تحميل رواية «وسولت لي نفسي» PDF
بقلم روان الحاكم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رشيت البرفان على لبسي كله وأنا مبسوطة. لسه جايباه جديد وريحته جذابة، واللي على آخر الشارع هيشم ريحته. رجعت الطرحة لورا وبينت نص شعري. قصرت البلوزة شوية عشان أبين الحزام بتاع البنطلون. بصيت لنفسي برضى، أكيد الكل هينبهر بجمالي كالعادة. نزلت على السلم وقابلت عيال عمي. نفخت بضيق وأنا بستعد إني أسمع محاضرة ملهاش أول من آخر عن اللبس والأخلاق. فاكرين نفسهم مشايخ وملايكة وهم أسوأ مني، بس بيظهروا نفسهم كده. أصلاً مفيش حد كده. لقيت ياسمين بنت عمي بتسلم عليا. بصيت للبس اللي هي لابساه، لابسة ملحفة زي الشوال...
رواية وسولت لي نفسي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم روان الحاكم
"استنى يا حور"
"ياسر" وقف أمامها يعترض طريقها.
ابتعدت حور عنه بضع خطوات وهي تسير باتجاه آخر.
لحقها الأخير وهو يقف أمامها.
وقفت حينما علمت أن لا مفر منه، ثم تحدثت.
"لو سمحت ابعد عن طريقي أحسن لك"
"ولو مبعدتش ياحور؟"
"أولاً اسمي دا مش مطنقش على لسانك"
أردفت حور بغضب.
أجابها ياسر بخبث.
"هو الباشا الجديد بيغير ولا لأ؟"
صُدمت حور من معرفته بموضوع خطبتها.
ولكن تجاهلت الموضوع وهي تجيبه.
"حاجة متخصكش.. وابعد عني بقى لو سمحت"
اقترب منها أكثر وهو يمسك يديها.
"اديني فرصة واحدة واوعدك هتغير عشانك و.."
لم يستطع تكميل جملته.
فقامت حور بنزع يدها منه.
وقامت بضربه على وجهه بشدة والدماء تغلي منها.
ثم تركته ورحلت قبل أن تردف جملته.
آخر ما سمعته هو توعد ياسر لها.
سقطت دمعة حارقة على وجهها.
ليس خوفاً من هذا ياسر.
ولكن لمَ الجميع يريدها؟
إن كانت فتاة أخرى غير حور لكانت ستفرح بذلك.
لكن حور لا.
هو لا يعرفها بشكل شخصي ولا يحبها لذاتها.
فقط يراها فتاة محافظة على ذاتها ستصون بيته وتحفظ سره.
وأيضاً لأنها منعت نفسها منه زاد تعلقه بها.
وماذا عن ليث!
هل يحبها هو الآخر.
أم يريدها كما يريدها ياسر.
حسناً، على الأقل هي تثق بـ "ليث".
وإن كانت شخصيته لا تناسبها.
ولكن ستكون في أمان معه لا شك في ذلك.
فيكفي أبوه الحنون.
ولكن تغضبها فكرة كون الجميع يتنازعون عليها.
هي تريد الشعور بأن شخص يحبها لذاتها.
حسناً، هي لا تعطي فرصة لأحد بالتعرف عليها.
وهذا ما يجعل الجميع يتنازعون عليها.
فالمعروف أن "الممنوع مرغوب".
صعدت إلى تلك الحافلة التي ستقوم بتوصيلها.
ثم رن هاتفها.
وكان الرقم لـ "ياسمين".
أجابت حور وهي تخفض من صوتها حتى لا يسمعها من يركب معها.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. إزيك يا ياسمين؟"
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وحشتينا ياست حور.. إن مكنتش أنا أتصل، متتصليش انتِ."
حاولت حور إنجاز المكالمة معها.
وأيضاً نبرة صوتها ليست بالرقيقة كما تفعل مع ياسمين.
وهذا لأنها في "مواصلة عامة".
فكما يقولون للحيطان آذان.
وأيضاً هنا الجميع يظن أنه يجوز أن نتحدث بأي حديث والضحك أيضاً.
وهذا لا يجوز.
فالشاب الذي معك في المواصلة مثله مثل الذي معك في الشارع.
مثل الذي معك في الجامعة.
لذا انتبهي دائماً على حديثك في الخارج وأمام الأجانب.
حتى وإن كنتِ في المواصلة.
"هنجيلك أنا وروان النهاردة نقعد معاكِ بعد ما تيجي من الشغل. وعشان نطمن على رغد."
سعدت حور بشدة.
وفرصة لتخبرهم عن "ليث".
أغلقت المكالمة.
ثم أخرجت مصحفها من الحقيبة.
وبدأت في قراءة سورة البقرة.
فهي تستغل مواصلاتها في قراءاتها يومياً.
حيث تقرأ النصف الأول في طريق الذهاب.
والنصف الآخر وهي عائدة.
لذلك لا تشعر بالطريق وهي مستمتعة بالقراءة.
"بس يا ستي وبعد ما كتبنا الكتاب شدنا خناقة مع بعض لرب السما. يومها اتعصبت وقولتله لو راجل طلقني. قام بالفعل قايلالي انتِ طالق."
"يالهوي.. واطلقتوا فعلاً؟"
"لا الحمد لله جه بليل صالحني ورجعنا لبعض من غير ما أقول لأهلي عشان ميحصلش مشاكل."
"أيوه جدعة إنك عملتي كدا ولمتي الموضوع قبل ما يكبر."
كان هذا الحديث بين فتاتين بجانب حور.
تركت حور المصحف من يدها.
ثم رفعت أنظارها للفتاة التي تتحدث.
"ينفع أقولك حاجة؟"
"قولي"
أجابتها الفتاة بتعجب.
نظرت لها حور وأخذت نفس عميق وهي تحاول توصيل الأمر لها بشكل مبسط.
"بصي أنا والله سمعت كلامكم غصب عني.. يعني عشان صوتكم كان عالي شوية ف أنا سمعت.. انتِ بتقولي إن يعني خطيبك اللي هو المفترض بقى زوجك قالك انتِ طالق بعد كتب الكتاب صح.. وانتوا رجعتوا لبعض من غير ما تقولي لأهلك؟"
"أيوه مظبوط"
"أنا بس عايزة أعرفك حاجة. إنه لو زوجك طلقك من قبل ما يدخل بيكي مينفعش إنه يرجعك. لأن كدا ملكيش رجعة، ولازم عقد جديد اللي هو كتب كتاب من تاني."
"يعني أنا كدا مش مراته؟!"
"للأسف لأ.. لازم تعقدوا من جديد."
كانت ملامح الصدمة جلية على وجه كلتيهما.
فالكثير لا يعرفن بهذا الموضوع رغم خطورته.
ويخفن من الأهل.
لذلك لا يخبرن أهلهن.
صعدت لتلك الحافلة التي ستقوم بتوصيلها.
ثم رن هاتفها.
وكان الرقم لـ "ياسمين".
أجابت حور وهي تخفض من صوتها حتى لا يسمعها من يركب معها.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. إزيك يا ياسمين؟"
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وحشتينا ياست حور.. إن مكنتش أنا أتصل، متتصليش انتِ."
حاولت حور إنجاز المكالمة معها.
وأيضاً نبرة صوتها ليست بالرقيقة كما تفعل مع ياسمين.
وهذا لأنها في "مواصلة عامة".
فكما يقولون للحيطان آذان.
وأيضاً هنا الجميع يظن أنه يجوز أن نتحدث بأي حديث والضحك أيضاً.
وهذا لا يجوز.
فالشاب الذي معك في المواصلة مثله مثل الذي معك في الشارع.
مثل الذي معك في الجامعة.
لذا انتبهي دائماً على حديثك في الخارج وأمام الأجانب.
حتى وإن كنتِ في المواصلة.
"هنجيلك أنا وروان النهاردة نقعد معاكِ بعد ما تيجي من الشغل. وعشان نطمن على رغد."
سعدت حور بشدة.
وفرصة لتخبرهم عن "ليث".
أغلقت المكالمة.
ثم أخرجت مصحفها من الحقيبة.
وبدأت في قراءة سورة البقرة.
فهي تستغل مواصلاتها في قراءاتها يومياً.
حيث تقرأ النصف الأول في طريق الذهاب.
والنصف الآخر وهي عائدة.
لذلك لا تشعر بالطريق وهي مستمتعة بالقراءة.
"بس يا ستي وبعد ما كتبنا الكتاب شدنا خناقة مع بعض لرب السما. يومها اتعصبت وقولتله لو راجل طلقني. قام بالفعل قايلالي انتِ طالق."
"يالهوي.. واطلقتوا فعلاً؟"
"لا الحمد لله جه بليل صالحني ورجعنا لبعض من غير ما أقول لأهلي عشان ميحصلش مشاكل."
"أيوه جدعة إنك عملتي كدا ولمتي الموضوع قبل ما يكبر."
كان هذا الحديث بين فتاتين بجانب حور.
تركت حور المصحف من يدها.
ثم رفعت أنظارها للفتاة التي تتحدث.
"ينفع أقولك حاجة؟"
"قولي"
أجابتها الفتاة بتعجب.
نظرت لها حور وأخذت نفس عميق وهي تحاول توصيل الأمر لها بشكل مبسط.
"بصي أنا والله سمعت كلامكم غصب عني.. يعني عشان صوتكم كان عالي شوية ف أنا سمعت.. انتِ بتقولي إن يعني خطيبك اللي هو المفترض بقى زوجك قالك انتِ طالق بعد كتب الكتاب صح.. وانتوا رجعتوا لبعض من غير ما تقولي لأهلك؟"
"أيوه مظبوط"
"أنا بس عايزة أعرفك حاجة. إنه لو زوجك طلقك من قبل ما يدخل بيكي مينفعش إنه يرجعك. لأن كدا ملكيش رجعة، ولازم عقد جديد اللي هو كتب كتاب من تاني."
"يعني أنا كدا مش مراته؟!"
"للأسف لأ.. لازم تعقدوا من جديد."
كانت ملامح الصدمة جلية على وجه كلتيهما.
فالكثير لا يعرفن بهذا الموضوع رغم خطورته.
ويخفن من الأهل.
لذلك لا يخبرن أهلهن.
وصلت حور أخيراً إلى الشركة.
دَلفت لأعلى وجدت الكثير ينظرن لها.
ويُطالعها بنظرات بدت لها غريبة بعض الشيء.
تجاهلت الأمر ثم دَلفت للمكتب لتجد چون أمامها وهو يهتف بصوت مرتفع.
"هلا بالعروس"
كانت روان جالسة تدرس بعض المواد التي أهملتها في الآونة الأخيرة.
ظلت ما يقارب الساعتين إلى أن شعرت بالملل.
تركت الكتاب من يدها.
ثم أخذت تتصفح بعض مواقع التواصل الاجتماعي ما يقارب النص ساعة بملل.
لا شيء جديد.
اتى على ذاكرتها تلك الرواية مجدداً.
نفضت عقلها منها.
ثم حاولت أشغال عقلها بأي شيء آخر.
تركت الهاتف من يدها.
ثم عادت للمذاكرة مرة أخرى.
لم يستوعب عقلها شيء وظل يدور حول أحداث الرواية مرة أخرى.
تركت الكتاب.
ثم أمسكت بالهاتف.
سولت لها نفسها بقراءة الرواية.
سوف تتخطى المشاهد الرومانسية.
غلبها شيطانها يأكلها فضولها لمعرفة ماذا سيحدث في بقية الرواية.
فتحت واندَمَجت في القراءة.
نَسيت كل تلك الوعود التي وعدتها لنفسها.
لقد أقسمت مراراً وتكراراً على الابتعاد عنها وعدم الرجوع لها.
كم عاهدت الله أن تستقيم؟
ولم تستقم.
كم عاهدته ألا تعود للذنوب؟
وعدت...
تذكر يوم بكت، وتذللت له أن يتوب عليك؛ وقد تاب..
فلما استجاب لك مضيت كأنك لم تدعه إلى شيء قط!!
يا عبد السوء إلى متى ستظل هكذا.
أما آن أن تصدق مع ربك ولو مرة.
ولو مرة يطلع على قلبك فيراك صادقاً في توبتك!!
تب قبل أن تندم.
كانت تلك الأصوات داخل عقل روان وهي تقرأ فجأة.
وكأن شخصاً ما يُحادثها.
تركت الهاتف مرة أخرى.
ولم تكمل تلك الرواية.
سوف تتخذ القرار الآن.
فالمرة السابقة لم تقم بحذف التطبيق مدعية بأنها لن تقرأها مجدداً.
ولكن ضعفت أمام شهواتها.
لذا ستفعل كما قالت لها ياسمين.
وستبتعد عن مصدر الذنب.
لتقوم بحذف التطبيق مرة واحدة دون أن يغمض لها طرف عين.
ياللهي كما تشعر بالسعادة.
تغلبت على شيطانها وعلى شهواتها.
كم الأمر سعيد حقاً، أن تنتصر أنت هذه المرة وتفوز.
قامت من مكانها وهي تصفق بسعادة وتضحك بشدة وتشعر بالحماس.
ستتوب نعم ستتوب وتقترب منه.
ستكون مثل "ياسمين" و "حور".
ستجعل هدفها الجنة.
قد يبدو الأمر بسيطاً بالنسبة لك.
ولكنها الجنة!!
ماذا إن كان مقابل كل هذا الجنة!؟
وهل يوجد أجمل من هذا!؟
ارتدت ملابسها لكي تصعد إلى ياسمين في الأعلى.
جلست رغد بعدما انتهت من صلاة الضحى.
ظلت على مصليتها تبكي.
هي تجاهد كي تكمل حياتها ولكنها غير قادرة.
لم يتبقى لها أحد.
تشعر بالغربة كون بجانبها الكثير.
ولكن ليس دمها.
ستظل غريبة عنهم.
تضحك وتمرح ولكن داخلها غير ذلك.
سمع والد حور بكائها.
ذهب بالكرسي المتحرك نحوها.
"ممكن أعرف الجميل بيعيط ليه؟"
"أبدا اللي ما يتسمى اللي اسمه چون. طفح علبة الحلويات كلها ومسبش ليا فتوته حتى."
"هههه هتفضلي كدا دايماً، متكتيمش جواكي يارغد، عارف إنتِ بتعيطي ليه، بس رغم كدا سألت عشان تفضي. وعارف برضو إنك مش دبش ولسانك طويل، انتِ بتحاولي تعملي كدا عشان تباني قوية، لكن يابنتي مش صح، أظهري حزنك وفرحك عادي."
"أنا عشت هنا لوحدي كتير. مينفعش أكون ضعيفة، اتربيت إني أكون قوية دايماً، كان لازم أكون قوية عشان أحافظ على نفسي، بخصوص إني دبش، ف أنا مكنتش كدا.. الظروف والحياة هنا أجبروني أكون كدا لحد ما اتعودت."
"لكن الظروف دلوقتي اتغيرت، بقى ليكي أب زي القمر زيي أهو، وعندك البت حور أهي، إحنا مش كافيين ليكي ياستي؟ لازم تبدأي تغيري طباعك يا رغد عشان محدش هيقول دي عاشت ظروف كذا، هيقولوا دي لسانها طويل ودبش. وأنا مش عايز حد يجيب سيرتك بحاجة وحشة ولا حد يزعل منك؛ وكمان عايز لما تزعلي تيجي تحكيلي."
"انت طيب أوي يا عمي محمد، صدقني هحاول أعمل كل اللي قلته."
كان زين يقوم بتحضير بعض المحاضرات القادمة.
ويضع مصحفه ومصليته جنباً، حيث بعد كل نصف ساعة يقوم بقراءة جزء كامل.
ويكمل تحضير.
وبعد نص ساعة أخرى يمسك السبحة ثم يسبح ألف تسبيحة وهكذا.
يشعر أن بهذه الطريقة تبارك في وقته.
سمع جرس المنزل يطرق.
ظن أن ياسمين أخته هي من تترك الباب.
ترك ما في يده ثم ذهب وفتح الباب.
كانت روان.
صُدم من رؤيتها وتوتر، فهي قليلاً ما تأتي لهم.
كانت روان ترتدي فستاناً بسيطاً به بعض النقوش وحجاب لا يظهر أي من خصلات شعرها.
وللعجب لم تضع أي من مساحيق التجميل.
نظر لها زين بفرحة من التغيير البادي عليها.
وظل ينظر لها بقلب ينبض بشدة.
لاحظت هي نظراته.
أخفضت بصرها وتوردت وجنتاها خجلاً.
فاق زين من نظراته وهو يلعن نفسه.
أفسح لها الطريق وكان سيهم للدخول.
ولكن نادته هي.
"لسه زعلان مني؟"
كان زين واقفاً وهو يدير ظهره لها.
ظل هكذا لمدة دقيقة ثم تحدث دون أن ينظر لها.
"لأ، مبقتش زعلان."
ثم رحل.
سعدت روان بشدة وهي تهرول تجاه غرفة "ياسمين".
أما عن زين دلف للغرفة مرة أخرى وصدره يعلو ويهبط بشدة.
نظر لها وظل مطولاً.
هو لو كان يعلم أنها الطارقة لمَ رفع عينه عنها منذ البداية.
حسناً، هو يعلم أن النظرة الأولى لك والثانية عليك.
ولكنه ظل مطول النظر إليها.
هو من ينصح الشباب بغض البصر.
هو من ينصحهم دائماً بعدم النظر إلى الفتيات حتى ولو كانت خطيبته.
ينظر هو!!
أي انتقاض هذا.
الجميع يتخذه قدوة وهو لا يستحق ذلك.
أخذ يستغفر ربه.
لم ينظر لها مجدداً.
زين ليس بملاك إنه بشر يخطئ ويصيب.
ولكن ما يجعله مميزاً عن غيره إنه بمجرد أن يخطئ يتوب.
الملتزم ليس من لا يخطأ، ولكنه من يخطأ ويتوب.
دَلفت روان إلى حجرة "ياسمين" بعدما طرقت الباب.
قامت ياسمين باحتضانها بشدة.
"شكلك قمررر بجد تجنني"
ابتسمت روان لها وشكرتها.
كانت روان تشعر بالسعادة.
ها هي بدأت بالتقرب من ربها، وزين سامحها ولها صحبة صالحة، ماذا تريد أكثر من هذا؟
ولكن هل سيدوم هذا طويلاً؟
"ها يستي كنتِ بتعملي إيه؟"
"كنت بقرأ سورة البقرة ويادوب لسه مخلصاها أهو."
"معقول.. بتقرأيها كلها!؟"
تساءلت روان بتعجب.
أجابها ياسمين بضحك.
"وكل يوم كمان."
"وليه بقى؟"
"عشان سورة البقرة دي بتحقق المعجزات.. اسمها أصلاً سورة المعجزات. مقدرش أعدي يوم من غير ما أقرأها. ولما بحب أنصح حد عنده مشاكل بنصحه بسورة البقرة.
من حوالي ٣ سنين شفت بنت علاقتي بيها شبه سطحية حزينة أوي فابتسمتلها كدا وبسألها مالك. قالتلي أخويا طلع البيت ومرجعش لحد دلوقتي بقاله كام يوم واحنا قلقانين عليه أوي. حاولت أطمنها وقولتلها اقرأي سورة البقرة بنية إنه يرجع وصدقيني هيرجع. خليكي واثقة في ربنا ومتمليش هم. كل ما تحسي إن الدنيا ضاقت بيكي روحي لربنا. وفضلت أتكلم معاها شوية. المهم أنا مشوفتهاش تاني بعد الموقف دا غير في صلاة التراويح.
أول ما شافتني جات حضنتني جامد وقالتلي أنا بحبك أوي. ولحد دلوقتي مش ناسيه كلامك ليا. وكل ما ببقى زعلانه بفتكر كلامك وبعمل بيه. وبالمناسبة أخويا رجع بعدها على طول لما قرأت السورة زي ما قولتيلي. ومش عارفة أشكرك إزاي.
حقيقي كان من أجمل المواقف اللي مريت بيها.
وحرفياً سورة البقرة دي بتحقق المعجزات. متلجأوش لحد في ضيقتكم روحوا لربنا.
عشان كدا دايماً لما تكوني في ضيقة الجأي لربنا مش لحد غيره. وصدقيني مش هيخذلك."
"أنا بحبك أوي يا ياسمين، وبحبك ربنا أوي، ومش هعمل أي حاجة تغضبه."
"ربنا يهديكي يا روان ويهدينا جميعاً."
"هلا بالعروس"
نطقها چون بمجرد أن رأى حور.
زفرت حور بحنق ولم تجبه.
ليكمل چون حديثه.
"كم أنا سعيد لكوني ستصبحين زوجة أخي هور."
"خف يا چون أحسن لك."
كان هذا صوت ليث وهو يقترب منهم.
نظر لحور بغضب ثم أردف.
"جيتي الشغل ليه؟"
"افندم؟ المفروض إني شغلي هنا.."
"دا كان قبل ما أتقدم لك.. لكن دلوقتي الوضع مختلف. وأنا مقبلش مدام اسمك ارتبط بإسمي إنك تشتغلي هنا."
"أولاً أنا لسه اسمي متربطش بإسمك، أنا لسه حرة.. دا غير إني برضه لسه موافقتش على حضرتك. ولو وافقت برضو طول فترة الخطوبة حضرتك ملكش حكم عليا غير لما أكون زوجتك. ولحد ما الوقت دا ييجي أنا هكمل شغلي عادي. ولو مش عندك هيكون عند حد تاني. ولو حضرتك مانع تقدر ترجع هن الخطوة دي، لسه محدش يعرف."
"لا هور الجميع يعلم. أنا أخبرتهم بذلك بعدما أعطيتهم الحلوى."
نظرت له حور بغضب.
إذا الجميع يعلم.
لذلك كان الجميع يطالعها بتلك النظرات منذ أن دَلفت.
"تمام يا حور. لحد ما تكوني ملكي هسمحلك بالشغل عشان عارف بس إنك مش هتتخطي حدودك مع حد. والا ساعتها أنا هيكون ليا رد فعل تاني."
"ليه واخد الحياة بالشكل دا! الدنيا مش كدا، لازم تتقبل فكرة إن مش كل حاجة هتكون زي ما انت عايز. لازم تشوف الموضوع من وجهة نظر اللي قدامك، مش يمكن تكون حضرتك غلطان؟ الحياه مش إنك لازم تمشي كلامك على اللي قدامك. أتمنى تراجع نفسك تاني. ولو حصل نصيب من هنا لحد الفرح أرجو حضرتك متكملش معايا في الموضوع هنا، أنا جايه هنا أشتغل وبس."
تركته حور ثم دَلفت للمرحاض لتقوم بتعديل نقابها.
فقد كانت متأخرة لذلك رحلت سريعاً.
حاولت تعديله ولكن لم يظبط معها فكان يحتاج أن تعقده من جديد.
كان يقف معها مجموعة من الفتيات يضعن الكثير من مساحيق التجميل.
نظرت لهم حور بحزن.
كم حمدت الله على هذه النعمة.
كان من المحتمل أن تكون هي مكانهم.
لكن الله اختارها ورزقها بحجاب أمهات المؤمنين.
كانت الفتيات ينظرن لها بازدراء.
قامت حور بخلع نقابها وهي مضطرة لذلك كي لا ينفك منها بالخارج.
نظر جميع الفتيات لها بصدمة.
تضع القليل من "أحمر الشفاه" والذي زادها جمالاً فوق جمالها.
وتضع أيضاً "أحمر خدود" أضاف لبشرتها البيضاء لمسة.
كانت حورية بحق.
"انتِ إزاي بالجمال دا ولابسة نقاب؟!"
أسألتها إحدى الفتيات بدهشة.
"مش يمكن عشان أنا بالجمال دا لابساه!! ربنا رزقني جمال يبقى لازم أحافظ عليه."
"طب على الأقل بيني عيونك الزرقا دي!"
"عيوني دي بالذات مينفعش تبان، لأنها لو بانت هكون لافتة أكتر، وضيعت السبب اللي أنا لابسة النقاب عشانه."
"طب أنا شكلي عادي، مش جميلة.. يبقى كدا أنا مش واجب عليا لبسه؟"
"ومين قال إنك مش جميلة. بالعكس مفيش بنت مش جميلة. إحنا بس درجات جمالنا بتختلف. لكن ربنا حاشا لله مش بيخلق حاجة وحشة. عشان كدا كلنا جمال وكلنا مطالبين نحافظ على جمالنا."
"كان عنده حق لما اختارك من بين كل اللي في الشركة."
شعرت حور بالحرج وشكرتها بعدما خرجت ثم ذهبت لتكمل عملها.
وبعدما انتهت همت لترحل.
ولكن أوقفها ليث.
"استنى أنا هوصلك.. مش هسيبك تمشي لوحدك في المواصلات."
اقترب من السرير الخاص بها.
كانت هي مستلقية على الفراش تنظر للسقف بلامبالاة.
وملامح وجه خالية من التعبير.
اقترب هو منها أكثر.
ثم قام بتقبيل يدها بحب شديد.
ظهر الاشمئزاز على ملامحها.
ودت لو تستطيع التقيؤ.
كم تكرهه وتكره قربه بجانبها.
نظر هو إلى التغير البادي على ملامحها وهو يردف.
"تؤ تؤ، بدل ما تفرحي إنك شوفتيني، كدا بتزعليني منك. بس متقلقيش انتِ مهما تعملي مش هازعل منك، لأنك ببساطة عبارة عن الهوا اللي أنا بتنفسه."
قال جملته تلك وجلس جانبها.
تحدث بحزن.
"الكل بيلومني أنا، أغبياء. أنا معملتش كدا عشان الفلوس لا، أنا عملت كدا عشانك، عشان بحبك. ولو رجع بيا الزمن هعمل كدا ومش ندمان لأ. كان نفسي أحس بحبك ليا، أنا عارف إنك بتكرهيني بس مش مهم المهم إنك جنبي. صحيح.. نسيت أقولك آخر الأخبار، الواد ليث اتقدم للي اسمها حور. وطبعاً زي ما انتِ عارفة ياسر عايزها....
تفتكري هيحصل إيه لما يعرفوا إنهم.... أخوات.. وبيحبوا.. نفس البنت!!"
رواية وسولت لي نفسي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم روان الحاكم
"استنى أنا هوصلك.. مش هسيبك تمشي لوحدك في المواصلات."
أردف ليث وهو يقف أمام حور.
ابتعدت هي عنه بضع خطوات وهي تجيبه:
"وحضرتك هتوصلني بصفتك إيه؟"
"إني خطيبك."
تمتم ليث بنفاذ صبر، فهو أكثر ما يكرهه أن يعترض أحد على حديثه.
"أولاً حضرتك لسه مبقتش خطيبي، وحتى لو خطيبي مينفعش توصلني برضو."
"حور، أنا مبحبش أكرر كلامي كتير، قولت مش هسيبك تمشي لوحدك في المواصلات، إفرض حد دايقك؟.. قدامي يلا."
"طول عمري بركب مواصلات وأقدر أخلي بالي من نفسي كويس، وعايزة أقول لحضرتك على حاجة بس لو حصل نصيب أتمنى حضرتك تقرأ عن ضوابط الخطوبة، عشان طول فترة الخطوبة هيكون الكلام بحدود وفي حالة الضرورة، ومفيش أي تجاوزات."
ألقت كلماتها في وجه ليث وهي تنتظر صراخه وأن يرفض، وهي تتمنى ذلك وتريد أن يتركها، فضوابط الخطوبة قادرة كما يقولون على "تطفيش" أي شخص غير ملتزم، وهذا ما تريده حور.
"ماشي يا حور.. معاكي حق فعلاً، مينفعش إني أوصلك، اتفضلي امشي انتِ عشان متتأخريش."
نظرت له حور بشك، هل وافق على كلامها بهذه السهولة!؟
شكرته ثم انصرفت مسرعة.
خرجت من الشركة وهي تتجه نحو موقف الحافلات.
استغلت الذهاب للطريق وهي تستغفر.
تراجعت يومها منذ أن استيقظت، هل فعلت شيئ خاطئ؟ هل ارتكبت ذنب؟
أخذت تستغفر إلى أن وصلت.
كان المكان مزدحم بشدة، ويوجد الكثير هناك لأنه موعد انتهاء العمل لدى الجميع.
كلما أتت سيارة هرول نحوها الشباب، لتبتعد حور وهي تعود للخلف لكي لا يلامس جسدها أحد.
"مش كنت ركبت معاه بدل ما أنا عملت فيها الخضرا الشريفة كدا."
ضحكت برضا لكونها لم تقبل بتوصيله لها، لم تسول لها نفسها بذلك رغم ما تعانيه من صعوبة في المواصلات.
ظلت هكذا مدة، أخذت تحوقل بنية تيسير المواصلة.
وبعد مرور بضع دقائق أتت سيارة.
صعدت على الفور وجلست على أحد المقاعد بجوار النافذة.
امتلأت جميع المقاعد وبقي فقط مقعد حور.
جاء شاب ليركب بجوارها ولكنها رفضت.
"يا إما تخليه يركب يا أبلة يا تدفعي انتي مكان النفر."
زفرت حور بضيق، لم يكن معها مال يكفي لفردين، فالمال الذي بحوزتها يكفي لمواصلاتها هي فقط... ستضطر للنزول وانتظار سيارة أخرى، وقد تأخر الوقت.
همت بالنزول وهي تردف:
"خلاص هنزل أنا."
"اطلعي وأنا اللي هدفع مكان النفر."
نظرت حور خلفها لمصدر الصوت بصدمة، فكان آخر شخص تتوقع أن يكون معها في هذا المكان.
"ليث."
نطقتها بصوت منخفض وهي لا تزال تستوعب وجوده.
"عمر أنا بحبك."
تفاجأ عمر بهذه الرسالة من حاسوب إحدى صديقاته في العمل.
"منا عارف إنك بتحبيني، أنا أتحب الصراحة."
أجابها عمر بمزاح وهو يظنها تمزح.
"عمر أنا مش بهزر، أنا بحبك بجد."
أرسلت له تلك الرسالة.
صُدم عمر من صراحتها وهو يعتبرها صديقة له لا أكثر.
"منال إحنا اللي بينا صداقة وبس، أنا بحبك بس حب أخوي مش أي حاجة تانية، وأتمنى تشيلي أي مواضيع من دي في دماغك."
"وليه ميكونش حب، إحنا بنتكلم دايما وبناخد رأي بعض في حاجات كتير، وشايفة إنك شخص مناسب ليا لحد ما اتعلقت بيك وبقيت بحبك."
"بس أنا موعدتكش بحاجة، وبتعامل معاكي على إني صديقتك مش أكتر، ربنا يرزقك بالأحسن مني، وأتمنى تعاملنا يكون في حدود الصداقة فقط."
أرسل لها عمر هذه الكلمات، ثم قام بقفل حسابه وهو يزفر بضيق.
كان عمر يشعر بتأنيب الضمير، هو لم يحادثها في شيء خاطئ ولكنه أيضاً لم يوعدها بشيء!!
تذكر كلام ياسمين عن الصداقة والحديث بين الشاب والفتاة، هل هذا ما كانت تعنيه بخصوص هذا الموضوع؟ هل هي محقة فعلاً؟
ولكنه يقسم أنه لم يقصد ذلك وكان يحادثها بحسن نية، هي من أخطأت حين فكرت به بهذا الشكل، هي من أحبته وهي تعلم أنه صديقها فقط.
ولكن هل يوجد سلطان على القلب!
أخذ عمر يراجع نفسه ويعيد حساباته مرة أخرى، كلام ياسمين يتجدد في عقله ويخبره أن هذا هو الصواب، وخير دليل ما حدث منذ قليل.
"ياسمين، ممكن أتكلم معاكي في حاجة ضروري!"
قام عمر بإرسالها إلى ياسمين عبر حسابه وهو ينتظر ردها على أحر من الجمر.
ولكن الأهم، هل ستجيب ياسمين على رسائله؟
دَلفت روان إلى تلك الصيدلية لتقوم بشراء بعض الأشياء لها، أعطت لها الفتاة ما تريده ثم دفعت لها روان الحساب.
كانت ستهُم بالخروج ولكن استوقفتها فتاة لم تتخطى العشر سنوات بعد.
كانت الفتاة قصيرة القامة ذات ملامح وجه طفولية بريئة.
اقتربت منها الفتاة وهي تهمس بجانب أذنها:
"ممكن يا طنط تدي دول لعمو الصيدلي وتقوليله يجيب بيهم علاج للناس اللي مش معاها فلوس تجيب!!"
في البداية ابتسمت روان على لطافة تلك الفتاة ولكن تعجبت من حديثها وهي بهذا العمر.
"طب وانتِ مدتهلوش بنفسك ليه؟"
"عشان أنا أول مرة وهتكسف."
ضحكت الصغيرة بخجل وهي تضع يدها على وجهها، أرادت روان في هذه اللحظة تقبيلها، وبالفعل اقتربت من الفتاة وقامت بتقبيلها بشدة وهي تدعو الله أن تنجب فتاة مثلها.
"طبعاً انتِ أخدتي الفلوس من بابا عشان تدفعيها."
"لأ لأ والله يا طنط، أنا اللي فضلت أحوش منهم، كل يوم من مصروفي كنت بشيل شوية لحد ما جمدتهم، بابا هو اللي قالي أعمل كدا."
اقترب والد الصغيرة والذي كان يقف على بعد خطوات يتابع الحوار بصمت.
"أنا اللي علمتها من صغرها تحوش من مصروفها وتطلع منه لله، عشان لما تكبر تتعود على كدا، زي ما والدي علمني أعمل كدا أنا وإخواتي."
هل مازال يوجد أناس هكذا! مالزال يوجد الكثير من الناس الصالحة، كانت تظن أن زين يبالغ في تدينه، ولا يوجد شخص مثله ولكن اكتشفت أنه يوجد الكثير مثل زين.
شكرت والد الصغيرة على تربيته لها وأخبرت الصغيرة بأن تذهب هي وتعطي الأموال بنفسها.
وبعد تردد من الفتاة فعلت.
خرجت من المكان وهي تشعر براحة كبيرة وسعادة.
ليس الجميع سيء ويوجد الكثير مازال يتصف ببعض الصفات الحسنة، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
كانت تسير وهي شارده الذهن لتجد من يصطدم بجسدها مع تعمده للمس جسدها حتى كانت على وشك الوقوع!!!
كان الموقف شبه تحرش.
بدأ زين في الحديث بعدما اجتمع الجميع في المسجد وطلبوا منه المرة السابقة بأن يتحدث عن "يوم القيامة".
وعلى الرغم من أن زين يعلم الكثير عن أهوال يوم القيامة، إلا أنه قام بالتحضير أولاً وقرأ العديد من الكتب عنها حتى يتحدث بشكل أوسع، ولكي يتجنب الوقوع في أي معلومة خاطئة.
"بعد آخر شخص هيموت على الكوكب، وبعد ما كل العلامات تنتهي، هييجي ملك الموت يقبض روح كل الملائكة! كل الملائكة هتموت؛ حملة العرش، إسرافيل، جبريل.
كل الملائكة مش هيتبقى غير ربنا وملك الموت بس، فربنا يأمر ملك الموت بأنه يموت فيموت.
بعدها الكون كله هيكون فاضي لمدة ٤٠ سنة! ٤٠ سنة ربنا بينادي يقول أين الملوك! أين الجبابرة! أين الطواغيت!، أين القاسيةُ قلوبهم! ، أين المتكبرون! ، محدش يرد ومحدش موجود خلاص كلنا بقينا تراب.
كل اللي انت شايفهم حواليك دول بقوتهم ونفوذهم وفلوسهم وصحتهم وعظمتهم هيموتوا! .. ربنا هيقول: لمن المُلكُ اليومَ ! لَمنِ الملكُ اليومَ ؟! محدش يرد !
فربنا هيرد على نفسه: لِلهِ الواحد القهار.
إيه اللي حصل وإيه الصوت ده!
وفجأة هما من غير علمهم هيتجمعوا في أرض المحشر، كل الأحاديث بتقول أنها هتكون فلسطين.. كلنا هنتجمع الفقير والغني، الصحيح والمريض، العالم والجاهل، المسلم والكافر،
كله هيقف قدام ربنا كلنا هنقف، كلنا عرايا وفوقنا الشمس!
الشمس فوقنا بدرجة غير طبيعية!
مش هيتمتع بالظل غير سبعة، السبعة دول هما اللي مش هتزعلهم حرارة الشمس، لكن هول الموقف هيكون على الكل حتى الأنبياء.
وقتها مافيش فرعون اللي قال أنا ربكم الأعلى، مافيش قارون اللي كان معاه أموال لا حصرَ لها!
الأنبياء نفسهم بكل عظمتهم مش موجودين! الملائكة اللي مأذنبوش ذنب واحد!
الدنيا كلها فراغ حرفياً، فين كل اللي قالوا مفيش حاجة تقدر علينا!
وإحنا واقفين، مش هنبص على بعض، كل واحد متاح له المكان اللي هو واقف فيه، واللي عليه العرض نشوف اللي عليه الدور يقف!
هتشوف هيقول إيه لربنا، هنموت من الحر، من الشمس، من الوقفة الطويلة اللي هتكون خمسين ألف سنة من اللي بنعدهم، خمسين ألف سنة واقف! فوقك الشمس مباشرة.
مرعوب، مش عارف هتكون في الجنة ولا النار، وفجأة ربنا يظهر وتشوف الملائكة بيشدوا شيء غريب وجايين!
إيه ده؟
دي النار، هيجروها الملائكة من سبعين ألف لجام.
كل لجام عليه سبعين ألف ملك، متخيل العدد!! كل ده بيجروا النار. ولكنّنا بجهلنا هنكون نفسنا نخرج من مكان الحشر إن شاء الله لو على النار! على أساس أن النار أخف.
فجأة، تلاقي السما شكلها بقت زي الوردة الحمراء، شكل الدم والشمس فوق راسنا، والكتب بتتساقط علينا، كل واحد له كتاب باسمه، مكتوب فيه كل حرف عملته، كل مكان روحته، كل بصة شوفتها، كل كلمة قولتها، كل حاجة حرفياً.. مفيش شيء هيتساب وكل واحد أدري بنفسه!
"وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا".
هتترعب من شكل الكتب، هتلاقي ناس مسكت كتابها بيمينها، وناس تانية العكس!
في ناس هتكون مفكرة إنهم من أهل اليمين ولكن العكس، وياخد كتابه من وراء ظهره والعياذ بالله، ووقتها الحساب غير حساب الدنيا، والميزان غير والقاضي هو ربنا.
مفيش نبي هيقف جنبك غيره، يقف سيدنا النبي عند ربنا يطلب منه إن كلنا ندخل الجنة ويرحمنا ويعافينا من جهنم، ولكن أمر الله نافذ، ربنا مش هيرحم أمة زي أمتنا، وهي الأمة الوحيدة اللي كلها في الجنة حتى آخر واحد منها فيه ذرة إيمان بس في قلبه، هيدخل الجنة.
خلاص كلنا رجعنا مكاننا تاني، مستنين دورنا.
وفجأة ربنا بيكشف عن ساقه! .. وساق ربنا مش زينا، دي حاجة بس هو اللي يعلمها، وساعتها هو ده الأذان إن كلنا نسجد.. اللي منا مقصر في صلاته هيحاول يسجد مش هيقدر، واللي مبيصليش خالص الله يكون في عونه هيحاول وهيبكي ونفسه يسجد، لكن مش هيقدر.. مش هيقدر غير اللي كانوا بيسجدوا دايماً في الدنيا، ومعطلهمش شغل ولا محاضرات ولا صحاب ولا أي حاجة تافهة ملهاش لازمة.
فجأة في ناس بتصرخ.. مش شايفين حاجة.. إيه اللي حصل!
وناس تانية زي ما هما سامعين صراخهم.. دول كانوا في الدنيا عمي، يسمعوا الأذان قلبهم ميتهزش ولا يروحوا يصلوا! يبقوا قاعدين مع صحابهم ميرضوش يسيبوا أصحابهم عشان يصلوا فيزعلوا ويسيبوا الصلاة عادي! ... كلنا كده للأسف.
تلاقي شخص عمل كتير جداً، وتشوفه الأيام دي تقول عليه ملاك ومفيش منه اتنين، وييجي يومها يقف قدام ربنا، تلاقي جبال حسناته اتخسفت بيها الأرض.. اللي بيتظاهر بعلمه، اللي بيتعلم علم أو لغة أو أي شيء؛ حبًا في التظاهر قدام الناس ويبين قد إيه مفيش منه!!.. واللي بيتظاهر بصدقاته، بصلاته وبحاجات كتير.. وهو ده الشخص المفلس، وكم بيننا من مفلسين.
تلاقي ربنا بيفكرك بذنب معين، فمن خجلك وكسوفك قدامه لحم وشك يقع، وبعد ما يعرض عليك ذنوب معينة، مش كل ذنوبك، تلاقي إن في كبائر لسه متعرضتش لسه، وانت مرعوب ومفكر إن ربنا نساها.. تلاقي ربنا مبدلك ذنوبك الصغيرة دي حسنات! وف وقتها انت تطمع.. يارب أنا عندي كبائر نفسي يتحولوا حسنات برضه! شوف كرم ربنا حتى وإنت مذنب.
الموقف صعب لحد ما تيجي اللقطة الحاسمة، وقت ما تقف قدام ربنا ومفيش بينك وبينه حاجز أو حائل.. هي دي أصعب لحظة فعلاً.. وقت ما تقف بين إيديه.
إنت فاكر ذنوب كتير عملتها، وخايف منها، خايف ربنا يظهرها وتتعرض قدام الخلق كلهم، وكل البشر شايفينك وخايف تتفضح، خايف حد يعرف كنت بتعمل إيه في الدنيا.. عرفت وقتها إن الدنيا فانية فعلاً، قد إيه كانت حقيرة، قد إيه كانت تافهة وغير مجزية في أي شيء! .. قد إيه كنا مديينها فوق قيمتها!
خلاص هنعدي على الصراط، والصراط هيكون أحمى من السيف، رفيع زي الشعرة.. وتحته جهنم.. وعلى الطرف الآخر منه سيدنا النبي مستنينا وبيشجعنا نعدي الصراط.. في منا اللي هيعدي بسرعة الريح، وفي منا اللي هياخده جري، واللي هيمشي واللي هيزحف على بطنه واللي هيقع في النار.. كل واحد حسب عمله.
وخلاص عدينا! نقف عند حوض النبي يسقينا كلنا، نشرب شربة واحدة ومنحتاجش نشرب بعدها تاني أبداً.. من كتر البركة والطهر اللي فيها.. ما إحنا تعبنا من الوقفة والصراط.
خلاص بقى هنتجمع مع سيدنا النبي، عاوزين ندخل الجنة بقى.
يكون بواب الجنة مستنينا كلنا.. ف سيدنا النبي يدخل أول واحد وكلنا وراه.. كل واحد في الجنة له ملكه.. ومش هنتساوي!
المشكلة مش في دخول الجنة، كل حد في قلبه إيمان هيدخل الجنة، حتى لو دخل النار في الأول.. لكن مصيره الجنة بعد كده.. الفكرة فعلاً إن مفيش وقت تعوض فيه اللي خسرته!"
انتهى زين من محاضرته، كان الجميع ينصت له باهتمام شديد، بكى زين وهو يتحدث، كان زين له قدرة على تجسيد المشهد من حديثه، يجعلك تشعر وكأنك تشاهد ما يحكيه.
نقض عليه الشباب يحتضنوه، فالجميع يحب زين بلا استثناء، يساعد الجميع بلا مقابل، ولا يتأخر عن أحد، فهو خير أخ وصديق لهم، رحل زين بعدما ودعهم.
خرج من المنزل باتجاه البيت كان يسير وهو ينظر للأرض.
فمن عادة زين أنه دائما يسير وهو غاضض بصره، لكي لا تقع عيناه على فتاة حتى ولو بالخطأ.
اقترب من العمارة التي يقطن بها، رأى مشهد جعل الدماء تغلي في عروقه، شاب اصطدم في الفتاة عن طريق القصد مع تعمده للمس مفاتنها.
لم يرى زين وجه الفتاة من شدة غضبه.
اقترب من الشاب وأمسكه من ملابسه وهو يتحدث بغضب:
"يا أخي اتقِ الله ترضى حد يعمل كدا في أختك."
نفض الشاب يد زين عنه وهو يتبجح في زين ويخبره أن لا دخل له بهذا وأنه لم يقصد.
لم يتمالك زين ليقوم بلكمه بقوة.
كانت روان تشاهد الموقف بصمت وجسدها مازال يرتعش بعد، لأنها ولاول مرة تتعرض لمثل هذا الموقف في الشارع!
أدار زين وجهه للفتاة لكي يطمئن عليها ولكن كانت الصدمة حين رآها بهذه الحالة.
"روان!!"
غمز لها ليث مع ابتسامة خبيثة ارتسمت على شفتيه.
صُدمت برؤيته هنا، هذا المغرور قام بالركوب معها في المواصلات العامة!؟ وهو من كان يشعر بالضيق لكونها تركبه.
زفرت بحنق أكثر، لمَ لحقها إلى هنا أيضاً، يبدو أن لا فرار من هذا الليث.
دفع ليث ثمن أجرته، المكان الذي بجانبها، ولم يرد دفع الأجرة لها، لكي لا يتسبب لها في حرج وهو يعلم أن حور من المستحيل أن تقبل بهذا ولأن ليس بينهم رابط شرعي بعد.
كان ليث يشعر بالفخر منها، فهو ترقب رد فعلها حين أتى الشاب للمكوث بجانبها توقع أنها ستقبل وخصوصاً بسبب ذلك الازدحام والذي من الصعب أن تجد مكان آخر لها غير هذا، كان من الممكن أن تجلس بجواره وتضع حقيبتها فاصلاً بينهم، ولكن حور فضلت النزول خير من أن يجلس أحد بجوارها.
توقفت السيارة في المكان المنشود، ترجل منها الجميع.
انتظرت حور أن ينزل الشباب أولاً ثم تنزل هي بعدهم.
وهذا أفضل لكي لا يشاهد أحد انحناءها وهي تميل على الرغم من أن ملابسها لن تظهر شيئاً.
مشيت في ذلك الشارع الذي يوصلها إلى بيتها، وكان ليث يسير بالقرب منها أيضاً.
توقفت حور بغضب وهي توجه حديثها له:
"لو سمحت مينفعش كدا، حضرتك ماشي ورايا ليه؟ ومتقولش خايف عليا، أنا مش صغيرة وأقدر آخد بالي من نفسي كويس."
تحدثت حور بغضب وهي تحاول أخذ أنفاسها من تحت نقابها.
"ومين قال إني ماشي وراكي يا آنسة! هو أنا أعرفك أصلاً؟ أنا رايح بيت عمي محمد عشان عندي معاه ميعاد، حضرتك اللي وقفتيني!؟"
أجابها ليث بثقة وهو يردف بهدوء شديد، يحاول كبح ضحكته وهو يتخيل امتعاض وجهها أسفل النقاب.
شعرت حور بالغباء ولعنت نفسها، لم يكن عليها أن توقفه وتتحدث معه، همت لترحل هي ولكن استوقفها آخر شخص تتمنى رؤيته مع ليث تحديداً.
"وعاملة عليا أنا الخضرا الشريفة!"
رواية وسولت لي نفسي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم روان الحاكم
"وعامله عليا انا الخضرا الشريفه"
نطقها ياسر بسخرية وهو ينظر لليث بغضب.
ظلت حور متصنمة مكانها ولم تنطق حرفاً واحداً على الأقل، بينما كان ليث ينصت لحديثه بهدوء شديد، وعلى وجهه اجتمعت كل علامات الشر.
إقترب منه ثم قام بلكمه بعنف حتى تلون وجهه.
نهض ياسر ثم وجه له ضربة، فلم يكن ياسر بالخصم الهين، وجه له لكمة أخرى ولكن تفاداها ليث وهو يلكمه مرة أخرى.
ثم إقترب من أذنه وهو يهمس:
"من حسن حظك إنها معايا، وإلا كان زمانك مدفون مكانك، وهندمك على كل حرف نطقته.. دي أشرف منك."
لم ينطق ياسر، مثل الطاعة وعلى وجهه ترتسم علامات الخبث، فها هو نجح في أول مخطط له.
"مش مهم هي هتتخطب لمين دلوقتي، المهم.. هي هتكون لمين في الآخر."
نظر له ليث ولم يتمالك أعصابه، كان يعلم أنه تفوه بهذا الكلام ليثير إستفزازه، وعلى الرغم من أن ليث ليس بالخصم السهل إستفزازه، إلا أنه لم يتمالك نفسه كيف يتحكم بأعصابه وهو يتحدث عن حور خاصته!!
حاول كبح غضبه وتحدث بثقة وبرود:
"مستني أشوف هتكون لمين في الآخر."
تركه ليث ثم اقترب من حور وهم ليمسك يدها ولكن نفضتها حور وهي تبتعد عنه.
"لو مش ليا صدقني مش هخليها لا ليا ولا ليك."
تجاهله ليث واقترب من حور مرة أخرى، وهذه المرة امسك يدها عنوة وسار معها، حاولت سحب يدها بشتى الطرق ولكن فشلت.
بعدما ابتعدوا مسافة ليست بقليلة، توقفت حور بغضب وهي تحاول نزع يدها ولكن فشلت، كان ليث يقبض على يدها بكل قوته.
"لو سمحت سيب إيدي."
أردفت حور بغضب وهي مازالت تحاول سحب يدها منه.
"عايز أعرف مين ده حالا."
"كفاية لحد كده بقى، مش مكفيك إنه بسببك اتكلم عليا وأنا عمري ما حد جاب سيرتي."
"متغيريش الموضوع وقوليلي مين ده حالا ويعرفك منين."
حاولت حور التحكم في غضبها، مازالوا في الشارع بعد، وليث لن يتركها دون أن تخبره، فهي أصبحت تحفظه عن ظهر قلب.
"طب ممكن حضرتك تسبيني أمشي وبعدين أبقى أقولك هو مين ده، مينفعش أقف معاك في الطريق كده."
"ماشي يا حور امشي قدامي وأنا هبقى وراكي."
لم تجبه حور وتركته ورحلت.
سقطت دمعة من عيون حور، كم كرهت ذاتها.
هل وصل الأمر للخناق عليها؟ والسؤال الأهم.
لمَ هي؟ لم تخطئ في شيء. تقسم أنها طوال عمرها تتحدث بحدود وفي الضروري فقط، إذا ما الذي أخطأت به.
أخذت تراجع نفسها وهي تبكي. إن كانت فتاة غيرها كانت ستفرح بذلك عكس حور.
أخذت تتذكر وتراجع ذاتها، هل فعلت شيء خطأ ليتنازع عليها الاثنان؟ هل هي السبب!
أم لأنها متحفظة وتتعامل هكذا، الشاب يبحث عن الفتاة التي تحفظ بيته وتصون عرضه، إذا ليس حباً.
وصلت إلى المنزل.
كان ليث يسير خلفها وهو يتنفس بعنف، يشعر بالغيرة تأكله. من هذا الشاب وما علاقته بها؟
هي كانت على علاقة به؟!! طب هل تحبه!
هل تقدم لخطبتها ورفض أبيها!! أسئلة كثيرة تدور في ذهنه بخصوص هذا الشاب.
توقف عقله عن التفكير وهو يتذكر كلام أبيه.
حين عرض عليه والده الزواج منها قبل أن يخبره أنها حور، أخبره أن هناك من يريد الزواج منها عنوة.
إذا هذا هو.
لعن نفسه لأنه شك بها، حور ليست مثلها بل لا يوجد مثيل منها.
نظر أمامه وجد حور تدلف للمنزل.
كان سيهم للدخول ولكن فضل انتظار والده.
"روان!!"
نظر زين لها بصدمة، هل هذه الفتاة هي نفسها روان خاصته!!
كانت تضع رأسها أسفل بحزن، سقطت دمعة من عيناها وسقط معها قلب زين.
نظر للشاب مرة أخرى ثم قام بلكمه عدة مرات بشدة.
تجمع كل المارة في الشارع والذين خمنوا ضرب زين له، فالجميع يعلم هذا الشاب وتصرفاته مع الفتيات.
"اضربه يابني اضربه خليه يعلم إن الله حق بدل اللي بيعملوا في بنات الناس ده."
"تستاهل اللي بيحصلك يا تربية***"
اقترب شاب آخر من زين وظل يضربه معه حتى أصبح الشاب وجهه مليء بالدماء.
تنفس زين بعنف، شكره الجميع وظلوا يدعون له، فهذا الشاب ابن لرجل معروف ولم يجرؤ أحد على ضربه سوى زين.
نظر خلفه لم يجد روان، ظل يبحث عنها كمجنون لم يجدها، رحلت هي بهدوء دون التفوه بحرف واحد.
كان زين يشعر بالخوف نحوها، فهي من الشخصيات الحساسة التي لا تتجاوز الموقف بسهولة.
هرول تجاه منزلها وطرق الباب بشدة.
فتحت له والدتها بتعجب من شدة طرقه للباب بهذه الطريقة.
"أنا آسف يا مرات عمي، هي.. هي.. روان جات!؟"
"لا يابني خرجت من شوية واخرت لسه مرجعتش، فيه حاجة ولا إيه ووشك مخطوف كده."
"هاا.. لا أبداً أنا بس كنت جاي أطمئن عليكم، هاطلع أنا بقى ولما تيجي أبقى عرفيني."
تركها زين بعدما ظلت تلح عليه بالدخول ولكنه رفض معللاً أنه مشغول، صعد لأعلى وهو يدعو الله أن تكون مع "ياسمين" أخته.
وكما توقع، طرق باب حجرتها فسمحت له بالدخول، وجد روان تجلس داخل أحضانها وهي تبكي.
"أنا... أنا.. والله ك. كنت.. لابسه لابسه.. واسع."
تحدثت روان من بين شهقاتها، نظر لها زين بحزن، يود الفتك بهذا الشاب مرة أخرى.
"خلاص يا روان.. استهدي بالله."
تفوه زين جملته وهو يحاول مواساتها.
ظلت ياسمين تشد من أحضانها وهي تتفوه ببعض الكلمات لتهدأ من روعها ثم تحدثت مازحة:
"خلاص ياستي كفاية دراما.. أمال أنا أعمل إيه اللي اتثبت من اتنين وكانوا هيقطعوني هههههه"
"إمتى الكلام ده حصل!!"
توقفت عن الحديث وهي توبخ نفسها، تذكرت أنها لم تخبر زين...
نظرت له ثم تحدثت بتوتر:
"اصل يعني... هو"
اقترب زين منها بهدوء وهو يترقب رد فعلها.
"إيه اللي حصل يا ياسمين انتِ عمرك ما خبيتي عليا حاجة."
كانت ياسمين على وشك البكاء من كم الغباء الذي بها.
لم تجد مفر سوى من إخباره بالأمر، قصت عليه كل شيء من بداية مرورها بالشارع ومقابلة الشابين وإنقاذ عمر لها وأخذها لشراء ملابس أخرى.
ظل زين دقيقة صامتاً وهو يتنفس بعنف وضربات قلبه تزداد، اقترب منها ثم شدها لأحضانه.
أدمعت عين ياسمين وهي تتذكر ذلك المشهد حتى أجهشت في البكاء، كم كانت تحتاج حضنه حينها ولكن لم ترد إخباره حتى لا يقلق عليها.
بكت روان معها هي الأخرى.
"إزاي متقوليش ليا حاجة زي دي يا ياسمين، كتمتي جواكي كل ده ليه؟"
"مكنتش حابة أقلقك يا زين."
"طب والله الواد عمر ده طلع راجل."
تفوهت روان بضحك من بين شهقاتها حتى نظر لها زين بطرف عينيه بغضب، التزمت الصمت وهي ترى تغير ملامح وجهه.
تحدث زين بعدها:
"من هنا ورايح مشوفش واحدة فيكم تخرج لوحدها، أنا هوصلكم معايا للجامعة وهجيبكم، ومشوفش واحدة تخرج لوحدها، وإن احتاجتوا أي حاجة تقولولي."
اقتربت ياسمين من روان وهي تهمس في أذنها:
"الواد زين أخويا ده طلع حمش قوي، مش بس كده.. لا ده حضنه طلع حلو قوي.. ووافقي عليه بقى لما يتقدم لك عشان تاخدي حضن زيه.."
تلون وجه روان، وهربت الدماء منه وهي تنظر بخجل بسبب حديثها، والذي حمدت ربها أن صوتها منخفض ولم يسمعه زين.
أخبرت ياسمين زين عن ذهابهم لرؤية صديقتها في المنزل، رفض في البداية ولكن مع إلحاحها مخبراً إياها بأنه هو من سيقوم بإيصالهم.
نزلت روان أسفل لتستعد للذهاب وهي تخبر ياسمين بأن تجهز وتأتي لها.
ارتدت ياسمين ثيابها وهي تجدد نيتها بارتداء ملابسها الفضفاضة ثم خرجت من المنزل وهي تتجه لمنزل روان.
دخلت بعدما طرقت الباب نظرت لروان بابتسامة.
ضحكت روان وهي تدور حول نفسها وتشعر وكأنها فراشة بهذا الفستان الواسع البسيط.
"لبسي كده حلو!؟"
"قمر."
"لبسك ماشاء الله جميل ولكن فيه الأجمل. ربنا أمرنا بالخمار وهو فرض لا خلاف عليه. وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ. فساتينك واسعة ودي حاجة كويسة ولكن عايزين ناخد خطوة لقدام بقى مش هنفضل عند نفس النقطة الحلوة عايزين الأحلى عشان ربنا يرضى عنا."
"بس أنا حاساها خطوة صعبة، وحاسة هشوف لبسي مش حلو، يعني هل انتِ كده شايفة لبسك شيك وحلو، أكيد لأ."
"بالعكس مين قالك كده، إن ربنا ينعم عليكِ باللبس الفضفاض دي نعمة. أما إنك تشوفي في لبسك الفضفاض شياكة وجمال مبتشوفيهمش في البناطيل واللبس الضيق، دي نعمة أخرى وفضل عظيم، بعد فضل توفيقك للطاعة نفسها. وأنا بشوف لبسي جميل وشيك كمان."
"ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم."
"وما الفضفاض إلا قرار نبع من القلب قبل أن يتزين به الجسد، فَـ أضيئي قلبكِ بِـ حب الستر.💛"
"أنتِ جميلة قوي يا ياسمين، وزعلانه إني مكنتش مصاحباكي من زمان انتِ وحور."
"وادينا ياستي بقينا معاكي أهو."
"أنا حقيقي في أشد الحاجة لحد ياخدني ويقعدني في بيئة إيمانية! نقعد فترة في المسجد انعزل فيه عن الناس وعن السوشيال وعن أي شيء يغضب ربنا والاكتفاء بصحبة صالحة لا يشقي في صحبتهم أحد. مش بنعمل حاجة غير إننا بنتدارس آيات القرءان و بنتكلم عن ربنا و نشحن قلوبنا من تاني عشان نقدر نواجه الدنيا والفتن اللي بنتعرض لها."
"فعلاً يا روان معاكِ حق، يلا نلحق نمشي عشان مناخرش على حور، ولما نرجع هقولك على حاجة حلوة نعملها."
خرجا من المنزل وكان زين بانتظارهم، ركبت ياسمين بجوار زين، وجلست روان في الخلف.
قام زين بتشغيل بودكاست لـ "عمرو منير" يسمى "فين المشكلة"، كانت روان تنصت له باهتمام شديد وهي تستشعر كل حرف تسمعه حتى وصلوا.
أخبرهم زين بأن يقوموا بالاتصال به حين ينتهوا وسوف ينتظرهم في المسجد المجاور.
ترجلوا من السيارة ثم قاموا بالطرق على منزل حور، حيث كانت ياسمين تعرف منزلها لأنها سبق وأن أتت لها من قبل.
فتحت لهم لتنظر روان للواقفة أمامها بصدمة.
سار زين باتجاه ذلك المسجد لكي يستريح هناك، كم يشعر بالتعب، فوجودها جانبه سيرقه، لم يستطع التقدم للزواج منها دون أن يطمئن على شقيقته، وفي الوقت ذاته وجودها جانبه كأنه الدخول للنار بقدميه، فهي تمثل نقطة ضعفه، وهو ليس بحجر لكي لا يضعف أمامها.
ولكنه أيضاً بمثابة الأب لها ولا يجوز تركها بمفردها، خصوصاً وهي فتاة وحيدة.
دخل زين المسجد وصلى ركعتين تحية المسجد ثم وجد من يضع يده على كتفه ويهتف باسمه!!
نظر له فكان صديق قديم له، احتضنه زين بحرارة.
وقاموا بالتحدث معاً في أمور شتى.
"بس انت بتعمل إيه هنا، انت مش عايش هنا يابني."
"أنا خارج هنا في سبيل الله أنا ومجموعة شباب معايا، وبالمناسبة كنا هندي درس، هنسيبلك انت الطلعة دي يا شيخ زين."
رفض زين ولكنه أصر عليه وقد تجمع من في المسجد عليه حتى وجد أن لا مفر.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهلاً بكم، بما إن أحمد أصر عليا إني أدي أنا الدرس وأنا مش محضر لأي حاجة الحقيقة، فهقولكم على قصة بحبها."
"دكتور في الجامعة متعين جديد بيقول:"
"نزلت أتمشى شوية في حرم الجامعة، لقيت طالب بيقولي ممكن حضرتك ناخد البريك وقت الصلاة!"
"كان أول مرة أسمع الطلب ده ووافقت لأنه قريب من وقت البريك اللي أنا محدده!"
"مرة بعد مرة حبيت الولد ده جداً هو واتنين صحابه، وسننا كان لسه قريب جداً من بعض!"
"عجبني جدا روحهم الحلوة وابتسامتهم طول الوقت، بقيت في البريك بنزل أصلي معاهم ونرجع المحاضرة!"
"في آخر الترم واحد منهم جه قالي اطلع معانا عمرة، حبيت الفكرة وقولتله أشطا، قالي بس هنطلع بري!"
"قالي ليه مفيش طيران!"
"قالي فيه بس إحنا هناخدها رحلة نستمتع بالصحبة والثواب بإذن الله أكبر!"
"بصراحة أنا مكنتش فاهم صحبة إيه واحنا رايحين عمرة، إيه هنقعد في الاتوبيس نغني ونرقص ونعمل مقالب في بعض ونلعب أفلام يعني وننزل الماية!"
"المهم وافقت."
"ركبنا الاتوبيس؛ بعد شوية واحد مسك الميكروفون وعرفنا بنفسه بعدين قال أنشودة وكان صوته تحفة، بعدها كذا واحد يطلع يعرفنا بنفسه. اللي قرأ قرآن واللي قال أذكار واللي هزر شوية واللي بص على الجبال وقالنا "خواطر" لما بيتأمل في خلق الله."
"أنا كنت قاعد مش فاهم؛ إيه ده فين التسقيف والرقص طيب."
"كنت بتفرج على اللي بيتكلم وعلى الناس اللي قاعدين كلهم كنت مستغرب نفسي وسط الناس دي، بس مش عارف ليه كنت حاسس إني مبسوط جداً!"
"وصلنا الميناء، صاحبي خدني يعرفني على واحد قاعد على الأرض مع سواق الاتوبيس واتنين كمان بياكلوا، قالي ده صاحب شركة السياحة اللي طالعين معاها!"
"استغربت وقولتله هو مطلعش مع رحلة الطيران!"
"قالي لا هو بيحب يطلع بري علشان لو الناس احتاجوا حاجة!"
"مش هعرف أقول حسيت بإيه ولا الراجل ده بابتسامته وتواضعه أثر فيا إزاي!"
"ركبنا العبّارة، لا الكباين صالحة للنوم ولا السطح ينفع حتى نفرد ضهرنا عليه لأن كان فيه طبقة غريبة لزجة شوية مغطية السطح كنا بنعاني حرفياً، بس الناس دي في كوكب تاني؛ بيتكلمو ويضحكو ويهزروا!"
"واحد منهم مرة واحدة بص للسما وقال بصوت عالي:"
"احنا متبهدلين أهو، مش عارفين نمدد جسمنا حتى، كان ممكن نطلع طيارة، الثواب يارب!"
"أنا لسه في حالة اللاوعي اللي أنا فيها، حاجات كتير مش مستوعبها ولا شوفتها قبل كده."
"هو بيكلم ربنا؟ بحب كده؟ بهزار محترم قوي كده؟"
"كانت لحظة غريبة عليا جدا!"
"وصلنا بعد يومين معاناة تامة، دخلنا فندق المدينة بعد نص الليل؛ طبعاً جريت على السرير هموت وأنام؛ لقيت صاحبي بيقولي يلا!"
"فبقوله يلا إيه!"
"قالي ننزل نسلم على الرسول ونصلي قيام عند الحرم!"
"يا عم انت مش طبيعي أنا هنام شوية عشان أفوق كده وبعدين أعمل كل ده، انزلوا انتو!"
"فعلاً نزلوا هما وأنا نمت؛ كنت تقريباً بقعد في الأوضة لوحدي كل فترة وهما يرجعوا يناموا ساعة ولا اتنين وينزلوا الحرم يكملوا!"
"صاحبي ده كان نايم مرة، سمعت صوت بصيتله لقيته في سابع نومه بيتكلم وهو نايم بيقول: لا يا "عمر"... "أبو بكر" ذهب إلى ....!"
"انت بتحلم بإيه يا عم انت؟ انت بتكلم مين طيب؟"
"بالله عليك ادخلني معاك في الحلم ده يا أخى!"
"واحنا في الحرم قبل الصلاة واحد منهم قال:"
"النهارده آخر يوم في المدينة والإمام ده بعشق صوته؛ يارب يقرأ سورة الرحمن!"
"بدأنا الصلاة وبعد الفاتحة؛ بدأ الإمام "الرحمن علم القرآن.."! أنا في اللحظة دي بكيت على نفسي جداً!"
"هما إزاي الشباب دول كده! إزاي وصلوا لكده مع ربنا! إزاي ربنا راضيهم كده والفرحة وابتسامة الرضا مش بتروح من على وشهم!"
"طب هو ليه أنا مكنش صحابي زي دول؛ كانت حاجات كتير اتغيرت!"
"أنا كنت فاكر إني عايش كويس ومبسوط؛ بس معاهم فهمت الفرق بين إني "أعيش" وإني "أحيا"!"
"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَي وَهوَ مؤْمنٌ فَلَنُحْيِيَنهُ حَيَاةً طَيِّبَة وَلنجزِينهمْ أَجْرهم بِأَحسنِ مَا كَانُوا يَعْمَلون!"
"وَمنْ أَعرض عن ذِكْرِي فَإِنَّ لَه معِيشَةً ضَنكًا ..."❤️
"ودي من أجمل القصص اللي بحبها.."
نظرت روان لها بصدمة وهي تردف:
"أنتِ مين!!"
ضحكت عليها ياسمين وحور بشدة.
كانت ياسمين ترتدي بيجامة وردية باللون البينك وتاركة لشعرها العنان وتضع أحمر الشفاه، فكانت أقل ما يقال عنها فاتنة.
"انتِ طلعتي بتلبسي وتحطي زينا بقى كانت مخفية فين الحلاوة دي."
"مخفية لقرة عيني" تفوهت حور وهي تضع يدها على وجهها وتمثل الخجل، ليضحكوا عليها بشدة.
"طلعتي مش سهلة يا حور."
"مش معنى إني بلبس بره كده إني متزوقش وألبس لبس زي البنات، مفيش بنت يا روان مش بتحب اللبس والزينة والميك أب، لأن دي فطرتنا اللي اتخلقنا عليها، لكن الصح هو إمتى نتزين ولمين، مفيش حد ليه الحق يشوفنا كده غير اللي يستحقني بس، لكن مروحش أتزين للناس كلها وأنا هاخد شخص واحد بس!!"
"روان.. ياسمين، وحشتوني يا عيال."
صرحت رغد وهي تهرول تجاههم وهي تضحك بشدة.
أحتضنت كلا منهما وبعد الترحاب جلسوا سوياً، لتتحدث حور:
"أنا جايلي عريس."
قاموا بالصراخ بفرحة وهم يحتضنوها وكأنها أخبرتهم للتو بإن موعد زفافها.
نظرت لهم رغد بدهشة من رد الفعل المبالغ، ولكن فرحتهم بحور كانت طاغية عليهم، أخبرتهم حور بأنه مديرها في العمل وقصت عليهم بعض من التفاصيل.
ظلوا يمرحوا سوياً، حاولت حور تناسي أمر خطبتها والاستمتاع مع أصدقائها.
"يا بابا يلا بقى أخرنا."
وقت ليث يشعر بالضجر بسبب تأخر والده.
ضحك والده عليه بشدة وهو يخرج من غرفته بعدما ارتدى ثيابه، وقف ليث بتذمر كان ينتظر وكأن الليلة عيد له، أصبحت تصرفاته صبيانية بعض الشيء.
"شايفك فرحان يعني وهتتجنن عشان نروح.. مش كنت مش موافق؟"
"يعني انت كنت عارف إنها حور من الأول ومرضتش تقولي!!"
"أنا افتكرته مش هيفرق معاك، عموما لو مش موافق سيبها وأنا أجوز..."
"يلا يابابا عشان منتأخرش على الناس."
قطع ليث حديثه، فكان والده يتحدث بمراوغة.
صعد لأعلى وجذب چون من ثيابه ولم يجعله يكمل ملابسه وأخذها معه ليكمل في السيارة.
ركبوا ثلاثتهم ثم توجهوا لمنزل حور وليث يسوق بسرعة عالية وهو يشعر بالحماس الشديد.
وصلوا أخيراً، ترجلوا من السيارة وتوجهوا لمنزل حور.
فتحت لهم رغد ورحبت بهم بامتعاض.
كان والد حور بانتظارهم رحب بمحمود بشدة وهو يحتضنه بحرارة، جلسوا وهم يتحدثون في بعض المواضيع.
حتى نطق محمود:
"أمال فين عروستنا يا محمد."
نظر له ليث بشكر وأراد أن يحتضنه.
نادى محمد عليها حتى أتت حور وهي ترتدي فستان باللون الكحلي بعدما رفض الفتيات ارتدائها للأسود، فهي مازالت رؤية شرعية ومن حقه رؤيتها لها.
قام محمود ومد يده لها لتضع حور يدها على صدرها وهي تردف:
"آسفة يا عمو مش بسلم."
نظر لها محمود بفخر ثم اقترب منها وقبل جبينها.
"ربنا يبارك فيكي وفي تربيتك دي."
نظرت له حور بفاه فارغ! تخبره أنها لا تسلم ليقبل رأسها!!
إنفجر چون من الضحك، أما ليث شعر بالغيرة من اقتراب والده منها.
جلسوا جميعهم بالحجرة المجاورة لهم لكي يتركوا لهم مساحة الحديث وكأن الحجرة مطلة على حجرتهما أي بالقرب منهم.
جلست حور ونظر لها ليث مطولاً ثم أردف:
"أظن كده من حقي أشوف وشك."
رواية وسولت لي نفسي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم روان الحاكم
أظن من حقي إني أشوف وشك.
نظرت له حور بضيق، لا مفر أمامها. فهو من حقه رؤية وجهها، ولكنها ما زالت لا تريد بعد. ليس ليث من بقيت تنتظره وتراسله كل تلك المدة، وتكتب له ما في جوفها. على الرغم من أنه شاب ثري ووسيم أيضاً، وأي فتاة تتمناه، ولكن حور تختلف عنهن جميعاً.
رفعت يدها بتوتر لكي تفك رابطة نقابها. كان ليث ينتظر رؤية وجهها بفارغ الصدر، ويأكله الفضول. فأخيراً سوف يرى وجهها بعد تلك المدة.
نزعت حور رابطة نقابها.
نظر ليث لها بصدمة. يا إلهي! ما هذا الجمال. للحظة تخيل لو أنها لم ترتدي هذا الذي يخفي وجهها، كيف كان سيتقبل أن يراها الجميع. لم يدرِ هل هي بهذا الجمال، أم هو من يراها هكذا. ظل يحمد ربه على نعمة هذا الحجاب الذي يُخفي جمالها، سوف يُخفيها عن أعين الجميع، ولن يسمح لأحد رؤية وجهها الملائكي هذا. هو فقط من يحق له برؤيتها.
ظل مطولاً النظر لها. لاحظت حور نظراته المنصدمة نحوها، حتى أمسكت نقابها وارتدته مرة أخرى. زفر ليث بحنق، فهو ما زال لم يشبع من ملامحها بعد.
قام ليث من مكانه، وتوجه ناحية أبيها، فهو لم يعد يطيق الانتظار بعد. يريد أن تكن له الآن.
على الطرف الآخر، قدمت أمسك جون بلعبة الحلوى وهو يقدمها إلى رغد.
"جلبت لكِ تلك الحلوى خصيصاً لأجلكِ يا قبيحة." قالها جون بلطف شديد، ليس وكأنه لم ينعتها منذ قليل.
نظرت له رغد بغضب وهي تردف:
"شايف يا عم محمد، عشان لم أغلط فيه متزعلش."
ضحك على مزاحهم. تقدمت رغد، ثم أخذت الحلوى من يده وهي تتصنع الخجل. حتى انفجر جون عليها ضحكاً.
خرج لهم ليث وهو يتحدث بجدية:
"ممكن بعد إذنك يا عمي نلبس الدبل النهاردة ونقرأ الفاتحة، وأنا عايز كتب الكتاب على طول عشان نكون على راحتنا."
صُدم الجميع من حديثه، وخاصة والده. تصرفاته أصبحت صبيانية، ولم يعد يفكر بالحديث أولاً.
"ولمَ الاستعجال يا رجل، ألم نتفق بأننا سنتزوج معاً؟ ماذا فعلتِ به يا حور؟!" تفوه جون بكلماته تلك لينظر له ليث نظرات أخَرَسَته.
تحدث والد حور أولاً:
"لسه بدري يا ابني مش لما تتعرفوا على بعض الأول، إحنا حتى لسه ما اتفقناش."
"مش محتاجين اتفاق، أنا هاخدها بشنطة هدومها. وقبل ما تعترض، ده اللي المفروض يحصل شرعاً. تاني حاجة، مش محتاجين نعرف بعض. الآنسة حور شغالة عندي من فترة ونعرف بعض كفاية."
كانت الفتيات يتابعن الحوار من خلف تلك "الستارة" وهنّ سعيدتان لأجل صديقتهن. حتى تقدمت "ياسمين" من "حور" وهي تردف:
"هنِمشي إحنا بقى يا حور عشان زين أخويا مستني تحت."
رفضت حور بشدة أن تجعلهم يذهبون، تريد أن يكونوا معها. وأقنعتهن بأن تجعل أخيها ينتظرهم هنا. رفضت هي، ولكن "حور" أصرت على موقفها وذهبت لليث وهي تردف ببعض الضيق منه:
"لو سمحت أخو ياسمين وروان مستني تحت، ممكن تنزل تجيبه هنا عشان مينفعش يقف تحت."
"لأ."
كلمة من حرفين، جعلت حور تنظر له بصدمة وخجل من رده الوقح. ماذا إن كان المنزل منزله!! كان ليث يشعر بالغيرة من أن يأتي رجل آخر ويراها، ولكن الأهم، هل هذه غيرة عليها أم شك!!
"يا ابني لو كان بيت أبوكم عرفنا." وبالطبع لم نكن بحاجة لمعرفة المتحدث.
اقتربت حور منهم وهي تردف بصوت مازح:
"معلش هو دايماً بيحب يهزر كدا. كلميه يا ياسمين وعرفيه إن بشمهندس ليث هينزل ياخده."
"ادخلي غطي عيونك الأول." تحدث ليث بغيرة من رؤية أحد لعيناها.
"كنت هدخل من غير ما تقول."
تحدثت "ياسمين" مع زين وأصرت عليه بالمجيء بعدما شرحت له الأمر، ولكنه رفض. تحدث معه ليث ليقنعه، ولكنه رفض أيضاً. أصر عليه ليث ولم يوافق زين أيضاً احتراماً لحرمة المنزل. حتى عرض عليه زين بأن يأتي ليث لهم ويجلس معه في المسجد ويحتفلون به على طريقتهم الخاصة. وافق ليث على مضض.
نزل كلا من جون وليث أسفل بإنتظار زين.
حتى أتى زين بالقرب من منزل حور. ومجرد أن رآهم، توقع أنهم هم. اقترب منهم وهو يتحدث ببسمة:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً يا شباب، ازيكم؟"
ردوا عليه التحية، وبعد قليل من التعارف، أخذهم زين للمسجد. كان قد أخبر الشباب بالأمر.
رحبوا بهم بشدة، ثم تحدث أحمد:
"بصراحة، أنا كنت زهقان جداً، بس طالما معانا عريس يبقى نستغل الفرصة دي وننبسط. أول فقرة هنعملها هنغني ونرقص، وبعدين تاني فقرة هنعملها هناخد خطبة جميلة أوي من أخ لينا، وتالت فقرة خلوها مفاجأة."
صاح جميع الشباب بمرح وهم يستعدون. كان ليث يشعر بالضجر من هذا الجو. كيف لهؤلاء المشايخ أن يفرحوا بهذه البساطة!! بالطبع سيكون الأمر مملاً.
أما عن جون، كان يشعر بالملل وخرج من المسجد. غاب بعض الدقائق ثم عاد وهو يحمل ما يسمى "بالطبول". ثم بدأ بالطبل عليها بشدة وهو يغني:
"الليلة دي نورك بادي وقلبي ينادي بالفرحادي. دا انت القمر الليلة... نورتي...
نور الليلة نور مش عادي، بيخطف قلب الناس ع الهادي ويحبسها تملي... نورتي.
دا عريسنا قمر قلب سكة الأشواك. دا ناداه ياقمر انزلي أنا مشتاق. دا عريسنا قمر قلب سكته الأشواك. دا ناداه ياقمر انزلي أنا مشتاق.
غني وقول... على طول... ياحسد وليييي، إسلام يابشر، بصوا على الحلوين إزاي... مقصور وقصر بالشبكة اللي ملهاش ذاد.
صلوا عليه. وادعولي... ياحسد ولي..."
ظل أحمد ينشد بفرحة مع الطرق على الطبل مع رقص الشباب وجون يرقص معهم بفرحة شديدة.
كان زين يحرك يده ببعض الرقصات مع الشباب، ثم اقتربوا من ليث وجعلوه يفعل مثلهم عنوة بعدما رفض. ظل ليث يزفر في البداية حتى اندمج معهم.
وهو ما زال لم يستوعب الأمر بعد، لقد نسي نفسه وهو معهم. أخذ يضحك عليهم بشدة، كيف يكونوا بهذه البساطة والمرح.
وعلى الجانب الآخر، كانت تقف رغد على طرف المقعد وهي تمسك "غطاء الحلة" وتقوم بالطرق عليه بشدة. في حين تقوم "ياسمين" بالإنشاد وحور تردد معها. وروان تضحك بشدة وتكتفي بالتصفيق، لأنهم لم يحفظوا تلك الأنشودات بعد.
انتهت ياسمين من الأنشودة حتى طالبها الفتيات بأخرى غيرها. وافقت، ثم بدأت بالغناء مرة أخرى مع تصفيق روان وطرق رغد. وحور تتوسط الدائرة وهي تحرك يدها وتقوم بالرقص ثم تدور حول نفسها. والفتيات يقمن بالدوران معها.
تناست حور أمر ليث وحاولت الشعور بأنها عروس وأن اليوم خطبتها. فكم تمنت هذا اليوم، حتى ولو كان ليث ليس الشخص الذي تتمناه، ولكنها تثق باختيارات الله له.
"جمع ووفق... بنت الأصول لابن الأصول. جمع ووفق...
طيب ونول طيبة وكنور. عيلة ونسب... وجمال وحسب... جمع ووفق.
وكفاية لاتنين عندهم الدين... ويارب ووفق. جمع ووفق.
من بين بنات وبنات وبنات حبها هي الوحيدة. وإن شاء الله يجيبوا صبيان وبنات. ويعيشوا دنيا سعيدة. دنيا سعيدة.
جمع ووفق. بنت الأصول لابن الأصول. عيلة ونسب... وجمال وحسب. جمع ووفق.
وكفاية لاتنين عندهم الدين. ويارب ووفقه.
تعدي أيام وأيام وأيام والحب هيكبر فيهم. ويحققوا كل الأحلام وتحلى وتحلى لياليهم. جمع ووفق. جمع ووفق."
أخذوا يمرحون ويضحكون. كانت روان سعيدة بتلك الأجواء. لم تتخيل أنها من الممكن أن تفرح بتلك الأجواء. فالملتزمون ليسوا متشددين كما ترى، بل يضحكون ويمرحون ولكن في ما لا يغضب الله.
عند العودة إلى الشباب، كانوا قد توقفوا عن الرقص وهم يأخذون أنفاسهم بصعوبة. عدا جون الذي ما زال يرقص ويقوم بتقليد الشباب بطريقة مضحكة. انفجروا ضحكاً عليه.
"وكده خلصنا أول فقرة. هنبدأ تاني فقرة. أولاً زين زين هيكلمنا عن الجنة. وبعدها جابر هيشرح لنا قصة. اعتذر جون معللاً أنه ذاهب لعمل ضروري ثم رحل. وبقي ليث معهم. جلسوا هم جميعهم دائرة حول بعضهم البعض وتوسطهم زين."
ثم بدأ بالحديث:
"فجأة وإحنا في الجنة هنلاقي ملائكة بتنادي في طرقات الجنة: 'يا أهل الجنة، إن الله يستزيركم! فحيّ على زيارة الرحمن'. تخيل ربنا جل جلاله يدعونا لزيارته! يحكيلنا حبيبنا النبي ﷺ إننا ساعتها هنخرج ونلاقي قدام قصورنا حاجة اسمها النجائب، وهي ركوبة ربنا خلقها مخصوص عشان يركبها أهل الجنة وهما رايحين يزوروه ﷻ. فنركب النجائب، ونوصل للوادي اللي هنزور فيه رب العزة. وفجأة.. هنسمع صوت عذب يُنادي: 'يا أهل الجنة سلام عليكم'. فنرد كلنا في نفس اللحظة وقلبنا طاير من الفرحة ونقول: 'اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام'. فيقول الله ﷻ: 'يا أهل الجنة هل رضيتم؟' فنقوله يارب، وكيف لا نرضى وقد غفرت ذنوبنا وأدخلتنا الجنة. فيقول: 'يا أهل الجنة اسألوني ما شئتم'. فنقول له يارب ارض عنا. فيقول: 'يا أهل الجنة، لو لم أرض عنكم لما أدخلتكم جنتي، فاسألوني شيئاً آخر'. فنجتمع على كلمة واحدة.. يارب أرنا وجهك ننظر إليك. فيقول سيدنا النبي ﷺ: 'فتُكشف الحُجُب، فما أُعطوا لذة أحب إليهم من النظر إلى وجه الله الكريم'. كنا دايماً في الدنيا لما بنشوف حاجة جميلة أوي نقول: الله! بس يومها هتبقى أول مرة نقولها بجد.. الله! ومن شدة سعادتنا تفضل وجوهنا ناضرة مستبشرة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. فاللهم ارزقنا هذه اللحظة ولا تحرمنا لذة النظر لوجهك الكريم."
كان ليث يشعر بشعور غريب... يا إلهي! كيف يكونوا هكذا. كانوا يمرحون ويضحكون منذ قليل دون أن يفعلوا شيئاً حراماً. وها هم نفسهم يتحدثون عن الجنة. كان يشعر بقشعريرة تسري في جسده مع كل كلمة تخرج من فم زين. كان زين له تأثير خاص وهو يتحدث، لذلك حينما يتجمع الشباب يجعلون زين هو من يعطيهم الدرس.
انتهى زين، ثم قام صديقهم جابر بالحديث:
"قبل ما أتكلم عن الدرس الأساسي، حابب أقولكم قصة حصلت معايا أنا شخصياً. مرة كنت في محافظة تانية بزور صديق مريض، وساعتها كنت لسه متزوج من فترة بسيطة والحال مش ميسر معايا أوي. وتكلفة مواصلاتي لرجوع بيتي حوالي أربعين جنيه. وكان معايا في محفظتي آخر خمسين جنيه. ركبت أول مواصلة وبدفع الأجرة، اتفاجأت بصديق ماشوفتوش من خمس سنين يدفع لي الأجرة. خدنا بعض بالأحضان واتكلمنا في أمور الحياة لحد ما نزلت. ولما نزلت علشان أركب تاني مواصلة من الموقف، لقيت حد واقف بعربيته وبيزمر لي. ببص لقيته جاري اللي ساكن في الشقة اللي فوق. ركبت معاه وأنا مذهول من الصدفة. جاري يدوب نزلني تحت البيت وسابني علشان يركن العربية. لقيت زوجتي بتكلمني إن الدوا بتاعها خلص ومحتاجة منه ضروري. زعلت وبصيت لربنا في السماء بقوله: يارب أنت عالم ظروفي، كنت أجلت موضوع الدوا كام يوم بس، ده أنا ممعيش غير يدوب خمسين جنيه. رحت الصيدلية أجيبه لقيت العلبة بـ 200 جنيه أربع شرايط. قولتله اديني شريط. جبتهولها وأنا بسأل نفسي: لو دفعت فلوس المواصلات، كنت هاتصرف إزاي! معقول يارب مرتب الأحداث بالشكل ده! كده أيقنت إنها ما بقتش صدفة، ده سيناريو إلهي مكتوب بعناية. رغم فرحتي بـ إني جبتلها الدوا، إلا إني بسأل نفسي: بكرة هناكل إيه؟ وآخر خمسين جنيه اتصرفت. مكملتش نص السلالم لقيت تليفوني بيرن إن الشغلانة اللي كنت هاعملها لحد من 3 شهور واتلغت، قرر يكملها وهايبعت لي الصبح أول عربون ليه. مراتي بتفتح لي الباب وبتقولي: 'إيه ده! أنت بتعيط ليه؟!' ما لقيتش رد على لساني أقوله غير: ده شريط الدوا، وبكرة هيجيلك العلبة كاملة ❤️. كل أمور حياتنا سيناريو إلهي. وارد يحصل مواقف نحس إن السيناريو درامي وحزين. لكن دايماً الحلقة الأخيرة بتكون نهاية أي ألم ووجع. انتظر الحلقة الأخيرة في كل موقف تمر بيه. أكيد هتبكي من الفرحة أكتر من البكا اللي بكيته من صدمة الأحداث ❤️. ربنا زي ما عارف إيه اللي جاي، عارف كمان إيه اللي معاك. هيدبرها بشكل لا تتوقعه وهتبهرك الأحداث 🙏❤️."
انتهى من سرد قصته ثم بدأ بالدرس الأساسي حتى انتهى.
"كده خلصنا أول فقرتين... وباقي آخر فقرة ودي هتكون بره المسجد... تعالوا معايا."
كان يتحدث وعلى وجهه ترتسم علامات الخبث والعبث وهو يستعد. شعر الشباب بالريبة منه، فهم يعرفون أفكار أحمد.
خرجوا جميعاً من المسجد في الشارع. غاب عنهم أحمد ثم عاد وهو يمسك لفة كبيرة من "سلك المواعين!!" ويهرول لهم بسعادة. أخذ يعطي لكل واحد منهم جزء ثم قاموا بتشغيله وهم يلقوه على بعضهم البعض ويهرولون في الشارع. لم يشارك ليث وظل يتصنع التقل، ولكنه يود حقاً من داخله تجربة الأمر. حتى قرر التخلي اليوم عن شخصية ليث الجامدة وتجربة العبث معهم.
أخذ جزء من أحمد وقام بتشغيله وهو يفعل مثلهم.
كان صوتهم مرتفعاً حتى جذبوا انتباه من حولهم. سمع الفتيات صوتهم من الخارج حتى خرجوا من الشرفة يروا ماذا يحدث. وكان الأمر غاية في الضحك. ولكن أمرتهم حور.
أمرتهم حور بغض البصر وأغلقت النافذة. ظلوا يهرولون وراء بعضهم البعض حتى أتى لهم من عكر مزاجهم وهو يهتف بقوة:
"إيه اللي بيحصل هنا دااا؟!"
رواية وسولت لي نفسي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم روان الحاكم
"اى اللي بيحصل هنا دا؟"
التفتوا جميعًا إلى مصدر الصوت، ولم يكن سوى ياسر. اقترب منه أحمد وتحدث بمزاح:
"اى اللي بيحصل... بنلعب يا عم، لو عايز تيجي تلعب معانا تعالى."
"ليه؟ هو أنا عيل زيكم؟ حتى عيب على دقنكم دي وعاملين فيها مشايخ!" تحدث ياسر بسخرية واستهزاء.
نظر له ليث بغضب. اقترب من زين وهو يردف ببسمة وهدوء:
"مش معنى إننا مشايخ منضحكش ونهزر، يمكن آه المكان ما كانش مناسب إننا ناخد راحتنا هنا، بس دا ما يمنعش إننا نستمتع بحياتنا. الالتزام مش البعد عن الحياة، الالتزام البعد عن الحرام."
"كل اللي قولته ده ما دخلش دماغي، انتوا بتحاولوا تقنعوا نفسكم إنكم عايشين حياتكم بس ده ما حصلش، وعمركم ما هتعيشوا حياتكم وانتوا معقدين كده." توقف عن الحديث ثم اقترب من ليث وهو يردف:
"وسعتك اللي عامل فيها نجيب سويريس ومحدش قدك بتلعب معاهم كده عادي؟!"
"يا أخي من تواضع لله رفعه!" قالها أحمد بمزاح، بينما ظل ليث ينظر له بتجاهل.
"ليث انت طلعت غني ولا إيه؟... واد يا زين تعرف الأشكال النضيفة دي منين؟"
تحدث أحمد بمزاح وهو يحاول تلطيف الأجواء.
أقترب زين من أحمد وأخذ منه الطبلة ليقوم هو بالغناء هذه المرة:
"لا لا تحسب أن الدين بعيدًا عن حب وحياة... وبهجرك للدين ستحيا.. تعشق ما قلبك يهواك.... أو أن الدنيا ستحلو... وترى الدنيا شق نجاه..."
أقترب الشباب من زين وأخذوا ينشدوا معه. انضم جون مجددًا بعدما عاد وهو يقوم بالرقص مثلما كانوا يفعلون بالداخل. بينه قام أحمد برفع حاجبه لياسر الذي ظل يتابعهم بغيظ وغضب. أما عن ليث، كان صامتًا، يشعر بشعور غريب تجاهه لا يعلمه. لو كان شخصًا آخر لكان سيبرحه ضربًا، فما الذي منعه من فعل ذلك؟
غادر ياسر بغضب. وبعد قليل توقفوا ليهموا بالمغادرة، كلٌ إلى منزله، حتى انتهى اليوم بسلام.
***
أتى صباح جديد على الجميع، منهم من أدرك الفجر وأذكاره وروده، ومنهم من استيقظ وخاب وخسر فجره. ذهب زين وأخذ معه الفتيات. وطوال الطريق لم يحادث روان بشيء، بل قام بتشغيل بودكاست لهم، والذي أصبحت روان تعتاد عليه.
وصلا الجامعة، ودلفت كلٌ منهن لمحاضراتها. وعلى الجانب الآخر، خرجت حور مع رغد إلى الجامعة أيضًا.
انتهين من محاضراتهن وذهبن للمسجد ليلحقوا صلاة الجماعة مع الإمام، حيث مسجد الرجال به مسجد متصل به صغير للنساء.
انتهت روان ورغد أولًا ثم توجهوا إلى المسجد وكان الإمام يأم. شرعوا للصلاة، وفي منتصف الصلاة أتت حور لتكمل معهن. أما ياسمين فقد تأخرت عنهن.
جلسوا كالعادة ليستمعوا درس ما بعد الصلاة.
وقد أتت ياسمين. بعدما انتهوا، اتجهت حور لعملها، وعادت رغد للمنزل، بينما بقيت روان وياسمين ينتظران زين.
دَلفت حور إلى الشركة وهي تود أن لا تراه. بدأت في العمل ثم انتبهت على صوت ليث وهو يجمع الموظفين:
"النهاردة طبعًا زي ما أنتوا عارفين يوم تجميع الاقتراحات، كل واحد منكم جواه حاجة ممكن تفيد الشركة. الاقتراحات اللي هنلاقيها مناسبة هننفذها."
بدأ الجميع بكتابة اقتراحه في ورقة صغيرة مطوية، ثم وضعوها في ذلك الصندوق. وبعد مرور الوقت، انتهى الجميع من الكتابة.
شرع ليث في قراءة الاقتراحات، وكانت معظمها اقتراحات ليس بها شيء مميز. إلى أن توقف عن رسالة. قرأها مرة.. مرتين... ثلاث... رُسم شبح ابتسامة على شفتيه وهو يعلم من صاحب الرسالة، ثم قرأها بصوت عالٍ:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا هقول اقتراحي زي أي حد، وعارفة إنه مش هيجيب كتير لكن هعمل اللي عليا وأقول. بما إن حضرتك مسؤول عن كل موظف وموظفة هنا، يبقى مسؤول برضو إنك تحميهم وتحافظ عليهم. الشركة منظمة جدًا ومنضبطة إلا حاجة واحدة فيها وهي لبس البنات. حضرتك مش هتقدر تمنع نظر الشباب ليهم، بس تقدر تمنعهم من لبسهم ده. يا ريت حضرتك لو تصدر قرار بمنع الملابس المكشوفة وتوحد زي معين يكون محتشم، حتى لو بره مش هيلبسوا كده، بس على الأقل تكون حافظ عليهم داخل شركتك. وآسفة على الإطالة."
كان ليث يقرأ كلماتها وعلى وجهه نبتت ابتسامة لم يستطع إخفاءها، وفخره بها يزيد.
نظر جميع الموظفين لحور بغضب، فمن غيرها؟ فهي الوحيدة التي ترتدي تلك الملابس الغريبة بالنسبة لهم، والبقية بدون حجاب، عدا عدد بسيط منهم يرتدي حجابًا يظهر أكثر ما يُخفى.
"بس اللبس ده حرية شخصية، أظن الشركة مش هتتقدم لما أغير لبسي، يا ريت اللي ينصح ينصح على حسابه مش غيره." تحدثت إحدى الفتيات وهي تنظر لحور بغضب.
"حريتك الشخصية دي تكون في بيتك مش في شركتي، وأنا ممتن جدًا لصاحبة الرسالة." كان يتحدث وهو ينظر لحور بفخر.
"وكمان صاحب الرسالة دي هيترقى لأنه أفضل اقتراح بالنسبة لي، وهنبدأ ننفذه ومن النهارده هبعت زي محدد لمصنع الشركة ينفذه."
"أكيد لازم يتنفذ طالما اقتراح ست الشيخة... مش عارفة كان عقله فين وهو بيخطبها."
"بقى يسيب كل بنات الشركة ويبص لدي!؟"
كان هذا حديث إحدى الفتيات لصديقتها وهي تهمس لها، والذي سمعته حور لأنهم كانت قريبة منها.
تجاهلت حور حديثهم وعاد كلٌ لعمله. ذهبت للمرحاض لتتأكد من ضبط نقابها. وجدت الكثير من الفتيات يضعن "ميك أب" على وجوههن. اقتربت منهن حور وهي تنوي فعل شيء:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلًا يا بنات.. استنوا حطولي معاكم..."
قالتها حور بمزاح وهي تضحك مما جعل الفتيات يتعجبن منها.
"إيه ده؟ انتِ بتحطي الحاجات دي زينا عادي؟"
"ليه لأ؟ إحنا كلنا كبنات بنحب الزينة وبنحب نبان شكلنا حلو، وسعوا كده خليني أحط..."
نزعت حور النقاب من على وجهها بعدما تأكدت من إغلاق الباب من الداخل وأخذت "الروج" التي أعطته لها إحدى الفتيات. ظل الفتيات ينظرون لها بصدمة. كانت حور تفوقهم جمالًا وبراءة ولا تضيع أي من مساحيق التجميل. تبدو بريئة مثل الأطفال.
"يعني الميك أب مش حرام!"
"لأ طبعًا مش حرام، مين قالك إنه حرام؟ عندك أنا قدامك أهو حاطة، وعلى طول مش بخرج إلا بيه بس النهارده خرجت متأخرة ملحقتش أحط."
"يعني أنا أحط ميك أب وأطلع بيه عادي؟"
"لأ طبعًا حرام."
"مانتِ لسه قايلة مش حرام؟"
"مهو فعلًا مش حرام، الحرام بيتوقف على حسب استخدامنا ليه. هل لو أنا دلوقتي جبت لبس ضيق ولبسته في البيت حرام؟ لأ طبعًا. كذلك الأمر برضو بالنسبة للميك أب. حطوا زي ما انتوا عايزين في البيت، بس بره لأ. اغسلوا وشكم قبل ما تخرجوا، أو البسوا النقاب زيي وحطوا اللي انتوا عايزينه وانحرفوا براحتكم وههيهييي."
انتهت حور حديثها بضحكة تشبه الراقصات. ضحك على أثرها الفتيات.
"كلامك حلو قوي زيك، أنا مش هحط ميك أب بره تاني."
"وأنا كمان هعمل زي لمياء ومش هحط ميك أب بره."
"يااه قد إيه انتِ مثالية، عرفنا إنك ملاك وإحنا وحشين." تحدثت إحدى الفتيات وهي تنظر لحور بقرف.
"ومين اللي قال إن كلامي ده مثالية؟ عارفة الأسوأ من المعاصي إيه؟ إن الإنسان يشوف اللي بينصح الصح يبقى مثالي. أنا مش بنصحك بحاجات سنة تعمليها، اللي بقولك عليه ده فرض ربنا أمرنا بيه. أمرنا إننا ما نتزينش إلا لمحارمنا. معلش ليه أطلع أتزين للرجالة كلها في مقابل إني أحفظ نفسي وأصونها للي يستحقها؟ ربنا غلاني ليه أنا أرخص نفسي وأخلي شكلي وجمالي مباحين للكل؟ في حين إني هكون مش حق شخص واحد بس."
"ومين اللي هيتقدم لكِ أصلًا بـ لبسك ده؟ بغض النظر عن مستر ليث، انتِ مجرد واحدة جديدة بالنسبة له مش أكتر وشوية وهيسيبك."
"مش هيتقدم لي غير راجل عايز واحدة ليه لواحدة بس تربي عياله تربية صالحة وتصون بيته وعرضه، أما اللي بياخدها بـ لبسها وشكلها وهي متاحة للجميع ده ديوث، والديوث ده ربنا حرم عليه ريحة الجنة."
"إني أضحي بحاجة كبيرة زي دي إني أتخلى عن شكلي ولبسي عشان أرضي ربنا صدقيني دي أجرها كبير أوي، بس أنا عايزة الجنة وبجاهد عشانها، وكلكم تقدروا تكونوا زيي وأحسن كمان... هاا مين عايز يدخل الجنة؟"
ابتسمت لها الفتيات وشكروها، ومنهم من تقبل نصيحتها ومنهم من ظل على رأيه. نظرت حور لوجهها في المرآة وهي تردف:
"وبعدين بقى في حواجبي اللي محتاجة قرار إزالة ده هههه."
"طب ما تعمليها يا بنتي شكلها فعلًا تقيل ومش حلو."
"لأ طبعًا مستحيل... حرام (لَعَنَ اللهُ النَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ) والحديث صحيح لا اختلاف عليه. أخسر جنتي وأتلعن عشان حواجبي!!"
"طب ما تعمليها تنضيف، أنا سمعت إنها مش حرام... إنتِ بس بتشيلي الزوايد."
"حرام برضو، مافيش حاجة اسمها تنضيف طالما بنشيل من الحاجب. كتير جدًا بيستهزأ وبيستقل في الموضوع ده، ولكنه ضروري جدًا يا بنات وحرام. بلاش تخسروا الجنة عشان حاجة زي دي. حبوا شكلكم كده، شايفين حواجبي تقيلة إزاي!! إلا إني حابة شكلي بيها وراضية عنها كمان."
"آنسة حور... مستر ليث عايزك." تحدثت إحدى الفتيات بعدما دلفت للداخل تبحث عن حور.
"يالهوي يالهوي هينفخني عشان آخرت، هفوتكم بعافية أنا بقى يا بنات وادعولي بالرحمة."
***
كانت ياسمين جالسة تتصفح حسابها الذي لم تفتحه منذ أيام. وجدت الكثير من الرسائل من أصدقائها على الموقع.
قامت بالرد عليهن، ثم وجدت رسالة من عمر!!
كان محتوى الرسالة أنه يريدها في شيء هام. توترت ياسمين ولم ترد، أتجيبه أم لا؟ ماذا إن كان شيء هام للغاية.. حسنًا، ستجيبه لتعرف ماذا يريد فقط ثم تقفل الحديث معه. وبالفعل أجابت.
كان عمر يتصفح حسابه أيضًا بملل ومن الحين والآخر ينظر هل قامت ياسمين بالرد عليه أم لا.
حتى وصله إشعار منها، هب واقفًا من مقعده بفرحة.
"إنتِ كنتي قولتيلي إن مينفعش الصداقة بين الولد والبنت؛ وفرضًا إنه حصل وإنهم أصحاب وطرف حب الطرف التاني رغم إنه ما وعدوش بحاجة واللي بينهم صداقة فقط هل كده الشخص ده غلطان عشان مش بيبادله الشعور؟!"
كان عمر يقصد بحديثه صديقته التي اعترفت بحبها له منذ مدة قليلة.
"لما ربنا حرم الكلام بين الولد والبنت، سبحانه عليم إن ده اللي هيحصل. ربنا مش بيحرم حاجة إلا وليها سبب."
"حتى لو كان الكلام بحدود ومن باب الصداقة فقط."
"أيوه، مفيش مبرر ومينفعش، مفيش حاجة اسمها بحدود لأنها لو دلوقتي بحدود بعدين هياخدوا على بعض والكلام هيكون مباح، وطرف يحب الطرف التاني والطرف التاني هيفضل شايفه صديق، ده غير إنه بيستنزف جزء من طاقته ومشاعره للشخص الغلط."
كتبت ياسمين تلك الرسالة، ولكنها قامت بحذفها.
تذكرت أنها لا يجب أن تحدثه، حتى لو بالنصح.
"مينفعش أتكلم من حضرتك أكتر من كده، تقدر تبحث بنفسك عن حكم الصداقة، وده آخر كلام هرد بيه لأني هعمل بلوك."
قامت بإرسال تلك الرسالة له ثم قامت بحظره وهي تشعر بالضيق. تركت الهاتف من يدها ثم ذهبت لغرفة أخيها ودلفت للداخل بعدما طرقت الباب.
"زين... كنت عايزة أقولك... على حاجة." كانت تتحدث بتوتر وهي تبتلع ريقها.
"خير يا ياسمين فيه حاجة... انتِ كويسة؟"
نظرت له ياسمين بخجل وحزن ثم قصت له مراسلة عمر لها وهي تغمض عينيها وتنتظر غضب زين منها.
"بس والله يا زين هما مرتين بس والمرتين رديت فيهم بحدود، عارفة إنه مينفعش أرد من الأول، وأنا ندمانة وزعلانة عشان مقولتكش من الأول."
"لولا إني واثق فيكي كان هيبقى ليكي رد فعل تاني يا ياسمين، مكنش لازم تردي حتى لو انتِ عارفة إنه نيته خير وكويس... لو كده بقى هنمشي نتعامل بمبدأ ده كويس يبقى أرد عليه وأنصحه."
بقيت ياسمين صامتة وتضع رأسها أرضًا بخجل. اقترب منها زين ثم رفع وجهها لأعلى.
"أوعي توطي راسك يا ياسمين، أنا واثق فيكي. لو هزعل منك فده عشان محكتليش ليا من الأول، وخلاص الموضوع خلص وانتِ عملتيله بلوك واتمنى ده يعلمك لبعدين."
نظرت له بابتسامة ثم أحضنته بشدة وهي تشكر الله على نعمة أخيها.
"المهم، كنت هسأل أنا جايلك ليه، هروح أنا وروان المقرأة اللي هنا نحفظ فيها قرآن، بالرغم إني متعودة إني أسمعلك، بس عشان أخلي روان تحفظ معايا هنروح المقرأة."
سعد زين بالخبر وشجعها. نزلت ياسمين عند روان لكي يذهبوا. وفي الطريق سألت روان عن سبب إصرار ياسمين على ذهابهم.
"هقولك يا ستي..... في مرة روحت درس القرآن كنت لسه صغيرة ومكنتش بحب أروح، مكنتش حافظة اللي عليا فقررت أخدع الشيخ. قررت أسيب الكراسة بتاعت المتابعة في البيت وأروح أقوله نسيتها عشان أسمع أي حاجة حافظاها وخلاص المهم عندي مش أغيب عشان مش أتعاقب تاني يوم. وبالفعل عملت كده... روحت الدرس وأنا مش حافظة وقعدت قدامه. قالي عليكِ إيه تسميع يا إسراء؟ قولتله عليا سورة القيامة... طبيعي كان لازم أقول سورة القيامة عشان هي صورتي المفضلة. المهم سمعتها وخلصت وقالي كراستك عشان أكتب الدرجة. فسكت شوية كده... وبعدين قولتله مش معايا. قالي نسيتيها يعني؟ قولتله لأ سيباها قصد. قالي ليه؟
للحظة جه في بالي إن كده كده بكرة هيمسك كراستي ويعرف إني كنت بكذب. فقولتله عشان عليا تسميع سورة النحل ودي كلماتها صعبة وكان لازم أكذب بسبب حضرتك... وقتها زعق فيا وبعد كده هدي وقالي:
"إنتِ مش طفلة عشان أقولك بصي للسما طب شايفه ربنا! هو دلوقتي باصص عليكي وزعلان منك؟ ولا طفلة عشان أفتح موبايلي وأطلع صورة أي تاج شكله حلو وأقولك مش عاوزة تلبسي تاج زي ده يوم القيامة؟ وأحاول أقنعك إن ربنا فرحان بيكي. بس إنتِ دلوقتي ذنبك عظيم. قوليلي يا ياسمين هل إنتِ أمية؟"
"لا."
"= يعني بتعرفي تقرأي وتكتبي... طيب هل كفيفة؟"
"لأ الحمد لله."
"= يعني ربنا أنعم عليكي بنعمة البصر. طب هل مثلًا صماء، بكماء!؟"
"لأ الحمد لله."
"= طيب هتعملي إيه لما ربنا يعاتبك يوم القيامة ويقولك: عبدي لماذا لم تحفظ كتابي! إنتِ ليه حفظتي الأغاني ومحفظتيش كتابي! إنتِ كنتي بتشوفي ليه كسـلتي تقرأي آياتي! إنتِ كنتِ بتسمعي ليه مسمعتيش كلماتي! عبدي ألم تكن تعلم أنه ينير القبر! ألم تكن تعلم أن حافظ القرآن هو الوحيد الذي لا يفر من أهله يوم القيامة؟"
"إزاي يا شيخ؟ وربنا قال (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ • وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ • وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ)"
"= إلا حامل القرآن فإنه يلبس والديه تاج الوقار ويجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حِلِّه، فيلبس تاج الكرامة ثم يقول: يا رب زِدْه، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق وتزاد بكل آية حسنة."
"- يا شيخ بس بيكون فيه حاجات صعبة أو بنساها بسهولة."
"= كلمات ربنا مش صعبة... طبيعي تنسي لأن القرآن زي الحبر كده بالظبط، أنا بنسي والله العظيم بنسي عشان كده أغلب الأوقات وإنتِ بتسمعي تلاقيني فتحت المصحف فجأة. طب بلاش كل ده لو في سورة إنتِ مش عارفة تحفظيها اقرأيها لو مش عارفة تقرأيها! اسمعيها! بس إياكِ تهجريها.
يوم القيامة تُقسم الجنة طبقات لحفظة القرآن. لازم تفهمي إن حفظ القرآن عبادة يبتغي به صاحبه وجه الله والثواب في الآخرة مش درجة تتكتب في الكراسة وخلاص. لو إنتِ خدعتيني صعب تخدعي ربنا... هبسطهالك خالص.
وقت رمي الصحف هل تقدري تاخدي كتابك بعكس ما الله يريد؟"
"- مش فاهمة."
"= يعني هل لو مكتوب إنك تاخدي كتابك بـ شمالك هل تقدري تغيريه من غير ما حد ياخد باله؟"
"- لأ."
"- بالظبط وده اللي أقصدُه... ولازم تفهمي قول الرسول صلى الله عليه وسلم (مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران)."
"شايفاه صعب. اقرأيه واسمعيه. أنا لسه بتلخبط في سورة البينة يا إسراء وبسمعها يوميًا... لو في سورة صعب تحفظيها! اسمعيها من شيخك المفضل بس إياكِ تهجري سورة بحجة إنها صعبة لأن كلام ربنا مش صعب غير على اللي قلبه غافل، خاب وخسر من ترك القرآن وقال صعب عليّ حفظه، من عاش بالقرآن فقد فاز، من شق عليه حفظ سورة فسمعها وكرر سماعها مرة تلوي أخرى تلوي أخرى أقسم لكِ إنه سيحفظها... لو خدعتيني صعب تخدعي ربنا وقت العتاب ليكي...
كلام ربنا زي الحبر إن ترك طار من قلبك. عقوبة من مسك كتاب الله وجاهد لحفظه ثم هجره عقوبته شديدة والله. فلا يوجد أشد حسرة يوم القيامة منه.
الآن الأعمى حافظ لكتاب الله والمُبصر لا!!!!
لا تظني أن القرآن يتفلت فجأة ودفعة واحدة بل مع الأيام والسنوات يتفلت درجة درجة حتى تجد نفسك صفرًا والقرآن يهجرك كما هجرته...
على فكرة مش لازم تموتي وإنتِ ختمـاه. كله يكفي إنك تموتي وإنتِ بتحفظيه والله... بس إياكِ تهجري سورة فيه كلمة صعب دي ممكن تعقد غيرك فيه...
إياكِ ثم إياكِ أن يتجمع التراب ليس على مصحفك بل على آيات أي سورة بحجة إن كلامها صعب.. فوالله كلام الله ليس بصعب ولكن أصبحت القلوب قاسية."))
وصلا إلى دار التحفيظ. دلفت روان أولًا وهي تنظر للفتيات، صغارًا وكبارًا، بإعجاب. كانوا يجلسون دوائر حول بعضهم البعض.
جلست روان بجانب ياسمين، والذي أخذ يعرفها على الجميع. أحبت المكان والأشخاص حتى انتهوا وغادروا.
تقدم شاب لخطبة ياسمين. أخذ والدها موعدًا منه ليأتي كي يروا بعضهم. مر اليوم ليأتي صباح جديد دون حدوث شيء جديد.
سوى جلوس ياسمين مع هذا الشاب.
كانت تشعر بالتوتر الشديد وجسدها ينتفض.
كانت روان تقوم بارتداء ملابسها كي تصعد لياسمين وتكون بجوارها هذا اليوم.
"روااان."
كان صوت عمر وهو يدلف للمنزل ويمسك حقيبة في يديه.
"عمر.. إيه الشنطة اللي معاك دي؟"
"لأ أبدًا، خالتك سافرت هي وجوزها شهر عسل، قولت مبدهاش بقى فـ لميت عزالي وجيت أقعد معاكم، عشان مبحبش أقعد لوحدي."
"الله بجد فرحتيني أوي، اقعد استناني هنا هطلع فوق لياسمين ضروري وأرجعلك تاني."
"ليه في حاجة ولا إيه؟"
"لأ أبدًا، دي بس جايلها عريس وقاعدة معاه."
"آه... نعمممم! عررريس إيه!"
"فيه إيه يا عمر؟ اهدى."
"اهدى إيه؟ ده أنا هطلع أكسر العمارة على دماغهم هما الاتنين."
رواية وسولت لي نفسي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم روان الحاكم
"اهدي اى دا انا هطلع اكسر العماره على دماغهم هما الاتنين"
ألقى عمر جملته عليها وهو يهرول لأعلى، لم تعِ روان من الأمر شيئاً، هل أخيها جاد بمشاعره تجاه ياسمين! كانت تظنه فقط يمزح، هرولت هي الأخرى كي تلحقه من أن يفعل أي شيء خاطئ.
كانت ياسمين تجلس بتوتر والخجل يكتسي وجهها وهي تنظر أسفل، أما عنه فكان يجلس بالمقعد المقابل لها. كان شاب في منتصف العقد الثاني، ذو لحية كثيفة بعض الشيء.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أزيّك يا آنسة ياسمين، أنا اسمي وائل عندي 26 سنة، شغال في شركة، عايش مع والدتي، تقدمت لخطبتك لما سمعت عنكِ خيرا."
رفعت ياسمين بصرها وهمت لتعرفه هي الأخرى عن نفسها ولكنه قاطعها مكملاً حديثه.
"أول حاجة عندي شوية شروط لازم أقولك عليها، لبسك حلو آه بس أنا عايزاكِ تلبسي النقاب، مقبلش مراتي كدا."
كانت ياسمين بالفعل تنوي ارتداء النقاب، لكن تشعر بالغلظة في حديثه وكأنه يأمرها.
"أيوه أنا فعلاً بفكر ألبس النقاب... مش عشان حضرتك قلت... أنا عشان حاباه، دا غير إن النقاب ما تقدرش تحكم عليه هو فرض ولا سنة لأن ما فيش دليل قاطع إذا كان فرض، وبرضه ما فيش دليل قاطع إنه سنة."
"لا طبعاً النقاب فرض، وحتى لو مش فرض لو حصل نصيب هلبسهولك.... تاني نقطة ما فيش شغل، أنا كفيل إني أدير بيتي وأصرف عليه ومراتي ما تنزلش تشتغل، اكتفي بكليتك، تالت حاجة والأهم والدتي هتكون معانا وأنتِ طبعاً هتخدميها لأنها ست كبيرة وده واجبك تجاهها."
"مين قال إني من الواجب عليا أخدم حماتي... أنا فعلاً طالما هي ست كبيرة هساعدها على عيني، بس دا إكراماً مني مش فرض عليا."
"بالنسبة لي أنا فرض، أنا السبب الأساسي لزواجي إني أجيب واحدة تخدم والدتي."
"طب ما تجيب لها خدامة أسهل."
كان هذا صوت عمر وهو يدخل الغرفة وتتبعه روان وزين، والتي لم يستطع أحد منعه.
"مين حضرتك؟"
تمتم وائل بتساؤل لعمر الواقف أمامه يطالعه بنظرات حارقة، أما عن ياسمين توترت بشدة وهي تتعجب من وجوده في هذا الوقت.
اقترب منه عمر ثم قام بمصافحته وهو يضغط على يده بشدة حتى تألم الآخر ونزع يده منه. جلس عمر على المقعد وهو يضع قدماً فوق الأخرى.
"أنا صديق العيلة المقرب وفي مقام أخوها كدا.... يعني تقدر تقول موافقي من موافق زين."
كان يتحدث بغرور مما جعل الجميع يتعجب تصرفاته. حاولت روان كبح ضحكاته، وزين يطالعه باستغراب وهو لا يفهم شيء من تصرفاته الصبيانية تلك.
"المهم كمل بقى... حضرتك بتقول إنك عايز تاخدها خدامة لامك... وأي كمان."
"إيه الطريقة الهجومية اللي بتتكلم بيها دي، وبعدين أظن ده شيء خاص بيا أنا وخطيبتي.. أو اللي هتكون خطيبتي يعني.."
شعر عمر بالغضب يعصف به حين نطق جملته الآخر تلك وكان على وشك أن يشِب عراك معه.
"ما تقول حاجة يا دكتور زين."
"أولاً أنا ساكت احتراماً لوجودك في بيتي، لكن أختي أنا ما تروحش تخدم عند حد."
حاول زين التحكم في غضبه وهو يجيبه بهدوء.
"يعني ده كلامك يا شيخ زين!! أروح أجيب واحدة غريبة تخدم أمي ومراتي موجودة؟"
"وحضرتك ما تخدمهاش ليه أنت؟ هي أم حضرتك ولا أمها هي؟ وكمان سمعت إن عندك أخوات بنات.. ما يخدموهم هما ليه؟"
"أنا حقيقي مصدوم فيك، وعامل فيها شيخ، ده بدل ما تنصح أختك وتعلقها بتقف لصفها."
"عشان أختي مش غلطانة، أنا عارف وواثق إنها كانت هتساعد والدتك وتخدمها بعنيها بكل حب ورضا.... بس وهي بتعمل ده برضاها وعشان هي عايزة تاخد الأجر، مش عشان هو واجب عليها لأنه مش فرض عليها تخدم والدتك ولا عشان حضرتك أمرتها بكده."
"أنا دلوقتي مبقتش مستغرب من كلامها بعد ما سمعت كلامك... أنا كنت فاكرك ماشي بالدين، لكن الواضح إني كنت غلطان.... أنا همشي."
وقف وهم بالرحيل ولكن استوقفه عمر.
وقف الأخير على امتعاض وهو يظن أنه سوف يقنعه بالجلوس ولكنه صُدم من حديثه.
"أمانة عليك يا وائل يا خويا تبلغ سلامي للحاجة والدتك.. وتديها علبة الحلويات اللي أنت جايبها دي، عشان متروحلهاش بأيديك فاضية."
نظر له وائل بغضب ولم يجبه وخرج.
قام زين من مكانه وهو يقترب منه.
"ينفع اللي قولته للراجل ده يا عمر... حتى لو هو غلط، مهما كان هو في بيتنا ولازم نحترمه."
"مش لما يحترم نفسه هو... احمد ربنا إني ما عملتش أكتر من كده."
زفر زين بملل وهو يعلم أن عمر لا فائدة من الحديث معه. هو بالنهاية كان سيرفضه بالتأكيد فهو مش الأشخاص المعقدة والمتذمرة، حتى ولو كان البعض من كلامه صحيح ولكن طريقته خطأه وتجعل الجميع ينفر منه ولا أحد يتقبل منه النصيحة....، خرج عمر وزين ونزلا أسفل بعدما أخبره عمر بأنه يريده في أمر هام.
"خير يا عمر فيه أي."
"أنا بحب ياسمين أختك."
أردف عمر بتوتر وهو ينتظر ضرب زين له بعد تلك الجملة.
***
كانت تسير وهي عائدة من جامعتها وهي تزفر بضجر بسبب شدة الحرارة. زاد الأمر سوءاً ارتداءها لتلك الملابس السوداء الفضفاضة، وذلك الوشاح الذي يخفي وجهها.
أخذت تستغفر وهي تسير حتى استوقفها شاب محدثاً إياها.
"ممكن رقم والدك لو سمحتِ."
توقفت عن السير وهي تنظر للواقف أمامها بصدمة، هي لا تعرفه إذا لماذا يسأل عن هاتف والدها. تحدثت بحزم وجدية.
"وحضرتك عايز رقم والدي ليه؟"
"عشان أتقدملك مش محتاجة يعني.."
أردف الشاب الواقف أمامها بمزاح، بينما هي وقفت تنظر له بتوتر حتى انصرفت من أمامه مسرعة وهي لا تدري ماذا تفعل فهي لأول مرة تتعرض لمثل هذا الموقف.
"آنسة استني... طب قوليلي اسمك حتى."
لم تعطيه فرصة للرد وهرولت مسرعة من أمامه وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة. هل تقدم الشاب لخطبتها بهذه السهولة. عادت لمنزلها وهي طوال الطريق يشغل عقلها هذا الشاب، كيف يتقدم لخطبتها وهو لا يعرفها... هل من الممكن أنه كان يمازحها لا أكثر.
حسناً ستنظر وتعلم هو جاد أم لا، فإن كان جاد سوف يتقدم لخطبتها، ولكنها لم تعطيه هاتف والدها كيف سيأتي لها. لامت نفسها بشدة على الأقل كانت أعطته الهاتف، ولكن سبب توترها فرت من أمامه هاربة مثل اللصوص.
مر أسبوع كان لا يكف فيه محمود عن انتظارها في نفس المكان، من سلبت عقله بهيئتها الجميلة تلك، يشعر فيها أنها هي من تستحقه، سوف تربيه أبنائه تربية صالحة، يشعر نحوها بمشاعر عديدة، إلى أن رآها أخيراً، وهذه المرة عزم على عدم تركها إلا وهو حاصل منها على ما يريد.
أقترب منها وهو يطلب منها هاتف والدها مجدداً، وهذه المرة أخرجت تهاني ورقة مطوية من حقيبتها وأعطتها له وكأنها كانت تعلم أنها ستراه مجدداً.
"شايلة لي الرقم معاكي... ده انتِ واقعة انتِ كمان بقى."
تمتم محمود بخفوت وهو يضحك عليها. توترت هي ثم فرت من أمامه مرة أخرى وهي تسمع لصوت ضحكاته العالية، لتبتسم هي الأخرى أسفل نقابها.
مر يوم واثنان تنتظره ولكن لم يأتي، هل كان يخادعها؟
لم يتركها لعقلها كثيراً وتقدم في اليوم الثالث لخطبتها.
جلست معه في "رؤية شرعية" رأى فيها محمود وجهها وعلم منها اسمها وبعض التفاصيل عنها.
وافق والدها عليه وتمت الخطبة، وبعد ستة أشهر تم عقد قرآنهما وزاد تعلق محمود بها. لم يكف صديقه المقرب الذي يدعى حامد طوال تلك المدة عن مضايقتها وتغزله بها، يخبرها أنه أفضل من محمود ويجب عليها تركه والتزوج منه، ولكنها رفضت بشدة وفضلت عدم إخبار محمود بالأمر، ولكن بعدما زاد في تصرفاته معها أخبرته. قام محمود بقطع الصداقة بينهما بعدما أبرحه ضرباً.
رفضت تهاني أن يقيم لها فرح وتم زواجهما بعد زفة بسيطة. تأخرت في الإنجاب وقد مر ثلاث سنوات.
حتى حملت بأول طفل لها، علمت بعد مرور بضع أشهر أنها تحمل في جوفها توأم، كانت تشعر وكأنها أسعد شخص في الكون ومحمود لا يجعلها تفعل شيئاً سوى الراحة ويقوم هو بفعل كل شيء لها حتى أتى موعد والدتها.
وضعت التوأم ولكن لم تكتمل فرحتها بسبب موت أحد طفليها وأخبرها الطبيب أنها لا تستطيع الإنجاب مرة أخرى. حزنت على طفلها بشدة ولكنها اكتفت بالآخر وقد أسمته ليث.
كبر الصغير حتى صار ذا عشر سنوات وهو شديد التعلق بوالدته، كانت حياتهم هادئة وسعيدة تقوم على طاعة الله.
لم ينسوا واجبهم تجاه ربهم.
حتى أتى ذلك اليوم المنشود الذي قلب حياتهم رأساً على عقب، طفلها الآخر الذي أخبرها الطبيب بأنه توفى ما زال على قيد الحياة!! استفاقت من ذكرها على صوت طرق على باب ودخول شخص ما لها.
***
كانت رغد تسير وهي تقوم بشراء بعض الأشياء للمنزل.
مرت بمحل حلوى تذكرت تلك التي جلبها لها چون.
ابتسمت وهي تتذكر مزاحه اللطيف معها وهو يذمها بالقبيحة. نظرت للحلوى مرة أخرى بجوع، فهي من عشاق الحلوى ولكن ليس معها ما يكفي لشرائها فالمحل يبدو عليه أنه باهظ الثمن. ابتعدت عنه وأكملت طريقها ولكنها وجدت من يوقفها. نظرت ووجدته طفل صغير يعطي لها عُلبة كبيرة ممتلئة بتلك الحلوى التي يجلبها لها چون.
تعجبت أكثر وهي تسأل الصغير عن تلك الحلوى ولكنها أعطاها لها ثم انصرف.
تعجبت أكثر وأمسكت العلبة وهمت بفتحها ولكنها وجدت ورقة مطوية عليها. فتحت بفضول لترى ماذا بها.
"جلبتُ تلك الحلوى من أجلك يا قبيحة."
ظلت رغد تقرأ الجملة وتعيدها، هل چون من جلبها لها تلك الحلوى وما زال ينعتها بالقبيحة!! ضحكت رغد بشدة وهي تنظر حولها ولكن لم تجده. كم لطيف هذا الچون ولكن لطفه لا يهم.
الأهم الآن أنها ستأكل تلك الحلوى.
أما عن حور فكانت منهمكة في عملها وهي تشعر بالإجهاد.
وقد تأخر ليث اليوم على غير عادته، أثار الأمر ريبتها ولكنها لم تهتم. وبعد قليل دلف ليث للمكتب وهو يتركه مفتوحاً بعدما ألقى عليها تحية الإسلام.
ردت عليه التحية وهي سعيدة فهذه أول مرة يفعلها ليث. أما هو فكان يشعر بمشاعر عديدة كلما اقترب منها.
يشعر بأنه لا يستحقها، كيف له أن يأخذ تلك الحورية بحق الله!! ولكنه أناني بحبه لها وسوف يتغير... لاجل ربه أولاً قبل أن يكون لأجلها.... سوف يكون الشخص الذي تفتخر به حور. يعلم أنها لا تحبه ولا تريده كزوج لها... ولكنها لن ييأس.
***
استفاقت من ذاكرتها على صوت طرق على الباب ثم دلف ياسر لها وهو عابس الوجه. اقترب من فراشها ثم تحدث وكأنه ليس في وعيه.
"مش ناوي تقوم وترجع لي بقى يا ماما زي زمان... أنا تعبان أوي ومش مرتاح من غيرك، حتى بابا مش سائل فيا ولا كأنه عندي ابن... شاطر بس يقول ابني الدكتور راح ابني الدكتور جه لكن عمره ما حسسني إني ابنهحتى... حتى البنت الوحيدة اللي كنت عايزها... هتتخطب يا ماما... عارف إني وحش ومستحقهاش... بس أنا كنت هتغير عشانها... ما فيش حاجة يا ماما عايزها بتيجي... حتى انتِ استسلمتي لمرضك وسبتيني لوحدي."
مسح دموعه ثم أكمل حديثه وهو ينظر أمامه بشر وقد تمكن شيطانه منه.
"بس أنا بقى مش هستسلم، مش هسيبهاله... لو ما كنتش ليا مش هتكون ليه.... وهعرفه إزاي يتكلم معايا أنا كده... أوعدك يا أمي..."
تساقطت دموعها وهي عاجزة عن الحديث، وعن منع ابنها من إيذاء أخيه... تركها ياسر وخرج وهو يتوعد لليث.
وبقيت هي تناجي ربها وتدعيه بأن يحفظ تلك المسكينة حور من بطش والدها... أخذت تدعي على حامد هو من وصله لتلك الحالة وجعل طفلها الصغير اللطيف شاب معقد.
ترى ماذا سيفعل!!
"هههههه.. مش قادرة عمر ده مسخرة بجد.... أنا كنت خايفة على الراجل منه والله."
نظرت لها ياسمين بغيظ ثم أردفت.
"بغض النظر عن اللي هو عمله ده بس أنا كدا كدا ما كنتش هوافق... أنا عايزة شخص ملتزم يا روان، مش واحد مقعد وعايزني خدامة لأمه... مش كل واحد مربي دقنه يبقى شيخ... ولا كل واحدة لابسة نقاب تبقى ملتزمة."
"بالمناسبة الموضوع ده.. أنا كنت حابة أعرف إذا كان النقاب فرض فعلاً ولا لا."
"بصي هو الخمار كدا كدا فرض لا خلاف عليه وده مذكور في القرآن (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ")
لكن النقاب عليه اختلاف.... لو جيتي سألتي حد في الموضوع ده... ما فيش حد هيقدر يديكي رد قاطع هو النقاب ده فرض ولا سنة.
وكمان جاء في الآية الكريمة (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)
والآية دي فيه اللي فسرها على إن المقصود بيها أمهات المؤمنين... واللي قال إن المقصود بيها جميع النساء.
وطبعاً في أقوال كتير أوي، أنا ما أقدرش أحكم وأحدد... لكن لو هقول رأيي أنا ك ياسمين... شايفة إنه فرض.
أصل أشد فتنة شعرك ولا وشك؟ الفتنة بتبدأ منين.
أكيد بتبدأ بالوجه عشان كده شايفة إننا نخفي وشنا ده شيء ضروري، وعشان كده قررت هرتدي النقاب.. إن كان فرض فقد نجونا.. وإن كان سنة فقد غنمنا."
نظرت لها روان بتوتر وصمتت بعض الدقائق ثم تحدثت.
"وأنا كمان... قررت هلبس معاكِ النقاب."
كانت تسير ليلاً وهي تشعر ببعض الخوف.
حيث كان الظلام الدامس يعم المكان وهي تسير بمفردها.
شعرت أن شخص ما يتابعها.
توقفت ثم نظرت خلفها لم تجد أحداً.
أكملت سير وهي تشعر مرة أخرى أن هناك من يتبعها.
حاولت تلاشي ذلك الشعور وهي تسرع من خطواتها.
لتدخل ذلك الشارع ذو الممر الضيق.
ولكن فجأة شعرت بمن يضع يده على فمها.
حاولت التملص من بين يديه ولكن فشلت.
همس من جانب أذنها بفحيح.
*مش قولتلك محدش هينجدك من إيدي.*
*بس انتي فضلتِ مصممة على رأيك.*
*وريني بقى هتروحي مني إزاي.*
وبالرغم من أنها ليست ضعيفة إلا أنها لم تنجح في إبعاده عنها.
حيث نسيت كل ما تذكرته من مقاومة والدفاع عن النفس.
قام بتكتيف يديها واليد الأخرى ما زال يضعها على فمها.
وسحبها تجاه سيارته.
ثم قام بوضعها في السيارة من الخلف ما يسمى (شنطة العربية) وقام بإغلاقها.
كان في حالة لم تجعله ينتبه أنها سوف تختنق.
إن استمرت عشر دقائق فقط.
حيث أن علقة لم يعد يفكر إلا في نقطة واحدة.
إلا وهي أنها أصبحت ملكه وبين يديه.
عمته شهواته وغلبه شيطانه.
تركها وذهب هو ليجلس في مقعد السائق.
ثم قام بتشغيل السيارة ليمر ما يزيد عن نصف ساعة.
إلى أن وصل إلى مكان بعيد عن البشر يشبه الصحراء.
والهدوء يعم المكان.
لم يعِ أن هذه المدة كفيلة لتجعلها تفقد أنفاسها.
إما رعباً أو اختناقاً.
ذهب ليفتح ذلك الباب وهو يكاد يموت من كثر السعادة.
فها هو نجح في مخططاته.
وهنا كانت الصدمة.
رواية وسولت لي نفسي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم روان الحاكم
اقترب "ياسر" من مقود سيارته وهو يكاد يموت من السعادة. هاهو نجح في مخططاته.
فتح الباب وكانت الصدمة، الباب لا يُفتح.
أخذ يكرر الأمر مراراً وتكراراً، وأيضاً لا جديد، الباب لا يُفتح وكأن أحدهم أوصده بسلاسل من حديد.
جن جنونه. هنا فقط أدرك أنها إن استمرت خمس دقائق فقط سوف تختنق، إن لم تكن قد اختنقت بالفعل.
أخذ يحاول مرة أخرى بشتى الطرق ولكن لا فائدة. صعد سيارته مرة أخرى وهرول تجاه أقرب ميكانيكي بالقرب منه.
بعد مرور بعض الوقت وصل أخيراً، دلف من سيارته واقترب من الشاب الواقف.
"افتحي الشنطة دي بسرعة." تحدث بصوت مرتفع وهو ينهج بشدة ويمسك الشاب من ثيابه يحثه على السرعة.
وافق الشاب واقترب من السيارة يحاول فتحها ولكن لا فائدة.
"مش عارف مالها دي مش راضية تتفتح، ممكن تستنى...."
لم ينتظر "ياسر" أن يكمل كلامه وصعد السيارة مرة أخرى تجاه مغفر الشرطة. حتى ولو وصل الأمر لحبسه.
كان "ليث" على وشك المغادرة وهو يلملم أشيائه، ولكن قطع هذا رنين هاتفه برقم غريب. لم يهتم "ليث" وأكمل ما كان يفعله، ولكن تكرر الاتصال مرة أخرى ثم بعدها حتى ثار الأمر ريبته. أخذ الهاتف وأجاب على المتصل، ولم تكن سوى "رغد".
"السلام عليكم.. استاذ ليث أنا رغد... هو حور لسه عندك؟"
"هي موصلتش البيت لحد دلوقتي!!" أجابها "ليث" بصوت مرتفع وهو قلق عليها.
"لا لسه مرجعتش، حتى تليفونها مقفول.. وأنا خايفة عليها أوي."
"متقلقيش وطمنّي عمي محمد... أنا هنزل أشوفها."
اشتعل جسد "ليث" رعباً. ولأول مرة في حياته منذ أن تركته والدته يشعر بالخوف هكذا. لقد رحلت منذ ما يقارب ثلاث ساعات، وطريقها للمنزل يأخذ ساعة واحدة في المواصلات. إذاً، ماذا حدث لها؟
عند هذا الحد توقف عقل "ليث" عن الخفقان وهرول خارج الشركة. سيقلب الدنيا رأساً على عقب حتى يجدها.
مرت عليه ساعة من البحث ولا شيء جديد. قد أخبر جميع المستشفيات القريبة منهم إذا كانت هناك، وقد أبلغ الشرطة والتي رفضت أخذ أي إجراء دون مرور أربعة وعشرين ساعة.
قام بإنفاق الكثير من الأموال للمحتاجين بنية أن يجدها.
شعر بالعجز حتى وجد مسجداً أمامه. نظر له ثم تذكر حينما رآها تصلي في مكتبه. وبدون تردد نزل من سيارته ثم دلف للمسجد. توضأ ثم صلى.
ومجرد أن سجد تساقطت دموعه وهو يدعو الله أن يحفظها.
كم كنت تحتاج لهذه السجدة يا مسكين. طال في سجوده وهو يدعو الله وتتساقط دموعه. لا يدري خشوعاً أم خوفاً، ولكنّه يشعر بشعور غريب يسكنه، يشعر بالراحة أيضاً. يود لو يظل بقية حياته هكذا بعيداً عن ضجيج الحياة.
كم يحتاج الإنسان لتلك السجدة التي تنسيه متاعب الحياة.
انتهى من صلاته وجلس مكانه وهو يشعر بهدوء وسكينة تغمره.
أتى رجل عجوز جلس بجانبه.
"يعني تبقى قاعد في بيت ربنا وشايل هموم!؟"
نظر له "ليث" بضع دقائق ولم ينطق بشيء. ظل صامتاً حتى تحدث العجوز مجدداً.
"أي كان الأمر اللي شاغلك، ادعي ربنا وهو هيحلهولك. مفيش يابني حاجة مستحيلة عليه. قول لا حول ولا قوة إلا بالله."
الإكثار من قول: "لا حول ولا قوة إلا بالله" عبادة عظيمة، فإذا لزمتها أنار الله بصيرتك، وألهمك رشدك، وثبّت قلبك، وسدّد رأيك، وقوّى عزيمتك، وأعزّ نفسك، وجمع أمرك، وفرّج همّك، وسدّ فاقتك، وشرح صدرك، وفتح لك وأعانك.
إننا نقوى بالله، ونتعافى بالله، ونطمئن بالله. نحن لا قوة لنا إلا بالله. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ارتاح قلب "ليث" بعد سماعه لحديث العجوز، والذي أخرج من جيبه بضع أموال لينفقها على المسجد وأخذ يفعل كما قال له.
لم يمر أكثر من خمسة عشر دقيقة، حتى وجد هاتفه يرن. قام بالرد مسرعاً وجاءه الرد.
"باشمهندس... الآنسة حور موجودة في مغفر الشرطة."
"أنا بحب أختك" نبس "عمر" بتوتر وهو ينتظر أن ينقض عليه "زين". وللحقيقة هذا أقل رد فعل. نظر له "زين" وهو يحاول تمالك أعصابه وهو يردف: "وأنت ملقتش لفظ أفضل من كدا تقوله؟ جاي تقول لي بحب أختك في وشي كدا."
"الله... مش أحسن من ما أقول من وراك..!"
"آه، هي كدا معقولة شوية.." ضحك الآخر وهو يجيبه. "وحشني هزارك ياعم زين من واحنا صغيرين... بس بقيت الشيخ زين خلاص وواحد معقد."
"ومين قال إني مبقتش بهزر... مش معنى إني بجاهد نفسي وبحاول مغضبش ربنا يبقى معيش حياتي."
"انتوا كملتوا حياتكم متشددة يا زين... وعموماً دا مش موضوعي، أنا جاي أكلمك عشان..."
"ياسمين."
كان "زين" يشعر بالغضب والضيق كلما ذكر اسم أخته، حيث أن "زين" من الأشخاص الشديدة الغيرة على كل محارمه.
"طب وبعد ما تحبها..."
"عايز أتجوزها طبعاً" أجابه "عمر" بتلقائية وقد توتر بشدة مع الحديث معه. أو أن يرفضه.
"بس ياسمين مش هتوافق... ياسمين عايزة شخص ملتزم وبيجاهد نفسه وكل همه الآخرة وياخد بأيديها للجنة... أنت هتقدم لها إيه من كل دا!؟"
صمت "عمر" ولم يجبه، وتوّترت معالم وجهه. انتظر بعض الوقت ثم أردف: "أنا مش ملتزم زيكم آه... لكن برضه أنا مش وحش يازينوه. هسعدها برضو وعمري ما هزعلها... مهي ممكن تاخد واحد ملتزم ومتبقاش سعيدة معاه ويكون شخص مش كويس، واقرب مثال اللي كان لسه متقدملها دا، شخص معقد. متشدد وعايز يتجوزها عشان خليها خدامة لأمه."
كان "زين" يُنصت لحديثه باهتمام، يحاول تنقية كلامه حتى لا ينفر "عمر" ما كلامه، فمن مثل "زين" يأخذه الجميع قدوة.
"شوف يا عمر... أولاً متجبش سيرته عشان حرام وغيبة وهو كدا كدا راح لحاله... تاني حاجة، الإنسان لما بيحاول يلتزم بيبقى كل همه الآخرة بس، والدنيا كلها ذنوب ومعاصي وبيكون صعب على الإنسان إنه يبعد عنهم... ولما الإنسان بيتجوز بينشغل في حياته، فلو مكنش معاه شريك همه الآخر أيضاً وشجعوا بعض، بيبقى صعب عليه يكمل وخصوصاً الفتن بتزيد وانشغاله بيزيد. ومفيش شخص بيفضل عمره كله ملتزم، عشان كدا لما تختار صح وتيجي تقع، تلاقي اللي يقومك على طول. فهمت ليه الملتزمة بتدور على ملتزم.. والعكس؟ وعايز أوضح لك نقطة مهمة.. مش لازم الملتزم يكون مربي دقنه للآخر ولا المنتقبة لابسة نقاب... ممكن تلاقي شخص عادي ملتزم أكتر منهم، بس مش دايماً هي بتلبس النقاب عشان تقرب من ربنا وتجاهد نفسها، بس طبعاً مش كل اللي بيلبسوه دلوقتي عشان كدا، ممكن تلبسه كـ موضة والشاب أيضاً يطول دقنه موضة. العبرة إن الملتزم هو همه الآخرة وبيجاهد عشانها حتى لو لسه موصلش للالتزام الكافي."
"عارف يا زين لما قولت لك إني بحب أختك.. رغم إني عشت حياتي بره إلى إني هفضل أغار على أهل بيتي. لو كان حد تاني قالي كدا أنا مش متوقع رد فعلي هيكون إيه...! بس أنت تمالكت أعصابك ورديت عليا بكل هدوء، ويمكن دا حببني في الالتزام، على عكس ما بشوف مشايخ تانية بتكرهني فيه... أوعدك إني هحاول أتغير."
"عمر... أنت هتحاول تتغير عشان ياسمين، مش عشان أنت عايز تتغير... ممكن اللي أنت فيه دا إعجاب ويروح بعدين، مش لازم تحكم إنه حب، أنت متعرفهاش أصلاً."
صمت "عمر" قليلاً وهو يفكر في حديثه. هل هو فعلاً كما قال "زين"؟ ولكنه حينما علم أمر خطبتها، شعر بأن نيران تحترق بقلبه.
"أنا واثق من حبي ليها، ياسمين مختلفة عن أي حد شوفته ومحترمة ومحافظة على نفسها، وكمان هتشجعني أقرب من ربنا وواثق من تربيتها لأولادي... وأنا أوعدك إني هحاول أتغير."
"ماشي يا عمر، هنشوف، لكن مفيش جواز من ياسمين لحد ما تتغير... وساعتها إن مكنتش تستاهلها مش هوافق."
وافق "عمر" وبعد مرور بعض الوقت رحل وصعد هو لأختها.
اقترب منها ثم قبل رأسها.
"ياسمينتي عاملة إيه؟"
أحَضَنته "ياسمين" وهي تجيبه بمرح: "بقى بذمتك دا عريس تجيبه.. عايز يعقدني من حياتي."
ضحك "زين" على مزاحها ثم أردف: "أنتِ مش فاكراه ولا إيه... دا وائل اللي كان معايا في المدرسة، كان كويس ومحترم والكل بيحبه. مش عارف إيه اللي خلاه يتغير كدا، عموماً يستي اهو خلاص راح لحاله، ربنا يرزقه خيراً منكِ، ويرزقك خيراً منه. ومفيش جواز غير لما تخلصي سنة رابعة بقى."
"طب وأنت يا زين... مش ناوي تخطب بقى، نفسي أفرح بيك أوي."
"أنتِ هتقلبي على ماما ولا إيه."
"زين مينفعش كدا معلق نفسك كدا، يا تشوف روان وتتقدملها... يا تشوف غيرها وتسيبها هي كمان تشوف حالها ووتجوز غيرك."
"صدقيني مش عارف يا ياسمين، لو اتجوزتها خايف تفضل زي ما هي، وأنا عايزة واحدة تربي أولادي تربية صالحة وتعرفهم دينهم، محتاجهم يطلعوا أقل مني، مش عايز أكون أناني وأختار أم ليها بس عشان أنا بحبها ومتكونش هي دي اللي أنا عايزها لأولادي، وف نفس الوقت لو اتجوزت غيرها مش هقدر أحبها. روان بحسها بنتي أنا اللي مربيها ومش هقدر أتخيل إنها ممكن تكون مع حد تاني. ف أنا بقيت محتار أوي يا ياسمين."
"جرب يا زين، روان بدأت تتغير جداً واتحسنت كتير عن الأول، صدقني محتاجة بس للي يشجعها، سيبك من تصرفاتها زمان، بس روان بقت كويسة دلوقتي صدقني وبتجاهد نفسها، هي مكنش فيه حد يقولها الصح من الغلط، لما بدأتم تكبروا وأنت بعدت عنها هي كانت بتعاند وعرفت إنها غلط، اديها فرصة."
شعر "زين" بأنها محقة في حديثها، وهو أيضاً سيساعدها في الالتزام دام أنها تريد ذلك.
"وبالمناسبة.. أنا قررت ألبس النقاب."
كان يجلس "جون" في منزل "حور" بأمر من "ليث" الذي أخبره أن يبقى معهم لحين أن تعود "حور".
كان والدها جالس يقرأ لها القرآن ويناجي ربه كي يحفظها. ورغد جالسة تبكي، فلم يحادثهم "ليث" بعد وهذا زاد خوفهم أكثر. نظر "جون" لرغد الجالسة تبكي بصمت بحزن، اقترب منها وهو يحاول أن يخفف عنها.
"دي حور قوية، لم يُصبها شيء أنا واثق في ذلك، وذلك الوغد ليث لن يأتي إلا وهي معه."
لم تجبه "رغد" وظلت صامتة. حاول "جون" مشاكساتها وهو يردف: "لا تبكي... تصبحين قبيحة أكثر من قبحك حين تبكين."
نظرت له "رغد" بغضب وقد نسيت حزنها وهي تجيبه: "ولا أتمسى وأقول يا مسا عشان مزعلكش، قبيحة مين ياللي مبتشوفش هو أنا فيه في جمالي أصلاً."
ضحك "جون"، هاهو نجح في إعادة تلك القطة الشرسة بداخلها.
"تروقي لي وأنتِ شرسة هكذا."
نظرت له "رغد" بتوتر، ماذا يقصد بحديثه هذا؟ شعرت بأنها لا يجب الجلوس معه بمفردها. "جون" يهودي ولا يعلم عادات دينهم، ولكن ماذا عنها هي؟
قامت من مكانها وذهبت تجاه والد "حور" وهي تجلس جواره، أمسكت مصحفاً آخر وأخذت تقرأ فيه.
يدلف "ياسر" لمغفرة الشرطة وهو يقص لذلك الضابط الواقف أمامه ما حدث وهو يتنهج. كان حديثه غير مرتب ومتخبط. نظر له الضابط وهو يظنه مجنون، ولكن هيئته لا توحي بذلك. خرج ومعه بعض من العساكر للسيارة وحاول فتحها ولكن لا فائدة. طلب بأن يأتي شخص مخصص لتلك الأشياء.
"اسمها إيه البنت دي؟" سألها بغضب. توتر "ياسر" ولكنه أجابه عن اسمها. شعر بأن الاسم ليس غريباً بالنسبة له.
حتى تذكر بأنها الفتاة المفقودة التي أبلغه "ليث" عنها.
قام بالاتصال به وإخباره.
وبعد قليل أتى الشخص المطلوب وأخذ يحاول فتحها بطريقته المتمكنة حتى نجح في ذلك، في نفس الوقت الذي وصل فيه "ليث"، حيث كان المسجد الذي به ليس بعيداً عن مغفر الشرطة.
فتح الرجل شنطة السيارة حتى وجد "حور" منكمشة على نفسها وهي تردد شيئاً في سرها ولكن صوتها مسموع بعض الشيء.
هرول "ليث" لها كي يطمئن عليها وهي مازالت تردد تلك الجملة: "لا حول ولا قوة إلا بالله... لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. لا، لا حول ولا قوة إلا بالله... لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين."
نظر لها "ليث" وقلبه يخفق بشدة. حاول مساعدتها وإخراجها وهو يمد يده لها.
خرجت "حور" ولكنها ترنحت في وقفتها. أجلسها "ليث" على المقعد وهو يحاول الاطمئنان بأن لا شيء أصابها. كان "ياسر" يقف بصدمة، لا يصدق كيف بقيت كل تلك المدة دون أن تختنق.
"إيه اللي حصل؟" تساءل "ليث" بغضب وهو ينظر لـ"ياسر" بتوعد.
قص عليه الضابط ما أخبره به "ياسر" عن تفاصيل خطفها.
تركها ثم انقض على "ياسر" يضربه بشدة ولم يأبه بأنه داخل مقر الشرطة حتى أبعده بعض العساكر.
أخذه الضابط لعمل محضر له، ولكن "ياسر" في عالم آخر حتى لم يقاوم ضرب "ليث" له.
"يلا عشان نمشي..." تحدث "ليث" بحنية وهو يقترب منها.
وقفت "حور" وحاولت المشي ولكن خذلت أقدامها ولم تقو على السير. تركها "ليث" ثم عاد بعد قليل ومعه فتاة كي تساندها.
امتثلت الفتاة لأوامره وقامت بتوصيل "حور" لسيارته وأجلستها بالخلف.
صعد "ليث" سيارته وساق بأقصى سرعة حتى وصل للمنزل، وجد "رغد" و"جون" بانتظارهم بعدما هاتف "جون" وأخبره.
هرولت "رغد" تجاهها وهي تساعدها ودلفوا للمنزل.
جلست "حور" وهي تتنفس بشدة وتنهج.
"إزاي فضلتِ المدة دي كلها بدون ما تتخني؟!" كان هذا أول سؤال واجهه "ليث" لها.
"لساني متوقفش عن قول 'لا حول ولا قوة إلا بالله' من أول ما خطفني."
وجه "ليث" بصره لوالد "حور" وهو يردف: "أنا عارف إنه مش وقته.... بس أنا هكتب بكرة كتابي على حور."
كان "زين" يجلس وحوله مجموعة من الشباب الذي يدرس لهم بالجامعة. وبعد القليل من الأحاديث بدأ "زين" درسه.
"هكلمكم النهارده عن حاجة مهمة جداً. التعبّد في الخلوات، ولو بتسبيحة."
فإن الخلوات إما مُنجيات أو مُهلكات. ألم تسمع بحديث ثوبان رضي الله عنه "لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله عز وجل هباءً منثوراً". قال ثوبان: يا رسول الله! صِفهم لنا، جلّهم لنا ألا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: "أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها"!!
وكما أنّ عقاب ذنوب الخلوات شديد، فإن أجر طاعات الخفاء كبير جداً.
قال ابن القيم رحمه الله: "الذنوب الخفيات أسباب الانتكاسات، وعبادة الخفاء أصل الثبات."
قال الشيخ الطريفي -فك الله أسره-: " فكلما زاد خفاء الطاعات كلما زاد ثباتك، كالوتد المنصوب يثبت ظاهره بقدر خفاء أسفله في الأرض، فيُقتلع الوتد العظيم، ويُعجز عن قلع الصغير.. والسر فيما خفي."
وقال بعض الصالحين: "من أكثر عبادة السر أصلح الله له قلبه شاء العبد أم أبى."
وقال ابن المبارك: "ما رأيت أحدًا ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام إلا أن تكون السريرة."
فالله الله في خلواتكم؛ فإن ميزان القلب خلوته. ولن ينفعكم مديح الناس على تقواكم في العلن، وفساد خلواتكم.
فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك.
فإنه يراك.
وقفت "ياسمين" بإنتظار "روان" تنتهي من ارتداء ملابسها.
خرجت "روان" وهي تدور حول نفسها بفرحة وقد قامت بارتداء فستان أسود اللون فضفاض وفوقه خمار علمتها "ياسمين" كيف ترتديه.
"لبست الخمار أداري جمال فزادني جمالاً.. لا حول ولا قوة إلا بالله."
ضحكت عليها "ياسمين" وهي تقوم باحتضانها بشدة.
"معاكِ حق والله... شكلك قمر أوي اللهم بارك، يلا عشان منتأخرش."
"جبتي النقاب معاكي.."
"طبعاً ياباشا ودي تتنسى برضو" أجابتها "ياسمين" بمرح.
"بت انتِ ألفاظك بقت سوقية."
"سوقية ولا غربية.... هههييههيي."
نظرت لها "روان" بريبة وتشنج وهي تبتعد عنها مما جعل "ياسمين" تضحك أكثر.
"متهزريش تاني يا ياسمين، يلا عشان أنا متحمسة أوي."
خرجا سوياً تجاه دار التحفيظ والذي اقترحت "ياسمين" أن يقوموا بارتداء النقاب هناك كي يكون تشجيعاً لجميع الفتيات.
"ياسمين عندي سؤال محيرني... أنتِ ماشاء الله عليكِ ملتزمة جداً... إزاي ملبستيش النقاب من زمان؟"
"بصي يا روان، الإنسان مهما يبلغ من الالتزام والإيمان هيفضل نقطة في بحر علم، بس للأسف أنا مفهمتش دا غير متأخر... كنت بقول لنفسي مينفعش ألبس النقاب غير وأنا ملتزمة كفاية إني ألبسه عشان مأسألش ليه. لكن عرفت بعدين إنه النقاب ممكن يكون هو السبب إني أقرب لربنا، وزي ما حور قالت، النقاب هيخليني أمنع حاجات كتير أوي كنت بعملها عشان أنا بقيت لابساه ومينفعش أعملها. فيه بنات كتير أعرفها مكنتش ملتزمة أوي وبتجاهد ولبست النقاب فيه بداية التزامهم... ودلوقتي اللهم بارك عليهم بقوا ملتزمين جداً. لو رجع بيا الزمن كنت لبسته من زمان، ولكن الحمد لله إن ربنا ألهمني لبسه قبل ما أموت."
كانت "روان" تحتاج لحديث "ياسمين" كي يبث في قلبها الأمان أكثر ويشجعها.
وصلا إلى دار التحفيظ وقاموا بتوزيع حلوى بمناسبة ارتدائهم للنقاب.
قامت المعلمة بارتداء "ياسمين" أولاً ثم بعدها "روان".
وقامت إحدى الفتيات برمي بعض الورود التي جلبتها "ياسمين" عليهم وبعض الأشياء الأخرى التي زادت الجو حماساً.
ثم أخذوا ينشدون ويصفقون بفرحة والجميع يبارك لهم.
كانت "روان" تشعر فرحة عارمة وشعور غريب لم تشعر به من قبل حتى بكت بشدة من كثرة التأثر وبكت معها "ياسمين" أيضاً.
وبعد التهاني والاحتفال بهم رحلا.
وصلا أسفل العمارة ولكن أخبرت "ياسمين" "روان" بأن تنتظر. سوف تجلب بعض الأشياء وتعود لها.
وقفت "روان" بإنتظار في الوقت ذاته التي أتى به "زين".
نظر لها "زين" بفرحة وهو يظنها "ياسمين" لأنها قامت بإخباره أنها سوف ترتدي النقاب.
ذهب إليها مسرعاً لكي يقوم باحتضانها في الوقت الذي عادت فيه "ياسمين".
رواية وسولت لي نفسي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم روان الحاكم
اقترب زين منها ليحتضنها وهو يظنها أخته، في الوقت ذاته التي أتت به ياسمين، ابتعدت روان عنه مسرعة مجرد أن وضع يده على كتفها وهي تنتفض بعنف ولم تتوقع رد فعله.
نظر لها زين بتعجب.
"زين... بتعمل إيه؟"
تحدثت ياسمين باستغراب شديد من رد فعله. هل كان سيحتضن روان منذ قليل؟
"ياسمين..."
نطقها زين بصدمة وهو يمعن النظر بها، ثم أكمل:
"إمتى جيتي هنا... أمال مين دي؟"
أعاد زين بصره مرة أخرى تجاه تلك الواقفة أمامه، ولم تنطق حرفًا حتى توسعت عيناه بصدمة وهو يردف:
"روااان!!!"
ظل زين ينظر لها بصدمة. هل الواقفة أمامه هي نفسها روان ابنة عمه؟ تلك الفتاة الطائشة والتي كانت تبغض أن يعلق أحد فقط على ملابسها، قد من الله عليها بارتداء النقاب!!
عند هذا الحد توقف عقله عن التفكير وقلبه يخفق بشدة.
ظل ينظر إليها وهو يشعر بشعور غريب. هل عادت روان الصغيرة إليه مرة أخرى؟
شعرت روان بنظراته نحوها حتى أخفضت بصرها بخجل.
أشاح زين ببصره عنها ثم رحل ولم ينطق بحرف.
دخل المنزل وبداخله مشاعر عديدة. يشعر وكأنه أسعد شخص في العالم. ها هي صغيرته بدأت تتقرب من الله مرة أخرى منذ أن كان يعلمها وهي معه.
أخذ يستغفر ربه على عدم غض بصره، مهما كان الأمر ليس مبررًا أن يطيل النظر إليها.
صلى ركعتين توبة لله بسبب إطلاق بصره وأخذ يستغفر ربه وهو يعاهد نفسه على عدم النظر إليها مرة أخرى إلى أن تصبح من نصيبه. ثم صلى ركعتين شكرًا لله، فقد استجاب الله لدعواته الدائمة بأن يهديها.
أما عند روان، كانت تشعر بالتوتر من قرب زين لها. تعجبت حالها. لمَ خافت أن يلمسها شخص حتى ولو كان زين دام أنه ليس من محارمها؟ إن كانت روان القديمة لم تكن لتبالي بالأمر، أما الآن فتشعر بالسعادة لتغيرها هكذا.
دلفت للداخل لتجد عمر أمامها، هرولت وهي تحتضنه بسعادة.
"مين... ياما... ابعدي عني يا ست انتِ!"
"ست في عينك يا أعمى... أنا روان."
نظر لها الأخير بصدمة من هذا الذي ترتديه.
"إيه اللي عاملاه في نفسك ده؟!"
"مالي يا خويا عاملة إيه... لبست النقاب، ده بدل ما تباركلي... وياسمين كمان لبست معايا."
"الله... دي كملت بقى."
شعر عمر بالضيق بسبب ارتداء ياسمين للنقاب. هكذا يصعب الوصول إليها أكثر. هو بعيد كل البعد وهي تقترب أكثر. والأهم كيف سيرى وجهها بعد الآن؟
"أنا توقعت إنك هتفرحلي، يعني خطوة النقاب صعبة ومش أي حد يقدر ياخدها، كفاية كلام الناس اللي بيفضلوا يقولوا مش هتتجوزوا بسبب النقاب، ما يعرفوش إن عمر رزق ما يمنع رزق."
"لحظة إيه علاقة الجواز بالنقاب؟"
"إنه شايف إنه ملوش علاقة، بس هما بيقولوا قال يعني محدش هيشوفنا كده، عشان كده محدش هيتقدم لنا."
"بجد... يعني كده محدش هيتقدم لها."
أردف عمر بفرحة عارمة وهو يشد روان لأحضانه بمزاح.
نظرت له الأخرى بريبة وهي تجيبه:
"هي مين دي اللي محدش هيتقدم لها؟"
"مش مهم خليكي بس انتِ هنا، هروح أجيب لنا شوية تسالي وأجي أفرحك بالنقاب."
هرول عمر ولم يعطِ لها فرصة. نظرت روان في أثره بتعجب.
"الواد باين اتجنن."
خرج عمر لمحل البقالة ثم اشترى بعض الأشياء التي تحبها روان، ثم تذكر شيئًا هامًا كان سينساه.
"لو سمحت عايز لبن نادية."
نطقها عمر بفرحة لكونه تذكر هذه المرة، فهو يريد أن يشرب هذا اللبن الذي قد سمع عنه ولكنه في كل مرة ينسى. ها هو تذكر.
نظر له الرجل بغضب ثم تحدث بصرامة وغلظة بلكنة صعيدية:
"وإنت عايز إيه من مرتي؟"
"لا بقولك عايز لبن نادية."
أعاد عمر سؤاله مجددًا وهو يجيبه بتوتر.
"بتعيدها تاني قدامي."
خرجت في هذه اللحظة نادية.
"دخلي جوه يا مرة... وإنت بقى تعالالي."
تحدث الرجل وهو يمسك بعصا ويقترب من عمر بغضب، والذي تركه وأخذ يهرول والرجل خلفه.
"خلاص مش عايز لبن نادية، هات لي زبادو... منكم لله يا بتوع السوشال ميديا."
أما عن روان، دلفت وهي تنادي والدتها بسعادة شديدة وهي مشتاقة لرد فعلها. خرجت والدتها ثم نظرت لها بضيق وعن رضا:
"إيه اللي انتِ لابساه ده!"
انطفأت فرحتها وبهت وجهها. أقرب شخص لها والمفترض الداعم لها لم تشجعها، بل وتفرضها أيضًا.
"إيه يا ماما ده، بدل ما تشجعيني."
"أشجعك على إيه، انتِ لسه صغيرة وأنا مش راضية عنه."
"وأنا لبسته خلاص يا ماما مش هخلعه."
تركت والدتها ودلفت حجرتها وهي تبكي.
في الوقت ذاته التي كان أهل ياسمين يحتفلون بها لارتدائها النقاب وهم يباركون لها ويشجعونها، كانت تشعر بالسعادة الشديدة لذلك.
روان_الحاكم
"أنا هكتب كتابي على حور بكرة."
تحدث ليث أمام الجميع بعدما أتى والده.
"وهو ده وقته يا ابني."
أجابه والد حور بعدما طال الصمت.
"ليث معاه حق يا محمد... حور هتكون في أمان أكتر لما تكون على ذمته ومحدش هيقدر يتعرض لها تاني."
صمت والدها يفكر في الأمر. والد ليث محق. ستكون هكذا في أمان أكثر ولكنه لا يريد الضغط عليها.
"لما أشوف رأي حور الأول مقدرش أجبرها على حاجة... رأيك إيه يا بنتي؟"
"إيه حضرتك تشوفه يا بابا أعمله... عن إذنكم هدخل أرتاح شوية."
وقفت حور ولكنها شعرت بالدوار. اقتربت منها رغد وقامت بمساعدتها حتى دلفت لحجرتها. جلست حور على السرير ثم طلبت من رغد تركها بمفردها بعض الوقت. حين رفضت رغد تركها أصرت عليها حتى جعلتها تغادر.
خرجت رغد من الحجرة، تحاملت على ذاتها ونزلت ثيابها ثم توضأت وارتدت إسدالها وشرعت في الصلاة. كانت تشعر بالإجهاد الشديد وغير قادرة على الوقوف، ولكنها ضغطت على نفسها وظلت تصلي وهي واقفة.
حتى سجدت. وهنا أجهشت في بكاء مرير. كم من ألم التي تحملته في هذه اللحظة العصيبة. ما حدث معها أشبه بمعجزة. منذ أن وضعها ياسر في سيارته، كانت تعلم أن لا مفر منه، ولكنها كانت تثق أن الله سينجيها منه. لم يتوقف لسانها عن الذكر، لم تفكر في أمر اختناقها، ولا ماذا سيفعل لها، بل كل ما تذكرته أمر سيدنا يونس حينما كان في بطن الحوت. من أنقذ يونس من بطن الحوت قادر على إنقاذها.
إن الله عند حسن ظن عبده به. كانت تذكر الله بكل حواسها ولم تفكر سوى في شيء واحد، أن الله سينقذها كما يفعل معها دائمًا.
انتهت حور من صلاتها بعدما صلت ركعتين شكرًا لله.
دلفت بعدها رغد وهي تقول بمرح:
"ودلوقتي تحكيلي كل اللي حصل معاكي من أول ما خطفك اللي ما يتسمى ده لحد ما أنقذك اللي ما يتسمى التاني."
ضحكت حور على طريقة حديثها.
"إنتِ محدش عاجبك خالص كده يا رغد."
"أقول إيه... إنتِ اللي زيك تتجوز شيخ... إمام مسجد.. أما يتخانق عليكي اتنين زي ليث وياسر جديدة دي."
ضحكت حور من أخرى على مزاحها. رغد معها حق، فحور دائمًا ما تقول بأنها لن توافق إلا على إمام مسجد.
"محدش عارف النصيب فين... أنا آه لحد دلوقتي مش موافقة على ليث، ولا عايزاه... لكن برضه أنا واثقة في اختيار ربنا ليا، أنا من يوم ما ليث اتقدملي وأنا بصلي استخارة."
"طب وبعد ما تصليها، بتحلمي ب إيه ولا بتحسي بتحسي ب إيه؟"
"الاستخارة يا رغد مش معناها أحس بحاجة أو أحلم بحاجة، الاستخارة هي إني بستخير ربنا في أمر لي، بدعيه لو خير يهيئه ليا، ولو شر يبعده عني... وده بيخليني مرتاحة حتى لو مش عايزة الموضوع، لأني ببقى واثقة في اختيار ربنا ليا."
"لكن مش هكدب وأقول إن ببقى فرحانة، لأ ببقى زعلانة لأنه أمر طبيعي منا بشر ومن حقي أزعل، لكن زعلي حاجة عشان ده مش بإيدي وإني أكون راضية حاجة تانية."
"أنا راضية عشان عارفة إنه الخير ليا، لكن ما يمنعش إني أكون حزينة لأنه أمر غصب عني."
أخذت رغد تفكر في حديثها وهي تتذكر أهلها. هي بالفعل راضية، ولكنها تشعر بالحزن لأجلهم. كم تشتاق لهم.
"طب أنا عايزة أسألك سؤال، إيه رأيك في شغل النساء؟"
أخذت حور نفسًا عميقًا وزفرت بهدوء وهي تجيبها:
"بصي موضوع الشغل بالنسبة لي أنا لأ، يمكن ليا رأي غريب شوية، بس أنا ليه أطلع اتبهدل وأتحمل ضغط الشغل وأرجع تعبانة وأهمل بيتي وعيالي."
"عيالي وزوجي أولى بالوقت اللي هقضيه في شغلي."
"أنا حاليًا بشتغل لأني محتاجة للشغل، لكن لو كان حالي متيسر، الوقت ده أفضل كنت أقضيه في علم شرعي، أحفظ الأطفال قرآن، أقر كتب، أتعلم إزاي أكون زوجة صالحة وأم صالحة تعرف تربي أولادها تربية كويسة."
"فيه حاجات كتير قوي أولى إني أعملها في سني ده."
"أعلمهم دينهم وأحفظهم قرآن، أقعد أصنع لهم أكل وحلويات واهتم بيهم، ده في حال إن زوجي حاله متيسر."
"طب وطالما انتِ مش هتشتغلي... بتتعلمي ليه من الأول؟"
"عشان العلم ضروري يا رغد، ربنا أمرنا نتعلم، وبعدين العلم هيفيدني في حياتي أنا، ووقت ما أحب أشتغل أعرف، أنا مش عايزة لكن ممكن الظروف تفرض عليا زي زوجي لا قدر الله يتوفى أو يمرض، وقتها أقدر أشتغل عشان أساعدهم ومحتاجش لحد."
"ولكن ده ما يمنعش إن فيه حاجات كتير قوي لازم النساء تشتغل فيها، زي الطبيبة لأن أنا ك حور لو عايزة أكشف لو هموت مش هكشف عند دكتور وغريب يلمسني، عارفة إنه حلال مدام للضرورة، بس ده طبعًا لو مفيش طبيبة."
"بصراحة أنا مش معاكي في كلامك، شايفة إنه أفضل البنت تعمل لنفسها كيان وشخصية، ومش هتعرف تعمل دول غير لما تشتغل، تصرف على نفسها وتجيب لنفسها اللي هي عايزاه ومتحتاجش لحد، كفاية أنها هتتعلم حاجات كتير قوي وتكتسب صفات وهتبقى قوية وليها كلمة، الرجالة في زماننا ده مالهمش أمان يا حور لازم تبقي ناجحة في حياتك."
"كل واحد وليه رأي، وأنا نجاحي إني أنجب ذرية صالحة أربيهم على قال الله وقال الرسول، أعيش في هدوء وحياة بسيطة، وهي دي السعادة بالنسبالي."
"وعايزة أقولك على حاجة جميلة قوي:"
"لو الزوج أو الزوجة أو الأولاد في درجات مختلفة من الجنة إيه اللي هيحصل؟"
"إزاي هيتجمعوا مع بعض؟"
"وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ"
"قال ابن كثير: أي: ساوينا بين الكل في المنزلة لتقر أعينهم وما نقصنا العالي حتى يساوي الداني بل رفعنا ناقص العمل، فساويناه بكثير العمل تفضلًا منا ومنة."
"وهنا نعرف قيمة الزوج الصالح و الزوجة الصالحة و الأولاد الصالحين ❤️"
"وإن زي ما بنكون حريصين على أمر أزواجنا و أولادنا بالمعروف ونهيهم عن المنكر، نكون كذلك أكثر حرصًا على عملنا الصالح و المسارعة فيه و الاستزادة منه لعل الله يلحقهم بنا في جنات النعيم ❤️"
"ربنا يرزقنا الجنة يارب."
"يلا نرن على روان وياسمين ونعرفهم إن بكرة كتب الكتاب عشان ما يزعلوش."
"أيوه كويس إنك فكرتيني."
قاموا بالاتصال عليهم وإخبارهم بالأمر بشكل سريع كما فعل ليث من بعض أصدقائه، ثم قام بالاتصال بزين وأصدقائه ودعوتهم.
______روان_الحاكم________
أتى صباح جديد. منهم من ذهب لعمله ومنهم من ذهب لدراسته. كان زين جالسًا في المسجد ينتظر إقامة الصلاة.
وجد شابًا يجلس جواره وهو يتحدث معه.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إزيك يا شيخ زين."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... الحمد لله في زحام من النعم."
"ربنا يديمها عليك ويثبتك ونكون ربعك بس."
تحدث الشاب بمزاح ولكن نبرته صادقة. شعر زين بالخجل كيفه يراه الناس، وهو يخطئ مثلهم لولا ستر الله له 💔.
يظنه الجميع لا يخطئ ويأخذونه قدوة.
"لو أغتبت حد أعمل إيه؟"
"لو اغتبت حد مرة خليك عارف إن فيه حاجة اسمها القنطرة ودي اللي بيتجمع فيها الخصوم أمام الله عزّ وجل، ووقتها ربنا بيخلص حقوق الناس من بعضها يأما يسامحك الشخص اللي اغتبته.. يأما ياخد من حسناتك."
"ف خلي دايما الدعاء ده على لسانك وفي كل صلاة:"
"اللهم اغفر لي ولمنَ اغتبته ولمنَ اغتابني واعفُ عني وعنه يا الله."
"عايز تبعد عن الغيبة والنميمة؟"
"ردد دايما: اللهم اجعل كتابي في عليين واحفظ لساني عن العالمين."
"ومتقولش أنا عمري ما جبت سيرة حد، لأن الشيطان بيغوينا كلنا وبيخلينا نعمل كده حتى لو هزار:"
"الدعاء ده لو كل الناس قالته هيعم السلام بينا، وهنكون كلنا مسامحين بعض يوم القيامة وبندعي لبعض💚"
شكره الشاب بشدة ورحل. انتهى زين ثم غادر ليلحق
ليث بعدما أخبر الشباب.
أما عن روان وياسمين فقد ذهبا مبكرًا لحور بعدما انتهوا من دراستهم.
أتى موعد كتب الكتاب. كان زين يقف وهو ينتظر بفارغ الصبر وحور تشعر ببعض التوتر وحولها بعض الفتيات
والشباب في الخارج مع ليث يهنئونه.
كان المأذون سيبدأ مراسم العقد حتى أوقفه آخر شخص يتمنى ليث أن يراه الآن.
انقطع عليهم وهو يقترب من ليث ويردف:
"بقى انت هنا بتتجوز... وسايب... سايب أخوك محبوس!!"
رواية وسولت لي نفسي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم روان الحاكم
"حامد" خرجت هذه العباره من فم محمود والد ليث بصدمه، اما ليث بقى ينظر له بتوهان، بالطبع يمزح.
"ازيك يا محمود، ليك وحشه... انا طبعًا بعتذر ليكم عشان قطعت عليكم الأجواء، لكن أظن مينفعش يقعد هنا يفرح و... واخوه محبوس."
قام محمود والد ليث وهو يقترب منه: "إيه الكلام اللي بتقوله دا، وإيه اللي رجعك بعد كل دا؟"
"جاي أقول لليث ابنك إن أخوه محبوس بسببه."
ظل ليث واقف وهو ينظر تجاه بغضب: "بس أنا مليش إخوات."
"لأ ليك... ياسر... ياسر حامد يبقى أخوك."
بضع كلمات، فقط بضع كلمات قليلة جعلت جسد ليث يتنفض بعنف، هل هذا الشاب هو نفسه أخوه؟ مستحيل، بالطبع هو يكذب، تذكر أنه كلما رآه يشعر تجاه بمشاعر عديدة، ودائما يشعر وكأنه مسؤول منه وهو يتجاهل شعوره.
"انت مبتخلفش يا حامد." تحدث محمود بصرامة وهو ينظر له بجدية.
"ربنا كرمني وخلفت، ما انت عارف إني اتجوزت تهاني بعد ما انت طلقتها."
إقترب منه ليث بنية ضربه ولكن منعه زين وهو يحاول تهدئته: "أنا مليش إخوات، ومليش... أم."
اما عن حور كانت متصنمة، هل ياسر أخو ليث؟ والأهم تهاني تكون والدته؟
"لييث... روح شوف أخوك." أجابه والده بصرامة.
نظر له ليث بغضب ثم خرج ولم يتحدث بشيء. حاول الشباب اللحاق به ولكنه رفض أن يحادثه أحد.
رحل حامد بعدما أتم مهمته، أما عند محمود جلس على أقرب كرسي له، كيف حدث هذا؟ محمود لا ينجب هو متأكد من هذا، إذا كيف يكون لديه طفل من زوجته... معذرة بل طليقته و... وحبيبته أيضًا.
بقيت حور تنظر أمامها بتوهان، ما كل هذا الذي يحدث معها؟ أليس لها حق بالفرح مثل أي فتاة؟ ألا يكفي أنها لم ترتدي فستان وتُزف مثل أي فتاة؟ هل كُتب عليها العيش حزينة دائمًا؟ لمَ هي تحديدًا يحدث معها هكذا؟ حتى أبسط الأمور التي تحدث مع أي فتاة لا تحدث معها، هل الخطأ بها أم ماذا؟
كانت كل تلك الأسئلة تدور بعقل حور، أفاقت من تفكيرها وهي توبخ نفسها، كيف تسمح لشيطانها أن يوسوس لها.
إقتربت منها ياسمين وهي تعلم ما يدور بداخلها، مهما تكن حور تحمل قدراً من الالتزام تبقى بشر ضعيف يوسوس لها شيطانها في لحظة ضعف هكذا.
"حور.... عارفة إن كل حاجة بتحصل ورا بعض من غير ما احنا عايزين، لكن هنعرف بعدين الخير لينا فينا."
"في سورة الكهف آية عظيمة بتقول: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا}."
"حقيقي بيبقى صعب على الإنسان بنظرته الدنيوية المحدودة إنه يفهم كل اللي بيحصل حواليه أو يفهم الحكمة المستخبية وراء الابتلاء.. فيارب الهمنا الصبر على ما لم نحط وارضنا بقضائك حتى تظهر حكمتك في كل شيء."
"أنا عارفة إن مش ده الموقف اللي هيزعلك، اللي مزعلك إنك حاسة إن مفيش حاجة بتم زي ما انتِ عايزة ف حسيتي بزعل جواكِ."
"طول عمرك انتِ اللي بتدينا النصايح، لكن ده ميمنعش إن يمر عليكي أوقات تكوني محتاجة اللي يشجعك... افضلي قوية يا حور."
لم تتحدث حور بشيء وإقتربت منها واحتضنتها. من قال أن الإنسان مهما بلغ تدينه سوف يبقى دائماً راضٍ، سوف يمر عليه أوقات يشعر بالضجر وأن لا شيء يحدث كما تمنى، لذا عليك دائماً بالصحبة الصالحة حتى يشدوا عزمك.
جلس ليث بعيداً وهو يشعر بالضجر من كل شيء.
يشعر وكأن الحياة تعانده وتُصر دائماً أن تأخذ منه كل شيء. وجد زين يجلس جواره والشباب يلتفون حوله.
أخذوا يتشاكسون معه ويتحدثون كي يخرجوا ليث من حالته تلك.
ثم شرع زين في الحديث: "هحكي ليكم قصة يمكن من أجمل ما قرأت. يقول أحد أصدقائي: ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻓﺘﺤﺖ ﻟﻲ زوجتي ﺍﻟﺒﺎﺏ ﻇﻬﺮ ﺍﻟﻴﻮﻡ، رأيتها غريبة الوجه متوترة الملامح، ﺳﺄﻟﺘﻬﺎ: ﻣﺎﺫﺍ ﻫﻨﺎﻙ؟ قالت بصوت مضطرب: - ﺍﻟﻮﻟﺪ. أسرعت إلى غرفة أطفالي الثلاثة منزعجاً فوجدته فوق السرير منزوياً في انكسار وفي عينيه بقايا دموع. احتضنته وكررت سؤالي.. ماذا حدث؟ لم تجبني.. وضعتُ يدي على جبهته.. لم يكن هناك ما يوحي بأنه مريض. سألتها ثانية: ماذا حدث؟ أصرت على الصمت.. فأدركت أنها لا تريد أن تتحدث أمام الطفل الصغير.. فأومأت إليها أن تذهب لغرفتنا وتبعتها إلى هناك بعد أن ربت فوق ظهر صغيري. عندما بدأت تروي لي ما حدث منه وما حدث له أيضاً هذا الصباح بدأت أدرك. فالقصة لها بداية لا تعرفها زوجتي.. هي شاهدت فقط نصفها الثاني.. فرحت أروي لها أنا شطر القصة الأول كي تفهم ما حدث ويحدث. القصة باختصار أني أعشق النوم بين أطفالي الثلاثة أسماء وعائشة وهذا الصبي الصغير، وكثيراً ما كنت أهرب من غرفة نومي لأحشر نفسي بقامتي الطويلة في سريرهم الصغير.. كانوا يسعدون بذلك وكنت في الحقيقة أكثر سعادة منهم بذاك. بالطبع كان لابد من حكايات أسلي بها صغاري.. كانت أسماء بنت الثمانية أعوام تطالبني دائماً بأن أحكي لها قصة سيدنا يوسف، وأما فاطمة فمن تحب سماع قصة موسى وفرعون أو الرجل الطيب والرجل الشرير كما كانت تسميهما هي. وأما صغيري فكان يستمع دون اعتراض لأي حكاية أحكيها سواء عن سيدنا يوسف أو عن سيدنا موسى. ذات ليلة سألت سؤالي المعتاد: سيدنا يوسف أم سيدنا موسى.. صاحت كل واحدة منها تطالب بالحكاية التي تحبها.. فوجئت به هو يصيح مقاطعاً الجميع: "عمر بن الخطاب"! تعجبت من هذا الطلب الغريب.. فأنا لم أقص عليه من قبل أي قصة لسيدنا عمر.. بل ربما لم أذكر أمامه قط اسم عمر بن الخطاب.. فكيف عرف به.. وكيف يطالب بقصته. لم أشأ أن أغضبه فحكيت له حكاية عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. ارتجلت له هذه الحكاية بسرعة: حدثته عن خروجه بالليل يتحسس أحوال رعيته وسماعه بكاء الصبية الذين كانت أمهم تضع على النار قدراً به ماء وحصى وتوهمهم أن به طعاماً سينضج بعد قليل ليسدوا به جوعهم. حدثته كيف بكى عمر وخرج مسرعاً.. ثم عاد وقد حمل جوال دقيق على ظهره وصنع بنفسه طعاماً للصبية.. فما تركهم حتى شبعوا وناموا. نام صغيري ليلتها سعيداً بهذه الحكاية.. في الليلة التالية فوجئت بصغيري يعلن أنه سيحكي لنا قصة عمر بن الخطاب. قلت له مستهزئاً: أتعرف؟ أجاب في تحد: نعم. لا أستطيع أن أصف دهشتي وأنا أسمعه يحكيها كما لو كان جهاز تسجيل يعيد ما قلته. في ليلة أخرى أحب أن يسمع حكايات ثانية لعمر بن الخطاب.. حكيت له حكاية ابن القبطي الذي ضربه ابن عمرو بن العاص.. وكيف أن عمر بن الخطاب وضع السوط في يد ابن القبطي وجعله يضرب ابن العاص. في الليلة التالية أعاد على مسامعي حكايتي.. كان قد حفظها هي الأخرى. وهكذا أمضينا قرابة شهر.. في ليلة أحكي له قصة عن عدل عمر.. أو عن تقواه.. أو عن قوته في الحق.. فيعيدها على مسامعي في الليلة التالية.. في إحدى الليالي فاجأني بسؤال غريب فقال: هل مات عمر بن الخطاب؟ كدت أن أقول له – نعم مات !! .. لكني صمت في اللحظة الأخيرة فقد أدركت أنه صار متعلقاً بشخص عمر بن الخطاب.. وأنه ربما يصدم صدمة شديدة لو علم أنه قد مات.. تهربت من الإجابة. في الليلة التالية سألني ذات السؤال تهربت أيضاً من الإجابة. بعدها بدأت أتهرب من النوم مع أطفالي كي لا يحاصرني صغيري بهذا السؤال.. صباح اليوم خرج مع والدته.. في الطريق لقي امرأة وعلى كتفها صبي يبكي كانت تسأل الناس شيئاً تطعم به صغيرها، فوجئ الجميع بصغيري يصيح بها: لا تحزني سيأتي عمر بن الخطاب بطعام لك ولصغيرك. جذبته أمه بعد أن دست في يد المرأة بعض النقود. بعد خطوات قليلة وجد شاباً مفتول العضلات يعتدي على رجل ضعيف بالضرب بطريقة وحشية.. صاح صغيري في الناس كي يحضروا عمر بن الخطاب ليمنع هذا الظلم. فوجئت أمه بكل من في الطريق يلتفت نحوها ونحو صغيري.. قررت أن تعود إلى المنزل بسرعة.. لكن قبل أن تصل إلى المنزل اعترض طريقها شحاذ رث الهيئة وطلب منها مساعدة. دست في يده هو الآخر بعض النقود وأسرعت نحو باب المنزل لكنها لم تكد تصعد درجتين من السلم حتى استوقفها زوجة البواب لتخبرها أن زوجها مريض في المستشفى وأنها تريد مساعدة. هنا صاح صغيري بها مكرراً سؤاله: هل مات عمر بن الخطاب؟! عندما دخلت الشقة كان صوت التلفاز عالياً كان مذيع النشرة يحكي ما فعله اليهود بأطفالنا في غزة. كانت الصور مروعة ومقاطع الفيديو تبكي الكبير فينا قبل الصغير.. شاهد الولد البيوت وهي تهدم على رؤوس الأبرياء.. والرجال العزل وهم يحفرون لاستخراج أشلاء ذويهم دون أن يحرك العالم شيئاً. أسرع صغيري نحو التلفاز وراح يحملق في صور النساء والأطفال وهم ينزفون دماً، والرجال وهم يبكون قهراً والبيوت والمدارس والمساجد وقد صارت تراباً على أجساد المصلين فيها. التفت نحو أمه وهو يقول جزعاً: مات إذن عمر بن الخطاب.. مات إذن عمر بن الخطاب! راح يبكي ويكرر: مات عمر بن الخطاب.. مات عمر بن الخطاب.. مات عمر بن الخطاب. دفع صغيري باب الغرفة.. صمتت أمه ولم تكمل الحكاية.. لم أكن محتاجاً لأن تكملها فقد انتهت. توجه صغيري نحوي بخطوات بطيئة وفي عينيه نظرة عتاب: مات عمر بن الخطاب؟ رفعتُه بيدي حتى إذا صار وجهه قبالة وجهي رسمت على شفتي ابتسامة وقلت له: أمك حامل.. ستلد بعد شهرين.. ستلد عمر. صاح في فرح: عمر بن الخطاب. قلت له: نعم.. نعم ستلد عمر. ضحك بصوت عالٍ وألقى نفسه في حضني وهو يكرر: عمر بن الخطاب.. عمر بن الخطاب. حبست دموعي وأنا أترحم على عمر بن الخطاب. نعم مات عمر ولكن لم تمت أمة الإسلام التي أنجبت عمر. نعم مات عمر ولكن لم يمت القرآن الذي عمل به عمر. نعم مات عمر ولكن لم تمت الشجاعة والنخوة والرجولة التي أورثت لأمة الإسلام. نعم مات عمر ولكن سيخرج من أمتنا ألف ألف عمر."
انتهى زين من حديثه حتى وجد عربة مثلجات، تبادل هو وأحمد النظرات بخبث ثم غمز له الآخر وهم يقتربون من تلك العربة.
قاموا بشراء العديد من المثلجات للجميع.
رفض ليث في البداية ولكنه أخذ بعد إصرارهم. يشعر بالألفة معهم، كيف لهم أن يكونوا بكل تلك البساطة.
كان عمر يجلس معهم بعدما حادثه زين.
تحدث عمر بمزاح: "تعالوا أحكيلكم قصة (نكتة) بتموتني من الضحك. مرة واحد اشتغل في سيرك وقرر يعمل حاجة مختلفة وجديدة راح جاب نملة وقعد يدربها 10 سنين عشان تقف على رجل واحدة قام رايح لولد صغير في الشارع وقاله بص النملة بتقف على رجل واحدة. الواد مسك النملة فعصها بإيده وقاله دي نملة يا عمو. فعاد التجربة وقال هوري التجربة لناس كبيرة مش عيال صغيرة جاب نملة تاني ودربها 10 سنين وراح لواحد كبير وقاله بص النملة بتقف على رجل واحدة إزاي قام ماسك النملة وفعصها وقاله دي نملة يا عمو.. أصله راح لنفس الواد بعد ما كبر. هههههههه."
انتهى عمر من حديثه وهو يقع أرضاً من كثر الضحك. بينما بقى الشباب يطالعوه بازدراء. توقف الأخير عن الضحك بعدما وجد جميع الأنظار موجهة حوله وهم ينظرون له باشمئزاز.
"انتوا مش بتضحكوا ليه... غريبة مع إنها بتضحكني على طول، طب خدوا النك...."
قطع أحمد حديثه وهو يضع يده على فمه ويتحدث: "لأ ابوس إيدك كفاية دي بتضحك أوي.. اضحكوا يا شباب."
ضحكوا على تعابير وجه عمر حتى تحدث أحمد مجدداً: "حظر فظر أنا جايبالكم معايا إيه.."
انتهى من حديثه وهو يُخرج الكثير من علب الصواريخ.
حتى صاح الشباب بشدة: "أنا كنت شايلهم بعد كتب كتاب الواد ليث بس بما إنه فقر، فقولت نلعب بيهم هنا."
قام بتوزيعهم على جميع الشباب. أخذوا يجرون وراء بعضهم البعض وهم يقومون بتشغيل "الصواريخ" كمل فعل معهم ليث أيضاً ونسى كل ما حدث أو تناسى، أراد أن يفرح ويرى الحياة بعينهم لعله يشعر بالسعادة مثلهم، لا يدري المسكين أنهم فقط يشعرون بالرضا فمن منا ليس مبتلى؟ فإن الله إذا أحب عبداً ابتلاه.
فقد تُصاب بمرض لأن الله اختار لك المغفرة، وتُصاب بابتلاء لأن الله أراد لك الرحمة، وتُصاب بالحزن لأن الله سيجعلك تشعر بلذة الفرح، رحمة الله لا تجف، لا تجف أبداً.
لذا لا تحزن واحتسب أجرك عند الله تعالى.
"انتهوا من لعبهم ثم أخذ زين ليث بمفرده لكي يحادثه."
"بص يا ليث، أنا متفهم شعورك، مش هقولك حاسس بيك لأني مجربتش أكون مكانك، ولا حبيت أفضل أديك في مواعظ في وقت انت مش قادر تعمل فيه حاجة، حبيت إننا نهزر ونلعب لعل ده يخفف عنك جزء."
"كل حاجة بتحصل في حياتنا وليها سبب، أنا معرفش حاجة عن حياتك، انت دلوقتي بتفكر إن ممكن يكون الراجل ده بيكذب، بغض النظر عن نظراته اللي مكنتش مريحة.. بس أنا التمست من كلامه الصدق."
"قد يكون الشاب اللي هو قال عليه ده أخوك، اعرف الحقيقة بهدوء وبلاش تخلي غضبك يعميك، حاول تتحكم في عصبيتك شوية، لما تلاقي نفسك بتغضب استغفر ربنا وتمالك أعصابك، إحنا هنمشي دلوقتي، لكن أنا متأكد إنك هتعمل الصح..،"
نظر له ليث بتردد، يشعر بأن زين معه حق في حديثه، ولكن ماذا لو أنه أخاه بالفعل؟؟
رحل الشباب وبقى ليث يفكر في الأمر، ثم قام من مكانه وذهب إلى الجهة المحددة وهو ينوي فعل شيء ما.
"وبس يا ستي لقيته مرة واحدة مسك إيدي وبيقولي معلش أصل ده حكم عليا في لعبة وعينك ما تشوف إلا النور، نزلت بكف إيدي على وشه وأنا بشتمه." تحدثت رغد بغضب وهي تتذكر ما حدث معها في الجامعة أمس.
نظرن لها الفتيات بصدمة: "معقول... لعبة إيه دي، إيه الجنان ده."
أجابتها حور بتعجب: "أيوه أنا فعلاً سمعت عن اللعبة دي، لعبة كدا بيكون عليها أحكام حاجات زي كده، الأسوأ من كدا إن البنات بقت بتلعبها وهم اللي بقوا يعملوا كده مع الشباب."
أردفت ياسمين وهي توضح لهم أمر تلك اللعبة: "تعرفوا، يمكن لو مكنتش قربت منكم والتزمت كان زماني بعمل كده معاهم، أنا دلوقتي مصدومة وبقول إزاي يعملوا كده ومستغربة جداً، لكن لو كنت روان القديمة كنت هشوف الموضوع من باب الروشنة والتغيير وإنه عادي ده هزار."
"الإنسان بيشوف الأمر حسب حياته وتفكيره، أنا طبعاً مش ببرر لهم، لكن بتكلم إن الإنسان لما بيتغير ويقرب من ربنا بيبدأ يشوف الحاجات اللي كان بيقول عليها عادي دي مصيبة، أنا كل يوم بحمد ربنا على نعمة الصحبة الصالحة."
"انتوا متخيلين إنه بفضل ربنا ثم انتوا أنا بدأت أتغير كلياً وبشوف الحياة بشكل تاني بقى كل همي الجنة والأخره بس، الحمد لله بجد."
"واللي بالمناسبة لسه سامعة شيخ بيقول "انت المفروض تحمد ربنا على نعمة الحمد" ففي شخص بيسأله إزاي يعني مش فاهم! فقاله ربنا سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز "لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ "يعني لو شكرت ربنا وحمدته هيزيدك وده وعد من ربنا وربنا مبيخلفش وعده يعني لو حمدته هتلاقي زيادة في "الصحة، المال، العمر، الأطفال، البركة، الحسنات، حب الناس، نعيم الآخرة" تخيل إن ربنا اصطفاك من بين ملايين الناس علشان تحمده وتقول جملة "الحمد لله" فأنت المفروض تحمد ربنا إنه الهمك الحمد، والحمد لله إنك قاعد تسمع كلامي دلوقتي عشان تحمد ربنا.. "الحمد لله على نعمة حمده، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه"."
نظرن الفتيات لروان بصدمة، كيف حل عليها هذا التغير.
"متبصوليش كده، على فكرة أنا من فترة حتى قبل ما أغير لبسي وأنا بدأت ألتزم وأسمع شيوخ كمان، لكن مكنتش قادرة آخد الخطوة، والحمد لله اتشجعت وخدتها."
ظل الفتيات يطالعنها بفرحة شديدة من التغير الذي طرأ عليها، سبحانه وتعالى يهدي من يشاء.
وصل زين أسفل المنزل وهو ينتظرهم حتى أتوا.
وقع بصر زين على روان وهي تقترب تجاهه.
كانت ترتدي ملابس فضفاضة وفوقها نقابها الذي زادها جمالاً فوق جمالها، خطفت قلبه بهيئتها الفضفاضة تلك.
أبعد زين بصره عنها بصعوبة وهو يستغفر ربه، تحرك بسيارته بعدما ركبوا معه وزين عقله شارد بتلك التي خطفت أنفاسه منذ قليل رغم أنها لا تُظهر شيء، إلا أنها بدت جميلة للغاية، يجب أن يضع حداً لهذا الموضوع.
وصلا أخيراً إلى العمارة التي يقطنون بها وترجلوا من السيارة.
نزلت روان ودلفت إلى منزلها وهي تنزع نقابها وتشعر بالفرح الشديد ها هي بدأت أن تقترب وتصبح مثل حور وياسمين، تذكرت كيف كانوا يطالعنه بفخر وفرحة لتغيره.
تشعر بالسعادة الشديدة، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.. امسكت هاتفها بنية تصفحه ولكنها توقفت عن التقلب وهي ترى ما جعل الهاتف يُسقط من يدها من شدة صدمتها!!!
دخل زين مع ياسمين شقتهما ثم توجه نحو أبيه وتحدث بعدما قبل يده: "أنا هطلب إيد روان بكرة بعد إذنك يا والدي."
"أنا بحبك أوي أوي يا ماما... "
صمت عن حديثه ثم أقترب من أذنها وهو يتحدث بصوت خافت: "تعرفي كمان.... حتى بحبك أكتر من بابا... وأكتر من أي حد."
تعالت صوت ضحكات أبيه وهو يُمسكه من أذنه: "بقى كده بتحبها أكتر مني، وأنا اللي بجيب لك كل حاجة يا ناكر الجميل."
نظر له الصغير ببراءة وأجابه: "لأ... منا بحبك انت كمان يا بابا، بس ماما بحبها قد الدنيا دي كلها."
أمسكته والدته من خدوده وهي تقبله بشدة: "وماما بتحبك أكتر من أي حد ومتقدرش تعيش لحظة من غيرك."
"وأنا كمان يا ماما مقدرش أعيش ثانية واحدة بس من غيرك، لما بروح المدرسة بكون زعلان عشان مش بتكوني معايا."
"حقك عليا، هبقى أجلك يا عم في المدرسة عشان بتوحشيني أوي، ومش بقدر أقعد الكام ساعة اللي بتغيبي عني فيهم."
فاق ليث من ذكرياته وهو يمسح دموعه التي خانته في النزول: "بس انتي سبتيني سنين مش ساعات... يا... ياماما."
نظر أمامه ليجد نفسه أمام مغفر الشرطة، دخل المكان ثم تصنم مكانه.
رواية وسولت لي نفسي الفصل الثلاثون 30 - بقلم روان الحاكم
"أنا هطلب إيد روان بكرة بعد إذنك يا والدي."
"مرة واحدة كده، ممكن أعرف السبب؟"
نظر زين لوالدته بتوتر، أبوه أقرب شخص له ودائماً يعتبره صديقه.
"يعني... شايفها إنسانة مناسبة."
"يعني مش عشان بتحبها؟!"
صمت زين ولم يُجبه، أبوه معه حق ولكن هذا ليس بسبب كافٍ.
"لو عشان بحبها، فكنت أقدر أتقدم لها من زمان. الحب مش شيء كافٍ يا بابا، ولو اخترتها عشان بحبها من غير ما أختارها عشان دينها وأخلاقها، أبقى بظلم ولادي وبظلم نفسي قبلهم."
"طب لو هي ما كانتش اتغيرت وفضلت زي ما هي، كنت هتعمل إيه؟ كنت هتتقدم لها برضو؟ ولا هتسيبها تتجوز حد غيرك؟!"
"مش عارف، صدقني مش عارف... أنا مش ملاك عشان أقول لك لأ مش هتقدم لها. ما كنتش هتحمل فكرة إنها تكون لحد تاني، ما كانش قدامي غير إني أدعي ربنا يجعلها من نصيبي."
"طب ولو ما كنتش اتجوزها؟"
"كنت هبقى واثق إنها مش نصيبي ومش الخير ليا، وزي ما ربنا وضع حبها في قلبي سبحانه قادر إنه ينزعه من قلبي، أصله مينفعش أعاند مع ربنا في حاجة ممكن تكون سبب هلاكي.. لازم أبقى مقتنع إنها مش خير ليا، ولحد ما أقتنع مش هقدر أمنع نفسي إني أزعل عشانها."
وقف والده وهو ينظر له بفخر، كون ابنه يفكر بتلك العقلية، ليس مثل شباب هذه الأيام.
"دي ست روان محظوظة بيك يا عم."
"بجد... يعني انت موافق يا بابا؟ يعني هي هتكون حرم زين أحمد رشدي أخيراً؟"
اقترب منه زين وهو يحتضنه والآخر يضحك عليه بشدة.
"ده انت واقع أوي باين عليك."
"أوي أوي يا رشدي، بس... بس ماما مش هت..."
"لأ سيب أمك الحيزبونة دي عليا أنا."
***
دلف ليث مغفر الشرطة ولكن تصنم مكانه حين وجد حامد أمامه والذي يبدو أنه كان ينتظره.
اقترب منه حامد وهو يردف:
"جاي بعد إيه بعد؟ أنا خرجت ابني مش مستنيك تيجي تخرجه، أنا قلت بس أعرفك إن ليك أخ..."
كان يتحدث وعلى وجهه ترتسم كل علامات الخبث.
رفع ليث يده لكي يبرحه ضرباً، فقد طفح الكيل منه.
ولكنه تمالك أعصابه، حاول أن يتحكم في غضبه مثل ما أخبره زين.
أخذ نفساً عميقاً وهو يستغفر، وقبل أن يرحل وجه حديثه للأخير:
"فيه حاجات كتير أوي أنا مش عارفها، لكن من هنا لحد ما أعرفها لو قربت من حور... أو أي حد يخصني، صدقني مش هرحمك."
خرج وهو يشعر بالغضب الشديد. توجه إلى منزل حور مرة أخرى بعدما حادث والده وأخبره بشيء ما.
وصل إلى هناك وأول من تحدث معه كان أبيه:
"إيه يا ليث الجنان ده؟ كتب كتاب إيه اللي عايز تكتبه دلوقتي مش تست..."
"أنا هكتب كتابي حالا على حور، مش هآمن عليها غير وهي معايا، وأنا مش عايز أتخطى حدودي غير وهي مراتي."
"سيبه يا محمود، اللي هو بيقول عليه الصح."
تحدث والد حور بجدية وهو يطالعه بنظرات ذات معنى حتى وافق محمود.
أما حور فلم تنطق بشيء، ولم تتفق إلا على صوت المأذون وهو يقول: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
هل انتهى كل شيء وأصبحت زوجته؟
أما عن ليث، أخذ نفساً عميقاً وهو يزفر براحة.
أخذ جون يصفر بفرحة ورغد التي أطلقت الزغاريد، ولكن وبختها حور. أما جون ففقط فزع منها وهو يظنها تصرخ، حتى ضحك عليه الجميع.
"بعد إذنك يا عمي، هاخد حور نخرج أنا وهي شوية."
ثم نظر لها بخبث ومرح وهو يردف:
"أظن دلوقتي بقيتي مراتي... يعني ملكيش حجة."
***
"إيه اللبس اللي هتخرجي بيه ده يا هانم؟"
"وماله لبسي؟ مهو حلو وشيك أهو."
نظر أخوها إلى ملابسها التي تلتصق بجسدها، وخصلات شعرها الخارجة من حجابها... أو ما تطلق عليه حجاب!!
تفوح منها رائحة عطر شديدة.
"هو حلو، بس هيدخلك النار... يرضيكي تدخلي النار عشان شوية لبس؟"
"والله مش انت اللي هتحكم هدخل النار ولا لأ، ولبسي حلو... على الأقل أحسن من لبس ناس كتير أوي، تعالى عندنا الجامعة وشوف بنفسك."
"بس انتِ هتتحاسبي لوحدك، مش هتقولي لربنا لبسي أحسن من ناس كتير، وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً."
"بقولك إيه خليك ف حالك... أنا لسه صغيرة مش هخنق نفسي من دلوقتي، لما أكبر هبقى ألتزم، ولا انت عايزاني أحرم نفسي من كل حاجة زيك؟"
"وانتِ ضامنة إنك تعيشي لما تكبري؟ مش يمكن تموتي دلوقتي؟!"
تأففت علياء بضجر من حديثه الذي يُمليه عليها كل يوم.
تبغض حديثه المتشدد والذي يريد أن تكون مثله.
"انت عايزني يعني أعمل إيه؟ البس شوال زي ما المتشددين أمثالك ما بيعملوا، وماله لبسي... على الأقل أنا لابسة حجاب برضو ومش لابسة قصير، فكك مني بقى وخليك ف حالك."
"عاجبك يا أمي اللي هي بتعمله ده!؟"
"يوسف، كفاية لحد كدا، مش تحمد ربنا إني ساكتة على تصرفاتك المعقدة دي... وكمان عايز تعقد اختك معاك. خليك ف نفسك وملكش دعوة بيها."
نظر لهم يوسف بغضب ثم رحل. ماذا سيفعل؟ سيظل هو اخيها الصغير ولا يجوز له إجبارها على شيء، أو هكذا يظن.
نظرت هي في أثره بانتصار ثم خرجت منتظرة صديقتها.
"إيه يا سهير؟ كل ده تأخير؟"
نظرت لها الأخرى ولم تُجيبها.
"مالك شكلك دبلان ليه... استنى أوعى يكون بسبب البيه ياسر بتاعك."
"بقاله يومين ببعتله مش بيرد، أنا قلقانة عليه أوي."
"يبنتي متكبري دماغك منه بقى، فكي كدا وفرفشي واجبلك سيد سيده ترتبطى بيه ولا أزعل."
"بس... بس أنا بحبه."
"بطلي تعقيد بقى يبنتي وفكيها كدا، هو لا أول ولا آخر واحد، تعالي اقعدي بس معانا هنتجمع الشلة كلنا النهارده وهما هينسواكي ياسر ده خالص."
"تاني يا علياء، انتِ عارفة إني مبقتش بحب أصاحب ولاد وإني توبت وبحاول أتغ..."
"لأ بجد؟ فوقي يا سهير الطريق ده مش طريقنا وأنا وانتِ عارفين بعض كويس... فبلاش بقى تعملي فيها شريفة عشان مهما تحاولي تتغيري هتفضلي زي ما انتِ، فكرك ربنا هيقبلك بذنوبك دي كلها؟ ههه تبقى بتضحكي على نفسك... ف عشيها وخلاص بقى."
صمتت سهير بحزن. كلما تخبر صديقتها بأنها تريد التغير تُجيبها بأنها ليست هي من لها التوبة، ولن تُقبل توبتها.
جلسوا مع أصدقائهم والذي كان معظمهم شباب. ظلوا يضحكون ويتسامرون في ما يغضب الله، متناسين عاداتهم وتقاليدهم، والأهم، متناسين أن الله ينظر إليهم!!
وفجأة صمتت علياء وهي تشخص ببصرها بشدة.
نظر لها البقية وهم يظنونها تمزح وظلوا يهزونها وهي لا تستجيب وبدأ جسدها ينتفض.
حاولوا إفاقتها ولكنها ظلت تتراجع إلى الخلف وهي شاخصة ببصرها وتنظر أمامها برعب مع تغير لون وجهها وكأنها ترى ملك الموت أمامها. هل مثال تقوله دائماً حينما ينصدم الشخص من رؤية شيء أمامه ونقول هل رأيت ملك الموت؟ ولكن ماذا إن كان ملك الموت أمامها بالفعل!!
هل ستقابل ربها بتلك الملابس؟ والادهى أين قبض روحها؟
وهي تجلس وسط مجموعة من الشباب!! هل ماتت علياء؟
بالطبع لم تمت، كيف ماتت وهي كانت سليمة تماماً؟ الموت بالنسبة لهم إما مرضاً أو حادثة أو أي شيء آخر يؤدي إلى الموت، لكن أن تموت أمامهم بدون أي شيء وهي سليمة هذا ما يصدمهم بشدة.
وقعت علياء أرضاً والجميع ينظر لها برعب ولا أحد يستوعب ما حدث معها. هل ماتت بالفعل؟ الجميع يرفض تلك الفكرة ويحاولون تكذيبها.
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) وَقَالَ قَرِينُهُ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ (30) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)
***
دَلفت ياسمين إلى روان فقد نسيت معها بعض الأشياء.
"روان... مالك بتعيطي ليه كدا، إيه اللي حصل؟"
ظلت روان تبكي مما جعل القلق يتسرب إلى قلب ياسمين.
إقتربت منها وهي تحتضنها بشدة.
"استهدي بالله بس وقوليلي مالك."
لم تجبها روان وظلت تبكي حتى هدأت، ثم رفعت هاتفها في وجه ياسمين.
أخذت الأخرى منها الهاتف وهي تنظر له بتعجب، حتى توسعت عيناها بصدمة.
"إزاي ده حصل، انتِ... انتِ كنتِ حالة كويسة في الامتحان ده إزاي يسقطوكي فيه..."
تحدثت ياسمين بتوتر وتلعثم وهي لا تعلم بماذا تجيبها، فقد رسبت في إحدى مواد الترم الأول.
"مش عارفة، أنا والله يا ياسمين حليت كويس، بس الدكتور ده كان مستقصدني."
"اهدي يا حبيبي، أنا عارفة إنك حليتي كويس، لأ الدكتور ولا ألف دكتورة زيه هيمنعوا توفيقك، طالما انتِ عملتي اللي عليكي متزعليش وسبيها لله، مش يمكن ده اختبار من ربنا ليكي عشان يشوفك هتعملي إيه؟ من أولها كدا هنفشل وبعدين يا ستي ده مجرد امتحان، مكنش امتحان الآخرة عشان تزعلي عليه!!"
هدأت روان أكثر وقد طمأنتها بعد كلمات ياسمين، ولكنها مازالت تشعر بالحزن بعد.
"اهدي كدا واطمني وقومي صلي ركعتين."
"بس... بس أنا مبصليش، أقصد مكنتش بصلي وهطهر النهارده... هبقى أصلي من الفجر بقى."
"إزاي، مينفعش طالما طهرتي بليل يبقى لازم تصلي المغرب والعشاء، ولو العصر مثلاً يبقى تصلي الظهر والعصر."
"أنا أول مرة أعرف المعلومة دي، طب ولو طهرت المغرب، يبقى أصلي الظهر والعصر برضه؟"
"لأ لو طهرتي بالنهار يبقى تصلي الظهر والعصر، لكن لو بليل حتى لو من أول المغرب يبقى تصلي المغرب والعشاء بس، ودا مهم جداً عشان عرفت إن فيه بنات كتير متعرفش دا."
"يمكن عشان ملقوش حد يقولهم، مش كل الناس يا ياسمين اتربت في البيئة اللي انتِ اتربيتي عليها، وأنا واحدة منهم وأول مرة أسمع الكلام ده."
"معاكِ حق، لكن ده ميمنعش إننا لازم نبحث ونتعلم لو ملقناش اللي يقولنا، ده علم لوحده يا روان مينفعش نستهون بيه، تخيلي لقيت قبل ما بنت متعرفش إنها لازم تغتسل من الجنابة بحجة إن محدش قالها؟ ليه تستني حد يقولك، ادخلي دورات وروحي علم شرعي وادرسى مادة الفقه باب الطهارة، والموضوع مفهوش أي خجل، ده علم ولا حياء في العلم وعشان نعرف نعلم بناتنا بعد كدا كل اللي أهلنا مقالوش لينا عليه."
"يااه، أنا حاسة إني لسه داخلة الإسلام جديد، فيه حاجات كتير أوي مكنتش أعرفها يا ياسمين، ربنا يجازيكي خير يا رب."
"قولتلك يا روان محدش بيتولد ملتزم، كلنا بنجاهد نفسنا وطبعاً لازم نختار بيئة صالحة تساعدنا، تعرفي في بداية الجامعة كنت لسه شارية دريس ليا جديد بأكمام واسعة جدا، عشان كدا قصرت الخمار وقلت كدا كدا الدريس واسع، لما روحت الجامعة صحابي كلهم فضلوا يشكروا في شكلي وإن الخمار شكله حلو كدا، طبعاً أنا انبسطت جدا، لكن لما روحت المسجد شوفت البنات هناك والله إني استحييت من نفسي، البنات اللهم بارك لابسين أسود في أسود ومخبيين عيونهم ولابسين ملاءفة ورغم كدا مطولين الخمار جدا ومقالوش إحنا لابسين ملاءفة ونقصر الخمار!! لقيتني تلقائي بفك الخمار وبلفه من جديد بعد ما طولته عن ما كنت بلفه الأول، يومها عرفت إن البيئة اللي إحنا بنختارها بتأثر علينا."
"ياااه كلامك حلو أوي يا ياسمين، بجد أنا بحبك أوي."
"وبما إنك بتنصحيني ف أنا هقولك ع حاجة حلوة نعملها سوا، بكرة صيام الخميس واحنا في الشتاء النهار قصير، يلا نستغله ونصوم، أنا عرفت إن اللي بيصوم يوم في سبيل الله ربنا بيباعد بيه وبين النار سبعين خريف. وكمان سنة عن النبي، إيه رأيك نصوم ونشجع بعض؟"
"تعرفي إني عارفة كل الكلام ده رغم كدا كنت ناسيه إن بكرة صيام ومكنتش هصوم، شوفى فايدة "فذكر إن الذكرى تنفع المؤمنين". ربنا يجمعنا سوا في الجنة يا رب."
خرجت ياسمين بعدما جلست معها قليلاً، ولكن وجدت عمر أمامها يدلف إلى منزل روان. تعجبت وجوده.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إزيك يا أخت ياسمين."
كان عمر يتحدث وهو يغض بصره وينظر أسفل مما جعل ياسمين تنظر له بصدمة من تغيره المفاجئ بل تشعر وكأنه "مافور😂".
ردت ياسمين السلام باقتضاب وهمت للخروج ولكن أستوقفها حديثه مرة أخرى.
"ما شاء الله تبارك الله، ربنا يجعل جميع بنات المسلمين زيك كدا."
رُسم شبح ابتسامة على وجه ياسمين ولم تجبه. خرجت مسرعة وهي تشعر بضربات قلبها تزداد، ولكن أتى على بالها سبب وجود عمر بهذا الوقت في منزلهم. سوف تتحدث غداً مع روان في هذا الشأن.
***
جلس ليث على المقعد وجلست حور أمامه.
"احمم زعلانة إننا اتجوزنا بالسرعة دي؟"
حاول ليث الاعتذار ولكن هربت الكلمات منه.
"مش هنكر إني كان نفسي أعمل كتب كتاب وألبس فستان و..."
قطعت حديثها حيث نسيت أنها أصبحت الآن زوجته ومازالت تحادثه بحدة بعض الشيء. حتى وإن كانت لا تريده هذا لا يمنع كونه أصبح زوجها ويجب أن تعامله بلطف.
حاولت ترقيق نبرة صوتها وتحدثت برقة بعض الشيء.
"احمم أكيد ده خير لينا يعني وأنا مش زعلانة يا ليث."
نظرت له بصدمة وفاه فارغ. هي تحادثه برقة؟ والأحرى تناديه باسمه!! كيف لحروف اسمه أن تخرج منها بهذا الجمال!!
"انتِ مين؟"
سألها ليث وهو مازال متعجباً من تغيير نبرتها مرة واحدة.
ضحكت حور برقة وهي تضع يدها على وجهها مما جعل الأخير يفقد عقله معها.
ولأول مرة منذ أن عرفها يسمع صوت ضحكاتها. يقسم بأنه أجمل ضحكة سمعها على الإطلاق. سيرى الجميع أنه يبالغ، ولكن أن يسمع صوت ضحكاتها وتحادثه برقة بعدما كانت تعامله بحدة وجفاء لأنه أصبحت زوجته، هل يوجد شعور أجمل من هذا؟ ما يطمئن قلبه بأنه يثق أن لا أحد سوف يرى وجهها أو يسمع ضحكاتها لأنه تحافظ على نفسها. مثلما فعلت معه ستفعل مع غيره وتصون نفسها. تحفظ مشاعرها لمن يستحقها.
لا يدري ماذا فعل لكي يرزقه الله بتلك الحورية. يريد أن يقوم ويرقص الآن فحور لن يراها أحد سواه، سوف تكون له وحده فقط!!
يريد في هذه اللحظة أن يرى يشبع عيناه من ملامح وجهها.
مر اليوم وأتى صباح جديد استيقظ فيه الجميع.
ومنهم من هرب النوم من عينيه.
كان زين طوال اليوم يشعر بالتوتر والفرحة في نفس الوقت. هاهو سوف يتقدم لها.
انتهى من ارتداء ملابسه وهو يمسك الورد بتوتر حتى دلفت ياسمين حجرته.
"هروح لها بالورد؟ حاسس شكلي أهبل كدا، المفروض أدخل عليهم بالموطأ ولا بتفسير ابن سيرين."
إنفجرت عليه ياسمين ضاحكة.
"ناقص تقول لي والبس جلابية قصيرة وعمة."
"عرفتي منين إني كنت عايز أعمل كدا؟"
"لأ مش للدرجة يا بابا، انت رايح تتقدم لها مش تديها خطبة."
"طب يلا عشان منتأخرش، أنا عرفت مرات عمي وعمر بالموضوع وطلبت منهم محدش يجبلها سيرة."
"ربنا يستر، يلا بينا."
خرج هو وياسمين ونزلوا أسفل إلى منزل روان. طرق الباب.
كانت روان تقف في الصالة بتذمر بسبب إصرار عمر عليها. سمعت طرقاً على الباب، ذهبت والدتها لكي تفتح وهي تظنها ياسمين.
في نفس اللحظة التي اقترب منها عمر يحتضنها وهو يبتسم بخبث.