه... بس أنت تمالكت أعصابك ورديت عليا بكل هدوء، ويمكن دا حببني في الالتزام، على عكس ما بشوف مشايخ تانية بتكرهني فيه... أوعدك إني هحاول أتغير." "عمر... أنت هتحاول تتغير عشان ياسمين، مش عشان أنت عايز تتغير...
ممكن اللي أنت فيه دا إعجاب ويروح بعدين، مش لازم تحكم إنه حب، أنت متعرفهاش أصلاً." صمت "عمر" قليلاً وهو يفكر في حديثه. هل هو فعلاً كما قال "زين"؟ ولكنه حينما علم أمر خطبتها، شعر بأن نيران تحترق بقلبه. "أنا واثق من حبي ليها، ياسمين مختلفة عن أي حد شوفته ومحترمة ومحافظة على نفسها، وكمان هتشجعني أقرب من ربنا وواثق من تربيتها لأولادي... وأنا أوعدك إني هحاول أتغير."
"ماشي يا عمر، هنشوف، لكن مفيش جواز من ياسمين لحد ما تتغير... وساعتها إن مكنتش تستاهلها مش هوافق." وافق "عمر" وبعد مرور بعض الوقت رحل وصعد هو لأختها. اقترب منها ثم قبل رأسها. "ياسمينتي عاملة إيه؟ أحَضَنته "ياسمين" وهي تجيبه بمرح: "بقى بذمتك دا عريس تجيبه.. عايز يعقدني من حياتي." ضحك "زين" على مزاحها ثم أردف: "أنتِ مش فاكراه ولا إيه...
دا وائل اللي كان معايا في المدرسة، كان كويس ومحترم والكل بيحبه. مش عارف إيه اللي خلاه يتغير كدا، عموماً يستي اهو خلاص راح لحاله، ربنا يرزقه خيراً منكِ، ويرزقك خيراً منه. ومفيش جواز غير لما تخلصي سنة رابعة بقى." "طب وأنت يا زين... مش ناوي تخطب بقى، نفسي أفرح بيك أوي." "أنتِ هتقلبي على ماما ولا إيه." "زين مينفعش كدا معلق نفسك كدا، يا تشوف روان وتتقدملها... يا تشوف غيرها وتسيبها هي كمان تشوف حالها ووتجوز غيرك."
"صدقيني مش عارف يا ياسمين، لو اتجوزتها خايف تفضل زي ما هي، وأنا عايزة واحدة تربي أولادي تربية صالحة وتعرفهم دينهم، محتاجهم يطلعوا أقل مني، مش عايز أكون أناني وأختار أم ليها بس عشان أنا بحبها ومتكونش هي دي اللي أنا عايزها لأولادي، وف نفس الوقت لو اتجوزت غيرها مش هقدر أحبها. روان بحسها بنتي أنا اللي مربيها ومش هقدر أتخيل إنها ممكن تكون مع حد تاني. ف أنا بقيت محتار أوي يا ياسمين."
"جرب يا زين، روان بدأت تتغير جداً واتحسنت كتير عن الأول، صدقني محتاجة بس للي يشجعها، سيبك من تصرفاتها زمان، بس روان بقت كويسة دلوقتي صدقني وبتجاهد نفسها، هي مكنش فيه حد يقولها الصح من الغلط، لما بدأتم تكبروا وأنت بعدت عنها هي كانت بتعاند وعرفت إنها غلط، اديها فرصة." شعر "زين" بأنها محقة في حديثها، وهو أيضاً سيساعدها في الالتزام دام أنها تريد ذلك. "وبالمناسبة.. أنا قررت ألبس النقاب."
كان يجلس "جون" في منزل "حور" بأمر من "ليث" الذي أخبره أن يبقى معهم لحين أن تعود "حور". كان والدها جالس يقرأ لها القرآن ويناجي ربه كي يحفظها. ورغد جالسة تبكي، فلم يحادثهم "ليث" بعد وهذا زاد خوفهم أكثر. نظر "جون" لرغد الجالسة تبكي بصمت بحزن، اقترب منها وهو يحاول أن يخفف عنها. "دي حور قوية، لم يُصبها شيء أنا واثق في ذلك، وذلك الوغد ليث لن يأتي إلا وهي معه." لم تجبه "رغد" وظلت صامتة. حاول "جون"
مشاكساتها وهو يردف: "لا تبكي... تصبحين قبيحة أكثر من قبحك حين تبكين." نظرت له "رغد" بغضب وقد نسيت حزنها وهي تجيبه: "ولا أتمسى وأقول يا مسا عشان مزعلكش، قبيحة مين ياللي مبتشوفش هو أنا فيه في جمالي أصلاً." ضحك "جون"، هاهو نجح في إعادة تلك القطة الشرسة بداخلها. "تروقي لي وأنتِ شرسة هكذا." نظرت له "رغد" بتوتر، ماذا يقصد بحديثه هذا؟ شعرت بأنها لا يجب الجلوس معه بمفردها. "جون" يهودي ولا يعلم عادات دينهم، ولكن ماذا عنها هي؟
قامت من مكانها وذهبت تجاه والد "حور" وهي تجلس جواره، أمسكت مصحفاً آخر وأخذت تقرأ فيه. يدلف "ياسر" لمغفرة الشرطة وهو يقص لذلك الضابط الواقف أمامه ما حدث وهو يتنهج. كان حديثه غير مرتب ومتخبط. نظر له الضابط وهو يظنه مجنون، ولكن هيئته لا توحي بذلك. خرج ومعه بعض من العساكر للسيارة وحاول فتحها ولكن لا فائدة. طلب بأن يأتي شخص مخصص لتلك الأشياء. "اسمها إيه البنت دي؟
" سألها بغضب. توتر "ياسر" ولكنه أجابه عن اسمها. شعر بأن الاسم ليس غريباً بالنسبة له. حتى تذكر بأنها الفتاة المفقودة التي أبلغه "ليث" عنها. قام بالاتصال به وإخباره. وبعد قليل أتى الشخص المطلوب وأخذ يحاول فتحها بطريقته المتمكنة حتى نجح في ذلك، في نفس الوقت الذي وصل فيه "ليث"، حيث كان المسجد الذي به ليس بعيداً عن مغفر الشرطة.
فتح الرجل شنطة السيارة حتى وجد "حور" منكمشة على نفسها وهي تردد شيئاً في سرها ولكن صوتها مسموع بعض الشيء. هرول "ليث" لها كي يطمئن عليها وهي مازالت تردد تلك الجملة: "لا حول ولا قوة إلا بالله... لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. لا، لا حول ولا قوة إلا بالله... لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين." نظر لها "ليث" وقلبه يخفق بشدة. حاول مساعدتها وإخراجها وهو يمد يده لها.
خرجت "حور" ولكنها ترنحت في وقفتها. أجلسها "ليث" على المقعد وهو يحاول الاطمئنان بأن لا شيء أصابها. كان "ياسر" يقف بصدمة، لا يصدق كيف بقيت كل تلك المدة دون أن تختنق. "إيه اللي حصل؟ " تساءل "ليث" بغضب وهو ينظر لـ"ياسر" بتوعد. قص عليه الضابط ما أخبره به "ياسر" عن تفاصيل خطفها. تركها ثم انقض على "ياسر" يضربه بشدة ولم يأبه بأنه داخل مقر الشرطة حتى أبعده بعض العساكر.
أخذه الضابط لعمل محضر له، ولكن "ياسر" في عالم آخر حتى لم يقاوم ضرب "ليث" له. "يلا عشان نمشي... " تحدث "ليث" بحنية وهو يقترب منها. وقفت "حور" وحاولت المشي ولكن خذلت أقدامها ولم تقو على السير. تركها "ليث" ثم عاد بعد قليل ومعه فتاة كي تساندها. امتثلت الفتاة لأوامره وقامت بتوصيل "حور" لسيارته وأجلستها بالخلف. صعد "ليث" سيارته وساق بأقصى سرعة حتى وصل للمنزل، وجد "رغد" و"جون" بانتظارهم بعدما هاتف "جون" وأخبره.
هرولت "رغد" تجاهها وهي تساعدها ودلفوا للمنزل. جلست "حور" وهي تتنفس بشدة وتنهج. "إزاي فضلتِ المدة دي كلها بدون ما تتخني؟! " كان هذا أول سؤال واجهه "ليث" لها. "لساني متوقفش عن قول 'لا حول ولا قوة إلا بالله' من أول ما خطفني." وجه "ليث" بصره لوالد "حور" وهو يردف: "أنا عارف إنه مش وقته.... بس أنا هكتب بكرة كتابي على حور." كان "زين" يجلس وحوله مجموعة من الشباب الذي يدرس لهم بالجامعة. وبعد القليل من الأحاديث بدأ "زين" درسه.
"هكلمكم النهارده عن حاجة مهمة جداً. التعبّد في الخلوات، ولو بتسبيحة." فإن الخلوات إما مُنجيات أو مُهلكات. ألم تسمع بحديث ثوبان رضي الله عنه "لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله عز وجل هباءً منثوراً". قال ثوبان: يا رسول الله! صِفهم لنا، جلّهم لنا ألا نكون منهم ونحن لا نعلم.
قال: "أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها"!! وكما أنّ عقاب ذنوب الخلوات شديد، فإن أجر طاعات الخفاء كبير جداً. قال ابن القيم رحمه الله: "الذنوب الخفيات أسباب الانتكاسات، وعبادة الخفاء أصل الثبات." قال الشيخ الطريفي -فك الله أسره
-: " فكلما زاد خفاء الطاعات كلما زاد ثباتك، كالوتد المنصوب يثبت ظاهره بقدر خفاء أسفله في الأرض، فيُقتلع الوتد العظيم، ويُعجز عن قلع الصغير.. والسر فيما خفي." وقال بعض الصالحين: "من أكثر عبادة السر أصلح الله له قلبه شاء العبد أم أبى." وقال ابن المبارك: "ما رأيت أحدًا ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام إلا أن تكون السريرة."
فالله الله في خلواتكم؛ فإن ميزان القلب خلوته. ولن ينفعكم مديح الناس على تقواكم في العلن، وفساد خلواتكم. فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك. فإنه يراك. وقفت "ياسمين" بإنتظار "روان" تنتهي من ارتداء ملابسها. خرجت "روان" وهي تدور حول نفسها بفرحة وقد قامت بارتداء فستان أسود اللون فضفاض وفوقه خمار علمتها "ياسمين" كيف ترتديه. "لبست الخمار أداري جمال فزادني جمالاً.. لا حول ولا قوة إلا بالله."
ضحكت عليها "ياسمين" وهي تقوم باحتضانها بشدة. "معاكِ حق والله... شكلك قمر أوي اللهم بارك، يلا عشان منتأخرش." "جبتي النقاب معاكي.." "طبعاً ياباشا ودي تتنسى برضو" أجابتها "ياسمين" بمرح. "بت انتِ ألفاظك بقت سوقية." "سوقية ولا غربية.... هههييههيي." نظرت لها "روان" بريبة وتشنج وهي تبتعد عنها مما جعل "ياسمين" تضحك أكثر. "متهزريش تاني يا ياسمين، يلا عشان أنا متحمسة أوي."
خرجا سوياً تجاه دار التحفيظ والذي اقترحت "ياسمين" أن يقوموا بارتداء النقاب هناك كي يكون تشجيعاً لجميع الفتيات. "ياسمين عندي سؤال محيرني... أنتِ ماشاء الله عليكِ ملتزمة جداً... إزاي ملبستيش النقاب من زمان؟ "بصي يا روان، الإنسان مهما يبلغ من الالتزام والإيمان هيفضل نقطة في بحر علم، بس للأسف أنا مفهمتش دا غير متأخر...
كنت بقول لنفسي مينفعش ألبس النقاب غير وأنا ملتزمة كفاية إني ألبسه عشان مأسألش ليه. لكن عرفت بعدين إنه النقاب ممكن يكون هو السبب إني أقرب لربنا، وزي ما حور قالت، النقاب هيخليني أمنع حاجات كتير أوي كنت بعملها عشان أنا بقيت لابساه ومينفعش أعملها. فيه بنات كتير أعرفها مكنتش ملتزمة أوي وبتجاهد ولبست النقاب فيه بداية التزامهم...
ودلوقتي اللهم بارك عليهم بقوا ملتزمين جداً. لو رجع بيا الزمن كنت لبسته من زمان، ولكن الحمد لله إن ربنا ألهمني لبسه قبل ما أموت." كانت "روان" تحتاج لحديث "ياسمين" كي يبث في قلبها الأمان أكثر ويشجعها. وصلا إلى دار التحفيظ وقاموا بتوزيع حلوى بمناسبة ارتدائهم للنقاب. قامت المعلمة بارتداء "ياسمين" أولاً ثم بعدها "روان".
وقامت إحدى الفتيات برمي بعض الورود التي جلبتها "ياسمين" عليهم وبعض الأشياء الأخرى التي زادت الجو حماساً. ثم أخذوا ينشدون ويصفقون بفرحة والجميع يبارك لهم. كانت "روان" تشعر فرحة عارمة وشعور غريب لم تشعر به من قبل حتى بكت بشدة من كثرة التأثر وبكت معها "ياسمين" أيضاً. وبعد التهاني والاحتفال بهم رحلا. وصلا أسفل العمارة ولكن أخبرت "ياسمين" "روان" بأن تنتظر. سوف تجلب بعض الأشياء وتعود لها.
وقفت "روان" بإنتظار في الوقت ذاته التي أتى به "زين". نظر لها "زين" بفرحة وهو يظنها "ياسمين" لأنها قامت بإخباره أنها سوف ترتدي النقاب. ذهب إليها مسرعاً لكي يقوم باحتضانها في الوقت الذي عادت فيه "ياسمين".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!