"ان.. انت كويس.. أنا مش فاهمة حاجة، إيه اللي حصل؟ تساءلت رغد وهي ما زالت لا تدري كيف يقف أمامها سليم معافى. "لا أعلم ماذا حدث لكِ، مجرد أن نظرتي لي من الشرفة ركضتي نحوي ثم وقعتِ مغشية عليكِ." "أنتِ كويسة يا رغد، أول ما شفتيه اغمى عليكي.. إحنا قلقنا عليكي." صمتت رغد ولم تجب، هل يتصور أن يكون هذا حلماً؟ تقسم بأنه كان حقيقة بالنسبة لها. هي تتذكر تفاصيل ذلك الحلم بشدة.. إذا كيف يحدث هذا؟ "ألم تسعدك رؤيتي يا رغد؟
لقد ظننت بأنكِ ستكونين أكثر سعادة مثلي." آخرى لم تجبه رغد وهي ما زالت شاردة فيما حدث معها. ضغطت عليها يديها بشدة وهي تحاول تنظيم أنفاسها، فكانت تتنفس بعنف ولا تصدق بعد أن ما مرت به كان حلماً. "إز.. إزاي أنت مكنتش يهودي يا جون؟ أردفت بعد صمت دام عدة لحظات وهي تنظر لهم بوهن.
"سوف أحكي لكِ من البداية يا صغيرة، لقد تبنتني امرأة مسلمة ثم توفت. حين اشتد عليها المرض واقترب الأجل منها طلبت من جيرانها أخذي والاعتناء بي لأن ليس لديها أحد، ولكنهم أخفوا عليّ أمر ديانتي.... حتى علمت الحقيقة." "يعني أنت مسلم دلوقتي يا جون؟ "لم يعد اسمي جون...
لقد غيرت اسمي إلى" يونس". لقد أحببت قصته بشدة، هذا الذي ابتلعه الحوت ومكث في بطنه ثلاثة أيام. إلى الآن لا أصدق كيف استطاع أن يجلس كل تلك المدة دون خوف أو يأس. علمت أنه ظل يردد حينها "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين". لقد صبر صبراً عظيماً، وعلمت أيضاً أنه حين عاد أسلم جميع قومه، لذا سميت اسمي الجديد مثله." "مبارك لك يا بني على دخولك الإسلام من جديد."
تحدث العم محمد والد حور. باركت له حور أيضاً واحتضنه ليث مجدداً. بينما ما زالت رغد صامتة. "لمَ لم تقولي شيئاً يا رغد؟ ألم تفرحي لي؟ تنهدت رغد، لا تعلم بما تجيبه. هي ما زالت في صدمتها من هذا الحلم.. بعد، هل كان إشارة لها بأن تبتعد؟ حتى لا تفقده هو الآخر؟ "لأ.. مبروك يا جو.. قصدي يا يونس، عن إذنك هدخل أرتاح شوية." نظر لها الجميع بتفاجؤ من تغيرها هكذا. لقد ظنوا بأنها ستصبح أكثر سعادة. "هدخل أشوف مالها."
قالتها حور وهي تهم لتذهب إليها، ولكن قاطعها أبوها وهو يجيب. "خليكِ يا حور، أنا هتكلم معاها." أومأت له حور وهي تذهب بكرسيها المتحرك إلى غرفة رغد ثم خرجت. تحمحم الآخر ثم تحدث: "مش مبسوطة ليه؟ أنتِ كنتِ هتتجنني من لما سافر، ودلوقتي لما رجع وبقى مسلم مش موافقة؟ صمتت، لا تعلم بما تجيبه. أخذت تفرك يدها بتوتر. كيف تخبره بما تشعر به؟
لا أحد سيفهم ما بداخلها وإن أمضت عمرها كله تحكي. هي لا تعلم تحديداً ما بها سوى أنها متعبة. فقد يدرك المرء أنه متعب لكنه يجهل ما الذي يتعبه. إنها الهزائم المكبوته. "مش عارفة... بس حاسة إننا مننفعش لبعض." "ولا عشان خايفة عليه؟ لما اغمى عليكي حلمتي إنه مات صح؟ دُهشت رغد من حديثه، كيف علم بالأمر؟ فهي لم تخبر أحد بعد. "مستغربة أنا عرفت منين!!
نظرات الخوف في عنيكِ.. عقلك الباطن صور لكِ إنك هتفقديه هو كمان زي أهلك عشان كدا بقيتي خايفة ومترددة... صمت بعد لحظات يرى تعابير وجهها وتأثير حديثه عليها، والتي بدا مقنعاً بالنسبة لها. أخذت نفساً عميقاً ثم زفرته على مهل وهي تردف: "حسيت الحلم كان إشارة عشان تفوقني. لو جو.. قصدي يونس لو بعد أنا ممكن أقدر أتخطاه، لكن...
لكن لو كان مات كنت هفضل عمري كله مش هقدر أتخطاه. هو مش أغلى من اللي راحوا بس.. المشكلة إني كنت اطمنت لوجوده." ابتلعت غصة مريرة في حلقها ثم تابعت: "نسيت إنه مينفعش أطمن لحد." "تعرف كمان.. من لما دخل حياتي وانتوا كمان بدأت أحس نفسي ضعيفة. أنا عمري ما كنت ضعيفة وطول عمري كنت قوية، لكن.. لكن معاكم ومعاه بحس إني طفلة صغيرة متعرفش يعني إيه قوة." صمتت تلتقط أنفاسها بصعوبة وجبينها متعرق بشدة وكأنها كانت في حرب للتو،
ثم تابعت: "لو تفتكر أول يوم جيت هنا كانت وفاة أخويا.. شفت كنت قوية يومها إزاي، حالياً أنا بقيت هشة وضعيفة وعايزة أفضل عمري كله أعيط... معدتش فاهمة مالي وإيه اللي بيحصل."
"يمكن عشان أخيراً لقيتي اللي يحتويكي ويطبطب عليكي.. انتِ الأول كنتِ بتحاولي تباني قوية عشان عارفة إنك لو وقعتي مش هتلاقي اللي يسندك ويقومك، لكن دلوقتي لما لقيتي اللي يساندك حسيتي إنك عايزة تخرجي كل الكبت اللي جواكي ومعدش فيه داعي لإنك تباني قوية وتقاومي." "ط.. طب وإزاي الواحد يقدر يتخطى حزنه؟
"بالصبر، من أعلى درجات الجهاد؛ جهاد الحزن، جهادكِ في التَّقبُل، جهادكِ في الحمد والشكر وأنتِ في شدة، وأنتِ ما حدش حاسس بعصرة قلبك ولا الأيام بتمرّ عليكي إزاي؟!
إنك تسلّمي أمرك لله حتى لو مش فاهمة الحكمة ولا مستوعبة الأحداث، إنك تلجأي وأنتِ متيقنة أن لا ملجأ من الله إلا إليه، إنك تستسلمي وترضى حتى وإن خالف هواك، صبرك وشكرك وتقبلك جهاد. فالابتلاءات في الحياة يا ابنتي مش اختبار لقدرتك الذاتية بس دا اختبار لقوة استعانتك بالله. هقولك على قصة يا رغد، حقيقي بحبها أوي. سيدنا يوسف كان معاه في السجن شابين، والشابين خرجوا قبله من السجن وهو خرج بعدهم ببضع سنين كمان مش بسنة ولا اتنين، وهو نبي الله كمان وهم اتنين عاديين. واحد منهم خرج عشان يُقتل، والتاني خرج عشان يخدم، وسيدنا يوسف خرج عشان يكون الولي على خزائن مصر. شوفتي الفرق بينهم إيه؟
أحياناً المنع بيكون قمة العطاء، فأوعي تيأسي." "يالله، الله لا ينسى أحد. حين يُرسل لك الابتلاء.. يُرسل معه من يُصبرك عليه حتى تحمد الله على هذا الابتلاء. هقعد بكره رؤية شرعية مع يونس.. وأدي لنفسك فرصة بعيدة عن كل الهواجس اللي في دماغك." "يبنتي اخلصي بقى اتاخرنا، ورانا حاجات كتير." وقفت روان تُعدل من نقابها وتتأكد بأن ملابسها على ما يرام. "خلاص خلصت أهو يلا."
خرجت روان ومعها ياسمين لشراء الفستان، وبعد لف طولاً وصلا أخيراً إلى المكان المنشود. أبصرت روان الفستان الذي أمامها بانبهار شديد وعيون لامعة. "الله يا ياسمين، الفستان ده حلو أوي." طالعت ياسمين الفستان الذي تشير إليه الأخرى بتفحص، فكان الفستان جميلاً بحق ولكن له ذيل طويل. "بس ده حرام يا روان، مينفعش تلبسيه." تعجبت روان من حديثها، الفستان يبدو رقيقاً وغير ضيق. "ليه.. ده واسع وشكله حلو."
"لأنه لا يجوز لمسلمة أنها تلبس فستان طول ذيله أكثر من ذراع... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة". فقالت أم سلمة: "فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ قال: "يرخين شبراً". فقالت: "إذاً تنكشف أقدامهن". قال: "فيرخينه ذراعاً، لا يزدن عليه"." "معنى كلامك إنه مينفعش نلبس فستان ذيله طويل؟ سألتها روان لتتأكد حديثها، فأومأت لها ياسمين.
نظرت روان للفستان بحزن، فكان الفستان رائعاً بالنسبة لها. "من ترك شيئاً لله.. عوضه خيراً منه، صدقيني هنلاقي أحلى منه." تحدثت ياسمين مجدداً حين لاحظت نظرات الحزن على وجهها. ابتسمت لها الأخيرة ثم سارت معها للبحث عن آخر وخرجا من المحل بأكمله. وصلا إلى مكان آخر مخصص للفساتين. "تعالي كدا يا روان شوفي الفستان ده." أشارت لها ياسمين على فستان ما. نظرت له روان ولكنه لم يعجبها أيضاً مثل الآخر. "مش حلو زي التاني."
تحدثت بضيق طفولي. ابتسمت لها ياسمين ثم أمسكت يدها وخرجا من هذا المول أيضاً. "ولا يهمك.. لسه معانا اليوم طويل، بينا نشوف غيره." انصاعت روان لحديثها وسارت معها وأيضاً لم يلفت انتباهها شيء. "أنا تعبت من اللف يا ياسمين مفيش حاجة... بترت جملتها وهي ترى فستاناً ما أمامها. اقتربت منه بإعجاب شديد. كان الفستان أجمل ما رأت على الإطلاق. "شوفي يا ياسمين ده."
أردفت روان بفرحة عارمة وكأنها وجدت كنزاً أمامها. فكان الفستان شديد الجمال والرقة. "حلو أوي... شوفتي يا ستي، صبرنا ونولنا." أجابتها ياسمين وهي تنظر للفستان وقد نال إعجابها أيضاً. "أنا خايفة على أخويا منك لما يشوفك بيه من جماله." تحدثت ياسمين مازحة. وضعت روان يدها على خدها بكسوف وقد تورّدت وجنتيها.. تتخيل رد فعله حين يراها مثلما قالت ياسمين. "هدخل أقيسه وأشوفه عليا."
"بلاش يا روان تقيسيه هنا، ابقي قيسيه في البيت أفضل لأنه مينفعش تقيسي هنا وتخلعي هدومك ولو لبستيه فوق لبسك مش هيكون ظاهر، الأفضل تقيسيه في البيت ولو مظبطش نبقى نبدله." اقتنعت روان بحديثها، لا يجوز أن تبدل ملابسها خارج بيتها حتى ولو في محل الملابس. قاما بشراء الفستان ثم عادوا للمنزل مرة أخرى. ومجرد أن وضعت روان قدميها داخل المنزل حتى توسعت عيناها بذهول. ***
كان يسير ليث بسيارته ومعه حور في الطريق إلى الشركة بعدما أصرت عليه الذهاب معه. كان ليث منشغل في السواقة حتى أوقفه صراخ حور. "استنى يا ليث استنى." أوقف ليث السيارة بفزع وهو لا يفهم سبب صراخها المفاجئ. "لحظة هنزل دقيقة وهرجع." نزلت حور من السيارة دون انتظار رده مما جعله يعقد حاجبيه بشدة وآثار الأمر ريبته. حتى نزل هو الآخر خلفها. بحث ببصره عنها حتى توسعت عيناه بصدمة. اقترب منها وعلى وجهه علامات الغضب.
"بقى منزلانا في نص الطريق واتأخرت على الاجتماع عشان عربية شربات؟ تحدث ليث بضيق وغضب. كتمت حور ضحكتها أسفل النقاب وهي تضع يدها على وجهها كي لا تثير غضبه. "الشربات اللي مش عاجبك دي التلاتة بعشرة.." قطعت حديثها وهي تمسك العديد من الشربات في يدها ثم أكملت: "هاخد دول يا عم ربيع." نظر المدعو ربيع نحو ليث وطالعه بطيبة: "جوزك ده يا بنتي اللي قولتيلي عليه؟ همت حور لتجيبه ولكن قاطعها ليث مسرعاً: "قالتلك عليا..؟
أنتِ تعرفيه منين يا حور؟ تحدث بغضب ونبرة صوت مرتفعة جعلت حور تشعر بالحرج منه، ولكنها تحكمت بغضبها وهي تردف بهدوء: "ده عمي ربيع أعرفه من وأنا صغيرة ويعتبر مربيني." ضحك العم ربيع وهو يضع يده على كتف ليث ثم قال: "حور دي بنتي اللي مخالفتهاش يا بني، أنت واخد جوهرة، رغم إنها كانت بتجيلي من وهي قد كده إلا أنها بتتعامل معايا بحدود ومقالتش ده راجل كبير ويعرفني من وأنا صغير، محافظة على نفسها ومحدش يقدر يقربلها."
حاول ألا يسبب لها مشاكل فقد التمس غيرة زوجها عليها حتى ولو رجل كبير. تقبل ليث حديثه ولم يجب. أعطته حور الأموال وأخذتهم ثم عادت للسيارة مرة أخرى. ركب ليث جوارها وهو يشعر بالضيق: "كل اللي قاله ده مش مبرر إنك تتكلمي معاه حتى ولو راجل كبير. المفروض إنك ملتزمة والكل بياخدك قدوة، إزاي بيتكلم معاكِ بأريحية كدا؟
أخذت حور نفساً عميقاً وهي تزفره بضيق. استغفرت ربها كي لا تغضب عليه وهي تحاول التحكم بذاتها. مهما بلغ الأمر هو زوجها ويغار عليها. "أنا مش هبررلك الأول علاقتي بيه، اعتبرتني غلط واتكلمت معاه بحسن نية وباعتباره راجل كبير حتى لو غلط... حد قالك يا ليث إني ملاك مش بيغلط؟ مفيش حد مهما بلغ التزامه معصوم من الغلط ومش معنى إني بجاهد نفسي وأنصح الناس يبقى مبغلطش خالص؟
هنا بقى ييجي دورك أنت إنك تنصحني. ممكن أنا أعمل الغلط وماخدش بالي إنه غلط غير لما حد ينبهني لأن كلنا بشر وبنغلط. نيجي بقى للموضوع الأساسي، أولاً عمي ربيع أعرفه من وأنا صغيرة، كان عنده بنت وتوفاها الله وكانت نفس اسمي، لما شافني قالي إني بفكرّه بيها.. مش هنكر إني كنت بتعامل معاه عادي وكنت بجيله على طول أسلم عليه لأنه كان بيفرح لما يشوفني، لكن لما كبرت حاولت إني أخفف تعاملي معاه بس برضه مش بعامله زي الغرب. وللعلم أول واحد حكيتله عنك وخدت رأيه وهو اللي خلاني أوافق. أنا معرفش إذا كان صح ولا غلط، لكن هنرجع لنقطة إني بشر مش ملاك ووارد إني أغلط يا ليث.. بحس الناس مبتصدق حد بيحاول يلتزم إنه يغلط. لما تلاقيني غلطت انصحني يا ليث مش تزعقلي وتش.."
بترت كلمتها الأخيرة. هي دائما تشعر بأن ليث شخص شكاك أكثر من كونه غيور، ولكنها تحاول جاهدة بأن لا تفتعل مشاكل بينهم. ومجدداً شعر ليث بالغضب من ذاته.. كيف تجعله كل مرة هو الخاطئ بحديثها المقنع الهادئ؟ تنهد ليث وهو يغمض عينيه، ثم أمسك يدها وقال: "كل مرة أسلوبك بيخليني أحس بالذنب من نفسي وإني غلطت حتى لو مش غلط.. أنا آسف بس رجاءً يا حور راعي إني لما بغير مش بتحكم في غضبي."
"حاضر يا ليث.. خلينا في المهم، شوف الشربات اللي جبتها؟ "رايحة جاية شربات التلاتة بعشرة من على العربية؟ يبنتي هو أنا حارمك من حاجة ولا مجوعاك؟ "اسكت أنت متعرفش الشربات اللي التلاتة بعشرة دول بالنسبالي إيه، من يوم ما عملت فيها بنت ناس وبقيت بجيب من الواحد بعشرة دول وهو كل يوم يضيع لي واحد، عندك دول بقى يفضلوا معايا طول السنة ومستحيل يضيع.. كمان جبتلك شربات خد شوفها." نظر لها ليث بتشنج وعلامات الاستياء بادية على وجهه.
"أنتِ عايزاني أنا ألبس شربات من على العربية؟ تعرفي تمن الشراب الواحد بس اللي بجيبه بكام! "ومالها دي.. مش بتقضي الغرض وخلاص؟ جرب كدا تجيب لك منها وباقي الفلوس اللي كنت هتدفعها في الشراب البراند تديها لحد محتاج؟ "ما أنا ممكن أجيب البراند وأدي لحد محتاج برضو مدام ربنا رزقني، لكن مينفعش أروح أجيب حاجات من دي الناس تقول عليا إيه."
"ماهي دي المشكلة يا ليث، الناس.. إحنا بنروح نجيب الماركات عشان بس الناس.. الساعة بـ 1000 جنيه هتقضي نفس غرض الساعة بـ 100، والعربية بـ خمسين ألف هتقضي نفس غرض العربية بمليون جنيه، دي بتسوق ودي بتسوق، لكن إحنا أهم حاجة إننا نجيب أعلى حاجة ونقلد الغرب. جرب كدا تجيب حاجة أقل من اللي كنت بتجيبها وباقي الفلوس اديها لحد محتاج؟
ربنا سبحانه وتعالى قال إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين. ومش معنى كدا إنك تحرم نفسك أو تمشي مبهدل، لا اهتم بنفسك والبس حلو وشيك بس في حدود المعقول، ونتعود نوفر دايماً مدام ده هيدينا نفس الغرض." لم يقتنع ليث بحديثها كله، يرى بأن الإنسان من حقه أن يتفاخر بأمواله وأن يُظهر غناه، فقد تعود ليث على حب المظاهر وليس العيش ببساطة. ولكنه لم يرد أن يجادلها كثيراً ويوافقها في الرأي. "اتأخرنا على الاجتماع.. عاجبك كدا؟
"قولهم إننا اتأخرنا عشان كنا بنجيب تلات شربات بعشرة.. هتلاقيهم سابوا الاجتماع وراحوا كلهم يجيبوا." ضحك عليها ليث وهو يجذبها لتسير جواره. "أنتِ مفيش فايدة فيكي أبداً." *** وصل محمود إلى المكان الذي أبلغه به المتصل، فكان مكاناً مهجوراً. دخله وهو يزيح الأتربة حتى أبصر محمود أمامه. وقف ينظر له بجمود وهو يتحدث: "فين ابني يا حامد؟ كانت تعابير وجهه جامدة.. عيناه حمراء بشدة، ولده كان على قيد الحياة كل تلك المدة وهو لا يدري؟
"طب مش تسلم عليا الأول يا خي؟ جاي مستعجل كدا ليه." تحدث ببرود وبابتسامة مستفزة. "قولتلك فين ابني يا حامد." كرر سؤاله وهو يمسكه من ثيابه بعنف تعكس طبيعته الهادئة. أبعده الأخير عنه بهدوء. "تؤ تؤ براحة على أعصابك.." قطع حديثه وهو ينظر له بخبث ثم تابع:
"أنت مش متخيل أنت صعبان عليا قد إيه. يعني يا عيني بعد العمر ده كله ابنك يطلع عايش.. مش دي المشكلة، المشكلة إنه بقى مريض نفسي ومقعد.. طلعت عقدي كلها اللي عملتها فيا زمان على ابنك." نظر له محمود بصدمة، هو لم يفعل له شيئاً بتاتاً.. بل حامد هو من استمر بإيذائه. "بس أنا عمري ما آذيتك يا حامد وأنت عارف كدا، طول عمرك اللي مبتحبش الخير لحد وانت اللي آذيتني، أنت دمرت لي حياتي مش بس آذيتني."
"مهو كل ده بسببك.. أنا بكرهك وعمري ما حبيتك يا محمود ولا اعتبرتك صاحبي، كل حاجة كنت أنت اللي بتاخدها، دايماً عامل نفسك الكل في الكل وإنك الواد اللي مفيش منه. أنت خدت كل حاجة ليك لوحدك، حتى صحابنا كانوا بيحبوك أنت وأنا لأ. كنت بمشي معاك والكل بيقف يهزر ويضحك معاكم ما صدقوا شافوك، وأنا ولا كأني موجود كأن حامد ده هواحت.. حتى البنت الوحيدة اللي حبيتها لقيتك جاي تقولي إنك خطبتها وأنا كنت بحبها من قبل ما أنت تشوفها حتى، لكن هي كمان اختارتك أنت. لكن شوف أنا خدت منك كل حاجة."
توقف عن الحديث وهو يضحك بهستيريا تشبه المجانين جعلت محمود يتأكد بأنه مريض نفسي. "خدتها منك.. وخدت ابنك منك، ودمرت حياتكم... وعيشتك في وهم إنها هي اللي سابتك، بس الحقيقة أنا اللي أجبرتها تعمل كدا." طالع بخبث حين وحد نظرات الصدمة بادية على وجهه. اقترب منه محمود ليضربه ولكن سبقه الآخر وهو يضربه على رأسه. "بابا." كان هذا آخر صوت يسمعه محمود قبل أن يقع أرضاً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!