تحميل رواية «وصية حب» PDF
بقلم نسرين بلعجيلي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت الساعة خمسة العصر، ريحة أكل في البيت، وصوت فتافيت سارة في المطبخ وهي بتغني بصوت واطي أغنية قديمة. ياسر دخل من باب الشقة وهو بيقول: السلام عليكم. نبرة راجل جاي من الشغل وتعبه ظاهر في خطواته، بس صوته دافي. سارة: إيه ده؟ رجعت بدري النهارده؟ ياسر: قلت أهرب من المكتب قبل ما يدفنوني فيه. ورمى الشنطة على الكنبة وفك ربطة الكرفته. سارة: طب ياريت تهرب كل يوم كده والله. ضحكوا، وبينهم لغة حب هادية مش بتاعة صراخ وورد كل يوم، بس راحة.. راحة بيوت مرتاحة ببعض. رن جرس الباب. سارة بصّت لنفسها في المرايا الصغ...
رواية وصية حب الفصل الأول 1 - بقلم نسرين بلعجيلي
كانت الساعة خمسة العصر، ريحة أكل في البيت، وصوت فتافيت سارة في المطبخ وهي بتغني بصوت واطي أغنية قديمة.
ياسر دخل من باب الشقة وهو بيقول:
السلام عليكم.
نبرة راجل جاي من الشغل وتعبه ظاهر في خطواته، بس صوته دافي.
سارة:
إيه ده؟ رجعت بدري النهارده؟
ياسر:
قلت أهرب من المكتب قبل ما يدفنوني فيه.
ورمى الشنطة على الكنبة وفك ربطة الكرفته.
سارة:
طب ياريت تهرب كل يوم كده والله.
ضحكوا، وبينهم لغة حب هادية مش بتاعة صراخ وورد كل يوم، بس راحة.. راحة بيوت مرتاحة ببعض.
رن جرس الباب.
سارة بصّت لنفسها في المرايا الصغيرة اللي جنب الباب تعدل طرحتها، وفتحت.
روان كانت ماسكة كيس فيه حاجات وبتضحك:
دخلت سوبر ماركت وماعرفتش أمنع نفسي، جبتلكم شوية حاجات.
سارة فتحت دراعها بحب:
يا بنتي كفاية تعطي كده، تعالي هنا.
دخلت روان كأنها جزء من البيت. شعرها مربوط فوق، لبس كاجوال بسيط، شكل واحدة بتشتغل طول اليوم و تشيل الدنيا على كتفها لوحدها.
ياسر:
أهلا أستاذة روان.
روان:
أهلا أستاذ المدير، ماهو كل ما آجي ألاقيك داخل في نفس اللحظة، شكل القدر له خطة.
ياسر بابتسامة:
ده قدر كريم، مش أكثر.
سارة قطعت حتة جبنة وقدّمت طبقان:
أقعدي يلا، عاملة شاي حالا.
روان قعدت وكأنها في بيتها، بس دايمًا محافظة على مساحة إحترام.
روان:
كنت معدية، قلت أطمن عليكم قبل ما أروح أكتب شوية شغل.
سارة:
لااا أدخلي نامي ساعتين الأول، وشك باين عليه إدعك في الحياة.
روان:
أهو ربنا بعتهولي في شكل صاحبة.
ملك طلعت من أوضتها وهي ماسكة لعبة، رمت نفسها في حضن روان بمنتهى التلقائية.
ملك:
روان، إنتِ جايّة تتعشي معانا؟
روان:
لو باباكِ وافق.
ياسر:
على حسب، إنتِ هتدفعي ولا لأ؟
ضحكوا كلهم. لحظة هادية، دافية، عادية، زي أي بيت فيه حب بسيط وبشر طبيعيين.
ماكانش حدّ يعرف إن الأيام الجاية هتفتح أبواب ما فكّروش يوم إنها هتتفتح.
بس النهارده؟ كان يوم عادي جدا.
القهوة كانت لسه بدوخنها على الترابيزة، وروان قاعدة ماسكة الكوباية بين إيديها كأنها بتدفّي نفسها بيها مش تشرب.
سارة قعدت قصادها وقالت وهي بتريح جسمها على الكنبة:
بقولك إيه؟ هتفضلي كده لحد إمتى؟
روان ضحكت ضحكه هاديه:
كده إزاي؟
سارة:
لوحدِك. لازم تفكري في نفسك شوية. الطلاق مش نهاية العالم يا روان، إنتِ لسه صغيرة والله.
روان بصّت للقهوة، لفت الكوباية بإصبعها:
مش كل حاجة إسمها جواز وخلاص يا سارة.
سارة:
بس الوحدة برضه صعبة.
روان:
أصعب من راجل نص علاقته جد ونصها لعب؟ بصراحة، الرجالة الأيام دي عايزين يضحكوا شوية و يتسلّوا شوية، وأنا مش النسخة دي. أنا لو هدخل حياة حد هكون جدّ، يا إما ما ادخلش أصلاً.
سارة هزّت راسها بتفكير:
يمكن إنتِ خايفة؟
روان بنبرة ثابتة:
خايفة أضيع وقتي، مش قلبي.
دخل ياسر في اللحظة دي، فَك زرار قميصه وهو بيقول بهدوء:
هادخل أريح شوية، لو احتجتوا حاجة نادوني.
روان بصتلّه باحترام:
نورت القعدة.
إبتسم ابتسامة صغيرة ومشي لجوه.
سارة تابعته بعنيها لحظة، وبعدين رجعت تبص لروان:
على فكرة، إنتِ تستاهلي حد يشيلك من على الأرض شيل، مش تهربي من فكرة الحب كده.
روان رفعت حاجب:
وأنا قلت إني ههرب؟ بس الحب مش كلمة وخلاص، الحب إختيار، مسؤولية وراجل واقف مش نص حد.
سارة ضحكت:
يا بنتي خفّي عليا من الكلام الكبير ده، أنا أصلاً بجري ورا بنتي طول اليوم مش ورا فلسفة.
ضحكوا مع بعض، الضحكة اللي فيها أمان، وماحدش فيهم كان يعرف إن الأيام هتختبر الكلام ده كله قريب.
ياسر خرج من الأوضة بعد شوية، شكله أحسن شوية. مسح وشّه بإيده كده كأنه بيطرد تعب اليوم.
سارة بصّت له بخفة:
نمْت؟
ياسر:
لا، بس ريّحت دماغي دقيقتين. شوفتوا، الستات بتاخد شاي وتفضفض، والرجالة بتنام.
روان ضحكت:
أهو كل واحد وليه وسيلته للعلاج.
ياسر مد إيده وأخذ كوباية ميّة من على الترابيزة. بصّ لمراته نظرة صغيرة جدًا، النظرة اللي فيها ألف كلمة ساكتة.
ياسر:
شكلك تعبتِ النهارده. لو عايزة نطلب أكل بدل ما تعملي عشَا؟
سارة رفعت حاجب:
يعني شايفني بعمل إيه؟ ماسكة الطبق بقدرتي العقلية ولا؟
ياسر مبتسم:
ما هو أنا بعزّك، ومابحبّش أشوفك بتتعبي.
الجملة كانت بسيطة.. بس سارة عينيها اتليّنت لحظة. الست لما تلاقي حد يشوف تعبها، حتى لو بسيط، قلبها يهدى.
روان حسّت اللحظة، فابتسمت لنفسها شوية. اللي عندكوا ده حياة، مش تمثيل.
روان تقوم:
خلاص أنا أمشي بقى قبل ما أتحوّل لعجلة ثالثة.
سارة مسكت إيدها:
يا شيخة إنتِ عجلة ايه، إنتِ في بيتك.
روان وهي بتلبس الشال:
بس إنتِ عارفة، ليكِ حياتك، وأنا ليّا حياتي. بس دايمًا مبسوطة لما بشوفكم كده.
خرجت، والباب إتقفل وراها بهدوء.
سارة بصّت لياسر:
ربنا يخليك ليا.
ياسر:
ويخليكِ ليّا... ولملك... ولبيتِنا.
هي ضحكت، ودفعت كتفه بخفة:
قوم ساعدني بقى بدل الكلام الرومانسي ده.
ياسر:
حاضر يا ست الرومانسية.
راحوا المطبخ سوا. ضحك بسيط، قعدة بسيطة، بيت بسيط، بس السعادة مبتحتاجش كثير أصلاً.
ليلة هادية. ولا حد حاسس إن الحياة ساعات بتغير طريقها فجأة.
بس لسه بدري.. الرحلة لسه في أول خطوة.
روان رجعت البيت بعد ما سابت سارة وياسر. المفتاح دار في الباب بهدوء، والبيت كان ساكن، بس ريحة الأكل اللي طالعة من المطبخ قالتلها إن ماما لسه صاحية.
منى (من المطبخ):
إيه يا بنتي، رجعتِ؟ كنتِ فين؟ كل يوم رايحة لصاحبتك دي، مش كفاية؟
روان وهي بتقلع الشال:
كنت عند سارة شوية يا ماما، بنتك. كانت محتاجة تهوّي عن نفسها.
منى طلعت وهي ماسكة فوطة:
أهو كل مرة نفس الكلام. هي متجوزة ومرتاحة في بيتها، وإنتِ إمتى بقى أفرح بيكِي؟ ولا روان خلاص قررت تفضل لوحدها؟
روان إتنهدت، مش أول مرة تسمع الجملة دي، بس كل مرة بتوجعها بنفس القدر.
روان:
ماما، الجواز مش مكافأة، لو هيجي غلط يبقى لأ. أنا مش هدخل تجربة تاني علشان بس الناس تقول "إتجوزت".
منى هزت راسها وهي بتكمل طريقها للمطبخ:
ماشي يا روان، بس برضه مش طبيعي كل حاجة تبقى خوف واحتياط. الدنيا مش دايمة لحد.
روان إبتسمت بهدوء:
عارفة يا ماما، بس أنا عايزة أعيش وأنا متصالحة مع نفسي، مش غصب عنها.
سابت الكلام وراها، ودخلت أوضتها.
الأوضة بسيطة، فيها لمسة من كل حاجة بتحبها: شمعة صغيرة، مصحف، وسجادة صلاة. قعدت على الأرض، سكتت شوية، وبعدين قامت إتوضت.
صوت الميّة وهي بتقع في الحوض كان هادي، زي موسيقى مطمئنة بتفصلها عن دوشة الدنيا كلها.
صلّت ركعتين، وبعدها قعدت على السجادة، حطّت إيدها على صدرها، وغمضت عينيها. إتنفسّت بعمق كأنها بتطلع تعب الأيام برا صدرها. الشمعة كانت بتنور بخفوت، وظلالها بترقص على الحيطة.
روان بهمس:
يا رب.. سهّل ليا طريقي زي ما كتبت ليا قدري. أنا مش عايزة أكثر من راحة البال، و رزق حلال يسدّني عن احتياج الناس. ولو مكتوبلي نصيب، إختارهولي بطمأنينة مش بخوف. واجعل قلبي دايمًا طاهر ما يحبش إلا بالحق.
سكتت شوية، دمعة نزلت، مسحتها بإيدها وهي بتبتسم إبتسامة خفيفة، إبتسامة واحدة بتقول: لسه عندي أمل، حتى لو الدنيا ثقيلة.
رفعت المصحف، فتحته عشوائيا، وعينيها وقعت على آية:
"فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا"
ضحكت بصوت واطي جدًا. وقالت:
الحمد لله.. وصلت الرسالة.
قفلت المصحف، نفخت في الشمعة، وضوء القمر دخل من الشباك كأنه بيكمّل سكونها.
كانت ليلة بسيطة، بس ربنا كان سامع الدعاء.
رواية وصية حب الفصل الثاني 2 - بقلم نسرين بلعجيلي
الصبح دايمًا ليه ريحة خاصة في البيوت الهادية.
ريحة قهوة، ريحة فطار بسيط، وشوية دوشة خفيفة من ملك وهي بتدور على الشراب اللي مش لاقياه زي كل يوم.
سارة كانت واقفة قدام المراية في الطرقه، بتربط شعر ملك ديل حصان، والبنت بتتحرك يمين وشمال كأنها عندها ماتش مهم بعد نص ساعة.
ملك: مامااااا، كله إلا الشعر، هبوظ التسريحة في الباص.
سارة: يا شيخة حطي عقلك معايا بس. إنتِ عندك 7 سنين ولا سبعه وعشرين؟
ضحكت وهي بتزبّط لها البنسة الأخيرة.
ياسر كان قاعد في الصالة يربط رباط الجزمة وبيسخّن بإيده على الكوباية السخنة.
ياسر: سيبيلها شعرها سايب وخلاص. هو إحنا قاعدين في مهرجان كان؟
سارة: دي بنتي، مش بنتك لوحدك. بنتك لازم تطلع ست شياكة.
ياسر: يعني أنا مش شيك؟
قالها وهو بيعدل لياقة القميص وهو بيضحك.
سارة: أيوه طبعًا، إنتَ شيك، بس أوقات كده بتحسّسني إنك نازل تجيب عيش مش رايح شغل.
ملك وقفت جنب أبوها، ماسكة الشنطة، والاثنين بصّوا على سارة بنفس النظرة المتآمرة: "هتفضلي تنظّري كثير ولا نروح؟"
سارة: ماشي خلاص يلا، قوموا إلحقوا الباص.
فتح ياسر الباب، وملك خرجت تسبقهم على السلم كأنها داخلة سباق فورمولا ون.
ملك: باباااااا استناااا!
ياسر: إجري يا بت، ماحدش طايل يجري وراك.
سارة وقفت في الباب تبص عليهم، وبصوت منخفض من غير ما حد يسمع: ربنا يحفظكم.
نزلوا، وبعد دقايق رجع صوت المفتاح في الباب. ياسر ظهر وهو بيغلق الباب بهدوء.
سارة: خلّصت المدارس؟
ياسر: أيوه، ووقّفت الباص وابتسمت للمدرسة كأنها شايلة أمانة غالية. بكرة هاجيبلها شوكولاتة هدية.
سارة: خير يا عم الحنية! مالك النهارده؟ شايفاك فايق ورايق.
ياسر: ما هو لو صحيت على وشك كل يوم كده، مش هعرف أزعل أصلاً.
سارة عملت نفسها مش متأثرة، بس الحقيقة قلبها اتنقَل نقلة صغيرة جواها. الست بتعيش بالكلمة الحلوة حتى لو عملت نفسها مش فارقة.
سارة: طب روح على شغلك قبل ما مديرك يفتّح تحقيق.
ياسر: هو المدير أدامك أهو. مش أنا اللي ممكن اتشرد.
سارة: يلا يا أستاذ المدير، إمشي قبل ما أقولهم تكلموني لما تطردوه.
ياسر: حاضر يا ست البيت. إدعيلنا.
سارة: ربنا يسهّل لك طريقك ويفتح لك أبواب الرزق.
وقف لحظة، بصّ لها نظرة صافية، وافتكر ليه اختار البيت ده والحياة دي.
ياسر: آمين يا رب، ويخلّيكى لينا.
خرج. الباب اتقفل، وسارة وقفت ثواني تمسح الترابيزة وتجمع الأكواب. هدوء البيت بعد خروجهم كان زي حضن، بس كمان فيه نقطة فراغ صغيرة كده، الست بس هي اللي بتحسها.
روان… صباح جديد..
في الجهة التانية من المدينة، روان كانت واقفة أدام المرايا تربط طرحتها وتظبط بلايزر شغلها.
أمها ندهت من الصالة: روان، الفطار جاهز، تعالي كلي لقمة قبل ما تنزلي.
روان: ماشي يا ماما جاية.
قعدت على الترابيزة، بيض مسلوق، جبنة بسيطة، شاي. حياة هادية زيها.
الأم: هتعدّي على سارة النهارده ولا لأ؟
روان بابتسامة: لا يا ماما، كل يوم مش معقول. الناس دي عندها بيت وحياة.
الأم: أيوه يا بنتي. خليكِ عارفة إنك لازم تكون ليكى حياتك إنتِ كمان، مش تفضلي ضيف عند حياة الناس.
روان هزّت رأسها بهدوء. مش زعلانة، بس فاهمة.
روان: حاضر يا ماما. أنا مش تايهة والله، أنا بس.. باخذ نفسي.
الأم بصتلها بنظرة حنية عميقة: نفسي أشوفك مستقرة ومبسوطة.
روان: وهشوفك مبسوطة، بس ادّيها وقت.
خذت شنطتها، قبّلت راس أمها وخرجت.
سارة لوحدها..
رجعت سارة للمطبخ، فتحت الشباك، ودخل هواء بارد منعش. جابت فوط، وبدأت تنظف الرخامة وتغسل كوبايات الشاي. والهدوء حواليها كان مريح، بس عقلها بدأ يسرح شوية.
فتحت الموبايل تبص على الواتساب، رسالة من روان: "صباح الخير يا ست البيت "
سارة ابتسمت وردّت: "صباح الورد يا قلبي. ربنا يسهّل يومك."
قربت الكوباية من شفايفها، وغمضت عينيها ثانية، مش مجهدة، بس عاملة حساب الدنيا. كل ست عندها لحظة كده في اليوم تتنفس وتقول: الحمد لله.
ياسر في الطريق...
في العربية، ياسر ماسك الدركسيون ويسمع إذاعة خفيفة، إبتسامة على وشه، ومشاعر هادية جوّاه، مش عارف يوصفها، راحة؟ إمتنان؟ ولا مجرد يوم جميل وخلاص؟
هو نفسه ماكانش واخذ باله إن فيه أيام بتتحفظ في الروح، وتبان بعدين لما الصورة كلها تتغيّر.
بعد ساعة، رنّ موبايل سارة.
سارة: ألو!
روان: عاملة إيه؟ نخرج نشرب قهوة العصر؟ عندي استراحة النهارده.
سارة: ماشي يا بنتي، نطلع ساعة ونرجع قبل العشاء.
روان: إتفقنا. هعدّي عليكِ بعد الظهر.
قفلت المكالمة وهي مبتسمة. حياة بسيطة، بس فيها ناس بتحبك بصدق، وده رزق كبير.
سارة بعدها دخلت أوضتها ترتّب السرير وتفتح الشباك. الهواء دخل يشيل ريحة المسك الخفيف من الأوضة، والشمس واقفة عند نص الستارة كأنها بتقول لبيتها: صباحكم نور.
شدّت الملاية وبسطتها كويس، وبعدها فتحت الدولاب تطلع لبس خفيف للخروج.
وقفت لحظة قدام الهدوم، مش بتدوّر على فستان ولا شايلة هم شكلها، بس الست بتحب تكون مرتبة حتى لو خارجة ساعة واحدة بس.
إختارت بلوزة بسيطة لونها سكري وبنطلون جينز مريح، ومسكت عبير خفيف ورشّت منه، مش للزين.. لـ“مزاج اليوم”.
بصت في المرايا ثاني، بس مش نظرة تقييم، نظرة رضا صغيرة.
قالت لنفسها: "الحمد لله، يوم كويس لحد دلوقتي."
عملت كوباية شاي جديدة، وقعدت على الكرسي جنب الشباك تتفرج على الناس في الشارع. كل واحد ماشي في عالمه، وهي في عالمها البسيط، الراضي.
روان في الشغل..
كانت قاعدة أدام الكمبيوتر في مكتبها بتراجع تصميم لعميل. ميزة روان إنها لما تشتغل، الدنيا كلها تختفي. تركيز، دقة، تنسيق. حتى شوية الموسيقى الهادية اللي في ودنها مش باينة.
رئيسها عدّى جنبها وقال: الشغل حلو يا روان كالعادة.
رفعت عينيها بابتسامة صغيرة: شكراً، بحاول على أد ما أقدر.
جوبها: واضح. خلي عندك إجازة بكرة نص يوم، أنتِ تستاهلي.
روان اتفاجئت، مش عشان الإجازة، لكن عشان حد شاف تعبها من غير ما تقول.
شكراً أستاذ علاء، قدّرها جدًا.
رجعت تكمل شغلها. بس البسمة فضلت على وشها شوية زيادة.
فتحت واتساب بسرعة: "سارة، عندي نص يوم بكرة، نخطط لحاجة؟"
وردت سارة فورًا: "ننزل البحر؟ ولا نعمل يوم بنات؟"
روان ضحكت وبعثت: "يوم بنات أكيد البحر ده محتاج راجل يشيل الفوط و المستحضرات."
ضحكوا كإن الدنيا سهلة ومش شايلة أسرار.
رجوع ملك..
وقت العصر، رجع صوت الباب بيتفتح. سارة قامت بسرعة ولقت ملك داخلة شنطتها بتترنّح وراها كأنها راجعة من رحلة مش يوم مدرسة.
سارة: إيه يا بت، شكلك كنتِ في حرب مش مدرسة؟
ملك: ماماااا، أنا شاطرة جداً، جبت نجمة في القراءة.
سارة: بسم الله ماشاء الله! تعالي أحضنك يا فصيحة.
شالتها في حضنها وقبلت خدها بقبلة طيّبة.
ملك بصوت مغرور صغير: أنا هبقى أكبر واحدة شاطرة في الدنيا.
سارة: إن شاء الله يا روح ماما.
ملك: ماما، نروح عند روان؟ إشتقت لها.
سارة: لا، إحنا هنشوفها بعد شوية في الكافيه.
ملك: ييييييه! طيب ألبس فستان ولا ألبس تريننج؟
سارة ضحكت: إلبسي اللي يخليكِ سعيدة.
ملك جريت على أوضتها كأنها داخلة برنامج موضة. والبيت بقى فيه حركة صغنونة، النوع الحلو اللي بيخلي اليوم "حيّ".
لحظة خفيفة مع ياسر..
ياسر بعت رسالة وهو في المكتب: "إنتِ وملك جاهزين للكافيه؟ ولا لسه في طقوس الاستعداد؟ "
سارة ردّت: "لسه في توتر إختيار اللبس "
ياسر ضحك وكتب: "ربنا معايا ومعاكم."
الحياة كانت ماشية بالحب البسيط ده، اللي مش بيعتمد على هدايا ولا كلام كبير، بس على تفاصيل صغيرة تمنّي القلب.
جهزوا للخروج..
روان وصلت تحت البيت وبعتت: "أنا تحت."
سارة نادت ملك: يلا يا عروسة جاهزين؟
ملك خرجت لابسة فستان صغير وردي وشعرها طاير من الحماس: جاهزة يا مامااا!
سارة ضحكت: هو إحنا رايحين حفلة ولا كافيه؟
ملك: حفلة، أنا وقلبي الحلو.
طلعوا ونزلوا، لقوا روان واقفة بالسيارة، شباكها مفتوح، شعرها هوا خفيف يلعب فيه، إبتسامة هادية على وشها.
روان: بصوا ملك عاملة إزاي! دي ملكة مش بنت.
ملك: أنا ستايل يا روان.
ضحكوا كلهم، وركبوا العربية مع بعض.
سارة: يلا نروح على الكافيه قبل ما ملك تطلب فستان جديد كمان.
ملك: هو في وقت؟
اليوم كان ما زال بسيط، زي أيام كتير بتمرّ من غير ما حد يلاحظ قيمتها. لكن ربنا كان بيعدّ القلوب بهدوء، من غير ما حد يفهم ليه.
والرحلة…
لسه في أولها.
رواية وصية حب الفصل الثالث 3 - بقلم نسرين بلعجيلي
الكافيه على ناصية شارع قديم، شجر متدلّي فوق الممر، وريحة قهوة عاملة مزاج حلو للناس المارّة.
سارة وروان دخلوا، وملك جريت على ركن الأطفال الصغير اللي فيه ألوان وكتب رسم. جرس الباب رنّ بصوت خفيف، والويتر ابتسم وهو بيشاور على ترابيزة جنب الشباك.
روان: هنا حلو، النور داخل حنين.
سارة: النور داخل عشان نعرف نصوّرك ونبعت للي بيحبوك إني طلّعتِك من الكهف.
روان: يا ستّي كهف إيه؟ أنا بتغذّى على الضوضاء.
قعدوا، وملك رفعت راسها من ركن الأطفال.
ملك: ماما أنا عايزة عصير فراولة.
سارة: حاضر يا قلبي، بس الأول إغسلي إيدِك من الألوان.
الويتر جه، سارة طلبت قهوة سادة وروان لاتيه خفيف، وملك عصير فراولة.
الدنيا كانت سهلة، والوقت بيتمطّط كأنه مش مستعجل.
روان: أخبارك إيه؟ ريحتي ولا لسه بتجري طول اليوم؟
سارة: أنا؟ دايرة زي المروحة، بس مبسوطة. ياسر بقى عامل شهم طول اليوم. تفتكري ده طبيعي ولا عشان عيني حلوة؟
روان: عينيكِ حلوة وهو كويس. الإثنين على بعض.
سارة: شوفي مين بيتكلم، بصراحة، نفسي أشوفك في موقف زي ده. الحب حلو لما يكون بيطبطب مش بيلغبط.
روان: لما يجيله وقته. أنا مش ضد الحب. أنا ضد اللعب و غير كده مابقاش فيه رجاله بجد.
القهوة وصلت، سارة شبكت إيديها حوالين الفنجان كأنها بتدفّيهم. ملك جت تجري تقف عند الترابيزة، وشها مليان نقط ألوان، وكلها فخر بنفسها.
ملك: شوفي يا روان رسمت قطة، بس عاملة زي أسد شوية.
روان: قطة أسدية! ده فن حديث يا مدام ملك.
ضحكوا الثلاثة.
ملك رجعت للركن، وسارة خذت نفس طويل.
سارة: تعرفي؟ ساعات بحس إن الأيام بتعدي أسرع من اللي يلحق يحس بيها. أصحى ألاقي ملك كبرت، وياسر لسه بيضحكني بنفس الطريقة، وأنا نفسّي أفضل كده.
روان: وافتحي إيدك وخذي اليوم بالراحة، إحنا غالبًا بنخاف من بكرة لدرجة إننا مانشوفش دلوقتي.
سارة ابتسمت، وشربت رشفة قهوة. الحوار سهل، واللحظة خفيفة.
بعد شوية، سارة قامت تقف.
سارة: أجيب للبت كيك صغير وخلاص نمشي قبل الزحمة.
روان: خلي الويتر ييجي، ليه تقومي؟ أنا أطلب.
سارة: لا لا، أنا هقوم أحرّك نفسي، رجلي نمِلت من القعدة.
وقفت سارة بهدوء، وتحركت خطوتين، وفجأة، لمعت الدنيا شوية في عينيها زي ما تكون لمبة قوية اتفتحت فجأة. حطّت إيدها على طرف الترابيزة، نفسّها اتقطع لحظة صغيرة.
روان: مالك؟
مسكت ذراعها بصوت مش عالي، بس فيه خوف واضح.
سارة: لا لا… مافيش. بس دوخة بسيطة بتحصل. يمكن عشان قمت بسرعة.
روان: أقعدي، مافيش قيام ولا حركة. أقعدك أنا.
رجّعتها الكرسي، وسندت ظهرها، وطلبت بسرعة ميّة من الويتر.
ملك جت تجري.
ملك: ماما؟
سارة: مافيش حاجة يا روح ماما، وقفي هناك كمّلي الرسمة وهجيلك حالًا.
روان: وشّك شاحب. خذي نفس عميق… واحد… إثنين… ثلاثة.
سارة عملت زي ما قالت، وشربت شوية ميّة. الدنيا رجعت تهدى.
بس روان ما هديتش.
روان: مش هتتمشي ولا هتروحي تطلبي حاجة، أنا هطلب ونمشي على طول.
سارة: أنا كويسة، بجد. بتحصل لي كده كل فترة لما أعمل مجهود. باخذ فيتامينات وهتلاقيها عدّت.
روان: لأ، ده غلط. كده ماينفعش. دوخة متكررة نسمع الكلام ونكشف. هنخلص العصير ونقوم على البيت، وياسر يبقى يعرف. وبكرة تحاليل.
سارة: تحاليل إيه بس؟ أنا تمام.
روان: وماله إنك تتطمني؟ مش خسارة تتطمني، خسارة تهملي.
سارة سكتت لحظة، وبصّت لملك وهي بترسم. الأم داخلها حسّها أعلى من أي حد. لكن برضه هي مش عايزة تقلق حَد.
سارة: حاضر، هفكر. مش هرفض. بس النهاردة نمشي وخلاص.
روان أشارت للويتر يحاسِب. لمّت شنطة سارة، وراحت تجيب ملك من الركن.
روان: يلا يا فنانة، نكمل الرسمة في البيت.
ملك: بس لسه هحط شنب للقطة.
روان: الشنب هنحطه في البيت، ويبقى شنب رسمي معتمد.
خرجوا. الهوَا برا كان ألطف، وروان ماسكة ذراع سارة من غير ما تبان ماسكاها، كأنهم ماشين كتف بكتف.
سارة: شكرا، أنا كويسة دلوقتي.
روان: عارفة، بس برضه مش سايباكِ لوحدك.
ركبوا العربية، روان سايقة، وسارة جنبها، وملك من ورا بتغني أغنية الكارتون. الطريق للبيت كان قريب، بس قلب روان كان بعيد، بيفكر ويسأل نفسه: “ليه؟”
ولما يوصلوا موردش غير اللي لازم.
عند البيت...
المفتاح دار في الباب، وياسر كان لسه واصل قبلهم بدقايق. فتح وهو بيقول: فين البنات؟
شافهم على الباب، وبصتُه أول ما وقعت على سارة، اتغيرت.
ياسر: في إيه؟ وشّك باين عليه تعبان.
سارة: مافيش يا ياسر، دوخة بسيطة كده وأنا واقفة. حرّ كثير والجو مزعج.
روان: دوخة متكررة. قامت في الكافيه وهي بتتحرك خطوتين، ووشّها شحب. اخدت الميّة وهديت لكن لازم كشف.
ملك دخلت تجري على أوضتها وهي تغني “الشنب! الشنب!”
الدنيا كانت خفيفة إلا نبرة روان وياسر.
ياسر: ليه ما قلتليش قبل كده؟ بتحصل كتير؟
سارة: مش كتير، كل فترة لما بعمل مجهود أو أقف فترة طويلة. باخذ فيتامينات وماعنديش مشكلة.
روان: يا جماعة، الفيتامينات من غير تشخيص لعب عيال. هنعمل تحاليل : صورة دم، فيريتين، فيتامين د، سكر صايم، ضغط. ولو الدكتور قال حاجة تانية نعملها.
سارة: يا دكتورة روان، ما تبقيش شديدة.
روان: شدتي = أمان. وإنتِ عزيزة عليا، ومش هعدّي حاجة كده.
ياسر: أنا مع روان. بكرة الصبح هنروح مع بعض. وأنا فاضي لحد 10 ألحق أطلع معاكم.
سارة بصت لوشّ جوزها، خوفه واضح وصريح وخالي من المسرحيات. النوع اللي يخليكِ تقولي "الحمد لله" حتى وإنتِ محتارة.
سارة: ماشي، هنكشف. بس ماتقلقوش، أنا بجد كويسة دلوقتي.
روان: كويس إنك كويسة، أحسن تقومي ترتاحي شوية، وأنا أعمل شاي بالنعناع. ملك هتفرح بكيكة صغيرة لسه معاها نصها.
ياسر: شكرا يا روان، ربنا يطمنا.
روان: اللهم آمين.
سارة راحت أوضتها، غيرت هدومها، وغسلت وشّها. بصّت في المرايا لحظة: لا رعب، ولا خيال، ولا تمهيد لوجع. بس ست بتحاول تفضل واقفة على رجليها، وكل اللي حواليها بيحبوها.
خرجت تلاقي روان في المطبخ، وياسر بيحاول يفتح برطمان سكر وهو مأنتخ. ملك طلعت من أوضتها ومعاها الورقة: القطة بقت ليها شنب رسمي.
ملك: ماما شوفي، شنب خطير.
سارة: شنب بيخضّ.
ياسر: خلاص يا شنب، ماما هتشرب شاي وتنام بدري النهارده.
سارة: ماشي يا سيادة المدير.
قعدوا شوية سوا. الكوبايات اتملِت، والضحك رجع، والدنيا مشيت. روان وهي بتبص لسارة بعين مطمنة: بكرة 8 ونص تحت البيت. ما تتأخروش.
سارة: حاضر. بكرة نطمن.
ياسر: متشكر يا روان. ربنا يديمك.
هزّت راسها بابتسامة: ده بيتنا كلنا.
الليل نزل على البلكونة، والهواء دخل بارد وناعم. مافيش عنوان كبير للحظة دي، مجرد بيت.. ناس بتحب بعض.. وخطّ صغير من القلق إتكتب بالرصاص، مش بالحبر.
بكرة، هيبان السطر ده هيتشال ولا هيتكتب أوضح. لكن دلوقتي، الهدوء راجع، وملك بتضحك على شنب القطة. والقلوب بتقول دعاء من غير صوت.
رواية وصية حب الفصل الرابع 4 - بقلم نسرين بلعجيلي
الصبح جه هادي زي العادة، بس فيه حاجة خفيفة جدًا في الجو، مش قلق، مش خوف، كأن القلب عامل لود زيادة بس.
سارة فاقت بدري، قبل ملك حتى. قعدت على طرف السرير، خذت نفس طويل وبصّت حواليها. الدنيا عادية، بس التعب اللي في جسمها كان زي أثر موج سايب بلل بسيط على الرمل.
سمعِت صوت ياسر في المطبخ بيعمل شاي. ابتسمت لنفسها:
"هو لحق؟"
قامت، لبست طرحتها، وخرجت. لقته واقف بقميص نص كم، بيحرك الشاي بمعلقة، ووشّه لسه مليان نوم.
سارة: إنت صاحي من إمتى؟
ياسر: والله ماعارف، يمكن قلبي صحاني بدري النهارده.
قرب منها وحط إيده على كتفها:
نايمة كويس؟
سارة: نايمة كويس الحمد لله. ماتكبرهاش بقى، عادي اللي حصل امبارح.
ياسر: آه عادي.. عشان لو كانت حصلت لروان كنتِ قُلتِ عادي؟
سارة ابتسملت من جواها وهاديت الموضوع بإيد على صدر ياسر:
خلاص يا عم الدكتور هنعمل التحاليل ونطمن.
ياسر هز راسه، مش راضي قوي بس متأكد إنها بتقول اللي محتاج يسمعه.
ملك خرجت من أوضتها بنص عين مفتوحة ونص مقفولة:
فين الفطار؟
ياسر: والله أنا شايف حياتنا ماشية كلها على الأكل.
ملك: وإنت عايزها تمشي على الرياضة؟
ضحكوا.. الجو رايق، البيت لسه بيضحك.
بعد الفطار، روان بعتت رسالة:
"أنا تحت."
سارة لبست طرحتها وبصّت لنفسها في المراية تاني، مش خوف، بس الست بتحب تتطمن على ملامحها قبل ماتخرج تشوف الدنيا.
نزلت، لقت روان مستنياها بعربية صغيرة بس نظيفة ومرتّبة، وشّها صافي، بس فيه تركيز.
روان: جاهزة نغزو المستشفى ونرجع؟
سارة: جاهزة، بس على فكرة أنا مش مريضة ولا حاجة عايزة تحليلي؟ تعالي خذي عينتك إنتِ الأول.
روان: سمّية بس. أنا تحليلّي الوحيد هو السلام العقلي، وإنتِ مش هتخربيهولي.
ضحكوا وطلّعوا على المعمل. الدكتور أخذ عينات، وسارة كانت بتتريق وهي بتقول:
"لو طلع عندي نقص ضحك ماحدش يلومني."
روان: "أنا متأكدة هتطلع perfect بس هسكت."
سارة خرجت من غرفة التحاليل، روان شافت إيدها وهي لسه عليها اللاصقة الصغيرة، إيد ست شاطرة، بتشتغل طول اليوم، وبتحضن بنتها، وبتطبخ، وبتضحك، وحد بيحب الحياة.
قلب روان تِقل فجأة:
"يارب خليها بخير."
مش خوف، دعوة تلقائية.
راجعين بالعربية، سارة قالت:
على فكرة يا روان، أنا سعيدة إنك معايا في الموضوع ده. بغضّ النظر هو كبير ولا صغير. إنتِ أخت مش صاحبة.
روان بصّت قدامها، صوتها هادي قوي:
وإنتِ أمان مش مجرد بيت.
سارة إبتسمت، بس جواها كتمت دمعة صغيرة مش بتاعة حزن، بتاعة تقدير.
وصلوا البيت. ياسر واقف في البلكونة مستني يشوفهم يركنوا. أول ما شاف سارة، نزل على طول.
ياسر: عاملين إيه؟ إيه الأخبار؟
سارة: ولا خبر لسه، هتطلع النتائج بكرة أو بعده.
روان: المهم إنها عملت التحليل. هسيبكم ترتاحوا وأنا رايحة ألحق شغلي.
ياسر: شكراً يا روان.. بجد شكرا.
روان بابتسامة خفيفة:
إحنا أهل.
(بصة سريعة لسارة) :إفتحي الباب لما أتصل بيكِ.
مشيت وسارة وقفت تبص وراها بتتأكد إنها ركبت العربية.
ياسر قرب منها:
حاسة بإيه؟
سارة: (تضحك وتشد يده) :باحس إني متدلّعة زيادة الفترة دي.
ياسر: والدلع للي يستاهل. يلا أدخلي أريحك شوية.
سارة حطت راسها على كتفه لحظة قصيرة، زي واحدة بتشرب نفس دافي من الدنيا.
سارة: ماشي، بس بعد القهوة.
ياسر: قهوة؟ يا شيخة قومي ادخّلي هاتي المجهود اللي بتعمليه وإحنا نشرب شاي بالعافية.
ضحكت. دخلوا البيت، الدنيا عادية، والحياة بتمشي في مسارها الطبيعي جدًا.
مافيش حاجة اتغيرت، ولا حاجة حصلت. لكن فيه سطر صغير اتكتب في القدر النهارده:
"بدأت رحلة الطمأنينة، قبل أي حاجة تانية."
والقلب؟ لسه خفيف، لسه مطمن.
والحكاية لسه في أولها.
دخلت سارة البيت بخطوات هادية، شنطتها على كتفها وإيدها ماسكة تليفونها كأنها خايفة يرن فجأة برسالة النتائج. هي مش قلقانة، بس جواها خيط رفيع جدًا من التفكير، زي الشعرة المستقيمة فوق كوب شاي ساخن.
حطت المفاتيح على الكونسول، وفكت الطرحة ببطء.
ياسر: (وهو بيفك زرار قميصه) :تعالي ارتاحي شوية. هعمل أنا الشاي.
سارة رفعت حاجبها:
إيه الكرم المفاجئ ده؟ بقى تخاف عليا للدرجة دي؟
ياسر: مش بخاف، أنا بتحمّس إنك تفضلي كويسة. فرق كبير.
ضحكت وهي تمسك كوباية الميّة و تشرب شوية.
كان جو البيت ساكن، بس فيه شعور لطيف كده، زي لمّة شتوية دافية.
سارة: طب طالما متحمس، ساندوتش جبنة مع الشاي، ولا ده كده طمع؟
ياسر: دي طلباتك ولا طلبات ملك؟ لأنها صوتها واضح في الموضوع ده.
سارة: ملك نايمة على الكنبة من التعب، إزاي صوتها واضح؟
ياسر: لأن بنتي ما بتسكتش حتى وهي نايمة.
راح يبوس بنتُه وهي نايمة، وسارة فضلت واقفة قدام المشهد ثواني، بتشرب حرارة اللحظة بعينين هادين.
سارة: ربنا يخليها لينا يا ياسر.
ياسر: (بصوت واطي) :ويخليكِ لينا إنتِ كمان.
الجملة عدّت، بس قلبها مسكها كويس، زي ما الست بتحفظ كلمة حلوة في درجها الداخلي.
دخلت سارة المطبخ معاه تساعد، رغم إنه حاول يمنعها.
ياسر: طيب سيبيني أعمل الشاي لوحدي مرة واحدة في حياتي.
سارة: لو سبتك، هتنساني ساعة في المطبخ وهاتطلعلى بشاي بدون سكر وتقوللي "معلش نسيته"
ياسر: – لا ده افتراء رسمي على راجل محترم.
بدأ يقطع جبنة وهي بتغسل شوية فراولة للملك. فجأة ضحكت سارة لوحدها.
ياسر: ضحكتِ ليه كده؟
سارة: إفتكرت أيام الجامعة لما كنت آكل سندوتش فول وأمشي في الشارع وأقول “أنا سعيدة”. شايفة السعادة مش محتاجة كل ده.
ياسر: وإحنا دلوقتي مش سُعدا؟
سارة: (بهدوء صادق) :جدًا… الحمد لله.
كانت بسيطة الجملة، بس كانت مليانة رضا. وهو ساب السكينة دقيقة وبصّ عليها كأنه بيشكر القدر عليها.
روان في الطريق..
في نفس الوقت، روان كانت سايقة العربية راجعة شغلها. فتحت الراديو، بس قفلته بسرعة، مخها مش في الأغاني.
كانت ساكتة، بس قلبها بيدعي من غير ما ينطق:
“يارب طمن سارة، وطمن قلبها ولاتخلّي لها هم.”
وصلت المكتب، حطت شنطتها على الكرسي، وبصت في مرايتها الصغيرة ثواني.
روان لنفسها:
ليه بحس إن قلبي مربوط بيها بالشكل ده؟ ربنا يدّيها الصحة ويديها العمر الطويل.
مسحت وشّها بإيدها وابتسمت:
خلاص يا بنتي، كفاية دراما، إحنا لسه في أول الحكاية.
رجعت تفتح اللابتوب وتكمّل شغلها، بس عقلها بيرجع لسارة بين كل سطر وسطر.
الرجوع للبيت...
ياسر وسارة قعدوا على السفرة الصغيرة في الصالة، الشاي بيطلع بخار، سندوتش الجبنة معمول بحب بس بدون فخامة. ملك نايمة، والبيت هادي جدًا.
سارة: تعرف؟ أوقات باحس إن الحياة لو فضلت كده تكفيني.
ياسر: الحياة هتفضل كده إن شاء الله لحد لما تزهقي ونشرّف على جزر المالديف
سارة: يا عم خلينا نجيب غسالة جديدة الأول.
ضحكوا…ضحكة ناس فاهمة إن السعادة في الحياة مش في السفر ولا الهدايا، في تفاصيل صغيرة، وراحة قلب.
سكتوا شوية يشربوا الشاي. ومع السكون ده، سارة وضعت يدها على صدرها لحظة، مش ألم، مجرد إحساس بسيط.
بصلها بسرعة، وخففتها بابتسامة:
سارة: يا عم ياسر، بطل تبصلي كده، والله أنا بخير. وأهو عملت التحليل، يعني إتصرفنا.
ياسر: خلاص، طول ما إنتِ معايا وبتضحكي أنا بخير.
سكتوا…
الجو دافي وساكن.
سارة: (بحنية ناعمة) :يلا ننام بدري النهارده، بكرة نستلم النتائج ونطمن.
ياسر: على بركة الله.
قامت، لفت على ملك تشيلها على سريرها. بوسة على خدها، وشالها بحنية.
وهي بتشوف بنتها نايمة، قلبها قال جواها:
“يارب… خلي فرحتي بيها عمر.”
وبهدوء مشيوا على أوضتهم، والبيت نام على صوت دافي وصمت مطمئن.
مافيش صوت دراما، ولا خوف، ولا حاجة سودا، بس ليلة هادية جدًا.
وأول خيط جديد من القدر، لسه بينسج نفسه.
الليل نزل هادي، والبيت كله كان نايم. ملك في أوضتها ماسكة لعبة في حضنها، والنور الخفيف من الأباجورة بينور الأوضة بلون دافي.
سارة دخلت تمسح وشها، وشعرها ناعم نازل على كتفها من غير لفات كتير، بطيبة الست اللي مش بتحاول تبقى أجمل واحدة في الدنيا، بس بتبقى أريح مكان للي بيحبها.
ياسر كان نايم على جنبه، أول ما حسّ بالحركة، فتح عينه وبصلها بابتسامة هادية زي الطفل اللي بيشوف أمه أول الصبح.
ياسر: (بصوت ناعم) :تعالي… بقالك يوم طويل.
قربت منه، حطت راسها على صدره تسمع دقات قلبه، دقات ثابتة مطمئنة، كأن الحياة ماشية على إيقاعه.
سارة: بتحبني أد إيه؟
ياسر: أد كل مرة ضحكتِ فيها وكل مرة تعبتِ وأنا ماستاهلش، وكل مرة خُفت عليك وقلت لنفسي ربنا يحفظها.
رفعت راسها تبصله، وعنيها فيها لمعة محبة مش محتاجة كلام. مدت إيدها على خده، وهو مسكها من تحت وكأنه خايف تروح.
سارة: (بضحكة هادية) :أنت بقيت رقيق اليومين دول زيادة.
ياسر: ما هو الست لما تتدلع، الراجل يبقى بني آدم محترم فجأة.
ضحكت وهي ترد جبينها على صدره لحظة، كأنها بتسيب التعب كله هناك.
سارة: ووعد، لو تعبت تاني ما تزعقليش.
هقولك بنفسي.
ياسر: وأنا أوعدك أفضل سندك قبل ما أكون زوجك.
ضمّها بإيده، مش ضمة شهوة، ضمة أمان.
سارة رفعت وشها وبصتله، قربت منه، وفى وسط هدوء الليل اتقابلت شفايفهم بقبلة صغيرة، بطيئة، مليانة حنان مش استعجال. قبلة زوجين مش مشهد فيلم.
بعدها حطت راسها على كتفه تاني، وباس شعرها من فوق وقال وعيونه بتتقفل:
ياسر: بحبك يا سارة، كل يوم أكتر من اللي قبله.
سارة: (بهمس) :وأنا كمان.. الحمد لله إنك نصيبي.
الليل غطاهم، والدنيا سكتت، ومافيش صوت غير دقات قلوبهم. حب هادي.. نظيف.. صادق.
حب يتكتب في دعوة، مش في سرير بس.
رواية وصية حب الفصل الخامس 5 - بقلم نسرين بلعجيلي
النهارده ماكانش شبه الأيام اللي فاتت. كان فيه هدوء غريب، لا هو مريح ولا مزعج، زي سحابة ثابتة فوق البيت ومستنية لحظة نزول المطر.
سارة صحيت متأخرة شوية، جسمها تقيل كأن حد سحب بطارية روحها بالليل. لكن قررت ما تفكرش كتير: يمكن مجرد إرهاق.
راحت تعمل فطار لياسر وملك، والشمس كانت داخلة من الشباك كخيط دهب بيلمس جدران المطبخ.
ملك كانت واقفة على كرسي صغير تحاول توصل لطبق:
ماما، شوفي أنا بساعدك.
سارة ضحكت:
أيوة أيوة يا ست مساعدة الشيف، إنزلي بس قبل ما تتحولي لكفتة.
ضحكوا، وياسر دخل لابس قميصه، شكله فيه ذرة توتر بيحاول يخبيها.
ياسر:
جه وقت إستلام النتائج، جاهزة؟
سارة تصلّبت لحظة، ثم رفعت كتافها بابتسامة خفيفة:
يلا بينا. مش هنخلي حاجة توقفنا.
ملك جريت وحضنت أمها:
ماما، لو الدكتور قال إنك بطلتي تبقي بطلة، أنا لسه هفضل أحبك.
سارة انحنت وبصت لها:
أنا عمري ما هبطل أكون بطلتك يا ملك.
في الطريق....
العربية كانت بين صمت وكلام خفيف. روان بعتت رسالة:
ما تقلقيش ربنا كريم.
سارة مسكت الموبايل ترد، بس ياسر مد إيده وأخده منها برفق:
خليه بعدين. دلوقتي ركزي معايا.
كان صوته هادي، لكنه محمل بحماية وقلق هادي.
سارة سابت الموبايل ومسكت إيده.
إيديهم إتشبكت بهدوء زي وعد صامت.
في المستشفى.....
الساعة كانت عشرة الصبح. رائحة مطهر، صوت خطوات، كراسي انتظار.. وسارة حست قلبها بيدق ببطء. مش خوف، استسلام خفيف:
اللي هيجي من ربنا خير.
الدكتور دخل. شاب، نظارة، ملامحه جدية لكنها مش كارثية. ده وش "فيه حاجة محتاجة تفسير أكبر".
الدكتور:
التحاليل الأولية كويسة، لكن فيه مؤشرات محتاجة متابعة. مش قلق، بس نعمل فحوصات إضافية.
سارة بلعت ريقها:
يعني إيه مؤشرات؟
الدكتور:
فيه علامات ضعف في الأنسجة. محتاج تحليل جيني لحاجة نادرة. مش هنستعجل، خطوة خطوة.
ياسر شد إيدها. صوته ثابت، لكن وراه زلزال مكتوم:
خير يا دكتور إن شاء الله.
الدكتور:
خير بإذن الله. أنتم جيتوا بدري، وده مهم. هاكتب التحاليل وتيجوا بكرة بدري.
سارة حاولت تبتسم، لكنها كانت شبه شمعة في مهب هوا خفيف.
خرجت من العيادة، خطوتها عادية، لكن قلبها صندوق مقفول جواه سؤال كبير.
المفاجأة..
عند باب المستشفى سارة أخدت نفس طويل، تفتكر لما الحياة كانت بسيطة. دلوقتي كل نفس له قيمة.
ياسر قال:
نرجع؟ ولا نتمشى شوية؟
سارة:
نتمشي، يمكن النفس يرجع لمكانه.
مشيوا جنب المستشفى. سارة بتحاول تكون عادية، لكن فجأة الدنيا لفت حواليها. دوخة مش بسيطة، دوخة تخض. مدت إيدها كأنها بتدور على هوا تتعلق بيه.
سارة بصوت واطي جدًا:
ياسر…
قبل ما تكمل، ركبتها رخُت. ياسر لحقها، حضنها قبل ما تقع:
سارة! إفتحي عينيكِ. سامعاني؟
كانت سامعاه لكن الصوت بعيد، كأنها تحت الميه.
ملك مسكت إيد أمها، صوتها مكسور:
ماما؟ ماما؟!
سارة حاولت تنطق، خرجت جملة واهية جدًا:
حاضر، أنا هنا.
ياسر حضنها بقوة، مش صوت راجل قوي ولا مهزوم، صوت إنسان روحه بترتجف:
خلاص… أنا ماسكك. مش هسيبك.
العودة للبيت...
بعد ما هديت في العربية، وصلوا البيت. سارة على الكنبة، ياسر حط قدامها ميه وساندوتش كأنه بيبني جدار يحميها من أي تعب.
سارة:
أنا كويسة يا ياسر، بس اتخضيت شوية.
ياسر:
ما تقوليش الكلام اللي يريحني. ريّحي نفسك إنتِ.
ملك مسكت إيد أمها ونامت عليها كأنها خايفة تفلت. سارة بصتلها قلبها اتعصر:
هفضل جنبك طول عمرك، ما تخافيش.
وبصت لياسر:
وإنت كمان. إحنا هنعدي.
قرب وباس راسها:
ولا لحظة هسيبك.
الكلمة دخلت قلبها كنور. مش علاج، لكنه أمان.
قالت في سرّها:
اللهم قوة، مش ليا بس، للي بيحبوني.
البيت سكت. بس الصمت المرة دي مش عادي. الصمت اللي ييجي قبل الحقيقة.
الدنيا ماشية.. لكن تحت السطح، القدر بيكتب سطر جديد. الليل نزل بدري يومها، كأنه هو كمان تعبان.
سارة حاولت تقوم ترتّب البيت، تعمل أي حاجة تخلي اليوم يمشي بشكل طبيعي، لكن ياسر وقف قدامها ومنعها بهدوء:
إجازة شغل البيت النهارده. أقعدي خلّيني أخدمك شوية.
سارة ابتسمت بنعومة، ابتسامة فيها محبة وتقدير وخجل خفيف:
بجد مش عايزة أقلقك.
ياسر:
القلق مش حاجة تختاريها، ده حاجة بتيجي لوحدها. بس وجودك معايا، ده اللي باختاره.
الجملة نزلت جواها زي دواء بسيط. راحت جلست على الكنبة وشكلها مايل شوية، مش ضعف، لكن إستسلام رقيق لراحة محتاجاها.
ملك جريت تجيب بطانيتها الصغيرة وغطّت أمها، حطّتها عليها ولفّت وشّها في كتفها، كأنها بتحضن أمانها كله مرة واحدة.
سارة بصّت لها وبصوت خافت:
مبسوطة إنك معايا.
ملك رفعت رأسها بحماس طفولي:
أنا وماما وكوكو ضد العالم.
سارة ضحكت:
وإنتِ مين قالت لك على كلمة "كوكو" دي؟
ملك أشارت لياسر بضحكة بريئة:
هو اللي قال، وبعدين قالّي ده سر.
ياسر خبّى وشه في كفّه:
خلاص هتنشروا أسرار البيت؟
سارة لأول مرة في اليوم ضحكت من قلبها. ضحكة صغيرة لكنها طالعة من جوا، زي نفس فوق الميّة بعد غطسة طويلة.
بالليل، بعد ما نامت ملك، البيت كان ساكت إلا من صوت عقارب الساعة. سارة كانت نايمة على جنبها، تفكّر، تتنفس ببطء، وياسر قاعد على طرف السرير، ظهره مسنود للحائط، إيده بتلعب في خصل شعرها براحة شديدة.
ياسر:
حاسّة بإيه؟
سألها من غير صوت عالي ولا خوف، صوت راجل بيحاول يفهم، مش يسيطر.
سارة:
حاسة إني محتاجة وقت، ومحتاجة أعيش كل يوم بيومه، من غير ما أعمل سباق مع نفسي ولا مع الدنيا.
سكت لحظة، ثم قال:
وأنا معاكِ يوم بيومه. ولو جت أيام صعبة هنعدّيها. ولو جت أيام حلوة هنعيشها مرتين.
سارة رفعت عينيها له، كانت نظرتها مش بتدوّر على وعد، كانت بتدوّر على صدق.. ولقته:
ياسر… خايفة تكون بتتعب.
ياسر:
التعب اللي بييجي من حب بيقوّي. التعب اللي بييجي من الخوف ما بيبنيش. وإحنا مش خايفين، إحنا جاهزين.
سارة مدّت إيدها ولمست أصابعه، كإنها بتتأكد إنه حقيقي قدّامها، مش فكرة:
ربنا ما يحرمنيش منك.
ياسر:
ولا منك.
دخل بينهم صمت دافئ، النوع اللي فيه قلوب بس بتتنفس مع بعض، من غير كلام. قبل ما يناموا، سارة قامت على مهل، وفتحت شباك الأوضة شق بسيط، هوا الليل دخل بملمس بارد، زي نسمة على صفحة ميّة ساكنة.
وقفت قدّام الشباك لحظة، ما بتبصّش للشارع، بصّت للسماء.
وقالت من غير صوت تقريبًا:
"ربّي… ما تخلّينيش أوجّع حد بيحبني."
رجعت السرير ببطء، حطّت رأسها على صدر ياسر، وهو حضنها من غير كلام.
الدنيا نامت. بس جوا البيت، وفي القلوب، فيه حاجة كانت بتتغيّر بهدوء… وبصدق… وبأمر ربنا.
الليل قفل صفحته، وبدأ فصل جديد في القدر، لسه ماحدّش قراه.
نامت سارة أخيرًا بعد ما دمع عينيها نشف قبل ما ينزل. جسمها ارتاح جنب ياسر، بس عقلها ماكانش نايم زيها.
في نص الليل…
حسّت بخطوات خفيفة جايّة من بعيد، مش جوّا البيت، من أعمق حتة في روحها. الدنيا حواليها سكتت، حتى صوت الساعة إختفى.
كأن الوقت وقف ثواني.
سمعت صوت… مش همس، مش خيال… صوت ست كبيرة، دافي وناعم زي حضن أول الشتوية.
"يا سارة… تعالي."
سارة فتحت عينيها بفزع خفيف، قلبها اتنفض جوّا صدرها. بصّت حواليها، ياسر نايم، ملك نايمة، البيت ساكن.
لكن الصوت رجع تاني، أهدى… أوضح… أقرب:
"تعالي عندي يا بنتي… أنا وأبوك مستنّيينك."
الإسم اللي جري جواها زي خيط حرير اتقطع فجأة:
"ماما؟!"
اتسحبت من السرير بهدوء كأنها خايفة توقّع الإبرة، وقفت جنب الشباك، الهوا بقى أبرد، والليل أهدى من الطبيعي. مش عارفة هي سامعة بعقلها ولا بقلبها. هي متأكدة، أمها وأبوها ماتوا. ومع كده الصوت كان حقيقي لدرجة ترعب وتطمن في نفس اللحظة.
سارة بصوت مكسور، بتحارب دمعة:
أنا هنا يا ماما، بس لسه بدري. لسه فيه ناس محتاجاني.
الصوت اتبدّل، بقى شبه دفا صلاة الفجر:
"إحنا مش مستعجلين عليك، بس خبّي نفسك، واعتني بقلبك."
وبعدين سكون… سكون يخوّف ويحضن في نفس الثانية. سارة بتحاول تلتقط أنفاسها، حطّت إيدها على قلبها تحس نبضها، وهمست لنفسها:
يا رب.. أنا خايفة، بس في أمانك.
رجعت على السرير، اتدفّت في حضن ياسر، ودمعة صغيرة نزلت رغم مقاومتها. مش دمعة ضعف.. دمعة روح سمعت حد من السماء.
ياسر حسّ بحركتها وهي بتبكي، فتح عينه نصها وقال بنص وعي:
مالك؟ زعلانة؟
سارة مسحت دموعها بهدوء:
لأ… بالعكس. حاسّة إن ربنا بيطبطب عليا، بس بطريقة تخوّف شوية.
ضمّها بين دراعاته أكثر:
طول ما أنا هنا مافيش خوف. وحتى لو الدنيا كلها اتغيّرت، مش هسيب إيدك.
سارة غمضت عينيها، وقالت جوا قلبها مش بلسانها:
"إدّيني قُدرة يا رب قبل ما تدّيني معجزة."
وبين نبضة ونبضة… كان الفجر بيقرّب، ووراه يوم جديد… يوم مش زي أي يوم.
الحكاية لسه بتتنفّس، والقدر لسه بيتكتب، ومن أول ضوء، الدنيا هتبتدي تقول سطور جديدة.
رواية وصية حب الفصل السادس 6 - بقلم نسرين بلعجيلي
الأيام عدّت… يوم ورا التاني، والبيت بقى ماشي بخطوات أهدى من المعتاد.
سارة ما بقيتش زي الأول. ضحكتها موجودة، بس أخف، حركتها موجودة، بس أبطأ. وفي عنيها دايمًا لمعة تعب بتحاول تخبّيها على قد ما تقدر.
التحاليل؟ لسه مفيش إجابة نهائية، والدكاترة بين كلمة "محتاجين نتابع" و "نطمن بعد ما نشوف النتايج الجينية".
الحلم الوحيد اللي ماسكها كان صوت أمها اللي قالت: "خبّي نفسك.. واعتني بقلبك."
كانت بتحاول.. والله بتحاول.
ملك اتعودت تحضن أمها أكثر، وياسر اتعود ينظر لها كثير وهو ساكت، كأنه بيعدّ أنفاسها جوه قلبه.
سارة حاولت تخلي البيت طبيعي، لكن الحقيقة، فيه حاجة صغيرة كل يوم بتتسرّب من قوتها.
بعد أسبوعين.
ضحى هادي، شمس كريمة داخلة من البلكونة.
سارة واقفة في المطبخ تمسح رخامة، بس إيدها إترجّت فجأة، الإسفنجة وقعت من إيدها وارتطمت بالرخامة بصوت خفيف، لكن جوا قلبها، الصوت كان زي صدمة.
ياسر جري عليها فورًا:
مالك؟ تعبانة؟
سارة حاولت تبتسم:
لأ، بس إيدي نامت شوية.
هو ما صدّقش، مسك إيدها في إيده كأنه ماسك عمره مش إيدها.
ياسر:
تعالي أقعدي. أنا هكمّل.
سارة:
يا ياسر أنا مش عايزاك تقلق كده، ده إرهاق طبيعي. ما تكبّروش.
قالها بصوت واطي قوي:
مافيش تعب طبيعي فيكِ ما يقلقنيش.
قعدت على الكرسي، وكانت عايزة تقوم، بس جسمها قال لأ.
سارة فهمت… وجوّاها حاجة اتخضّت تاني.
البيت مش لوحده.
الجرس رنّ.
ملك جريت فتحت الباب بحماس. وصوت ست خشنة، وطاقة مش خفيفة خالص قالت:
السلام عليكم، هو ده بيت ياسر؟
سارة رفعت راسها ببطء وعنيها إتسعت.
قدريّة حماتها. جلباب غامق، طرحة ملفوفة بشدة، ملامح ست اتعودت تتخانق مع الدنيا، وتتخانق مع الناس اللي بيحبوها قبل اللي بيكرهوها.
ياسر اتجمّد ثواني:
ماما؟! إيه المفاجأة دي؟
قدريّة رفعت شنطتها:
قلت أطلع أشوف إبني وأطمن قلبي، بدل ما أفضل قاعدة أستنى أخبار.
تبص على سارة من فوق لتحت، بنظرة زنّانة مش محتاجة شرح:
ما شاء الله شكلك مرهقة يا ست سارة. هو إبني مابقاش بياكلك؟ ولا إنتِ بتتدلعي؟
سارة حاولت تقوم تسلم ما قدرتش بسرعة، قامت ببطء، ومدت إيدها بابتسامة محترمة:
أهلا بحضرتك، نورتي.
قدريّة رفعت حاجب:
من غير كلام كبير، أنا جاية أشوف إبني، مش جاية أدوّر على مجاملات.
ملك جريت على سارة واتخبّت فيها، حاسة إن الجو اتغيّر.
سارة بصوت هادي:
إتفضلي يا طنط، البيت بيتِك.
قدريّة بصّت على البيت بنظرة تقييم:
أهو نشوف شغل العرايس بيعجّب في الصور، لكن الحقيقة اللي تِبين.
ياسر بص لها بغيظ مكتوم:
ماما، إحنا مش في لجنة تفتيش.
قدرية:
لأ أنا اللجنة. وبعدين ما هو أنا قلت تتجوز بنت بلدنا سلوى، كنت أرتاح وأفهمها وكنت آجي ألاقي البيت رايق زي الفل، مش ست تعبانة وماحدش عارف مالها.
الكلمة قطعت الهوى. سارة وقفت ثابتة، ما اتهزتش لكن جواها حاجة شدّت، نفسها ضاق، قلبها دق أسرع.
ياسر قرب من سارة، وقف جنبها، مسك كتفها:
ماما، آخر مرة أسمع كلام بالشكل ده هنا. سارة مراتي، وأم بنتي، ونعمة من ربنا.
قدريّة نفخت:
ربنا يشفيها، بس اللي ما قدرش يحافظ على نفسه، هيحافظ على بيت؟
سقطة صغيرة وجرح عميق..
سارة حاولت تمشي تروح تحضر شاي، لكن رجلها خانتها تاني. إيدها اتسندت على الحيطة، نفَسها اتقطع لحظتين.. والهوى بقى تقيل.
قدريّة بصوت عالي:
اللهم طولك يا روح، كده بقى؟ هو ده الحال اللي وصلتيله في بيت إبني؟
ياسر جري يمسكها:
أقعدي ما تعمليش حاجة.
سارة، بصوت واطي وهي تحاول تمسك كرامتها:
أنا كويسة، مجرّد دوخة.
قدريّة بصوت عالي وسخرية واضحة:
دوخة؟ ولا حاجة أكبر، وانتوا مخبيين؟
صوت سارة اتكسر من جوّا، بس فضلت واقفة بأدب:
لما نعرف، كلنا هنعرف، مافيش حاجة تتخبّى.
قدريّة تمتمت:
يرضيك يا رب إبني يبوّظ حياته بإيده؟
ياسر صرخ لأول مرة:
كفاية.. قلت كفاية.
سارة ما عيطتش، بس عينها إتهزّت زي شمعة قربت منها ريح.
دخلت أوضتها بهدوء، قفلت الباب، وقعدت على السرير.
مش لأنّها ضعفت.. لكن لأن التعب ما بقاش في الجسم بس، كان في الروح. ولأول مرة من بداية الحكاية سارة قالت في قلبها: "يا رب… لو الصبر أسلوب، خليني أعرف أكمّله، ولو القوة رزق، أرزقني بيها قبل الوجع."
وبرا الأوضة، الحرب لسه مبتدتش، والحب لسه واقف، بس عليه إمتحان جديد.
قبل ما الجو يهدى، الجرس رن تاني.
سارة مسحت وشها بسرعة وطلعت وفتحت الباب.
روان كانت واقفة. لابسة فستان بسيط، بس ماسك جسمها شوية، شكلها من النوع اللي كل ما يدخل مكان، الهوا يتغيّر حواليه.
إبتسامة خفيفة طلعت منها:
إزيك يا سارة؟ قولتيلي أعدّي عليك أجيب الكشكول بتاع ملك.
سارة حاولت ترجع لمود الهدوء:
أهلا يا روان، إتفضّلي.
أول ما دخلت، عين قدريّة مسكتها من فوق لتحت، وبصوت عالي يكفي الجيران تسمع قالت:
هو إحنا في بيت ولا في كباريه؟ دي داخلة عليكم كده ليه؟
سارة اتشدّت، ووشّها اتغير، لكن روان وقفت ثابتة، بصت للأرض بتواضع:
خير يا طنط؟ أنا جاية أديها كشكول البنت الصغيرة.
قدريّة نفخت:
كشكول؟ ولا جايّة تتفرّجي على جوز صاحبتك؟ هو مايكفيش إنك مطلّقة، كمان داخلة البيت كده؟ وبنتي سارة تعبانة ومعدومة، وإنتِ تيجي كده، مش خايفة تخطفي جوزها؟ ولا هو الفرص قليلة اليومين دول؟
الكلام نزل زي السكينة.
سارة شهقت:
حرام عليكِ يا طنط، روان صاحبتي من سنين.
قدريّة رفعت صوتها:
الصاحبة اللي ما تُأتمنّش، خلاص الزمن اتغير يا بنتي. المطلّقة مالهاش أمان، وخصوصًا لو بقت حلوة وقعت في وش الراجل.
روان وقفت شامخة، ما عيطتش، ما زعقتش، لكن إتجرحت من جوّا.
بصت لسارة بهدوء موجوع:
ولا يهمّك، أنا واقفة معاكِ مش ضدك.
سارة قربت تمسك إيدها:
إنتِ زي أختي.
قبل ما روان ترد، صوت ياسر قطع الجو زي طلقة:
ماما، بس.
قدريّة اتفاجئت:
إنت واقف مع الغريبة عليّا يا ياسر؟!
ياسر ما رفعش صوته، بس نبرته كانت سلاح:
أنا واقف مع الحق. إحنا في حالة ضغط وتوتر، وسارة تعبانة، مش ناقصين حد يدخل علينا بسمّ ويفكّرنا باللي نخاف منه. روان صاحبتها، واحنا مش في زمن الناس تقيّم بعض من هدومها.
قدريّة شهقت وزعلت:
أهو إنقلبتوا عليّا، الست دي سحرتك يا ابني. قلتلك من الأول خد سلوى بنت أختي ست بيت، مش زي دول.
ياسر مشي خطوة ووقف قصاد أمه بثبات:
أنا اخترت مراتي بقلب وعقل، ومش ندمان، واللي مش هيدّيها احترام ما يلزمنيش احترامه للكلام ده.
قدريّة اتصدمت، رفعت عبايتها بتوتر:
خلاص، أنا ماشيّة. ربنا يورّيكوا الأيام.
سارة حاولت توقفها:
طنط لو سمحتِ ما تزعليش، إحنا…
قدريّة قطعتها بحدة:
ماتكلّمنيش دلوقتي. أنا أمّ جوزك، مش أي حد.
وخرجت… الباب اتقفل وراها بقوة، والبيت بعدها سكت.
سكوت تقيل، سكوت زي ما حد قطع نفس البيت كله فجأة.
روان بصوت واطي، ثابت قوي رغم الألم:
ما تزعلوش، اللي بيتوجع بيطلع سمّه ساعات. بس أنا مش هخلّيكم تخسروا مني حاجة.
سارة قربت منها، حضّنتها، صوتها مكسور:
آسفة… والله آسفة.
روان مسحت على ظهرها بلطف:
ما تعتذريش، أنا هنا ليكِ، مش عليكِ.
وبصت لياسر باحترام:
خليك معاها، ده أكبر دعم ليها دلوقتي.
وجمعت نفسها ومشيت بهدوء، بدون أي كلمة زيادة. كأنها فهمت إن اللحظة مش لحظة صحاب، دي لحظة بيت بيحارب.
بعد ما الباب إتقفل، سارة وقفت في نص الصالة، أخذت نفس طويل، وحطت إيدها على قلبها.
ياسر قرب منها، إيده على كتفها:
ما تسمعيش الكلام ده. أمي كانت غضبانة ومش كل غضب حكمة.
سارة بعين فيها تعب وكرامة:
مش خايفة من كلامها عليّا، أنا خايفة عليك أنت. ضغط عليك من بره، وتعب من جوّا.
ياسر حضنها:
اللي بيننا أكبر من أي صوت برا البيت.
سارة أغمضت عينيها، فتَحتها على همسة دافية:
يا رب.. قوّني وقوّيه. إحنا الإثنين محتاجينك دلوقتي.
والليل… رجع يسكت تاني. بس المرة دي السكوت كان أعمق، والحكاية دخلت سكة أصعب، اللي فيها صبر، ورباط، وامتحان.
رواية وصية حب الفصل السابع 7 - بقلم نسرين بلعجيلي
الفجر نده على الدنيا، صوت الأذان كان لطيف، كأنه ما بيزعقش ولا بينادي، كان بيحضن الهوى حضن خفيف.
سارة فتحت عينيها بهدوء. ماكانش نومها تقيل، كان أشبه بنص صحِّي ونص غرقان في تفكير ما وقفش طول الليل.
مشيت عينيها على السقف الأول، كأنها بتلمّ روحها من الحيطان قبل ما تجمعها في صدرها. وبعدين قلبها نزل على ياسر اللي نايم جنبها، وشه هادي بس عينه شكلها تعبان من جوّا.
"هو بينام؟ ولا بس بيغمّض عينه؟"
رفعت نفسها براحة، قعدت على السرير وحطت رجلها على الأرض ببطء، كأنها بتتعامل مع الأرض لأول مرة.
الأوضة كانت ساكتة، بس السكون مش دايمًا راحة، أوقات السكون بيبقى شهادة إن فيه قلب بيحارب.
سارة إتمددت للحظة، مسكت راسها من الجنب، ونفَس طالع ببطء، مش تعب جسد أد ما هو حمل قلب. وقفت على رجليها ومشيت نحو الشباك، فتحتّه شق صغير وخلّت برد الفجر يلمس خدّها. الهوى كان نظيف، طري، كأنه جايب معاه رسالة: "قومي… لسه فيه أمل."
سارة ما قالتش ولا كلمة. بس دمعة صغيرة نزلت لوحدها. دمعة من نوع دموع الفجر اللي بتنزل قبل ما حد يصحى ويشوف. مسحتها بإيدها بسرعة، زي اللي مش عايز حتى نفسه يشوف ضعفه.
مدّت إيديها على البسيطة وسندت راسها على الحيطة. وبصوت يكاد ما يسمعهوش غير ربنا:
"يا رب، لو فيه إمتحان، قوّيني عليه، ولو فيه خير قرّبه، ولو فيه تعب، خلّيه في قلبي مش في وجع أحبابي. إنت اللي شايف، وأنا بس أََمَة واقفة قدام بابك مستنياك."
صوتها كان ثابت، بس قلبها بيرتعش من جواها رجفة شوق للثبات.
بعد لحظة، سمعت حركة خفيفة على السرير. ياسر التفت، بصّ ليها، عيونه نص نايمة ونص واعية بيها وبحالها:
"سارة؟ قُمتي بدري ليه؟"
إبتسمت له إبتسامة خفيفة، مش إبتسامة قوة، إبتسامة حب:
"صحيت مع الفجر، قلت أتنفس شوية."
مدّ إيده ليها من بعيد:
"تعالي. ما توّديش نفسك بعيد."
رجعت له، مشيت بخطوات بطيئة، لحد ما وصلت السرير.
قعدت جنبه، حدّت نظرها عليه لحظة كأنها بتشرب ملامحه في قلبها وقالت:
"ياسر، أنا كويسة."
قالتها وهي عارفة إنها مش الحقيقة الكاملة. والغريب، هو كمان كان عارف، بس قرر يصدّق الجزء اللي محتاج يصدّقه علشان يقوم بيوم جديد.
مسك إيدها، دفّاها في كفه زي اللي بيحط وردة جوه كتاب علشان ما تتكسرش:
"إنتِ مش لوحدك. ولا هتكوني."
ردّت بصوت ناعم جدًا:
"وأنا عارفة."
وقام من غير كلام كتير، وفي صمت الفجر وقف قدام الحيطة، مدّ سجادة الصلاة، وأشار لها:
"يلا… نقف قدام ربنا سوا."
سارة وقفت جنبه، رغم التعب، رغم الدوخة اللي بتحوم حوالين جسمها كل كام دقيقة، رغم قلبها اللي بيقولها "أقعدي" أوقات كتير، لكن روحها قالت: "لو وقعت هنا، هقوم هناك."
صلّوا.
دموعها نزلت وهي بتسجد، مش دموع خوف، دموع تسليم كامل. دموع ناس فاهمة إنها ما بقتش تمسك في الدنيا، هي ماسكة في السماء.
وبعد التسليم، ياسر مد إيده تاني ومسح دمعتها، مش دمعة مرّ، دمعة رضا:
"ربنا معانا يا سارة."
قالتها من غير ما تبصّ له، وعينها لسه على سجادة الصلاة:
"وإحنا محتاجينه."
سكتوا. سكوت طيب. سكوت مش بيخوف. سكوت بيقول إن الرحلة مش سهلة، بس مش لوحدهم فيها.
وفجأة صوت صغير جه من الأوضة التانية:
"ماما؟ صحيتوا؟ فين الفطار؟"
ضحكة خفيفة طلعت من سارة رغم كل حاجة:
"ملك فاقت."
ياسر تنفّس وقال كأنه بيرجع للدنيا:
"يلا نعيش اليوم. واحدة واحدة."
سارة وقفت، حست برعشة بسيطة في رجلها، لكن ثبتت نفسها بسرعة.
لفت طرحتها، وقالت في سرها: "كل فجر… بداية جديدة. واللي كتب البداية، قادر يحط النهاية بكرامة."
وخرجت من الأوضة، على نور صبح بدأ ينتشر، ومعاه حكاية لسه بتتنفس، حتى لو بتتنفس ببطء.
الصبح كان هادي، وإزاز الشباك عليه بخار خفيف من سخونة الشاي. سارة قطّعت عيش صغير لياسر وملك، بتحاول تبتسم وتبان طبيعية، بس التعب كان قاعد في ملامحها زي ضيف مالوش نية يمشي.
ملك بتتكلم بحماس طفولي:
"ماما أنا عايزة أخد السندويشه دي كلها للمدرسة."
سارة ضحكت:
"لا يا بطّة، خليهم نصين علشان مايبقاش غداك فاضي."
وياسر إيده على ذقنه، بيبص لها طول الوقت كأنه بيلقط كل نفس بتاخذه ويخبّي قلق في قلبه.
رنّ التليفون. سارة وقفت في مكانها، بصت للشاشة من بعيد، "المستشفى".
الجو اتغيّر.
ردّت:
"ألو!"
صوت هادي، رسمي:
"أستاذة سارة، لازم تيجوا بكرة الساعة تسعة. ضروري جدًا."
سارة:
"فيه حاجة حصلت؟"
الصوت:
"نفضّل نشرح كل شيء هنا. ما تتأخروش."
المكالمة خلصت.
سارة حطت التليفون على الطاولة ببطء، كأنها بتحط حجر تقيل على صدرها.
ياسر قرب منها:
"خير؟ قالوا إيه؟"
سارة بابتسامة خفيفة تتشقّق من جوّا:
"قالوا نروح بكرة الصبح."
ملك رفعت رأسها:
"ماما إنتِ كويسة؟"
سارة مسحت على خدها:
"كويسة يا روح ماما."
ياسر بص في عينيها. عارف إنها مخبية حاجة، بس ساكت علشان مايكسرهاش:
"أنا لازم أروح الشغل بدري النهارده، هتقدري؟"
سارة:
"هقدر… روح."
حضنها قبل ما يخرج، حضن أطوَل من العادي، زي اللي بيعمل حساب للحظات جاية مش مضمونة.
ملك سلّمت وباست خد أمها وخرجت تجري على الباص.
الباب اتقفل. البيت بقى ساكت، غير صوت نفسها اللي بيطلع بشق النفس.
سارة فضلت واقفة دقيقة، وبعدين أخذت تليفونها واتصلت بروان.
– ألو؟
– روان… إزيك؟
صوت روان جاي دافي وطبيعي، زي ما يكون مافيش اللي حصل امبارح:
"كويسة يا روحي وإنتِ؟"
سارة:
"أنا.. كنت عايزة أقولك آسفة على اللي حصل من حماتي."
روان ضحكت ضحكة صافية:
"يا بنتي أنا أصلاً ما اتضايقتش، أنا عارفة مين إنتِ ومين ياسر. ودي ست كبيرة وتعبانة من حياتها أكثر مننا، سامحيها إنتِ بس."
سارة اتنفست، وبصوت ضعيف:
"روان.. بكرة عندي موعد مع الدكاترة."
روان:
"عارفة، قولتيلي قبل كده."
الصمت وقع ثواني، وبعدين سارة قالتها بنبرة بتتهز:
"روان… أنا خايفة. خايفة جدًا. حاسّة إن فيه حاجة... حاجة مش تمام."
صوتها اتشرخ قبل آخر كلمة، كأنها كانت ماسكة الدموع بكل قوتها وفلتت.
روان سكتت نص ثانية.. وبعدين صوتها اتغيّر، بقى قوي وحقيقي:
"أقعدي مكانك. بسرح شعري ونازلة."
سارة:
"لا لا… إنتِ عندك شغل."
روان:
"شغلي؟! يا سارة إنتِ أغلى من أي شغل."
سارة نزلت دمعة، مش دمعة خوف، دمعة لما حد يشيل عنك شوية:
"روان… أنا مش قادرة أقول لياسر كل اللي حاسة بيه. مش عايزة أخوّف حد، بس جسمي.. مش جسمي. والليل.. بيبقى أطول من اللازم."
روان اتنهدت بخوف محبة:
"إنتِ مش لوحدك. أنا جاية دلوقتي. إلبسي حاجة دافية وافتحي الشباك تهوي، واستنيني."
سارة مع شهقة صغيرة:
"بحبك يا روان."
ردت عليها:
"وأنا أكثر وعايزة أشوفك دلوقتي حالًا قبل ما دماغك تجيب وحش."
المكالمة قفلت. سارة قعدت على الكرسي، مسحت دموعها بطرف طرحِتها وقالت لنفسها بصوت واطي يهز القلب:
"يا رب.. لطفك."
بعد ما قفلت سارة المكالمة، قعدت ثواني صامتة تحاول تلم نفسها زي حد بيجمع قطع زجاج وقع فجأة.
لكن فجأة، وجع حاد، قوي، زي نبضة كهربا ضربت في عضلة كتفها وامتدت للصدر.
سارة اتخضّت، حطت إيدها بسرعة على صدرها وبطنها، واتنفّست بعمق لكن النفس كان بيقطع:
"يا رب…"
عينها دمعت من الألم ومن الخوف اللي جه مرة واحدة، مش لأن الوجع كسرها، لكن لأنها حسّت إنها مش ماسكة زمام جسمها زي زمان.
اللحظة اللي العقل يبطل يطبطب على القلب ويبدأ يسأله: "هو إحنا لسه بخير؟"
وقبل ما الأفكار تسوّد، رنّ الجرس.
سارة مسحت دموعها بسرعة، قامت ببطء تتسند على الحيطة، وفتحت الباب.
روان كانت واقفة… وشّها من غير ميكاب، لبس بسيط، لكن نظرتها كلها قلق صريح.
أول ما عينها شافت ملامح سارة، من غير أي كلمة... حضنتها.
حضن طويل، مش حضن عزاء، حضن ستر:
"أنا هنا، أنا هنا، ما تخافيش."
همستها روان وهي ماسكة ظهرها كأنها تمنع الدنيا تقع عليها.
سارة حاولت تمسك نفسها، لكن صوتها خرج مكسور زي طفل اتوجع فجأة:
"أنا مش ضعيفة… بس تعبت. حاسّة فيه حاجة، وبتخنق لوحدي."
روان مسكت وشها بين إيديها، مسحت دمعة نزلت من تحت عينها:
"إوعى تعيدي كلمة 'لوحدي' تاني. إحنا هنا، فاهمة؟ وإنتِ مش محمولة على رجلك، إنتِ محمولة في قلوبنا."
سارة نزلت عينيها وخدت نفس تقيل، والقلب بينبض بين الخوف والدعاء:
"أنا خايفة على ياسر وملك أكثر ما أنا خايفة على نفسي."
روان قربت راسها على راسها، وقالت بصوت واطي مطمّن:
"اللي يحبّك ربنا ما يضيعوش. والقلوب اللي فيها خير ربنا بيسترها مهما اتأخرت الراحة."
سكتت لحظة، وبعدين قالتها بصدق نظيف:
"واللي جاي مش خوف. اللي جاي رحمة. يمكن صعبة في الأول، بس رحمة."
سارة قالت بصوت صغير جدًا:
"قوليلي إن ربنا شايفني."
روان حضنتها تاني:
"ربنا شايفك… وبيجهّزلك لطف أكبر من اللي تتخيليه. إهدي واتسندي عليا، مش لازم تكوني قوية كل ثانية."
سارة اتنفست ببطء، وبعدين قالت، كأن سر صغير خرج من قلبها:
"أنا بس عايزة أقوم يوم وأصحى عادية، مش بطلة. عايزة أعيش من غير ما أكون في حرب كل لحظة."
روان ابتسمت:
"وده هيحصل يوم وهيرجع كل ده. بس دلوقتي؟ سيبي معركتك لربنا شوية. خليكِ في حضنه وهو يكمل."
سارة أغمضت عينيها، واللحظة كانت بين ضعف وشجاعة، وبين خوف وإيمان. وما بين الاتنين.. كانت بتتخلق قوة جديدة، هادية، ناضجة، قوة اللي بيستسلم لربنا مش للسكين.
روان مسحت دموعها ودموع سارة مع بعض:
"يلا نصلّي ركعتين ونشرب شاي. الوجع لما يدخل على بيت فيه ذكر بيصغر."
سارة هزّت راسها بابتسامة ضعيفة:
"حاضر… بس… أقعدي جنبي ما تبعديش."
روان:
"مش هبعد… ده مكاني دلوقتي."
وهدأ المكان شوية كأن ربنا مرّر نسمة رحمة في الهواء، وقال للقلبين: "لسه فيه أمان."
رواية وصية حب الفصل الثامن 8 - بقلم نسرين بلعجيلي
الليل نزل ببطء… وكأن الدنيا كلها واقفة على أطراف صوابعها تنتظر الصبح اللي هيجيب الحقيقة من بابه.الأباجورة كانت منورة نور دافي، والستارة نازلة سايبة لليل فرصة يدخل بحنية.سارة كانت واقفة عند السرير، قميص نوم بسيط، مش مستعرض، بس أنوثة هادية تعرف قيمتها. وشها تعبان، لكن عينيها كلها حياة.
قربت لياسر، مدت إيدها على كتفه، وصوتها واطي جدًا، زي رجاء ناعم :ما تسيبنيش أحارب كل حاجة لوحدي يا ياسر. عايزاك تاخدني في حضنك، قبل ما أي حاجة في الدنيا تاخدني منك.
ياسر اتخض من الكلام ومن اللمعة اللى في عنيها. حاول يقول كلمة… لسانه اتعقّد :سارة… إنتِ تعبانة. خلّينا...
قاطعته بنظرة كلها صدق، مش رغبة، حاجة شبه بحث عن روحها فيه :التعب الحقيقي إنك تحس إنك مش موجود، خلّيني أحس إني لسه هنا… لسه الست بتاعتك … لسه زوجتك.
قربت وشها عليه، وهو اتنفّس نفَس تقيل. أي راجل مكانه يتشد بين خوفه عليها وحبه ليها.
حط إيده على خدها، وبصوت مهزوز شوية :أنا خايف عليكِ.
ردّت بهدوء يخوّف من قوته :وأنا خايفة.. بس مش منك. خايفة من اللي جوايا. خلّيني أختار الحياة الليلة معاك.
كانت كلمة كفاية.
حضنها… مش حضن شهوة، حضن حد بيتمسّك بروحه قبل ما تضيع.نسرين بلعجيلي
البداية كانت هادية…نفسهم قريب، إيدها في إيده، قربهم طبيعي زي أنفاسهم، زي اى إتنين بيخافوا يخسروا بعض.
ودقيقة… بس دقيقة والقرب بقى أعمق، هو حاسس نبضها يرتفع، وهي بتحاول تثبت نفسها في حضنه كأنها بتتنفس منه.
فجأة…نفسها اتقطع. إيدها ارتخت، وراسها مالت على كتفه بطريقة مش طبيعية.
– سارة؟
ماردّتش.
– سارة! إنتِ سامعاني؟!
جسمها هدي فجأة، مش إستسلام حب، إستسلام ضعف.
ياسر اتجمّد لحظة، وبعدين حضنها بقوة كأنه بيشدها من حافة هاوية :سارة… بالله عليكِ إفتحي عينيكِ، مش الوقت.. مش دلوقتي!!
صوته اتكسر، مش صرخة رجل، صرخة قلب.
وشها هادي، لكن نفسها واطي جدا، وهو بيهز كتفها، صوته يرتعش :أنا هنا.. إسمعيني. ما تسيبينيش وأنا ماسكك.
ثواني…ودمعة وقعت من عنيها رغم إنها شبه غايبة.
همست بكلمة بالكاد تتسمع :موجودة…
ياسر حط جبهته على جبهتها، النَفَس اللي خرج منه كان دعاء قبل ما يكون خوف :
يا رب.. تحمّيها مني ومن الدنيا.دى قلبي.. مش بشر.
لفّها في حضنه زي طفل صغير، قميصها بين إديه، مشهد ما كانش شهوة، كان نجاة وكسرة ورجاء.
والليل..وقف يتفرج.
يارب بيّن اللطف، قبل الوجع.Nisrine Bellaajili
الليل خلص، بس هو ما نامش. قعد طول الليل ماسك إيدها، خايف يرمش تروح منه. كانت نايمة على كتفه، أنفاسها مستقرة شوية، مش زي الأول، لكن كفاية تخليه يتنفس.
كل شوية يرفع أصابعه ويلمس نبضها، ولو تباطأ ثانية، قلبه يقع من مكانه.
ماكنش راجل الليلة دي، كان طفل كبير ماسك فرحته بإيد ودموعه بإيد.لما الفجر أذن، هو ما قالش حاجة، بس بص في السقف وقال من غير صوت :"يا رب.. ما تاخدهاش، أنا لسه ما شبعتش منها."
سارة صحيت على ريحة قهوة خفيفة ووشه اللي منهك بس مصمم يكون قوي :ياسر.. إنت ما نمتش؟
ياسر :لو نمت… أنام على إيه؟
حاول يضحك، بس صوته اتشرخ.هي مدت إيدها ولمست وشه :أنا كويسة، بس تعبت شوية امبارح.
ياسر :سارة.. إحنا هنروح المستشفى دلوقتي. مش هستنى ولا ثانية.
حركت راسها ببطء، ما اعترضتش. الليلة علمتها إن الجسم مش دايم، ولا الوقت. لبست ببطء، قميص واسع، طرحتها على كتفها، وهي بتمسك الحيطة أكثر من العادي.
ملك طلعت من أوضتها، نعسانة، شعرها منكوش، بس أول ما شافت أمها، جريت عليها وحضنتها بقوة :
ماما إنتِ تعبانة؟ ما تروحيش بعيد.
سارة مسكتها في حضنها وغمضت عينيها في شعرها :حتى وأنا بعيد… حضني حواليكِ.
ياسر نزل ملك للحضانة وهو شايلها كأنها أثمن حاجة بعد سارة، والبنت ماسكاه بقلق طفل صغير بدأ يفهم يعني إيه خوف.
في الطريق للمستشفى...
العربية ماكانش فيها طبلة ولا صوت قرآن، كانت صامتة زي حد بيقرأ دعاء بقلبه.ياسر كل شوية يبص عليها من زاوية عينه، ويسأل نفسه :"لو اتأخرت؟ لو ما لحقتهاش؟"
هي كانت مسندة راسها على الزجاج، تتأمل السما، وعينيها فيها سؤال واحد بس :"يا رب… أنا جاهزة؟ ولا دي بداية معركة جديدة؟"
المستشفى...
قعدوا في مكتب الدكتور. الساعة عدّت 9…وبقوا 9:10و9:20كل دقيقة كأنها سنة.
الدكتور دخل وقعد ادامهم. كان ماسك ورق كثير. وده لوحده يخوف.إبتسم ابتسامة مهنية مش بتوصل للعين :أستاذة سارة، إحنا عرفنا نوع الاضطراب اللي ظهر عندك.
ياسر مسك إيدها، وكأنه بيربط روحهم ببعض.
الدكتور كمل :اسم الحالة: Ehlers-Danlos Syndromeنوع شديد، نادر، يؤثر على النسيج الضام للأعصاب والأوعية.
سارة رمشت، مش مستوعبة قوي، الكلمة نفسها كبيرة أطول من نفسها.
ياسر حاول يفهم :يعني إيه الكلام ده؟
الدكتور بص في الورق وقال ببساطة مُرة :الجسم ما بيقدرش يمسك نفسه كويس. الأنسجة بتضعف، الأعصاب بتتأثر، والأعضاء كمان.
لحظة سكون، صوت جهاز تنفس بعيد، عربية إسعاف بتعدّي والدنيا كلها بقت أبطأ.
سارة بصوت واطي :يعني… بيتعالج؟
الدكتور هز رأسه بهدوء رحيم، مش قاسي :مش علاج نهائي. لكن نقدر نخفّف، نبطّأ، نحمي ونعيش بأفضل شكل ممكن.
ياسر حس بإيده بتتجمد في كفه. هو سمع "مزمن" وسمع "تدريجي"وسمع حاجة جوّه كسرت.
سارة ما بكيتش ولا صرخت ولا وقعت.قالت بحروف بطيئة :هو ده اللي كتبه ربنا، يبقى خير.
الدكتور كمل :أهم حاجة دلوقتي الراحة، المتابعة، ودعم نفسي قوي جدًا. وأي مجهود ممنوع.
نسرين بلعجيليالجملة الأخيرة...زي شمعة اتطفت في قلبها.
الدكتور :أستاذة سارة، لازم أقولكوا حاجة مهمة جدًا عن أسلوب حياتكم من دلوقتي.
ياسر اتوتر :خير يا دكتور؟
الدكتور بصوت واثق :كل حاجة تعتمد على الهدوء. أي مجهود زايد.. جسدي، نفسي، عصبي، لازم يتجنب قدر الإمكان.
سارة هزّت راسها بهدوء، بتحاول تستوعب.
الدكتور كمل :حتى العلاقة الزوجية.. مش ممنوعة، لكن لازم تكون بمنتهى الرفق والبطء. مافيش ضغط، مافيش مجهود، مافيش تعب. الجسم ده دلوقتي لازم نتعامل معاه زي ورقة حرير.
الكلمة وقعت في المكان زي حجر في مايه هادية.
سارة حسّت قلبها بينقبض، وياسر لمّس كفها كأنه بيثبتها.
سارة بصوت منخفض :يعني حياتنا كلها هتتغير؟
الدكتور :مش حياتكم، طريقة تعاملكم مع الحياة بس اللي هتتغير. وكل ما كنتوا فريق، كل ما المرض هيضعف مش إنتِ.
رفعت راسها، نظرتها قوية رغم الوجع. الدكتور إبتسم ابتسامة دافية جدًا :إنتِ مش مريضة بس.. إنتِ مقاتلة. وأي مقاتل محتاج سنده.
ياسر بص لسارة بعين فيها وعد مش بيتقال بالكلام :“أنا السند.”
سارة كانت طول عمرها سند، تشتغل، تطبخ، تجري، تحب، تحارب.فجأة تتمنع من الحركة؟
بس ابتسمت ابتسامة من اللي بتطلع لما الروح تجبر الجسد :حاضر، هحاول أسمع الكلام.
الخروج....
في الطريق للبيت، ياسر سايق من غير صوت. إيده على الدركسيون، وإيده التانية على ركبتها.
سارة بصت له :ما تبصليش كده. أنا لسه هنا.
صوته خرج مبحوح :وهفضل أفضّل إنك تفضلي هنا كل يوم.
سارة بصت للشارع.. الناس ماشية، حد بيضحك، حد بيشتري عيش، حد بيجري على شغله..والحياة مكملة.نسرين بلعجيلي
همست لروحها :"لو ربنا اختارني للامتحان، أكيد اختارني كمان للنجاة."
شدت إيده وقالتله بابتسامة ضعيفة لكنها حية :يلا نروح نحارب سوا.
والعربية اتحركت، بس الرحلة لسه في أول جبلها.
الباب اتقفل وراهم بهدوء. البيت كله كان ساكت، ولا حتى صوت ملاعق أو تليفزيون، كأن الجدران نفسها واقفة تسمع نبضهم.
سارة دخلت على الصالة ببطء، شالت الطرحة، وعلّقتها على الكرسي زي ما تكون بتحط تعبها عليه. قعدت، مش على الكنبة زي العادة، لكن على الأرض، قدّام ترابيزة القهوة، كأنها محتاجة تلمس الأرض، تمسك واقع جديد مش جاهزة له.
ياسر وقف دقيقة بيتفرج عليها كأنه بيحاول يفهم إزاي القدر بيسقط على إنسان بالشكل ده وما بيوقعوش.
راح ناحيتها، نزل على ركبه قدامها.
ياسر بهدوء ناعم :سارة… بصيلي.
ما رفعتش راسها، بس دمعتين نزلوا من عينيها ونقطوا على إيدها.
سارة بصوت مبحوح :"ورقة حرير".. أنا كنت دايمًا أفتكر نفسي صلبة، واقفة، شايلة بيت وطفلة وحلم.. دلوقتي الدكتور بيقولّي إن أقل نسمة ممكن تجرحني.
ياسر مدّ إيده، رفع وشها براحة :ورق الحرير مش ضعيف. ده أنعم خلق ربنا، بس قيمته غالية.
سارة هزت راسها، ضحكة قصيرة، جريحة خرجت :وأنا بقيت مش لازم يتمسك بيا بالشوَك عشان ما أتقطّعش؟
ياسر :لا إنتِ تتمسكي بالحب، مش بالشوك.
سكت لحظة، وبعدين قالها بصوت عميق :وأنا مش حافظلك إنك تعيشي، أنا هعلّمك تعيشي براحة حتى لو كل خطوة بقت خفيفة، المهم إنك معايا.
سارة اتنهدت وبصت له :وبس؟ مش خايف مني؟ مش خايف من بكرة؟ أنا نفسي بخاف من نفسي.
ياسر شد إيديها بين إيديه :أنا بخاف من الدنيا من غيرك، مش معاكِ. بكرة دا.. إحنا نشيله سوا، حتى لو بقى ضيق. ولو تعبتِ.. أنا أكون القوة. ولو وقعت.. أنا الأرض. ولو اتكسرتِ.. أنا بإيدي ألمّك.
الصمت وقع تاني، بس كان صمت فيه حب، مش هزيمة.
سارة مالت عليه، حطت راسها على كتفه كأن نفسها تطمن، وكان قلبه بيتنفّس احتياجها.
سارة ببحة صغيرة :خليك معايا.
ياسر همس :هنا.. ومابمشيش.
هي قفلت عينيها، مش نوم، لكن راحة، زي اللي أخيرًا سمح لحد يشيل الحمل معاه.
وبرّة الشباك، الشمس كانت بتغيب، بس جوا البيت؟ نور صغير بدأ يضوى..مش نور شفاء.. نور صبر.. ونور إثنين بيقولوا للدنيا :"لسه هنحارب… ومش لوحدنا."
وبين كل نفس ونبضة، كانت سارة مش بتمسك في الحياة، كانت بتمسك في ربنا.
والقدر....فتح الصفحة اللي بعدها، وبخط قلم خفيف، كتب :
"لسه البداية."
رواية وصية حب الفصل التاسع 9 - بقلم نسرين بلعجيلي
الليل كان ساكن، مش سكون سلام، سكون خوف. زي لما القلب يحس بحاجة قبل العقل، ويبقى واقف مستني حاجة تحصل ومش عارف هي إيه.
سارة كانت نايمة على جنبها، بس النوم ما لمسهاش، عنيها مفتوحة في الظلمة، بتراقب السقف كأنه صفحة مكتوبة بخط خفيف.
كان فيه تعب جديد، مش زي تعب الأيام اللي فاتت. جواها إحساس غريب، إحساس حد واقف على باب مكان مش عارف يدخله ولا يهرب منه.
تنفست بصعوبة، وقامت ببطء، لفت الشال على كتفها كأنها بتحمي جسمها من برد مالوش علاقة بالجو.
بصت لياسر، نايم جنبها، صدره بيطلع وينزل بهدوء. مدت إيدها ولمست شعره بهدوء، لمسة وداع؟ ولا لمسة حياة؟ هي نفسها ما كانتش عارفة.
قامت من السرير كأنها بتنسحب من مكانها بآخر قوة. رجلها رخت ثانية، مسكت طرف التسريحة واتمسكت بالحافة بإيد بتترعش.
الدوخة بقت صاحبة البيت.
وصلت للمكتبة الصغيرة، فتحت الدرج بهدوء، طلعت نوت بوك قديم، اللي كانت بتكتب فيه أول أيام جوازهم أحلامهم اللي جاية، خطط السفر، أسماء أطفال… كل ده دلوقتي بقى ذكريات بتوجع مش بتفرّح.
رجعت السرير، قعدت، نور الأباجورة خفيف، دافي، لكن في قلبها برد من النوع اللي ما بيتعالجش ببطانية.
فتحت النوت بوك. مسكت القلم بإيد بتتهز. كتبت على الصفحة الأولى بخط ضعيف:
"لو جي يوم وملك كبرت ومقدرتش أكون حواليها، قولولها إن ماما كانت بتحلم تشوفها ست قوية، أقوى من الحياة نفسها."
دمعة وقعت على الورق، مسحتها بعصبية كأنها مش عايزاها تسيب أثر.
قلبت صفحة جديدة… وكتبت لياسر:
"لو تعبك مني زاد، إفتكر إن عمري ما كنت عبء، أنا كنت دايمًا بحاول أكون قوتك، حتى وأنا بنهار."
رجفت أصابعها… وقفت ثانية… رجعت تكتب:
"ياسر.. إوعى تكره قدرتك لو ضعفت. الحب مش دايمًا قوة، ساعات حبك لحد بيكسّرك لأنك خايف عليه أكتر من نفسك."
سارة رفعت راسها، النفَس بيطلع متقطع، والصدر تقيل كأنه بيحارب الميّة اللي بتغرقه. كتبت سطر أخير:
"أنا مش بخاف أموت، أنا بخاف أسيبكم تتوجعوا."
وسكتت. القلم وقع من إيدها على السرير. إديها لفت على بطنها تلقائي، زي أم بتحضن نفسها لما تكون محتاجة حضن حد مش موجود.
عيونها دمعت من غير صوت، مش بكاء نحيب، ده بكاء تسليم.
الحلم رجع قدام عنيها فجأة: نفس الحلم اللي شافته من أسبوع، نفس الإحساس: قبر مفتوح… صوت آذان… وملك واقفة تبصّ عليها ودموعها سايلة، وياسر شايلها ومش قادر يتكلم.
الهزة رجعت لجسمها.
"لا… لسه. مش دلوقتي… مش كده."
حطت النوت بوك على صدرها، كأنها بتدفن قلبها جواه.
سمعت حركة خفيفة، ياسر لف وهو نايم ودور عليها بإيده ملقهاش جنبه. فتح عينه نص فتحة:
"سارة؟ إنتِ فين؟"
مسحت دموعها بسرعة:
"هنا… كنت بجيب ميّة."
هو ما فهمش التعب اللي في صوتها، لكنه حس بحاجة مش طبيعية. مدّ لها إيده:
"تعالي نامي جنبي، ما تسيبينيش برا دماغي دلوقتي."
ضحكت ضحكة واهية ما طلعتش للهوى:
"أنا هنا… جنّبك دايمًا."
رجعت إستخبت في حضنه، مش علشان ترتاح، لكن علشان تحس إنها لسه في الدنيا اللي بتحبها.
حطت النوت بوك تحت المخدة بهدوء وخبط قلبها على قلبه.
"ياسر؟"
"نعم؟" (صوته نعسان)
"لو جي يوم ماعرفتش أمسك الدنيا، إمسكني انت."
فتح عينه كويس، بص لها بنص وعي، بنص خوف، بنص وجع ماعرفهوش لسه:
"ما فيش يوم زي ده. إنتِ هتفضلي معانا."
سارة بصّت في عينه، عرفت إنه بيصدّق كلامه علشان يعيش، مش لأنه متأكد منه. همست:
"بس لو حصل، لا تسيب ملك، ولا تسيب نفسك."
ياسر:
"سارة… بس كفاية الكلام ده. أنا تعبت أسمعه."
لفّها في حضنه، باس راسها وكأنه بيحاول يسكت القدر بإيده. هي سكّتت، لكن قلبها لسه بيتكلم: "يارب مش دلوقتي، لسه نفسي أشوف فرحة ملك لما تتخرج، لسه نفسي أشوف شيب ياسر، لسه نفسي أضحك وأحط راسي على صدره من غير ما أخاف."
نَفَسها ارتاح شوية، الدنيا هديت، بس جوه صدرها، كان في دقة مختلفة، زي دق ساعة بتعد وقت مش بيوسّع.
قبل ما عينها تقفل، شدّت المخدة عليها، تحس بنوت بوك تحتها، إبتسمت إبتسامة مكسورة وقالت لنفسها بهمس:
"كتبتك علشان لو ماقدرتش أكمّل، كلامي يكمل بعدي."
وبعدها غمضت. مش نوم كامل، نصف حياة… نصف خوف… نصف أمل.
والليل؟ فضل قاعد معاهم زي شاهد على أول وصيّة اتكتبت بقلب مش مستسلم، لكن خايف يفوت الوقت.
الصبح جه… ماكانش نور، كان أكثر شبه ضل رمادي كده. سارة صحيت وهي مش صاحيّة، جسمها تقيل، عينها محمرة من قلة النوم، ووشها شاحب كأن الليل أخذ لونها وسابها فاضية.
ياسر دخل عليها من المطبخ، ماسك كوباية شاي وسندوتش. إبتسم لها ابتسامة باهتة، التعب فيها واضح أكثر من الإبتسامة نفسها:
"صباح الخير يا قلب البيت."
سارة ردّت بابتسامة ضعيفة:
"صباح الخير يا سندي."
هي عارفة إنه ما نامش، وهو شايف إنها بتنهار شِويّة شِويّة.
ملك دخلت تجري:
"ماماااا شوفي رسمي، عملت قلب، ده قلبي ليكِ"
سارة حضنتها بقوة، قلبها دعى في اللحظة دي بس: "يا رب خلّيني أكمّل عمرها كله."
ياسر بص عليهم، مسك شنطته وقال بصوت هادي:
"أنا نازل الشغل لو احتجتِ حاجة كلميني."
سارة هزّت راسها:
"ما تشيلش هم، أنا كويسة."
كان شكلها بيقول العكس. وكان قلبه بيصرخ: "مش كويسة".
خرج… بس روحه فضلت ورا الباب.
ياسر في الشغل
كان قاعد قدام الكمبيوتر، الشاشة قدامه، شغل كتير، ناس حواليه، بس ودانه مشغولة بدق قلبها مش بدق الماوس.
زميله سأله كده كلمتين عن الشغل، ياسر بصله ومردش، كأنه مش سامع أصلاً.
أول مرة من شهور يمسك تليفونه ويحطّه قدامه، مش علشان شغل، علشان يستنى إتصال، خايف منه ويتمنى يحصل في نفس الوقت.
فجأة… مسك الموبايل واتصل بروان. هي ردت متفاجئة:
"ألو؟ ياسر؟"
صوته مكسور، نبرة راجل حاول يكون جبل واتشرخ:
"روان… لو تقدري، روحي لسارة."
صمت لحظة… بعدين قالها بصوت خالي من الكرامة ومن الرجولة اللي بتحب تبان قوية:
"هي مش بتقولي كل حاجة، وأنا خايف عليها قوي. أنا عمري ما كنت خايف كده."
روان صوتها لين، مليان تقدير مش شفقة:
"ما تقلقش، أنا في الطريق ليها دلوقتي."
هو حاول يتماسك:
"شكراً، بالله عليكِ ما تسيبيهاش لوحدها النهارده."
قفل، وغمض عينه على ألم ما عرفهوش قبل كده. مش ألم فقد، ألم إنتظار الفقد.
روان عند سارة..
الباب رن. سارة فتحت، لابسة ترنج واسع، عيون مطفية وتعب مرسوم على جسمها كله:
"روان!"
إبتسامة صغيرة كسرت وشها التعبان.
روان حضنتها من غير ولا كلمة، والحضن لو كان صوت؟ كان هيكون دعاء.
قعدوا في الصالة، سارة ماسكة كوباية مايّة، إيديها بتترعش شويّة.
روان بصوت حنون:
"ياسر كلّمني."
سارة غمضت عنيها، قلبها اتقبض:
"ما كانش المفروض يشيل همي، أنا اللي كنت دايمًا ظهره."
روان مسكت إيدها:
"وإنتِ لسه ظهره، يمكن مش بجسمك بس بقلبك."
سارة إتنهدت… وبصوت واطي، خجلان، متكسّر:
"روان.. أنا مش خايفة من الموت. أنا خايفة أكون ست ناقصة."
رفعت عنيها عليها، دمعة حارة نزلت قبل ما تكمل:
"أنا طول عمري زوجة، ست كاملة في بيتها. ياسر راجل، راجل بيحب الست اللي معاه، بيحب قربها، لمسها، دفئها.."
وقفت لحظة… صوتها بقى أضعف:
"لو جسمي خانني؟ لو ماقدرتش أكون مراته زي الأول؟ هو هيستحمل؟ هيعيش من غير حضن؟ من غير قرب؟ من غير حقه الشرعي؟"
روان شهقت، ما كانتش متوقعة الجرح ده.
سارة كملت:
"أنا مش بتكلم بضعف، بتكلم من خوف حقيقي، أنا ست يا روان، ست بتحب جوزها وبتخاف تخليه محتاج حاجة وهي مش قادرة تديهاله."
حطت إيدها على قلبها:
"مش عايزة أبقى عبء، ولا عايزة أوجعه ولا أخليه يوم يصحى يلاقيني بقيت "حالة" مش "حبيبته"."
دموعها نزلت أكثر:
"هو يستحق حياة كاملة، مش نص حياة جنبي."
روان قربت، مسكت وشها بين إيديها:
"إسمعيني كويس يا سارة، الرجولة مش علاقة وبس. الرجولة قلب يفضل واقف مكانه حتى لو الدنيا كلها وقعت حواليه."
سارة همست ببكاء:
"بس الرجالة ليهم احتياجات، وياسر عاش معايا على حب وعلاقة ونفس ودفا. إزاي فجأة أقول له "ما تلمسنيش"؟"
روان دمعت هي كمان:
"لما إتنين بيحبوا بعض بجد، اللمسة ما بتقلش، بتتغير، بتبقى أصغر.. أحن.. أعمق. مش جسم… روح."
سارة خبّت وشها في صدر روان، وانهارت شوية:
"خايفة يا روان، خايفة منه يتعب ويتغيّر، ومن نفسي أتكسّر قدامه."
دعاء مش بصوت...
سارة رفعت راسها، بصت للسقف، وقالت بـصمت القلب: "يا رب… لو كتبت الضعف عليا، أكتب الصبر عليه، والرضا لقلبي."
روان مسحت دموعها:
"يلا، غيري هدومك وتعالي أقعد معاكِ، ومش هتحسي إنك لوحدك ولا ثانية."
سارة ابتسمت رغم التعب:
"وجودك ستر يا روان."
روان ضمتها:
"وإنتِ نور يا سارة مش هتطفي."
في نفس اللحظة…
ياسر قاعد في مكتبه، إيده بتمسح في دقنه، عينه مش على أي ورقة بيتمتم:
"يا رب… قوتي بقت هي لو وقعت، أنا واقع بعدها. حافظ عليها، وعلّمني أكون ليها رجل وكفّ وقدَر."
النهار كان ماشي ببطء، لكن جوّه البيت كان فيه حب بينزل دموع، ورجولة بتتكتب بصمت، وخوف بيتحوّل لـدعاء.
سارة بدأت أول وصية، بس لسه ما قالتش آخر حب.
الحكاية مكملة، والقلوب لسه صاحية وبتحارب الحياة مع بعض.
الرحلة ما خلصتش، لسه فيه حكاية.. ولسه فيه أمل.. مهما كان ضعيف.
رواية وصية حب الفصل العاشر 10 - بقلم نسرين بلعجيلي
الصبح ما طلعش..
الصبح اتجرّ على نفسه وجا متأخر، كأنه هو كمان خايف يواجه اليوم.
نور خفيف دخل من الشباك، مش زي الأيام اللي فاتت، ولا حتى زي امبارح، نور باهت، زي الحياة لما تفضل واقفة على باب حزن كبير وبتتنفّس بالعافية.
سارة صحيت، مش من نوم، من تعب. دماغها تقيلة، عنيها كأن حد حاطط عليها رمل، وبطنها بتوجعها، وجسمها بيتخانق مع نفسه. حاولت تقوم من السرير، رجليها خانتها ثانيتين واتمسكت في طرف الدولاب.
نَفَسها اتقطع وقالت لنفسها بصوت جوّاها:
"إديني يوم جديد يا رب، يوم واحد بس من غير خوف."
دخلت الحمام تغسل وشها، بس لما قربت من المراية، إتخضت من نفسها. لونها باهت، شفايفها فاتحة، وتحت عنيها سواد عامل زي ليلة نايمة فيها حرب.
فتحت المية، غسلت وشها، وبعدين وقفت ثانية مكانها ما اتحركتش. كإنها خايفة لو قامت تقع.
في الصالة، ملك كانت قاعدة لابسة الشنطة، بتلعب في ساندويتشتها.
ياسر كان بيحط مفاتيحه في جيبه، بس أول ما شاف سارة خارجة من الأوضة.. وقف. مشي ناحيتها بسرعة كأن قلبه سبق عقله:
"سارة؟ وشّك ليه كده؟ إنتِ تعبانة قوي النهاردة."
سارة ابتسمت ابتسامة صغيرة، إبتسامة من النوع اللي بتتعمل بالعافية:
"عادي… يمكن اتحركت بسرعة."
مال على وشها، إيده على جبينها:
"سخنة، وجسمك تعبان، وصوتك مش صوتك."
ملك قربت، مسكت إيد أمها بخوف طفولي:
"ماما؟ إنتِ مش شبهك انت مابقيتش زي زمان."
الجملة ضربت صدر سارة زي سهم صغير. ركعت أدام بنتها، مسكت خدّها وبصت في عنيها:
"أنا كويسة، بس جسمي بيقول محتاج راحة شوية."
ملك ضمت رقبتها فجأة، وكأن قلب الأطفال بيعرف الخطر من غير تفسير:
"ما تروحيش، أنا مش عايزاكِ تروحي بعيد."
سارة حضنتها، حضن طويل، أطول من العادي. كان فيه خوف، وذعر، وتمسّك بالحياة.
ياسر حس إن حاجة مش طبيعية بتتحرك في البيت النهاردة. مد إيده على شعر سارة ومسحه براحة:
"لو تعبانة، النهارده إرتاحي وأنا هبعتلك أكل من بره."
هزت راسها بخفة، بس عنيها قالت اللي لسانها رفض يقوله:
"أنا خايفة."
ملك خرجت للمدرسة، وياسر وقف عند الباب قبل ما يمشي، رجع ناحيتها، مسك وِشها من خدودها:
"ما تسيبيش نفسك لوحدك، لو حسّيتِ بأي حاجة كلّميني فورًا. فهماني؟"
سارة ابتسمت، وهزّت راسها:
"حاضر… روح شغلك."
ما كانش عايز يمشي، بس مشي.
ولما الباب اتقفل، الصمت وقع تقيل على الحيطان.
ساعتين بعد خروجه، سارة حاولت تعمل شاي، فطور بسيط، حاجة عادية. بس الإيد اللي كانت بتمسك الكوباية اترعشت، والكوباية وقعت على الرخامة واتكسّرت.
وقفت تتفرج على الإزاز، كأنه بيحكي شكل قلبها. حطت إيدها على جنبها، حسّت نبضها بيتسرع فجأة، وظهرها وجعها، وركبتها تخلّت عنها للحظة. إتمسكت بالرخامة، وهمست لنفسها:
"مش دلوقتي يا رب، مش دلوقتي."
عينها دمعت مش من الألم، من الخوف. قعدت على الأرض، دقّات قلبها مش مظبوطة، نفسها مش ثابت.
وموبايلها رن.. إسم "ياسر" بينوّر الشاشة.
ردّت بأسرع ما يمكن قبل ما دموعها تلحق تقع:
"ألو!"
صوته كان مضطرب، مش صوت رجل في شغله، صوت راجل قلبه مشغول برا البيت:
"إنتِ كويسة؟ حاسس في صوتك حاجة غريبة."
هي حاولت تضحك:
"لا… ولا حاجة… يمكن برد."
سكت…وبعد لحظة قال بصوت خالي من القوة:
"أنا مش مرتاح. لو فيك حاجة قوليلي بالله عليكِ."
سارة قفلت عنيها، الخوف خرج مع نَفَسها:
"ياسر… أنا بتعب بسرعة… جسمي مش بيطاوعني زي الأول."
صوته اتكسر خفيف:
"أنا جاي."
سارة:
"لا… ما تجيش. كمل شغلك."
ياسر:
"شغلي إيه؟ لو فيكِ حاجة أنا مالي بالدنيا كلها؟"
قلبها وقع من مكانه. حاولت تجيب قوة من آخر مكان جواها بيخبيها:
"أنا مش عايزاك تتعب عشاني."
رد بسرعة من غير ما يفكر:
"وأنا مش هعيش من غيرك."
الكلمة كانت أحلى من الحب، وأقسى من الوجع.
بعد ما قفل، دموع سارة خرجت بحرارة. ما عيطتش بصوت، كانت بتتنفس دموعها. قامت على مهل، جابت النوت بوك تاني، لكن المرة دي رجليها كانت بتسحبها مش هي اللي بتمشي.
فتحت صفحة جديدة:
"لو الدنيا قست عليّا، خلّيكم مكملين، ماحدش يكمّل الحزن لوحده."
وكتبت تحتها:
"يارب، قوّيني لسه أكمل يوم بس يوم."
حطّت القلم…وبكت بهدوء شديد، زي اللي بيقول وداع صغير قبل وداع كبير.
وموبايلها رن تاني: إسم روان.
سارة مسحت دموعها وردّت:
"– ألو!"
روان ضحكت:
"صباح الخيرات يا روح صاحبتها، عملتِ إيه؟ إحكيلي."
سارة حاولت تخبي ارتعاشة صوتها:
"الحمد لله، أنا كويسة."
روان اتغير صوتها فورًا، كأن إحساسها سبق الكلام:
"لا… إنتِ مش كويسة، إنتِ صوتك مش صوتك. أنا جاية."
سارة:
"لاااا، إرجعي لشغلك."
روان بحزم ناعم:
"وجودي مش تضحية، وجودي واجب."
سارة صوتها اتشرخ ضعيف جدًا:
"أنا خايفة يا روان."
روان ردت بسرعة، بثقة، بحنان، بإيمان:
"وأنا جاية، نخاف سوا. ومش هنقع."
الليلة جاية تقيلة، والأحداث هتجرّ على بعض، وخوف سارة هيبقى واضح في كل نفس.
وهنا.. يبدأ العد التنازلي الحقيقي.
الهواء في الشقة كان ساكن، بس مش سكون طبيعي، سكون زي اللي بييجي بعد صرخة ماحدش سمعها.
سارة كانت على الأرض، جنب الكنبة، ونص جسمها متكوّر كأنها بتحضن وجعها.
النوت بوك مفتوح على الصفحة الأخيرة، والكلمات باينة بخطها المائل:
"وصيّة حب"
عنوان كبير، مكتوب بالقلم الأسود،
والسطر اللي بعده ناقص.
القلم لسه واقع جنبها.
في نفس الوقت، روان كانت سايقة عربيتها بسرعة غير عادية، والمطر بدأ ينزل خفيف، كأن السما نفسها بتبكي معاهم من غير ما تعرف ليه.
موبايلها في الإيد التانية، بتحاول تكلم سارة، بس التليفون بيرن ومافيش رد. قلبها بينزل درجة مع كل نغمة.
على الناحية التانية، ياسر كان سايق العربية برعشة خوف واضحة، مش قادر يكمّل شغله لما الإحساس جواه قال له: "إرجع البيت فورًا".
كل إشارة كانت بالنسبة له دقيقة ضايعة من عمرها.
موبايله رن، رقم روان.
ردّ بصوت مضطرب:
"ألو؟"
روان:
"أنا قربت عند البيت، سارة مش بترد."
ياسر صرخ:
"إستنيني هناك، أنا جاي دلوقتي."
قفل السكة، وضرب البنزين كأنه بيجري ينقذ آخر نفس من عمره.
وصلوا في نفس اللحظة تقريبًا. روان طلعت على السلم تجري، والخوف في رجليها سبقها. ياسر فتح الباب بمفتاحه بسرعة، الهواء اللي خرج من الشقة كان تقيل، خانق.
ياسر:
"– سارة!!"
صوته رجّ الشقة كلها.
روان دخلت وراه، عينيها وقعت على الأرض، على النوت بوك المفتوح وعلى سارة.
صرخت بصوت جاي من آخر الروح:
"يااااسرررر!!"
جرى ناحيتها، ركع على الأرض، شالها بين إيديه بسرعة، إيده ورا راسها وإيده التانية تحت ضهرها،
وصوته بيترعش:
"سارة! حبيبتي، فوقي. إسمعيني، أنا هنا."
وشها باهت، نَفَسها بطيء جدًا، وجسمها سايب بين ذراعيه.
روان بتعيط وبتحاول تساعده:
"إتصل بالإسعاف بسرعة يا ياسر."
ياسر:
"لأ، مش هستنى، أنا هاخذها بنفسي."
نزل السلم بيها شايلها كأنها طفلة، والعالم حواليه إختفى. صوت الخطوات، صوت دقات قلبه، وصوت المطر فوقهم، كلهم بقوا سيمفونية رعب.
روان جريت وراه، فتح باب العربية، وحطّها على الكرسي الامامي ، غطاها بجاكيتته وهو بيقول بصوت مبحوح:
"إستحملي يا سارة، بس دقيقة كمان، ونوصل."
روان ركبت عربيتها وراهم، بتبكي وهي بتشوف المنظر قدامها: ياسر ماسك إيدها، بيمسح على وشها كل شوية، وبيتكلم بكلام مايتسمعش، كأنه بيحكي لربنا مش ليها.
"ما تاخدهاش يا رب، أنا لسه ما شبعتش منها."
الشارع كان فاضي، لكن جواه دويّ قلب راجل بيحارب القدر.
روان بتبص من المراية الأمامية، وشايفة ياسر بيحط راسها على صدره، وبيكلمها بخوف راجل مش عارف يعيش من غيرها:
"إنتِ سامعاني يا حبيبتي؟ قولي إنك سامعاني، إفتحي عينيكي بس ثانية، قوليلي "ياسر"، زي ما بتقوليها دايمًا."
صوته اتحشر، عينه دمعت، بس ماوقفش، كمل السواقة كأنه بيهرب من الموت نفسه.
روان بتعيط وهي سايقة وراهم،
بتقول بين دموعها:
"يا رب قوّيه، ده راجل مش عادي، ده بيحبها بصدق نادر. خلّيها ترجعله يا رب، ما تحرمهمش من بعض."
وصلوا المستشفى.
ياسر نزل جري، شايلها على كتفه وهو بيصرخ:
"دكتور!! حد يلحقها!!"
الممرضين جريوا، روان وراهم، والنوت بوك في إيدها، مفتوح على الصفحة اللي مكتوب فيها بخط كبير:
"وصيّة حب."
قلبها اتقبض وهي بتقراها، دمعتها وقعت على الورق.
دخلوا سارة غرفة الطوارئ، والباب اتقفل وراهم.
روان وقفت برا، ووشها بين إيديها،
بتسمع صوت ياسر بيكلم الممرضين من جوّه، صوته متكسر، بيحاول يفهم، بيسأل عن النبض، عن النفس، وبيصرّخ لما يسمع كلمة “ضعيف”.
قعد على الكرسي برا، دماغه بين إيديه، وشه غرقان في دموع عمره ما نزلها حتى وهو بيخسر الدنيا كلها.
روان قربت منه، حطت إيدها على كتفه وقالت بصوت مرتعش:
"هي قوية يا ياسر، وسبحان اللي خلق الحب جوّه قلبك بالشكل ده. هتقوم تاني، صدقني."
رفع راسه ببطء، عينيه حمرا، صوته مبحوح:
"لو جرالها حاجة.. أنا اللي هموت. أنا نصّي فيها يا روان. والنص التاني من غيرها مالوش صوت ولا معنى."
بكت هي كمان، وكل اللي قدرت تقوله:
"الحب اللي بالشكل ده مش ممكن يخلص بالخسارة. أكيد ربنا كاتب له نجاة."
بعد عشر دقايق…باب الطوارئ إتفتح، الدكتور خرج بوش متعب، بس ما قالش حاجة.
ياسر قام بسرعة، قلبه بيدق في ودانه، وصوته خرج ضعيف جدًا:
"هي… كويسة؟"
الدكتور بصله، وبنبرة فيها رحمة وقلق قال:
"نقدر نقول مستقرة مؤقتًا. بس لازم تبقى تحت الملاحظة 24 ساعة. هي فقدت وعيها من هبوط مفاجئ وضغط منخفض جدًا."
ياسر حط إيده على وشه، نَفَس طالع من عمق القلب:
"الحمد لله… الحمد لله يا رب."
روان مسحت دموعها وقالت في سرّها:
"النهارده شُفت يعني إيه راجل يحب مراته بجد ويخاف عليها كأنها قلبه فعلاً."
بصت على النوت بوك اللي في إيدها، والصفحة اللي مكتوب فيها "وصيّة حب"
اتبلّت من دموعها.
همست لنفسها:
"شكل الوصية دي لسه بدأت تتكتب، بس ربنا لسه ما ختمهاش."