"مش حضرتك جوزتني ليه علشان تحميني من ياسر؟ اهو ياسر معدش موجود ومبقتش محتاجة للحماية، يبقى نطلق وكل واحد يروح لحاله." نظر كلاهما لها بصدمة ولم يتوقع أحد حديثها. "حووووور! " صرخ محمد في وجهها. انتفضت على صراخه بها ووجهه أحمر بشدة. "لو مقومتيش مشيتي مع جوزك دلوقتي... لا انتِ بنتي ولا أنا أعرفك، وانتِ عارفه كويس اووي إن كلمتي سيف." أكمل حديثه بنبرة حادة وصارمة لأول مرة معها.
توسعت عيناها بصدمة ولم تتوقع أن يتفوه بهذا الحديث أبداً. فمن عادة أبيها يوزن كلامه أولاً ولا يتحدث بشيء إلا ولو كان جاداً به. بينما ليث ظل واقفاً مكانه دون أن يتفوه بشيء، فقط ينظر أمامه بملامح وجه خالية من التعبير. أمسكت حقيبتها ولم تتحدث، فقط وقفت تنظر إليه مرة أخيرة قبل ذهابها. ظلت واقفة تنظر له لدقائق وأقدامها ترفض السير وتتركه وحده. بينما هو أشاح ببصره بملامح مقتضبة. تشعر بقلبها يؤلمها.. هل ستتركه وحده يعاني؟
حين وجدت رغد يوم وفاة أخيها وعلمت أنها بمفردها، سعدت بشدة وأصرت عليها أن تأتي لتعيش معهم، رغم أنها تعلم كونه لا يجوز لوجود أبيها معها. ولكنها كانت أنانية وأتت بها كي لا تتركه وحده حين تذهب للعمل. تقسم أنها أيضا شعرت بالحزن نحوها ولم ترد تركها وحدها هي الأخرى وأتت بها للعيش معهم، لكن كان هدفها الأساسي هو أبيها.
سارت بخطى بطيئة نحو الخارج وكل جزء بها يرفض الرحيل وتود البقاء معه، ولكنه لم يترك لها فرصة للاختيار. وبجانبها يسير ليث الذي التزم الصمت، لم يتحدث بشيء. بينما هي كانت في عالم آخر ولا تدرى ماذا تفعل، وتؤلمها فكرة تركه بمفردها. من ضحى بحياته لأجلها ومازال يضحي أيضاً عندما أصر عليها العودة مع زوجها دون أن يفكر بنفسه.
جلست جواره في السيارة ودموعها تنهمر بشدة ولم تستطع منعها، وتشعر بالحزن الشديد. بينما ساق ليث بسرعة جنونية وقد احتذت قسمات وجهه وبدا كما لو كان غاضباً ووجهه أحمر بشدة. خرجت من فمها شهقة صغيرة رُغما عنها بعدما فشلت في منع بكائها. حتى أوقف السيارة فجأة أمام المنزل وهو يهتف بغضب وبنبرة عالية أفزعتها: "عاايز أفهم بتعيطي لييه دلوقتي!
ارتفع صوت شهقاتها وازدادت في البكاء. بينما هو خبط على المقود بعنف حتى كادت يده تُكسر، ولكنه لم يشعر بألمِ بها، لأن الألم الحقيقي كان بقلبه وهو يشعر بنيران مشتعلة داخله.
هي لم تحبه حتى الآن رغم أنه غيّر من نفسه كثيراً. رغم ذلك، لم تحبه وتعطيه قلبها. ليس لأنها قالت هذا، فهو يعلم بأنها تحدثت هكذا لأجل أن تقنع أباها، بل لأنه لو كانت تحبه، ما كانت لتأتي تلك الفكرة أو تجرؤ فقط على التفوه بها. نعم، تفعل كل شيء يرضيه وخير الزوجة له، ولكن يعلم كونه تفعل هذا رضاءً لله ثم له، وليس لأنها تحبه. تقتله تلك الفكرة وتجعله يجن جنونه. لمَ لا تحبه؟ هل لأنه كان يعاملها بطريقة سيئة الآن؟
أم لأنه ليس الزوج الذي تمنته هي؟ ماذا يفعل لكي تحبه هي الأخرى كما يفعل هو؟ نزل من السيارة ثم نزلت هي الأخرى ولم يتحدث أحدهما بشيء حتى وصلا للجناح المخصص لهما. نزعت نقابها وقامت بغسل وجهها أولاً وهي تجفف دموعها بحزن. ثم اقتربت منه وهمت لتتحدث تزامناً مع مسكها لديه وهي تهتف: "يا ليث... قطع حديثها نزع يده منها بعنف وهو يشيح ببصره عنها أكثر. تساقطت دموعها أكثر وهي تشعر بالإرهاق الشديد. تحدثت
من جديد وهي تمسح دموعها: "ليث أنا آسفة، أنا متوقعتش إنك هتصدق الكلام، والله العظيم أنا بس كنت بقوله كدا علشان يوافق يخليني أقعد معاه حتى شوية، أنا مش قادرة أسيبه لوحده صدقني." ابتسم بسخرية على حديثها ولم يجب عليها، وقد ظهر الحزن في عينيه. رفع بصره نحوها ثم تحدث وهو ينظر لعيناها بقوة وهو يهتف: "انتِ بتحبيني يا حور؟ نظرت له بتعجب ودهشة من سؤاله المفاجئ هذا. لم تتحدث وكأنها لم تكن تتوقع إجابته. كيف يسألها هذا السؤال؟
رغم إنها لم يسبق لها إخباره بمشاعرها ولم تصرح بها. حينما لاحظت نظراته المتلهفة نحوها سارعت بالرد وهي تقول: "أي السؤال دا.. أيوه بح.." قطع حديثها وهو يضع يده على فمها يمنعها من أستكمال حديثها، ليتحدث بتهكم وحزن دفين: "متكملهاش.. الكلمة دي اتمنت أسمعها بس وهي خارجة من قلبك بجد، مش علشان تراضيني بيها ياحور." أيعقل أنها لم تحبه؟ هي لا تعلم حقيقة مشاعرها حتى. فقد فُرضت عليها ثم اعتادت وجوده، ولم تفكر يوماً بمشاعرها نحوه.
لتجيبه بصدق وهي تقول: "كل الفكرة إنك اتفرضت عليا يا ليث من غير ما أختار، مش هقولك بحبك لأني فعلاً معرفش مشاعري أي، لكن أنا فعلاً اتعودت عليك ومقدرش أعيش من غيرك." بينما هو لم يتأثر بحديثها. فقط كل ما يشغل باله بأنها لا تحبه، وهذا يعني أنها من المحتمل أن يأتي يوم وتتركه؟ عند هذا الحد توقف عقله عن التفكير. لن يسمح لها بأن تتركه حتى ولو طلبت هي ذلك.
اقتربت منه وهي تمسك بذراعه ولكنه نفضه عنها بعيداً لتتساقط دموعها أكثر. ألا يكفيه حزنها على والدها ليأتي هو ويكمل عليها؟ لم يتحمل رؤيتها تبكي هكذا. كان سيهم لاحتضانها وإرضائها ولكنه مازال غاضباً منها، لذا رحل قبل أن يضعف وهو يلعن قلبه بشدة. ذهب غرفة والدته وهو يطرق بابها ولكنه ابتسم بسخرية عندما لم يسمع ردها. وكيف ستسمعه بعدما دخلت في غيبوبة مجدداً عندما علمت خبر وفاة شقيقه!!
كانت ممدودة على الفراش بلا حولِ لها ولا قوة. اقترب منها وهو يجلس جوارها ويقول بضعف: "ليه... ليه كل مرة كنتِ بتختاريه هو وأنا لأ، سبتيني وأنا صغير علشانه بعد ما كنتِ بتحبيني أنا وعمرك ما شوفتيه، رغم إني لحد الآن زعلان منك علشان فكرتي فيه وأنا لأ." صمت يبتلع غصة مريرة بحلقه ويشعر بألمِ شديدِ داخل صدره.
ثم أكمل بضعف: "حتى بعد ما مات اختارتي تستسلمي للواقع علشانه وتسبيني مرة تانية، وكأنك مستنية الموت علشان تروحيله، مش هتختاريني أنا لمرة مرة يا ماما؟ سقطت دموعه وهو يتمدد جوارها وينام بحضنها يشعر بثقل شديد وغير قادر لأخذ أنفاسه حتى كاد يختنق. ثم هتف ببكاء وهو يقول بألم: "أنا محتاجك جنبي أوي، قومي ياماما بقى، اختاريني أنا ولو مرة واحدة."
يشعر بأنه غير مرغوب به، لا أحد يحبه ولم يفضله أحد. وكأنه منبوذ من الجميع. كيف كان يتوقع من حور أن تختاره وأمه لم تفعل؟ يبدو بأنه لا حظ له أن يختاره أحد. هي فضلت أخيه حتى بعد وفاته، وحوره أختارت أباها. يبدو أنه سيظل منبوذاً من الجميع.
وقفت روان بمنتصف الصالة وهي تمسك بالبلاليين في يدها تحاول أن تعلقها، بينما هو يقف على بعد أمتار منها يتأملها فقط وينظر لها ببسمة وهي غير منتبهة له وتصب كامل تركيزها على ما تفعل بعدما فشلت في تعليقه بشكل جيد. لتزفر بضيق ثم استدارت تبحث تبحث عنه بعينيها حتى وجدته يقف ينظر لها وإبتسامة خبيثة تزين وجهه. تحدثت بضجر وهي تقول: "يعني شايفني واقفة مش عارفه اعمل حاجة وأنت واقف تتفرج عليا يازين؟ مكنش العشم."
لم يتحرك إنشاً واحداً من مكانه ثم قال ببسمة إستفزتها: "مش انتِ اللي فضلتِ تقولي سيبني أنا أعمل دول وملكش دعوة بيهم علشان تقولي لعمر إنك أنتِ اللي عملتيهم؟ نظرت له قليلاً بتذمر. فهي من طلبت أن يتركها تعلق الحبل الأخير لأنه لم تفعل شيئاً وهو من قام بتعليقها. استدارت لتنزل ولكنها توقفت وهي تجده يحاوطها بذراعيه من الخلف ثم أمسك يدها وساعدها في تعليقهم وهو يقف على طرف المقعد التي تقف عليها هي الأخرى.
قامت بتعليقهم جميعاً عن طريقه هو حتى انتهوا. استدارت له ببطء وهي تنظر له ببسمة قائلة: "شكرا يا زين." "لأ أنا مبحبش الشكر بتاعي ناشف كدا." أنزلت رأسها أسفل بخجل ولكنه سمعت زمجرته. اقتربت منه أكثر ثم طبعت قبلة رقيقة على خده. ابتسم لها بسعادة كبيرة ولكنه أراد مشاكستها وهو يقول بضيق زائف: "لأ البوسة دي لأخوكي مش ليا أنا." "فعلا يا روان معاه حق، البوسة دي ليا أنا مش ليه."
انتفضت بفزع وهمت لتقع لولا يده التي أمسكت به وهي تستدير لترى عمر يقف ويطالعهم بتهكم. نظر له زين وهو يقول من بين أسنانه: "عايز أي ياعمر." "جبت باقي الشنط بتاع الشبكة." أومأ له زين ببرود ثم أردف: "طب شكراً يا عمر، ومتنساش تاخد الباب في إيدك."
نظر له الأخير بضيق داخلي. لولا أن اليوم خطبته على ياسمينته لكان له تصرف آخر. فهو من أصر على أن تتم الخطبة قبل بدء الامتحانات بعدما وافقت عليه ياسمين وذهب هو ووالديه. لذا تركهم دون أن يتحدث واستدار ليرحل. ولكن هذا لا يمنع من أن يقوم ببعض العبث معهم. أومأ لزين ثم غادر بهدوء تحت دهشة الاثنين. ولكن زين لم يهتم وهو يعود بنظره نحوها ويقول بمشاكسة: "كنا بنقول أي قبل ما...
انتفض الاثنين بفزع مما أدى لسقوطهم أرضاً إثر هذا الصوت الصاخب الذي دوى في المكان فجأة ولم يكن سوى صوت الصاروخ الذي وضعه لهم قبل ذهابه لينزع لهم لحظاتهم. نظر زين في أثره بغضب وهو يقول: "ماشي ياعمر بس لما أشوفك لأطلع كل دا على عنيك." سمعوا صوت ضحكات صاخبة تأتي من خلفهم. نظروا لها ليجدوا ياسمين تضع يدها على فمها وهي تحاول من ضحكاتها. نظر لها زين بغيظ وهو يهتف: "أنا بقول تفكرى في الخطوبة دي الأول يا ياسمين."
ضحكت روان هي الأخرى ثم ابتعدت عن زين تحاول الوقوف. وقام هو الآخر معها وهو ممسكاً بها. بينما نظرت لهم ياسمين للحظات وهي تقول قبل أن ترحل بدلع: "اشتغلوا كويس وبضمير عايزة خطوبتي على سنجة عشرة." نظرت لها روان بتشنج لتهتف بإستياء وهي تقول: "والله أنا قولت من الأول عمر مينفعش معاه غير ياسمين." جلست حور على طرف الفراش الخاص بها وهي تنظر لها بحزن دفين. "أزيك يا طنط تهاني، أنا عارفة إن حضرتك سامعاني."
"الحقيقة أنا كنت حابة أتكلم معاكِ شوية." "لما ماما وعبدالرحمن أخويا ماتوا في حادثة مرة واحدة، أنا فضلت سنة كاملة مش بتكلم ولا حتى بخرج وأجلت جامعتي في السنة دي. كل حاجة مشيت زي ما هي إلا أنا." "بابا حاول معايا كتير بس صدقيني كان غصب عني، مكنش بإيدي رغم إني حاولت كتير أرجع لطبيعتي لكن مكنتش قادرة. دي مهما كانت أمي وده كان أخويا، إزاي هتقبل موتهم بسهولة كدا؟
"مرة بابا دخل وقعد جنبي وبدأ يتكلم معايا، ساعتها قالي حاجة واحدة فضلت أفكر فيها كتير. قالي يابنتي العمر مفهوش متسع للحزن، عمرك كله هيعدي من غير ما تحسي وإنتِ فاكرة إنك بتتعافي... لما تفوقي من دوامة الحزن دي هتلاقي حاجة أكبر هتحصل معاكي وتدخلي في دوامة حزن جديدة وهتفضلي عمرك كله على نفس النهج لحد ما تلاقي عمرك خلص وإنتِ مش عارفة هو عدى في إيه؟
"ساعتها بس هتقولي ياريتني كنت استغلت كل دقيقة من وقتي. شوفي ياحور رغم حبي الشديد لأمي وضهرى انكسر بعدها، إلا إني مستسلمتش للحزن وكملت حياتي حتى لو لحد الآن لسه ببكي عليها وفاكرها." "الدنيا كلها ابتلاءات مش عليكي انتِ لوحدك؟ هيتردد عليكي سؤال في الآخر، «وعن عمره فيما أفناه؟ » أفنيتي عمرك في إيه يا حور قوليلي كدا؟ عملتي إيه تقابلي بيه ربنا، بدل ما تبصي لنعم ربنا عليكي بصيتي للي ناقص منك ووقفتي حياتك عليه؟
مبصصتيش إنك لسه عندك بيت وعندك صحة، ده يكفي إنك اتولدتي مسلمة دي في حد ذاتها تكفي. فوقي لنفسك ياحور قبل فوات الأوان وقبل ما تلاقي عمرك كله عدى وإنتِ مضيعاه في حزن على شيء مش هيرجع." "تعرفي، كلام بابا مش بس فوقني، لأ ده خلاني كمان بقيت أتمنى لو الزمن يرجع بيا علشان معملتش اللي عملته دا. كنت هزعل وأحزن وده حقي لكن كنت هكمل حياتي وأفكر في آخرتي ومش هتمسك بالدنيا كدا."
"اللي عايزة أقوله لحضرتك إن الوقت بيسرقنا والعمر بيجري من غير ما نحس بيه. أنا عارفة إن اللي عديتي به كان صعب، بس برضو لسه قدامك وقت تعملي حاجات وكمان معاكي ابنك وزوجك تعوضي كل اللي فات وتجيبي لي أحفادك كمان." صمت، تأخذ أنفاسها وهي ترى تحرك رموشها بشكل غير منتظم وكذلك يدها التي بدأت تتحرك. سقطت دمعة من عيونها دلالة على تأثرها بالحديث. ابتسمت لها
حور بحماس وهي تكمل حديثها: "مش هتقومي بقى علشان أشتكيلك من ليث ابنك اللي مزعلني ده، أنا عارفة إنك انتِ اللي هتقفي في صفي، بس أنا عايزة أقوم بالسلامة الأول وتفكري في حياتنا وكفاية حزن على اللي فات ونفكر في اللي جاي ونعيش الباقي من عمرنا من غير حزن."
"طبيعي إننا هنقابلنا عواقب وأحزان بس هي الدنيا كدا، ومصيرنا في النهاية هنموت، يبقى نعيش الباقي ونفكر في آخرتنا بس علشان نقدر نتخطى مصايب الدنيا، أتمنى حضرتك ترجعيلنا وتفكري في ليث وعمي محمود اللي متأثرين عشانك وتبدأي تعوضيهم عن كل اللي فات، علشان هم تعبوا أوي في غيابك وآن الأوان إنك ترجعي شملكم من جديد."
أنهت كلامها وهي تمسح دموعها وترى تغير ملامح وجهها. ابتسمت لها ثم استدارت لترحل ولكنها وجدت محمود يقف أمام الغرفة. ابتسمت له ثم خرجت لكي تتركه معها، وهي تعلم بأن حديثها سوف يكون بداية لجعلها تستفيق لهم. تبقى فقط ليث. تنهدت بحزن وهي لا تدري ماذا تفعل معه، فقد حاولت بأكثر من مرة ولكنه مازال غاضباً منها بل ويتجاهلها أيضاً. "ياماما يلا بقى."
وقف عمر بتذمر ينادي والدته وهو لا يطيق الانتظار أكثر. لا يصدق بأن اليوم سوف يزين إصبعها خاتم خطبتهما. كان يشعر بالسعادة الشديد والحماس أيضاً. انتهوا جميعاً بعدما أرغمهم على ذلك لكي يذهبوا. ركبوا السيارة وطوال الطريق لم يكف عن التذمر والضرب على بوق السيارة وتشغيل الأغاني الصاخبة، فالليلة ليلة خطبته.
أما عن ياسمين، وقفت أمام المرآة وهي تنظر لنفسها بفرحة ثم أخذت تدور حول نفسها بسعادة. فاليوم هو يوم خطبتها والذي تمنته كثيراً كأي فتاة. كانت ترتدي فستاناً بسيطاً وفوقه خماراً ونقاباً بنفس اللون مما زادها جمالاً وكأنها أميرة وتسحر كل من يراها، وأضفى على هذا الجمال سعادتها.
دخلت روان الغرفة مجدداً بعدما ذهبت لارتداء ثيابها والتي كانت ترتدي فستاناً باللون الوردي وفوقه خماراً بنفس اللون قد زادها جمالاً هي الأخرى والتي كانت سعادتها لا تقل سعادة عنهما. "إنتِ كده هتكوني خطر على الواد عمر الغلبان وأنا مش ضمناه الحقيقة."
ضحكت ياسمين بسعادة واقتربت منها وهي تضمها بفرحة وقلبها ينبض بشدة. ثم سارت معها للخارج حيث تواجد جميع العائلة. النساء بالداخل في الصالة التي تم تزيينها. والرجال بالخارج يقوم زين ووالده باستقبالهم في حجرة الضيوف، فالخطبة منفصلة. الرجال في مكان منعزل قليلاً كي تستطيع الفتيات أخذ راحتهن.
وقفت العروس في المنتصف والجميع منبهر بهيئتها. رغم أنها ترتدي النقاب إلا أنها بدت جميلة للغاية. اقترب منها الجميع يهنئونها. وبعد قليل وصل عمر هو وعائلته. وما إن رآها حتى تسارعت دقات قلبه وهو ينبض بشدة. ظل واقفاً مكانه ينظر لها بفرحة ولا يصدق. رغم احتشام ملابسها إلا أن هيئتها كانت مهلكة لقلبه المسكين.
سار نحوها بسعادة وهم ليحتضنها ولكنه تذكر أنها خطبة فقط وليس عقد ليتراجع وهو يصبر نفسه بأنه اقترب من نهاية المطاف وقريباً سوف تصبح زوجته. جلست ياسمين وجلس هو الآخر على بعد قليل منها لكي يلبسها خاتم الخطبة ولكنها رفضت طالبة من والدته أن تلبسها إياه. همت لترفض ولكنها وجدت نظرات عمر المترجية لها لتذهب وهي تلبسها على امتعاض كي لا تنزع فرحة صغيرها وها هي ارتدت أول خطوة سوف تقربهما من بعضهما البعض.
ذهب زين لعمر ثم أخذه معه عنوة تحت تذمره ورفضه بأن يبقى معها، ولكنه رحل معه تحت إصراره لكي تبقى الفتيات على راحتهن. وقفت ياسمين ثم نزعت نقابها وبقيت بالخمار فقط وقامت بتشغيل بعض الإنشودات التي تحفظها عن ظهر قلب بدون موسيقى وإنما فقط بالدف. أخذت تتراقص عليها بفرحة وانضمت لها روان وبعض أصدقائها دون حور التي اعتذرت منها بسبب مرض حماتها. بينما يقف البعض الآخر غير مرحب لتلك الأجواء ويرى أنها غير مبهجة.
أما عن ياسمين فكانت تتمايل بخفة كالفراشة وهي تتراقص بسعادة وقلبها يرقص هو الآخر وتضحك بخفة. ثم أخذت تدور بفرحة كما فعلت معها روان وقد أشعلوا الجو بالحماس حتى انضم لهم بعض الفتيات وهم يقلدون الرقصة التي تفعلها ياسمين بمهارة وهي تقوم بتحريك يدها تزامناً من كلمات الأغنية. توقفت وهي تأخذ أنفاسها ثم تحدثت بصوتِ مرتفع
كي يصل للجميع وهي تقول: "أنا حقيقي بشكر كل حد حضر وفرحان علشاني واتمنى تكونوا انبسطوا، واللي محبش الجو وكان منتظر الأغاني ف أنا آسفة ليه، أنا مش هغضب ربنا علشان أرضي حد. مش لازم علشان أفرح أغضب ربنا وأشيل ذنب كل واحدة هتسمع الأغاني اللي هشغلها."
"بل شفتوا الخطوبة الإسلامية جميلة إزاي بدون معاصي وإحنا لوحدنا بدون رجالة علشان نقدر ناخد راحتنا وننبسط ونفرح بدون ما ناخد ذنوب واتمنى فعلاً الكل يعمل كدا، ودلوقتي يلا علشان نكمل بقى." عادت للرقص من جديد وهي تشعل الجو بالحماس أكثر وقد بدأ الجميع يندمج معها. بينما روان تقف تراقبها ببسمة وتتخيل نفسها مكان ياسمين. فهي حتى لم تحتفل لا بخطبة ولا بكتب كتابها ولا تعلم تلك السعادة التي بها ياسمين لأنها لم تجربها بعد.
نظرت بحزن وتمنت لو أنها احتفلت مثلها. وجدت من يجذبها من ملابسها. نظرت له لتجد طفل صغير يخبرها بأن تأتي معه. سحبها الصغير من ثيابها دون أن يوضح لها شيء وهي فقط تسير ولا تعلم إلى أين يأخذها حتى تركها أمام المطبخ. وقفت تنظر حولها ولا تعلم لمَ أتى بها إلى هنا. همت لترحل ولكنها شهقت بفزع حين وجدت من يجذبها بعيداً عن الأنظار ويضع يده على فمها.
وقف ليث يتنهد أمام حجرتها وهو يستعد للحديث ويفكر كيف سيصالحها. فهو قد بالغ بغضبه منها وهي لم تفعل شيئاً سوى أن تحاول رضائه. لقد أخذ بنصيحة أبيه الذي لاحظ أن أمورهم ليست على ما يرام. أخبره بأن يقف هو بجانبها ولو لمرة واحدة كما تفعل هي دائما معه منذ زواجهم ولن تشتكي.
هي حاولت إرضائه بشتى الطرق ولكنه كان غاضباً ودائماً ما يعاملها بجفاء. لذا سيسمع بنصيحة أبيه فهي مهما كانت بشر ولها قدرة على التحمل سوف تنفذ في أي وقت بدلاً من أن يقف معها بسبب حزنها على أبيها تركها وحيدة وهي التي كانت تفعل ما بوسعها لأجله. أمسك الهدية التي جلبها لها ثم فتح باب حجرتهما لكي يصلح خطئه ولكن يبدو أنه قد تأخر كثيراً. وجدها نائمة بهدوء على غير عادتها في هذا الوقت.
اقترب منها وهو ينادي باسمها بهدوء ولكنها لم تستجب له، ليقول بضجر: "اصحي ياحور بقى بدل ما والله هزعل منك تاني." ظل ينادي عليها مجدداً ولكن أيضا لا رد مما جعله يغضب منها. اقترب منها بضيق كي يهزها ولكنه وجد جسدها ينتفض بشدة. أدارها له لتتوسع عيونه بصدمة ويقع قلبه برعب عليها...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!