تحميل رواية «وصية حب» PDF
بقلم نسرين بلعجيلي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت الساعة خمسة العصر، ريحة أكل في البيت، وصوت فتافيت سارة في المطبخ وهي بتغني بصوت واطي أغنية قديمة. ياسر دخل من باب الشقة وهو بيقول: السلام عليكم. نبرة راجل جاي من الشغل وتعبه ظاهر في خطواته، بس صوته دافي. سارة: إيه ده؟ رجعت بدري النهارده؟ ياسر: قلت أهرب من المكتب قبل ما يدفنوني فيه. ورمى الشنطة على الكنبة وفك ربطة الكرفته. سارة: طب ياريت تهرب كل يوم كده والله. ضحكوا، وبينهم لغة حب هادية مش بتاعة صراخ وورد كل يوم، بس راحة.. راحة بيوت مرتاحة ببعض. رن جرس الباب. سارة بصّت لنفسها في المرايا الصغ...
رواية وصية حب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نسرين بلعجيلي
الليل خلص في المستشفى، بس ما خلّاش الوجع يخلَص.
صوت الأجهزة في الغرفة كان شبه أنفاس حد بين الحياة والموت.
"بيب… بيب…"
كل نغمة كانت زي نبضة قلب ياسر، اللي قاعد على الكرسي جنب سريرها، إيده ماسكة إيدها كأنه ماسك خيط روحه.
سارة نايمة، وشها شاحب، وشعرها واقع على خدها، والكلمة اللي مكتوبة على جهازها "مستقرة"، لكن قلب ياسر مش مصدّق كلمة في الدنيا.
من وقت ما وصلوا ما اتحركش، ولا شرب مية، ولا نطق إلا بدعاء بينه وبين نفسه.
روان كانت واقفة عند الباب، بتبصّ عليهم من بعيد. وشها فيه دموع مكسوفة، دموع واحدة بتحبّهم الاتنين كأنهم جزء من قلبها.
الساعة كانت خمسة الفجر. هدوء تام، بس هدوء مش مريح، هدوء اللي يخليك تسمع دقات قلبك بوضوح وتخاف منها.
أول حركة...
إيد سارة اتحركت حركة خفيفة.
ياسر رفع راسه بسرعة، صوته طالع بين رجفة وفرحة:
"سارة؟ حبيبتي؟ إنتِ سامعاني؟"
رمشت بعينيها ببطء، كأنها راجعة من سكة طويلة. نظرتها وقعت على وشه، إبتسامة صغيرة كسرت التعب:
"ياسر… (صوتها ضعيف قوي)، كنت هنا طول الليل؟"
ضحك بمرارة تعب وحب:
"أنا لو بعدت ثانية كنت أموت من الخوف."
سارة حاولت ترفع إيدها تمسح على وشه، بس السلك المتصل بجهازها شدّها، بصّت له بعيون حزينة:
"مش عايزاك تشوفني كده. أنا اللي دايمًا كنت بحضنك، مش اللي تبصّ عليا وأنا نايمة على سرير."
ياسر مسك إيدها بإيده التانية وقال بهدوء:
"إنتِ دايمًا حضني، سواء واقفة، نايمة، أو حتى ساكته."
عينها دمعت، مش من وجع، من امتنان. كانت بتشوفه جوا عينه خوف راجل، بس كمان حب مايتقاسش.
دخلت روان بهدوء، شايلة معاها كوباية عصير وابتسامة دافية:
"صباح الخير يا أميرة الشجاعة."
سارة حاولت تضحك:
"شكلي عامل كده فعلاً؟"
قالت وهي بتبص في المراية الصغيرة اللي في الحيطة.
قربت منها، لمست شعرها بلطف:
"شكلك واحدة حاربت كتير ولسه واقفة."
ياسر وقف جنبهُم. وقال بصوت مش قادر يخبي رعشته:
"الدكتور قال محتاجين نعمل تحاليل تاني النهارده، وتفضل تحت الملاحظة 48 ساعة كمان."
سارة أومأت برأسها:
"أنا موافقة.. بس بشرط."
"شرط إيه؟"
قالها وهو خايف من الجواب.
"ما تبعدوش عني لحظة. وجودكم بيطمن قلبي أكتر من أي دوا."
بصتلها بعين فيها دموع:
"وعد مش هسيبك."
لحظة وحدة.
بعد ما خرج ياسر يكلم الدكتور، روان قعدت على الكرسي جنبها. سارة بصتلها نظرة مختلفة فيها هدوء غريب. مش خوف المريض، هدوء اللي بيستعدّ من جوّا، وقالت:
"روان…"
"نعم يا حبيبتي؟"
"إنتِ عمرك فكّرتِ لو ربنا أخدك فجأة، إيه اللي ممكن يسيبك مطمنة؟"
اتفاجئت، إتنهدت وقالت بخوف بسيط:
"ليه بتسألي كده؟"
ابتسمت:
"يمكن علشان الحلم اللي رجع لي تاني امبارح. شايفاه بيقرب كل يوم أكتر."
لمست إيدها بسرعة:
"بُصيلي.. إنتِ هتعيشي، ومش هتتكلمي بالنغمة دي تاني. الحلم مجرد كابوس، والواقع في إيد ربنا مش في حلم."
ضحكت، بس دموعها نزلت رغم عنها:
"عارفة، بس ساعات القلب بيحس بحاجة قبل ما تحصل. أنا مش بخاف من النهاية يا روان، أنا بخاف أسيب اللي ورايا لوحدهم."
حطت إيدها على خدها:
"اللي بتحبيهم مش هيفضلوا لوحدهم، لأنك زرعتِ فيهم حبّك، وهو عمره ما بيموت."
بصت في عنيها، وفي لحظة سكون طويلة قالت كلمة واحدة، همستها كأنها وعد:
"لو حصل.. إوعي تسيبيهم."
ابتسمت رغم رعشة جواها:
"إنتِ بتتكلمي كأنك رايحة مشوار وترجعي. هتروحي وتيجي، بس مش هتروحي منهم."
هزّت راسها وغمضت عنيها، وهمست بدعاء بسيط:
"يا رب، لو كتبت الوجع.. أكتب معاه رحمة. ولو كتبت النهاية.. أكتب فيها طمأنينة للي بحبّهم."
بعد ساعات...
الدكتور دخل الغرفة، بصّ في الورق، ثم قال لياسر اللي واقف جنبه:
"الحالة مستقرة مؤقتًا. لكن الجسم مرهق جدًا، محتاج راحة تامة ورقابة دقيقة."
قال بهدوء:
"يعني هتفضل هنا؟"
"على الأقل أسبوع. وأي ضغط نفسي لازم نتجنبوا تمامًا."
ابتسمت:
"يعني خلاص، حبس انفرادي برعاية طبية؟"
ابتسم:
"بلغة المرضى الشُطار.. بالظبط كده."
خرج الدكتور، وبقي ياسر واقف يبص لها من بعيد، كأن عينه بتحاول تحفظ ملامحها. قرب منها، مدّ إيده ومسح على شعرها:
"إرتاحي.. أنا مش رايح الشغل غير لما أسمع ضحكتك."
قالتها وهي بتغمض عنيها:
"طيب لو اتأخرت؟"
ضحك:
"مش هتتأخري، لأنك وعدتيني نحارب سوا."
الساعة عدّت تسعة بالليل. المستشفى هادية، والممرات شبه حلم طويل. سارة نايمة ووشها رايق رغم التعب. روان قاعدة جنبها، بتكتب في مفكرة صغير ملاحظات للدكتور. لكن لما رفعت عينها على وش سارة.. شافت نظرة شبه ابتسامة، نظرة اللي بدأ يفكر في البُعد.. من غير ما يقول.
همست لنفسها وهي تمسك إيدها:
"يا رب، ما تكونش دي بداية الوداع. لسه بدري على النهاية.. بدري أوي."
وسارة، حتى وهي نايمة، دمعة صغيرة نزلت من طرف عينها. كأن قلبها سامع الكلام من غير ما يصحى.
النهار كان بيغرب، والشمس بتسيب لونها على الحيطان البيضاء في غرفة سارة. روان كانت قاعدة جنبها، عينها مش على الساعة ولا على التليفون اللي في الجيب، كانت مركّزة في وش سارة اللي بدأ يهدأ شوية بعد الإغماء.
صوت خافت طلع من الباب، الممرضة دخلت بهدوء:
"فيه مكالمة ليك يا أستاذة روان، على تليفون الاستقبال، من ست إسمها "منى"."
قامت بسرعة، خرجت برا الغرفة وهي تمسح على شعرها علشان ما تصحيش سارة.
مسكت السماعة في ركن الاستقبال:
"ألو! ماما؟"
صوت والدتها جاي فيه قلق ووراه صوت بنت صغيرة بتتكلم:
"يا بنتي، البنت مش عايزة تنام، بتعيط وبتسأل على مامتها."
قالت بسرعة:
"هاتيها، خليني أكلمها شوية."
جاء صوت ملك من الطرف التاني، متردد وطفولي:
"خالتي روان.. ماما كويسة؟ بابا بيقول بتنام كتير. هي مش عايزاني أشوفها؟ زعلت مني؟"
بلعت ريقها بالعافية وقالت بحنان:
"لا يا حبيبتي، ماما بتحبك قوي، بس تعبانة شوية وبتاخذ دوا. هي قالت لي تبقي ترسمي لها رسم حلو زي كل مرة، علشان تفرح بيه."
بصوت صغير:
"طيب قوليها إن قلبي وحشها."
الكلمة وجعت روان من جوّا:
"هقولها، يا حبيبتي، دلوقتي حالًا. خليكي شجاعة زي ماما، ماشي؟"
"ماشي."
حطت روان السماعة وهي تمسح دمعتها بإيدها، ورجعت الغرفة بخطوات بطيئة.
سارة كانت فايقة نص فايقة، بصت لها بابتسامة واهية:
"كانت ملك؟"
قربت منها، جلست جنب السرير وقالت:
"آه، كانت بتسأل عليكِ، وقالتلي أقولك إن قلبها وحشك."
دمعت وهي تبتسم:
"عشان كده مش عايزة أشوفها دلوقتي، مش عايزاها تشوفني كده، ووشي شاحب وأنا على السرير. ملك شايفاني بطلة، والبطلة ما تقعش قدام بنتها."
مسكت إيدها وقالت بلطف:
"الأبطال بيتعبوا برضو، بس الفرق إنهم بيقوموا تاني، وإنتِ هترجعي تقومي، علشانها."
غمضت عنيها وقالت بخفوت:
"نفسي أشوفها وهي بتضحك من غير ما تشوف الدموع في عيني."
في الدور التاني من المستشفى، ياسر كان قاعد في الكافيتيريا، تعبان ومش قادر يبلع لقمة، ولما الموبايل رنّ وشاف الإسم … إتنهد:
"أمي"
ردّ:
"أيوه يا أمي."
صوت قدريه عالي ومتحفّز كعادته:
"سمعت إن مراتك في المستشفى، إيه اللي حصل يا ابني؟"
"تعب بسيط، يا أمي، ومش محتاج قلق."
"تعب بسيط وإنت قاعد هناك من امبارح؟ ما تضحكش عليا، قول الحقيقة."
"يا أمي، والله الدكتور قال ترتاح شوية بس."
قالت بسرعة:
"خلاص، أنا وسلوى جايين نزورها."
"لأ يا أمي، بلاش تيجوا دلوقتي، سارة محتاجة هدوء."
"وأنا غريبة عنها؟ أنا حماتها، وجاية أطمن بعيني."
وقبل ما يكمّل، كانت قافلة المكالمة. ياسر ضرب بكفه علي جبينه وقال:
"اللهم ألطف، بس."
بعد ساعتين تقريبًا، الباب اتفتح فجأة، قدريه داخلة بعبايتها الغامقة، وسلوى بنت خالته، لابسة فستان ضيق وريحتها عطر نفاذ.
روان وقفت بسرعة:
"يا طنط، سارة لسه فايقة من الإغماء، خلي الصوت واطي شوية، لو سمحتِ."
رفعت حاجبها:
"ما أنا جاية أطمن مش أزعق."
بصت على سارة وقالت بصوت شبه رسمي:
"الحمد لله على السلامة يا سارة."
"الله يسلمك يا طنط."
قربت، إبتسامة خفيفة على وشها:
"يا ريت تطمنينا، الناس بتقول كلام كتير. ها، هو المرض الوحش؟"
الصمت خيّم. سارة عضت على شفايفها من الإحراج. روان وقفت فورًا وقالت بصوت واضح:
"ممكن تطلعي برّه الغرفة، يا سلوى."
اتفاجئت:
"نعم؟ أنا بس بسأل."
"بس سؤالك وجّعها. إطلعي لو سمحتِ قبل ما أحرجكك وسط الناس."
اتدخلت بسرعة:
"إيه الكلام ده؟ بتكلمي بنت أختي كده ليه؟"
بصوت ثابت:
"لما تزوري مريضة، المفروض تقوليلها “حمدالله على السلامه ؟” مش “هو ده المرض الوحش؟”."
سارة حاولت تهدي الموقف بصوت متعب:
"خلاص يا روان، سيبيهم، مش عايزة دوشة."
الباب اتفتح، دخل ياسر، وشه متوتر وملامحه شديدة. بصّ على المشهد كله.
قالت بسرعة:
"إحنا جينا نطمن عليها، وهي بتتعامل معانا كده، بنت خالتك بس سألت لو هو المرض الوحش."
بهدوء مريب:
"يا أمي، أنا قلتلك سارة محتاجة راحة. إطمنّي عليها دلوقتي وروحي البيت، خليكِ مع ملك."
"يعني أطّلع؟"
"أيوه، مع سلوى. روان وأنا هنفضل هنا، لو احتاجت حاجة نبلّغكم."
سكتت، وسحبت سلوى بإيدها وهي بتقول بنبرة زعلانة:
"ماشي يا إبني، لما تتجوز على مراتك خلّيني أعرف،"
الكل اتصدم، بس ساره فضلت فاتحه بؤها من الكلام اللي سمعته.
خرجوا، والباب اتقفل وراهم. الغرفة سكتت. سارة بصت لياسر ودموعها في عينيها:
"ليه اتكلمت كده معاهم؟"
قالها وهو بيقرب منها:
"علشان ماحدش يوجعك تاني. أنا مش هسيب حد يأذيكِ، لا بكلمة ولا بنظرة."
مسكت إيده وقالت بخفوت:
"ربنا يخليك ليهم يا ياسر، علشان لو جي يوم… تفضل السند."
بصّ فيها وقال:
"مافيش “لو”. فيه عمر مكمل، بس معانا كلنا."
بصت لهم من بعيد، قلبها بينقبض وإيدها على صدرها. تمتمت في سرّها:
"يا رب، خلّي حبهم ده دايم.. وما يتحوّلوش لذكرى."
رواية وصية حب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نسرين بلعجيلي
المساء كان تقيل، ريحة الشتا في الهوا والسماء غايمة كأنها مستنية حاجة تزعل.
في شقة منى، أم روان، كان الجو دافي، البنت الصغيرة "ملك" قاعدة على الأرض بتلوّن، ومنى قاعدة في المطبخ بتحضّر شوربة خفيفة.
دقّ جرس الباب.
منى مسحت إيدها في الفوطة وراحت تفتح. ولما فتحت الباب، إتفاجئت بوشّ قدريّة.
ملامحها مشدودة، وصوتها دايمًا داخل قبلها:
"السلام عليكم."
منى:
"وعليكم السلام يا حاجه قدريّة، خير؟"
قدريّة دخلت كأنها صاحبة المكان، وسلوى وراها ماسكة شنطة صغيرة.
سلوى ابتسمت بخجل مصطنع وقالت:
"جينا ناخذ ملك شوية، تغيّر جو."
منى ابتسمت بحذر:
"بس ياسر ما قالش حاجة، وملك لسه بتتعشى. في حاجة حصلت؟"
قدريّة نظرت ليها بنظرة فاحصة وقالت بنبرة جافة:
"لا، مفيش غير إن البنت دي بقت بتقضي وقتها كله عند بنتك. وانا مش مرتاحة للموضوع ده."
منى رفعت حاجبها بدهشة:
"بنتي؟ تقصدي روان؟"
قدرية:
"أيوه، بنتك. بنتك بقت لازقة في إبني لزقة مش مريحة. كل شوية مستشفى، وكل شوية مكالمات، وأنا ستّ فاهمة الدنيا كويس. إبني متجوز، مش ناقصاه واحدة تانية تقعد له على الباب."
منى اتسعت عينيها من الكلام وقالت بحزم:
"حاجه قدريّة، لو بتتكلمي عن روان، فهي وقفت جنب سارة في مرضها وقفة شرف. وكل الناس شايفة كده. روان سايبة شغلها علشان صاحبتها، مش علشان جوزها."
قدريّة زفرت بقوة وقالت بنبرة مليانة استعلاء:
"أنا ستّ كبيرة، مش محتاجة حد يشرحلي نوايا البنات. الطريق اللي بيبدأ بالحنية بينتهي بالخراب. خلي بنتك تبعد عن إبني يا منى، ولا هاضطر أتصرف بطريقتي."
منى صرخت لأول مرة:
"بطريقتك؟! إنتِ بتتكلمي عن إنسانة واقفة بتخدم سارة وهي في المستشفى، حرام عليكِ الكلمة دي."
سلوى حاولت تهدي الموقف:
"خالتي قصدها خير بس، ما تاخديش الكلام كده."
منى رفعت راسها وقالت بصرامة:
"لا يا حبيبتي، أنا فاهمة كويس، بس قولي لخالتك إن الناس اللي بتخاف من الحرام ما بتمسكش في الناس الطيبة بالشبهات."
قدريّة رفعت شنطتها وقالت ببرود:
"خلاص، ما تعصبيش نفسك، إحنا جايين ناخد البت ونمشي. ملك.. يلا يا حبيبتي معايا شوية عند تيتا."
ملك بصت لجدتها بخوف، بعدين بصت لمنى اللي حاولت تطمّنها:
"روحي يا حبيبتي شوية وارجعي بكرة. مافيش حاجة."
قدريّة مسكت إيد ملك ومشيت وسلوى وراها، وسكوت منى كان بيقول ألف كلمة وجواها نار مش قادرة تطفيها.
الليل في بيت ياسر.....
الأنوار خافتة، والصالة فيها برودة غريبة. ملك قاعدة على الكرسي، عينها لتحت. قدريّة وسلوى قاعدين جنب بعض، بيشربوا شاي وبيتكلموا بصوت واطي.
قدريّة وهي تهز الكوباية:
"والله يا سلوى، البنت شكلها خلاص. المرض بيخلص منها حتة حتة. أنا شفتها النهارده في المستشفى، وشّها أصفر، عظمها باين، شكلها بقت شبه الزومبي."
سلوى حركت راسها بتوتر:
"فعلاً يا خالتي، لما شُفتها خفت منها. حسيت إنها خلاص مش فاضل فيها روح."
قدريّة زفرت وقالت وهي بتبصّ في الفراغ:
"كل واحد بياخد نصيبه، بس أنا مش هسيب إبني يضيع بعد ما تموت مراته. لازم يبقى ليه بيت وستّ ترعاه هو والبنت."
سلوى سألت بخجل مصطنع:
"تقصدي إيه يا خالتي؟"
قدريّة حركت راسها وقالت بنبرة فيها برود:
"أقصد لما سارة تموت، ياسر لازم يتجوز، وإنتِ أنسب واحدة. إنتِ من البيت، عارفة طبعه، والبت هتحبك بسرعة."
سلوى فتحت عينيها بدهشة:
"خالتي! بتتكلمي كأننا مستنيين خبر موتها."
قدريّة بابتسامة متجمدة:
"إحنا لا بنستنى ولا بنتمنّى، بس ربنا له حكمته. إستني شوية يا بنتي، إتكي على الصبر، وبعدين كل حاجة هتتظبط. ساعتها هتبقي زوجة محترمة، وياسر هيشكرك بدل ما يلومك."
سلوى ضحكت بخفوت وقالت:
"الله يسامحك يا خالتي، كلامك يخوّف."
قدريّة بهدوء بارد:
"الخوف ما بيغيرش القدَر. اللي مكتوب هيحصل، والليلة دي شكلها مش هتطول."
وما كانتش تعرف إن "ملك" سامعة كل كلمة. واقفة ورا الباب، إيديها بتترعش، وفي عينيها دمعتين كبار بيجروا على خدّها.
سمعت صوت جدتها بيقول:
"لما تموت أمك، كل حاجة هتتظبط."
الجملة خبطت في قلبها زي رصاصة. جريت على أوضتها، قفلت الباب ورمت نفسها على السرير، وبكت وهي بتقول بين شهقاتها الصغيرة:
"ماما مش هتموت.. ماما وعدتني إنها هترجعلي."
وصوت الساعة برّا كان بيكمّل العدّ، كأنه بيحسب كم دقّة فاضلة لحد ما القدَر ينطق.
ليل المستشفى كان تقيل، الهواء ساكن والوقت ما بيتحركش، وسارة نايمة على السرير كأنها بتصارع الحلم والواقع في نفس اللحظة. الجهاز بيصدر نغمة هادية "بيب… بيب" كأنه بيتنفّس مكانها.
روان قاعدة على الكرسي جنب السرير، وشّها شاحب من السهر، بس عينها مش بتسيب سارة لحظة.
الموبايل رنّ، إسم "ماما منى" ظهر على الشاشة.
روان مسحت وشها بسرعة وردّت:
"ألو يا ماما؟"
صوت منى كان عالي ومتشنّج:
"إنتِ فين يا روان؟ هو إنتِ ناوية تفضلي في المستشفى كده كل يوم؟"
روان:
"ماما، أنا مع سارة، حالتها مش مستقرة."
منى قالت بعصبية واضحة:
"طيب إسمعيني، قدريّة جتلي النهارده بنفسها، وقعدت تقولّي كلام يرفع الضغط."
روان اتجمدت في مكانها:
"قدريّة؟ راحتلك ليه؟ قالت إيه؟"
منى بصوت غاضب:
"قالتلي بالحرف: 'قولي لبنتك تبعد عن إبني' أنا مش ناقصة مشاكل ولا كلام الناس."
الكلمة وقعت على روان زي حجر. سكتت لحظة، وبعدين قالت بنبرة متكسّرة:
"قالت كده فعلاً؟"
منى:
"أيوه، وبالطريقة دي بالظبط، كأنك بتعملي حاجة عيب، ولا كأنك واقفة جنب واحدة بتموت. أنا سكتلها عشان ما أعملش خناقة في نص العمارة، بس والله يا بنتي دمي اتحرق."
روان حطت إيدها على جبينها، صوتها هادي بس فيه وجع:
"ماما، سيبيها، هي ست كبيرة ومتوترة. أنا مش هردّ عليها، ومش هبعد عن سارة."
منى بصوت عالي مليان خوف أكثر من الغضب:
"يا بنتي الناس ما بتشوفش نيتك، بتشوف الشكل. هو فيه عقل حيقول إن مطلّقة تقعد ليل نهار مع راجل متجوز في مستشفى؟ الناس هتتكلم يا روان، وحتى لو اللي بتعمليه خير، مش هيفهموه كده."
روان حاولت تهديها:
"يا ماما، أنا مش واقفة هنا علشان ياسر، أنا واقفة علشان سارة، الست دي أختي. ولو مشيت دلوقتي، عمري ما هسامح نفسي."
منى اتنهدت بقهر وقالت:
"إنتِ مش فاهمة يا بنتي، الدنيا مش رحيمة، والكلمة بتكسر سمعة في ثانية. إرجعي بيتك دلوقتي وخليهم يتصرفوا."
روان سكتت شوية وبعدين قالت بهدوء حزين:
"ماما، ربنا اللي بيستر، مش الناس. وإنتِ عارفاني عمري ما كنت باهرب من الحق. خليكِ مطمنة، أنا بخير."
منى قالت بانفعال آخر لحظة قبل ما تقفل:
"طيب، أنا قلت اللي عندي، وإنتِ حرة، بس خليك فاكرة كلامي."
المكالمة خلصت. روان فضلت ماسكة التليفون بإيد بترتعش، وعينيها لمعت بدموع مكسوفة.
لما رفعت راسها، لقت ياسر واقف على باب الغرفة. وشه تعبان، ونظرته مليانة قلق حقيقي:
"روان… في إيه؟"
صوته واطي، لكن كأنه جاي من جوّا القلب.
روان:
"مافيش، كنت باكلم ماما بس."
ياسر:
"واضح إن المكالمة وجعتك. حصل حاجة تخص أمي؟"
روان بصّت للأرض وقالت:
"ممكن ننزل الكافيتيريا؟ محتاجة أتكلم معاك شوية."
في الكافيتيريا....
الجو هادي، الضوء خافت وريحة القهوة مالية المكان. قعدوا قصاد بعض، وسكوت طويل سبق الكلام.
روان بدأت بهدوء صادق:
"قدريّة راحت لماما النهارده. قالتلها بالحرف 'قولي لبنتك تبعد عن إبني'. كأن وجودي هنا غلط، كأن وقوفي جنب سارة جريمة."
ياسر شدّ نفسه، حط إيده على وشه وقال بنبرة فيها وجع وغضب:
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. حتى بعد كل اللي شايفاه، لسه في قلبها قسوة."
روان بسرعة:
"ما تزعلش منها يا ياسر، هي مش شريرة، بس متوترة، خايفة عليك، وخايفة من كلام الناس."
ياسر رفع عينه ليها:
"وأنا خلاص، تعبت من الخوف ده. كل اللي بحاول أعمله إني أحمي سارة، لكن واضح إن حتى الخير بيتحسب علينا غلط."
روان قالت بهدوء:
"الناس مش هتسكت، يا ياسر. بس إحنا لازم نكون أكبر من كلامهم. أنا هنا عشان سارة، مش محتاجة تبرير من حد، ولا أنت لازم تبرر وجودك."
سكت شوية.. بعدين قال بصوت واطي ومليان تقدير:
"والله يا روان، وجودك هنا رزق. وسارة نفسها لو قامت، هتشكر ربنا عليكِ."
روان إبتسمت إبتسامة صغيرة حزينة:
"هي أهم من الكلام والناس كلها. أنا باخد قوتي منها، وبخاف عليها أكثر من نفسي."
ياسر نظر ليها نظرة امتنان خالص:
"إنتِ أختنا التانية يا روان. وصدقيني، محدش هيقدر يحرّف الصورة دي، لا أمي ولا الناس."
سكتوا، وسكون المكان كان أحنّ من الكلام. في اللحظة دي، الاثنين حسّوا إنهم على نفس الصف، مش ضد القدَر، لكن ضده بطريقتهم.
رجعوا بعدها الغرفة سوا، على ضوء خافت وريحة مطهر، وسكون لسه بيحمل وعد صغير جوّاه:
"مهما اتكلموا… الحق عمره ما يتهز."
ولما رجعوا الغرفة، كان الليل واقف على أطرافه كأنه بيحاول يسمع نبضهم. سارة نايمة في سكونها، وياسر قاعد على الكرسي جنبها، وروّان على الناحية التانية، تسند رأسها على الحيطة وتصلي بصمت.
ولا حد فيهم قال كلمة… بس القلوب كانت بتتكلم لوحدها. كل قلب فيهم بيدعي، بطريقته:
ياسر بيدعي إنها تفضل..
وروّان بتدعي إنها ما تتألمش..
والليل كله بيدعي إن الرحمة تسبق الوجع.
وفي وسط التعب، كان في حاجة صغيرة بتنور بينهم زي خيط نور خافت بيقول:
"لسه الخير موجود، مادام في قلوب صادقة بتخاف على بعض."
لكن في زاوية الغرفة، النوت بوك اللي تحت وسادة سارة كان مفتوح على آخر صفحة... وكأن القدَر نفسه كان بيقرأ وصيّة قبل ما يكمّل الحكاية.
رواية وصية حب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نسرين بلعجيلي
اللي سمعته وحطت إيديها على ودنها ورجعت تفتكر المشهد.
كانت فلاش باك.
بالليل نازل تقيل في بيت ياسر. الساعة عدّت عشرة، وكل حاجة في البيت ساكتة إلا وشوش النسوان في الصالة.
قدريّة قاعدة على الكنبة، ولابسة روبها الغامق، شعرها مرفوع، ووشها متهجم كأنها بتحسب الأيام على صوابعها. جنبها سلوى، ماسكة كباية شاي بإيدين مش ثابتين، نص خوف ونص فضول.
قدريّة بصوت منخفض لكن حادّ:
البت دي خلاص، مش باقية فيها روح. النهاردة لما شُفتها في المستشفى خُفت منها، وشّها أصفر وعينيها غايبة، شكلها مش هتعدّي الأسبوع ده.
سلوى حركت الكوباية بتوتر:
يا خالتي، متقوليهاش كده، يمكن ربنا يشفيها.
قدريّة زفرت وقالت:
الشفا بإيد ربنا طبعًا، بس أنا مش هسيب ابني يضيع لو حصل اللي في بالي. ياسر لسه صغير، محتاج سِت تشيله وتربي له بنته، وسارة كانت نعمة، بس خلاص نصيبها بيخلص.
سلوى بصت لها بخضة:
يعني…
قدريّة قاطعتها بنظرة حادة:
أيوه يا بنتي، قصدي واضح، إنتِ اللي هتشيليه بعديها. يا بنتي، أنا مش بهزر. إنتِ من البيت، عارفة طبعه، وأنا واثقة إنك هتكوني ليه ستر بعد الوجع اللي عايش فيه.
سلوى قالت بصوت متردد:
خالتي، الناس مش هتسيبنا في حالنا، هيقولوا اتجوزها وهو لسه ما دفنش مراته.
قدريّة رفعت حاجبها وقالت بهدوء يخوف:
الناس بتتكلم يومين وتنسى، لكن البيت اللي مالوش سِت، بيت ميت. استني شوية، وخلّي الأمور تمشي لوحدها. كل حاجة في وقتها.
سلوى حطت الكوباية على الترابيزة، لكن قلبها بيخبط، مش عارفة هي فرحانة بالكلام ولا مرعوبة منه.
قدريّة كملت وهي بتبحلق في الفراغ:
خلاص، الأيام بينا. أنا حاسة إنها مش هتقوم من التعب ده، بس لو حصل، عايزاكِ تكوني جاهزة. ملك محتاجة حضن، وياسر محتاج حياة.
وسكتت لحظة، وقالت ببرود صادم:
اتكي على الصبر شوية، وبعدين كل حاجة هتتظبط.
ما كانتش تعرف… إن "ملك" واقفة ورا باب الصالة، رجليها حافية، شعرها سايب على كتفها، وعينيها مليانة دهشة وخوف أكبر من سنها. كانت جاية تاخد ماية، بس الكلام ثبتها مكانها زي المسمار.
"تموت؟ تتجوز؟"
كلمات كبيرة مش عارفة تفهمها كلها، بس عرفت حاجة واحدة.. إنهم بيتكلموا عن مامتها.
قدريّة كملت كلامها وهي مش دريانة بوجودها:
ربنا يطوّل عمرها على خير، بس شكلي حاسة إن الليالي دي آخرها.
ملك غطّت بوقها بإيدها الصغيرة، وبدأت دموعها تنزل ببطء، تراجعت خطوتين لورا، قلبها بيخبط بسرعة، وركضت على أوضتها.
قفلت الباب، قعدت على السرير، مسكت لعبتها المفضلة وحضنتها جامد وهي تهمس بصوت مبحوح:
ماما مش هتموت.. ماما قالتلي هترجعلي. ماما عمرها ما بتكذب عليا.
وبرا، كانت قدريّة بتكمل كلامها كأنها بتعلن حكم القدر:
خلاص، أنا حطيت في دماغي. اللي مكتوب هيحصل، وساعتها كل واحد هياخد مكانه اللي المفروض يكون فيه.
سلوى قالت بصوت خافت:
يا خالتي، كلامك بيخوّفني.
قدريّة ردّت وهي تمسك فنجانها وتبص فيه كأنه مستقبلها:
ماتخافيش، اللي بيخاف ما بياخدش حقه في الدنيا.
وفي اللحظة دي، كانت ملك بتحاول توقف دموعها الصغيرة، بس الحزن كان أكبر من قلبها. هي لسه طفلة، بس الليلة دي كبرت… كبرت قبل أوانها.
***
الساعة في الصالة كانت بتدقّ، وصوتها بيمشي في البيت زي عدّ تنازلي.. عدّ مش للأيام، لكن للقدر اللي قرب.
الليل كان لسه تقيل فوق البيت، ولما الباب اتفتح، دخل ياسر وروان بخطوات مرهقة، وشكلهم بيقول إنهم شايلين همّ الدنيا معاهم.
قدريّة كانت قاعدة في الصالة، وأول ما شافتهم، قامت واقفة بعصبية واضحة:
هو في إيه يا ياسر؟ إنت ناوي تفضل سايب مراتك هناك لوحدها؟ ولا ناوي تقلب الدنيا علينا؟
ياسر بصّ لها بهدوء متعب:
ماما، سارة محتاجة رعاية، وأنا مش هسيبها.
قدريّة رفعت صوتها أكتر، إيديها بتتحرك وهي بتزعق:
رعاية؟! والناس تقول إيه؟ ابني كل يوم في المستشفى مع مطلقة؟ روان بنت ناس، بس برضه مطلقة يا ابني، ولازم تحافظ على سمعتها قبل سمعتكم كلّكم.
روان وقفت مكانها، وشّها احمرّ من الإحراج، لكن صوتها خرج ثابت رغم كل حاجة:
طنط، أنا مش محتاجة حد يدافع عني. أنا هناك علشان سارة مش أكتر، وأنا لو كنت بخاف من كلام الناس، ما كنتش فضلت معاها لحظة.
قدريّة هزّت راسها باستهجان:
الدنيا ما بترحمش يا بنتي، والنية لو بيضا، العين مش كده. إنتِ فاكرة الناس هتقول بتخدم صاحبتها؟ هيقولوا بتدور على جوز صاحبتها.
ياسر بصّ لها بنظرة وجع وغضب في نفس الوقت:
ماما! كفاية الكلام ده، روان أخت سارة قبل ما تكون أي حد تاني. اللي بتقوليه ده عيب.
قدريّة زفرت، رجعت تقعد، بس عينيها لسة بتولع شرار:
أنا قلت اللي عندي، واللي يسمع يسمع.
في اللحظة دي، خرج صوت خافت من آخر الممر، صوت بكاء مكبوت.
ياسر إلتفت بسرعة:
– الصوت ده منين؟
جري ناحيه أوضة ملك، فتح الباب بهدوء، ولقى بنته قاعدة على السرير وشّها غرقان في الدموع، وعينيها مفزوعة.
ركع قدامها بسرعة، مدّ إيده على خدّها:
مالك يا حبيبتي؟ بتعيطي ليه؟
ملك بصوت متقطع:
بابا… ماما هتموت؟
قالت الجملة وهي بتنهج من البكاء.
ياسر إتجمد في مكانه، عينيه لمعت، حاول يضحك رغم الوجع:
– مين قال كده؟ ماما هتخفّ إن شاء الله.
ملك بصت له بعينين كلها وجع وطفولة مكسورة:
لأ.. أنا سمعت تيتا قالت إن ماما خلاص، وإنك هتتجوز دي.
وأشارت بإيدها الصغيرة ناحية سلوى اللي كانت واقفة عند الباب مذهولة.
الغرفة سكتت فجأة. الهواء نفسه اتقطع.
روان بسرعة راحت تقعد جنب ملك، حضنتها بقوة وهي تقول بحنان:
لا يا حبيبتي، ماحدش قال كده، مامتك بخير، وهترجعلك قريب.
ملك كانت بتنهج، دموعها بتنزل ووشها أحمر من الخوف:
مش عايزة ماما تموت، مش عايزة حد مكانها.
ياسر دموعه نزلت غصب عنه، ضمّ بنته بين ذراعيه وقال بصوت مبحوح:
مافيش حد هايجي مكانها يا ملك، مافيش حد في الدنيا ياخد مكان مامتك.
قدريّة وقفت في الباب، وشّها إتغيّر لما شافت حفيدتها بتبكي، بس لسانها ما عرفش يقول غير كلمة واحدة بصوت خافت:
أستغفر الله العظيم.
أما سلوى، فكانت واقفة ساكتة، وشها شاحب، حسّت فجأة إن كل الكلام اللي قالته خالتها كان نار، وهي أول اللي اتحرق بيه.
روان بصّت لياسر، وفي عينيها دموع غيظ ووجع على ملك وسارة في نفس الوقت.
هو بصّ لها، نظرة راجل إتحمّل كتير، بس المرة دي.. إنكسر من جوّا.
ضمّ بنته أكتر، وقال بصوت مهزوز:
مافيش بيت بيقوم على وجع، ومافيش حب بيتبني فوق موت.
وسكت الكل.....
الصمت في البيت كان أعلى من أي صرخة.
ملك غفلت في حضنه من كتر البكاء، وياسر بصّ لروان وهمس:
أنا لازم أرجع لسارة، الليلة دي شكلها طويلة.
روان هزّت راسها، وصوتها خرج متقطع:
وأنا معاك.. لحد آخرها.
والليل لف البيت بصمته، بس في قلب كل واحد فيهم، كان فيه وجع مختلف…وجع بنت صغيرة سمعت اللي ماينفعش تسمعه..
ووجع راجل بيحاول يلمّ شتات بيته..
ووجع ستّ، ساكتة…عارفة إن الكلام ده كله مش هيعدّي من غير جرح.
الصمت في الأوضة كان تقيل، كأن كل نفس بيتحسب. ملك نايمة في حضن أبوها، دموعها لسه سايبة أثرها على خدّها، وسلوى واقفة في الركن زي اللي اتسمر مكانه، وقدريّة عينيها بتزوغ شمال ويمين، مش قادرة تواجه نظرة إبنها.
ياسر رفع وشه وعينيه محمّرين من الدموع اللي كبسها ساعات. بصّ لأمه وبصوت متكتم لكنه راعد من جوّا قالها:
إنتِ قُلتِ لها إيه؟ ها؟ قُلتِ إيه للبنت الصغيرة دي يا ماما؟
قدريّة اتلخبطت:
أنا؟! ما قُلتش حاجة يا ابني غير إني بخاف عليكم.
ياسر:
بتخافي علينا؟! هو الخوف يخليكِ تقولي إن مراتي هتموت؟ وإن بنت أختك هتبقى مراتي بعدها؟ ده خوف يا ماما ولا قسوة؟!
قدريّة ارتبكت وقالت بنبرة دفاع:
يا ابني أنا ما قصدتش، دي كلمة واتقالت في ساعة غضب.
ياسر صرخ، صوته اتكسر أول مرة قدامها:
كلمة؟! كلمة وجعت بنتي الصغيرة يا ماما، كلمة كسرت قلبها وهي لسه مش عارفة يعني إيه موت ولا جواز. إزاي تقولي كده عن سارة وهي لسه بتحارب؟!
عينيه كانت بتلمع غضب ودموع مع بعض:
سارة مش بتموت، سارة بتتعب. بس هترجع بيتها، هتقوم وهتقعد في المكان اللي هي بانتُه بعرقها وحبها.
سلوى حاولت تتكلم بخوف:
ياسر، بالله عليك، أنا ما قلتش حاجة.
بصّ لها بحدة ووجع:
سكوتك جريمة زي كلامك. كنتِ قاعدة وسامعة، ليه ما وقفتيهاش؟ هو الكلام على موت إنسانة بقى عادي كده؟
قدريّة قالت وهي بتدمع:
أنا أمّك يا ياسر، بتكلّمني كده؟
هو لفّ وشه عنها لحظة وقال بصوت بيتهزّ:
أيوه، إنتِ أمي.. بس المرّة دي، وجعتيني أكتر من أي حد في الدنيا. وجعتيني وأنا بحاول أكون قوي علشان سارة وملك، وجيتوا عليّا بدل ما تسندوني.
قرب خطوة منها، وصوته نزل بنبرة راجل مكسور لكن واضح:
أنا مش طفل يا ماما، ولا راجل هيتجوز على جثة مراته. أنا راجل بيحب مراته وبيخاف عليها، ومش هيبدّلها بأي ستّ في الكون.
قدريّة نزلت دمعتها، وسلوى كانت بتبص في الأرض، وشها كله خجل وانسحاب.
ياسر مسك نفسه بالعافية، إيده على راسه، صوته بيترعش بين وجع وغضب:
أنا مش طالب منكم حاجة، بس لو بتحبوني، سيبوني أحبها على راحتي واعيش معاها بالشكل اللي يرضي ربنا، مش الناس.
ورجع يمدّ إيده يمسح دموع ملك، صوته ناعم جدًا وهو بيقول:
مافيش حاجة هتفرقنا يا حبيبتي، مافيش حد مكان ماما، ولا هي هتسيبنا لوحدنا.
ملك فتحت عينيها بصعوبة، حضنت وشه بإيديها الصغيرة وقالت وهي بتتهته:
ماتخليش حد يبعدها عننّا يا بابا.
ياسر:
– مستحيل.
قام من مكانه، بصّ لروان اللي كانت واقفة عند الباب، عينيها دموعها واقفة فيها بس ماسكة نفسها.
روان بصوت هادي، مليان خوف عليه:
ياسر.. تعال معايا شوية، تعالى نخرج من هنا.
بصّ حواليه، وشه مجهد، عرقان، نفسه متقطع، ومشي وراها.
خرجوا للصالة، الأنوار خافتة، والجو ساكت إلا من أنفاسه التقيلة. روان قربت منه وقالت بحنية نادرة:
كفاية يا ياسر.. إنت اتكسرت النهارده.
ياسر:
أنا مش قادر أصدق اللي بيحصل يا روان، مش قادر أستوعب إن أمي اللي علمتني الرحمة هي اللي بتزرع الخوف في بنتي.
روان بصوت حزين:
يمكن لأنها خايفة تخسرك. بس الغلط غلط، وانت عملت الصح لما دافعت عن سارة.
مسك راسه بإيديه وقال بصوت مبحوح:
أنا حاسس إني باخسر الكل، أمي… بنتي… ومراتي بتضيع من بين إيديا.
روان حطت إيدها على دراعه، صوتها شبه الهمس:
ماحدش هيضيع طول ما انت واقف كده. الليلة دي صعبة، بس بعدها ربنا هيكتب لطفه.
رفع عينه ليها، والدموع بتلمع فيها بنور الأباجورة، وقال بنبرة راجل وصل آخر طاقته:
أنا مش عايز لطف، أنا عايزها بس تعيش.
روان اتنفسّت ببطء، وشايفاه بيتهزّ قدامها بين الحب والخوف والانكسار. ومافيش في اللحظة دي غير الدعاء اللي طالع من القلبين بصمت:
“يا رب… إحفظها. واحفظه علشانها.”
والليل لفّهم بلحظة وجع صافية، لا فيها كبرياء، ولا رجولة، ولا ملامة. بس فيها إنسان بيتحطم علشان الحب.
رواية وصية حب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نسرين بلعجيلي
الليل كان ماشي على أطراف صوابعه، مافيش صوت غير أنفاس الممرات، وضوء المستشفى الأبيض اللي بيعمل وجع أكتر من راحة.
ياسر رجع للمستشفى، وشكله متغير، عينيه حمرا، وصوته مبحوح من كتر القهر. روان جنبه، ساكتة.. مش عارفة تقول إيه بعد اللي حصل.
لما دخلوا أوضة سارة، الضوء كان خافت، وهي نايمة على نفس الوضع، النبض ثابت على الجهاز، بس الروح.. تعبانة.
ياسر وقف عند السرير، مدّ إيده ولمس شعرها بهدوء، زي اللي بيطمن نفسه إنها لسه هنا.
قال بصوت مكسور:
يا رب.. خفف عنها.
روان وقفت وراه، وشافت إزاي كل لمسة منه فيها وجع راجل بيحب لدرجة الخوف. كانت عايزة تقول كلمة تريّحه، بس اختارت تسكت، لأن السكوت ساعات أحن من الكلام.
ياسر سحب الكرسي وقعد، حط راسه على طرف السرير ونام كأنه محتاج أمان من صوت أنفاسها.
روان خرجت بهدوء، وقفت في الطرقة تبصّ من بعيد، تشوف إتنين: واحد بيحارب بالنَّفَس، والتاني بيحارب بالصبر.
الصبح..
الشمس طلعت من ورا السحاب الرمادي، ضوءها خفيف بس كفاية يفتّح قلب الغرفة.
سارة فتحت عينيها ببطء، شافت ياسر نايم على الكرسي، إيده ماسكة إيدها، ودمعة ناشفة على خده.
إبتسمت، مدّت إيدها ولمست شعره:
ياسر… قوم يا حبيبي.
رفع راسه بسرعة، الدهشة في عينيه اتبدلت بفرحة مفاجأة:
سارة؟!
سارة:
أيوه يا ياسر، أنا هنا، ما رحتش في حتة.
ضحك وهو بيبص فيها كأنه بيشوف الدنيا أول مرة من جديد:
الحمد لله، ألف حمد وشكر ليك يا رب. كنت بدعِي.. كنت بترجى وبتكلم مع ربنا علشان يسيبك ليا.
ضحكت سارة، لكن التعب بان في صوتها:
شكلك إتغير يا ياسر، عينيك فيها خوف مش متعوداه منك.
ياسر:
خايف.. مش من المرض، خايف من الحياة من غيرك.
سكتوا، والنَّفَس بينهم بقى دعاء صامت.
روان دخلت عليهم بابتسامة فيها تعب الليل كله:
صباح الخير يا أبطال.
سارة بصت ليها:
هو فيه حد بيبقى بطل في حربه؟
روان:
أيوه، لما يفضل يقاتل وهو بيتوجع.
قعدت روان على الكرسي التاني، وقالت لياسر:
الدكتور عايز يشوفك تحت بعد شوية.
ياسر:
خير؟
روان:
تحاليل جديدة، ومتابعة الحالة.
سارة اتنهدت:
يعني لسه ماراثون؟
روان حاولت تهزر:
الماراثون ده فيه خط نهاية إسمه “سلامة”، وده هدفنا.
ضحكوا، لكن كل ضحكة كانت بتحاول تغطي خوف بيكبر جواهم.
بعد نص ساعة..
ياسر نزل يقابل الدكتور، وسارة فضلت مع روان.
بصت ليها وقالت بنبرة هادية جدًا، كأنها بتجهز كلام مهم:
روان… لو في يوم حسّيتِ إني خلاص مش قادرة، أو لو حسّيتوا إن وجودي بيأذيكم، ما تخلّوش الوجع يضيع البيت.
روان بصت لها بحدة فيها عتاب ودموع:
ما تقوليش كده تاني، سارة، البيت من غيرك بيبقى طَيف مش حياة. إحنا مش محتاجين نعيش، محتاجينك إنتِ.
سارة ابتسمت، بس عينيها دمعت، وهمست وهي بتبص للسقف:
يمكن ربنا يبدّل الوجع ده فرح قريب.. يمكن.
في الدور التحتاني، الدكتور كان قاعد قدام ياسر، بيقلب في التقارير الجديدة.
صوته طالع بهدوء طبيب شايف الحقيقة ومش قادر يجمّلها:
النتائج مش مطمئنة قوي يا أستاذ ياسر. الأنسجة لسه بتتدهور، والجسم بيقاوم بالعافية.
ياسر حط إيده على راسه، وصوته خرج خافت جدًا:
يعني… الخطر لسه قائم؟
الدكتور:
للأسف أيوه. لكن فيه حاجة إسمها “معجزات الصبر”. ناس كتير حالتها زيها، وربنا مدّ في عمرهم سنين، والمفتاح الحقيقي هنا، إنكم تكونوا دايمًا جنبها.
ياسر قام من مكانه، قال بصوت متماسك رغم الرجفة:
طول ما أنا عايش، مش هسيبها لوحدها.
طلع من المكتب، عينيه شايفه الممر الطويل كأنه طريق بين الحياة والقدر. وقف لحظة، وقال في سره:
“يا رب، لو مكتوب ان عمرها قرب ينتهى اديها عمر وطوله عشان خاطرى انا وملك يارب"
في آخر اليوم، روان واقفة في الشرفة الصغيرة تطّمن على الجو، وياسر جنبها بيبص للسماء.
قال بصوت واطي:
فاكرة أول يوم جينا المستشفى؟ كنت متخيل إن ده آخرنا.
روان إبتسمت بهدوء:
يمكن كل نهاية في الدنيا، ربنا مخبّي فيها بداية جديدة، بس بنشوفها بعد وجع طويل.
ياسر بصّلها، شكرها بنظرة مليانة تقدير:
وجودك هنا سند، لو ماكنتيش موجودة، كنت وقعت.
روان قالت وهي بتبص على الشارع المليان نور خافت:
إحنا كلنا واقفين علشانها، وهي بتقف علشانا. دي مش وصية حبّ وبس…دي معركة حياة.
ياسر إتنهد وقال وهو يرفع عينه للسما:
والحب عمره ما انهزم قدّام الوجع.
والليل نزل تاني… بس المرة دي كان أهدى. فيه وجع، آه، لكن فيه كمان طمأنينة صغيرة، زي وعد في الهوا بيقول: “لسه الحكاية ما خلصتش.. ولسه القلب بينبض بإسمها.”
مرت الأيام ببطء، كأن الساعة كانت بتمشي على أطراف صوابعها. بعد أسبوع كامل من القلق والسهر، خرجت سارة من المستشفى. الطبيب قال إن حالتها مستقرة، لكن محتاجة راحة تامة، وأي انفعال ممكن يرجعها تاني هناك.
رجعت البيت، ووشها باهت شوية، لكن عينيها كان فيهم نور غريب.. نور النجاة بعد معركة طويلة.
ياسر ساعدها تدخل الشقة، خطوة بخطوة، وملك جريت عليها تحضنها وهي بتعيط:
"وحشتيني يا ماما!"
سارة ضحكت وهي بتحضنها بقوة، كأنها بتحضن عمرها كله في اللحظة دي.
رجعت الحياة تمشي في البيت، لكن الهدوء ما كانش راحة.. كان هدوء العاصفة اللي بتتخبّى قبل ما تضرب.
روان كانت بتيجي تزورها كل يوم بعد الشغل، تطمن عليها وتقعد شوية، لكن بعد أسبوع إضطرت ترجع لشغلها من جديد. ودّعتها سارة بابتسامة حنونة وقالت:
إرجعي لحياتك يا روان.. أنا كويسة دلوقتي.
لكن قلبها كان عارف إنها مش هتبقى كويسة فعلاً.
من يومها، البيت ما بقاش زي الأول. قدريّة قررت تفضل عندهم "علشان تساعد"، زي ما قالت. وسلوى كمان بقت تيجي كتير، بحجة إنها تساعد في تنظيف الشقة والطبخ. بس سارة كانت حاسة إن فيه حاجة مش مظبوطة.
نظرات سلوى لياسر كانت بتطول أكتر من اللازم، وكلام قدريّة بقى كله عن المسؤولية والمستقبل، وعن الراجل اللي محتاج "ستّ في عزّه".
في البداية، سارة حاولت تتجاهل، تقول لنفسها إن دي أوهام ناتجة عن التعب، لكن الإحساس الخانق ما كانش بيفارقها.
كانت قاعدة في الصالة يوم، ومعاها فنجان الشاي، وقدريّة وسلوى بيكلموا بعض في المطبخ. الصوت مش واضح، لكن الكلمات كانت بتتسرّب من تحت الباب زي سمّ بارد.
سلوى:
هو خلاص يا خالتي، يعني فعلاً ناوية تخليني أتجوزه بعد سارة؟
قدرية:
وليه لأ؟ الست دي شكلها مش هاطول، وربنا عالم باللي فيها. أنا مش هستنى لما إبني يضيع. البيت لازم يفضل واقف، والبنت محتاجة أم.
سلوى:
بس يا خالتي، الناس هتقول إيه؟
قدرية:
الناس بتتكلم يومين وتسكت. بعدين، ده حقك، إنتِ بنت كويسة وأنا عايزاك ليه. سارة خلاص، راحتها قربت.
الكلمات دي خبطت في سارة زي صاعقة. إيديها رجفت، والفنجان وقع على الأرض، اتكسر نصين، والشاي غرق السيراميك.
قدريّة خرجت من المطبخ بسرعة:
مالك يا سارة؟ وقعت منك الكوباية؟
سارة بصت لها بنظرة جامدة، فيها وجع ودهشة في نفس الوقت:
آه… وقعت.
قدريّة:
خذي بالك من نفسك، أنا هلمّها.
قدريّة نزلت على ركبها تجمع الكسر، وسلوى واقفة وراها ساكتة، بس عينيها ما كانتش مرتاحة.
سارة راحت أوضتها من غير ما تقول حاجة، قفلت الباب ووقفت قدام المراية. وشها شاحب أكتر من قبل، بس في عنيها لمعة غضب، لمعة ستّ فهمت إنهم بيجهّزوا حياتها القادمة من وراها.
إتنهدت وقالت بصوت مسموع وهي تبص لنفسها في المراية:
"عايزين يجوزوه و أنا لسه على قيد الحياة؟ ده أنا حتى لسه بتنفّس."
وقعدت على السرير، مسكت النوت بوك اللي كانت بتكتب فيه زمان، وبدأت تكتب من جديد:
"لو اليوم ده جه فعلاً، وأنا لسه هنا، مش هسكت. الوصية مش نهايتي، دي هتكون قوتي."
في اللحظة دي، سمعت صوت ملك بتضحك من برّه مع سلوى، وصوت ياسر داخل من الباب بيقول:
سارة، جيت أهو.
إبتسمت وهي تمسح دموعها بسرعة، وبصوت واثق قالت لنفسها:
"أنا لسه هنا، ولسه عندي اللي أقوله."
وهي مش عارفة إن اللي جاي هزّ البيت كله.
من يوم ما رجعوا البيت بعد المستشفى، ياسر كان حاسس إن فيه حاجة مش مريحة في الجو. البيت هادي زيادة عن اللزوم. سارة بتحاول تبين إنها بخير، لكن ملامحها بتفضحها، وعينيها فيها خوف ساكت مش عايز يطلع.
قدريّة وسلوى بقى ليهم وجود دايم. مرة في المطبخ، مرة في الصالة، ومرة بحجة “عايزين نساعد سارة”. لكن المساعدة كانت بتخنق أكتر ما بتريح.
ياسر لاحظ كل حاجة. نظرات سلوى الطويلة ليه، وهي تضحك من غير سبب، وكلام أمه اللي بقى كله: “البيت محتاج ستّ" و“سارة محتاجة راحة، خلي سلوى تقوم بدلها”.
هو ما قالش حاجة في الأول، بس كل يوم كان الغضب بيكبر جواه زي نار تحت الرماد. وفي ليلة، بعد ما سارة نامت، قعد في الصالة وهو بيفكر بصوت عالي لنفسه:
“أنا مش فاهم هما عايزين إيه بالظبط؟ ليه حاسس إن فيه خطة بتتنسج حواليّا؟”
خرجت قدريّة من المطبخ وهي ماسكة صينية شاي، وسلوى وراها بتضحك ضحكة صغيرة:
تعالى يا ابني إشرب معانا كوباية شاي.
ياسر قال بهدوء وهو بيحاول يسيطر على أعصابه:
لأ، مش قادر أشرب حاجة.
قدريّة رفعت حاجبها:
مالك يا ياسر؟ وشّك متغير كده ليه؟
ردّ بهدوء شديد بس صوته فيه نغمة حزم:
ماما، أنا عايز أتكلم معاكِ في حاجة.
قدرية:
قول يا حبيبي.
ياسر:
أنا شايف إن وجودك إنتِ وسلوى هنا بقى زيادة شوية. سارة محتاجة هدوء، ومش محتاجة ضغط.
قدريّة اتشدّ وشّها:
ضغط؟! إحنا ضغط؟ ده أنا قاعدة باخدمها وباعمل اللي المفروض مراتك تعمله.
ياسر ردّ بسرعة، نبرته فيها وجع وغضب مكبوت:
مافيش حد طالب منك خدمة يا ماما. إنتِ جيتي علشان تطمني عليها، كتر خيرك، بس خلاص. سارة بقت أحسن، وأنا هجيب واحدة تساعدها في البيت. إنتِ وسلوى ترجعوا البلد ترتاحوا.
سلوى اتلبخت، عينيها راحت لأرض المطبخ، وقدريّة قالت بصوت عالي وهي بتحط الصينية بعصبية:
يعني تصرف فلوس على غريبة، وأنا عندي بنت أختي في وشّي؟ سلوى بنت كويسة، محترمة، وأحسن من ألف غريبة.
ياسر ردّ بنبرة ثابتة:
مافيش حد غريب، بس مافيش داعي سلوى تفضل هنا كل يوم. سارة مش محتاجة خدامة، محتاجة راحة نفسية، وأنا مش مرتاح بوجودها.
قدريّة شهقت:
مش مرتاح؟! ليه يا ياسر؟ دي زي أختك.
رفع عينه فيها مباشرة:
لأ، يا ماما، مش أختي، ولا ينفع تكون. نظراتها ليا مش طبيعية، وأنا مش غبي.
سلوى اتجمدت في مكانها، وشها إحمر وقالت بسرعة:
إيه الكلام ده يا ياسر؟ أنا عمري ما بصيتلك بنظرة وحشة.
قدريّة ضربت كفها في الترابيزة:
عيب الكلام ده، إزاي تقول كده على بنت أختي؟ إنت اتجننت ولا إيه؟
ياسر ردّ وهو بيحاول يهدّي صوته لكنه فشل:
أنا مش مجنون، بس أنا فايق جدًا. سارة مش ناقصاها خيانة من أقرب الناس. أنا بحب مراتي، وعمري ما هشوف غيرها.
قدريّة صرخت:
وهي تفضل كده؟ مريضة وتعبانة؟ هتعيشلك كام سنة كمان؟ إنت محتاج تفكر في حياتك يا ياسر.
الكلمة دي وقفت الدم في عروقه. بصّ لها بحدة:
إيه؟ بتخططي ليّ كده؟! ماما، إنتِ بتتكلمي عن مراتي كأنها خلاص ماتت.
قدريّة حاولت تبرّر:
أنا بخاف عليك يا ابني، مش عايزاك تفضل لوحدك بعدين.
ياسر:
بعد إيه؟!
صوته كان عالي، عينيه بتبرق بغضب:
بعد موتها؟ إنتِ مستعجلة على ده كمان؟
سلوى قالت بسرعة:
ياسر، بالله عليك، ما بتقصدش كده.
ياسر:
أسكتي إنتِ.
صرخ فيها وهو بيشاور بإيده:
ولا كلمة. إنتِ السبب في اللي بيحصل. بقالك كام يوم دايرة حواليا كأنك بتستني لحظة ضعف. أنا بحب سارة، ووجودك هنا مش مقبول.
قدريّة وقفت، حطت إيدها على صدرها:
ده جزاتي؟ أقعد أرعى فيكم وفي الآخر تطردني؟
ياسر ردّ بقسوة فيها وجع:
أنا ما طلبتش رعاية، طلبت راحة. وإنتو جبتوا للبيت قلق وسمّ، سارة حاسة، وأنا شايف. فلو بتحبيني فعلاً، خدي سلوى وارجعي بلدك النهارده.
السكوت سيطر على المكان. سلوى بصّت لقدريّة بخوف وقالت:
خالتي، شكله شافنا على حقيقتنا.
قدريّة شردت لحظة، وبصوت واطي قالت:
يمكن.. بس ساعتها هنشوف مين اللي هيفضل واقف.
طلع من البيت، وسابهم في صمت قاتل.
رواية وصية حب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نسرين بلعجيلي
النهار بدأ عادي جدًا، بس في بيت منى، الجو كان متوتر من غير سبب واضح. روان قاعدة على السفرة، لابسة جاكيّتها ومستعدة تنزل تزور سارة بعد ما خلصت شغلها، لكن ملامح منى وهي في المطبخ كانت مختلفة، فيها قلق غريب.
طلعت من المطبخ وهي بتمسح إيديها في الفوطة وقالت بنبرة فيها شيء من الحذر:
رايحة فين تاني يا روان؟
روان، بابتسامة تلقائية:
عند سارة يا ماما، كنت قايلة لك، هاطمن عليها شوية.
منى سكتت لحظة وهي بتبصّ لها، بعدين قالت بهدوء مش طبيعي:
هو ياسر هناك؟
روان اتفاجئت بالسؤال:
أيوه، أكيد هناك. ليه بتسألي؟
منى قعدت قصادها على الكرسي، نظرتها فيها قلق أكتر من غضب:
بصي يا بنتي، أنا مش بحب أتدخل في اللي بينك وبين الناس، بس خلاص كفاية زيارات، خليها ترتاح شوية. والناس بدأت تتكلم.
روان رفعت راسها ببطء:
تتكلم؟ عن إيه؟
منى:
عن وجودك في المستشفى طول الوقت، وعن إنك مطلقة، وفيه راجل متجوز، و…
منى سكتت، مش قادرة تكمل الجملة، لكن روان فهمت كل كلمة ما اتقالتش. صمتت لحظة، صوت نفسها بدأ يعلى من جوّاها:
ماما، إنتِ سامعة نفسك؟ إنتِ بترددي كلام مين؟ كلام الناس ولا كلام قدريّة؟
منى اتنفست بعمق وقالت:
قدريّة يمكن قالت كلام ضايقني، بس هي نبهتني. الناس ما بترحمش يا روان، وأنا مش عايزة إسمك يتلوث بسبب نيتك الطيبة. إنتِ مطلقة، والناس مش هتشوفك بريئة حتى لو كنتِ ملاك.
روان بصت لها نظرة حزن، مش غضب:
يعني عايزة أسيب سارة لوحدها؟ الست دي محتاجة حضن، مش حكايات الناس. إنتِ ناسية لما بابا تعب مين وقف معانا؟ سارة كانت أول وحدة في البيت عندنا، ما حسبتش حساب الناس.
منى قالت بصوت فيه رجفة:
الظروف غير الظروف يا بنتي. وقتها ما كانش فيه راجل في الصورة، لكن دلوقتي فيه جوزها، وده يخلي الدنيا شكل تاني.
روان قامت من على الكرسي وهي بتتكلم ببطء:
ماما، اللي بيني وبين ياسر هو احترام، ومش هيهزّه كلام ستّ ولا خوف من سمعة. أنا مش رايحة علشان ياسر، أنا رايحة علشان سارة.
منى مسكت إيدها بسرعة قبل ما تمشي:
روان، اسمعيني. أنا مش بشك فيكِ، بس أنا بخاف عليكِ. الناس لما تبتدي تحكي، ما تعرفيش هتوقف إزاي. أنا أمك، وشايفة الدنيا بعين تانية غير عينك.
روان بصت في عيون أمها، دمعة خفيفة نزلت وهي بتقول بهدوء:
بس إنتِ نسيتي حاجة واحدة يا ماما، اللي بيخاف من كلام الناس بينسى كلام ضميره. وسارة مش مجرد صديقة.. دي أختي.
سحبت إيدها بلطف، اخدت شنطتها، وهي خارجة من باب البيت، منى نادتها بصوت مبحوح:
روان… الناس مش دايمة، بس الكلمة بتفضل.
روان بصت وراها وقالت:
وأنا كمان مش دايمة، يا ماما.. بس طالما عايشة، مش هسيب حد لوحده.
خرجت وسابت البيت، وصوت الباب وهو بيتقفل كان كأنه بيقفل على خوف أم وبيفتح على شجاعة بنت.
منى وقفت عند الشباك تبص من ورا الستارة، وهي شايفة روان ماشية في الشارع، وقالت لنفسها بصوت واطي:
يا بنتي، يا ريت الناس تفهم الطيبة زي ما إنتِ فاهماها.
ثم اتنهدت، وحست لأول مرة إن الخوف اللي جوّاها مش من كلام الناس، لكن من القدر اللي بيقرّب خطوة بخطوة.
روان وصلت بيت سارة في آخر النهار، الجو كان هادي والضوء داخل من الشبابيك بخفة، ريحة الدوا والورد الأبيض مالية المكان. دقّت الجرس، وبعد ثواني الباب اتفتح، وسارة بنفسها اللي فتحت. إبتسمت وهي تحاول تبين إنها كويسة، لكن وشها شاحب والتعب باين في ملامحها.
روان:
إزيك يا سارة؟
سارة:
الحمد لله، تعالي أدخلي.
دخلت روان وهي شايلة كيس فاكهة صغير:
جبتلك شوية فواكه طازة، الدكتور قال لازم تاكلي حاجات فيها فيتامين.
سارة:
تسلمي يا حبيبتي، بس تعبتِ نفسك ليه؟
قعدوا في الصالة، وسارة حاولت تخفي رعشة خفيفة في إيديها وهي بتسكب العصير:
مامتك عاملة إيه؟
روان ترددت لحظة، وبعدين قالت:
كويسة، بس زعلانة مني شوية.
سارة:
ليه؟
إبتسمت روان إبتسامة باهتة:
شايفة إن الناس بقت بتتكلم كتير. بتقول إن المفروض أسيبك ترتاحي، وإن وجودي ممكن يزعّل ناس.
سارة سكتت، وحطت الكوباية على الترابيزة:
كلام الناس ما بيخلصش يا روان. كل واحد شايف الحكاية بطريقته. بس إنتِ تعرفيني كويس، وجودك مريحني مش مسببلي وجع.
روان حاولت تضحك:
بس الظاهر إنهم خلاص حكموا علينا كلنا من غير ما يسمعونا.
سارة بصت لها بحنان وقالت:
الناس بتحب الحكايات، ومافيش حكاية تمشي من غير وجع. المهم إحنا نفضل عارفين نفسنا، وإنتِ عارفة إيه اللي جواكِ، ماحدش يقدر يحاسبك عليه.
روان إبتسمت وهي تمسح على إيدها:
أنا كنت خايفة ماما تبقى مزعلاكى.
سارة حركت راسها نفيًا:
لا يا حبيبتي، بس حاسة إن قدريّة ما سابتش حد إلا وملِت ودانه بكلام. حتى ياسر نفسه متوتر، بقى يشوف في عيوني حاجة مش فاهمها.
روان قالت بهدوء:
عادي يا سارة، الراجل لما يلاقي الست اللي بيحبها مريضة، بيخاف يصدق إن الوجع ممكن يزيد. هو بيحبك جدًا، وأنا باشوف ده في كل نظرة ليكي.
سارة ابتسمت، بس في عينيها لمعة خوف:
الحب ساعات مش كفاية، يا روان. فيه حاجات بتكسر بين الناس من غير ما ياخذوا بالهم، وكلمة واحدة ممكن تهدّ بيت.
صمتوا لحظة، الساعة كانت بتدق بخفوت، والجو فيه ريحة غريبة بين طمأنينة وحزن.
روان قامت تساعدها تروّق السفرة، لكن سارة مسكت إيدها وقالت بهدوء:
ماتروحيش النهارده، خليكى شوية. مش عايزة أسمع صوت الصمت ده وأنا لوحدي.
روان بصت لها وقالت بابتسامة بسيطة:
ما اقدرش أسيبك لوحدك، حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدي.
سارة ضحكت ضحكة صغيرة وقالت:
يا بختي بيكِ يا روان.
وفي اللحظة دي، الباب اتفتح، وياسر دخل. وشه باين عليه التعب، لكن لما شافهم، حاول يبتسم:
مساء الخير، عاملين إيه يابنات؟
ـ كويسين، الحمد لله.
سارة حاولت تبين خفتها:
روان جايبة فواكه، بتقول إني طفلة لازم تتغذى.
ضحك وقال:
والله عندها حق. لازم نسمع الكلام.
بس وسط الضحك الخفيف ده، كل واحد فيهم كان شايل جواه حاجة ما قالهاش:
سارة حاسة إن القدر بيقرب..
ياسر حاسس إن فيه حاجة هتتكسر..
وروان بتحاول تصدّق إن الخير ممكن يفضل رغم كل الكلام اللي حوالين الحب والمرض.
الليل نزل، والسكون غطّى البيت، لكن ما كانش هدوء سلام، كان الهدوء اللي بييجي قبل ما يحصل تغيير كبير في كل شيء. كانت سارة قاعدة على الكنبة، بين ياسر وروان. الثلاثة في نفس المكان، بس كل واحد فيهم في دنيا لوحده.
ياسر بيحاول يضحك مجاملة، روان بتحاول تلهي الجو، وسارة ساكتة بتتفرج.
نظرت ليهم بتمعن، ووشها هادي، بس جواها دوشة. بتشوفهم من بعيد كأنها مش واحدة منهم. كل حركة منهم ليها معنى، وكل نظرة ليهم بتوجعها أكتر.
روان بتتكلم بحنية، بصوتها اللي فيه طيبة الدنيا كلها، وياسر بيرد عليها بهدوء، بس عينه فيها ارتياح وهي حواليه. الإرتياح ده اللي وجع سارة.
قلبها قالها:
هو ده اللي بين الناس لما يبتدوا يحبوا بعض.. ولا دي رحمة؟
بصت في ملامح ياسر، كان شكله متغير فعلًا. لحيته طولت، والهالات تحت عينيه سودة كأنها ليل ما نامش فيه من شهور، هدومه مش مرتبة زي زمان، حتى صوته بقى خافت، مش هو نفسه اللي كانت بتسمعه وهي بتضحك على كلامه من غير سبب.
نظرت لروان، وشها مرهق، شعرها مربوط بسرعة، لكن في عينيها نفس النور، النور اللي كانت سارة بتحبه فيها من أول مرة شافتها، بس النهارده النور ده رايح ناحيته هو.. مش ليها.
وبينما هما بيتكلموا، سارة أخذت نفسها بصعوبة، تحس كأن في حجر على صدرها. مدت إيدها تمسك الكوباية، بس إيديها كانت بتترعش، نقطة مايه وقعت على الفستان، وهي بتضحك بخفوت كأنها بتحاول تخبي وجعها.
قلبها بيكلمها:
شايفاهم؟ شايفة هما الاتنين عاملين إزاي؟ هي بتحبه من غير ما تعرف، وهو بيحس معاها بحاجة كان محتاجها يمكن من زمان.. دفء، إهتمام، راحة.
إبتسمت وهي بتبصّ عليهم، بس إبتسامة متكسّرة، فيها رضا ووجع في نفس الوقت.
يا رب، هو أنا السبب؟ أنا اللي خلتهم كده؟ أنا اللي غيرت في وشه وخلّيت التعب يكتب على ملامحه بالشكل ده؟ أنا اللي سرقت النوم من عينه وخليت ضحكته تبقى مكسورة؟ ولا المرض هو اللي سرقنا من بعض؟
إتنهدت، ونظرت ناحية روان اللي كانت بتحكي حاجة بسيطة وتضحك. ضحكتها دخلت جوه قلبها كأنها موسيقى قديمة بتحرك ذكريات كانت نايمة.
يا روان، أنا بحبك أوي.. بس يمكن حبك ليهم هيبقى سبب وجعهم. وأنا؟ أنا بقيت مجرد ظلّهم.
نظرت لياسر تاني، كانت عينه عليها، بس فكرُه في حتة تانية. هو مش شايفها زي الأول، مش شايفها ستّ، شايفها مريضة محتاج يتطمن عليها، مش حبيبة يرجعلها بعد شغل.
دمعة نزلت على خدها، وهي تهمس لنفسها:
يا رب.. أنا ما طلبتش أعيش العمر كله، بس كنت أتمنى ماكونش السبب في تعبهم… كنت أتمنى أسيب لهم ذكرى حلوة مش وجع بيخوفهم من الحب.
أخدت نفس عميق، بس كان تقيل، زي اللي بيحاول ياخد آخر نفس في رواية طويلة، وقالت في سرّها:
يمكن خلاص، دوري في الحكاية بيخلص. بس نفسي النهاية تكون بشرف، نهاية ستّ حبت بصدق، وسابت حبّها يعيش حتى لو هي راحت.
سكتت، والمشهد حواليها اتجمّد، ياسر بيكلم روان، روان بتهز راسها بابتسامة خفيفة، وسارة بينهم.. شايفاهم بعين أمّ، وحبيبة، وغايبة في نفس الوقت. وفي قلبها صوت بيقولها:
"هو الحب ممكن يعيش بعد الموت؟ ولا بيتحوّل لظلّ بيمشي بين اللي اتبقوا؟"
سكتت سارة، والليل كان بيزحف على البيت بهدوء، نور الأباجورة انعكس على وشها الباهت، وعينيها لسه بتلاحقهم في صمت، كأنها بتحاول تحفظ تفاصيلهم جواها قبل ما الوقت يسرقها.
قلبها بينبض على مهل، والوجع جوّاها ساكن كأنه جزء منها خلاص، لكن في وسط التعب ده كله، كان في سلام غريب، سلام الست اللي قررت تحب للآخر حتى لو نهايتها وجع.
بصت لملك وهي نايمة على الكنبة، ولروان اللي بتحضّر لها دواها، ولياسر اللي قاعد مطاطي راسه بين إيديه، وقالت في نفسها بصوت شبه الهمس:
"أنا لسه هنا… بس يمكن مش كتير. ولو مشيت، سيبوا الباب مفتوح، يمكن روحي تفضل حوالين البيت ده تحرسكم مع بعض."
رواية وصية حب الفصل السادس عشر 16 - بقلم نسرين بلعجيلي
النهار بدأ هادي، بس في البيت ده مافيش هدوء حقيقي من يوم ما رجعت سارة من المستشفى. صوت النفس وهو بيطلع منها بقى محسوب، وكل حركة بتتعمل بحساب.
ياسر كان بيعدّ أنفاسها من بعيد كأنه بيتأكد إنها لسه هنا.
الدكتور جِه الصبح بدري. شاب محترم، صوته ناعم وفيه هدوء بيخوّف أكتر من إنه يطمن. فتح شنطته الصغيرة، بصّ في الورق، وبعدين في سارة اللي كانت قاعدة على الكنبة ملفوفة في ببطانية خفيفة.
قال بهدوء:
التحاليل وصلت، يا أستاذة سارة، الأنسجة لسه ضعيفة جدًا، ومؤشر الكولاجين ناقص عن الطبيعي. الضغط كمان منخفض، ولازم ننتبه لأي دوخة أو خمول.
ياسر سأله بسرعة:
يعني الوضع خطر؟
الدكتور هزّ راسه وقال بصوت طبي متزن:
مش خطر لو التزمتوا بالراحة. لكن لازم تعرفوا إن المرض دا من النوع اللي محتاج حذر طول الوقت. أي مجهود أو انفعال ممكن يأثر على الأوعية الدموية. الموضوع أشبه بإن جسمها بقى هشّ.. زي الزجاج.
سارة بصت له بابتسامة صغيرة:
يعني لو وقعت أتكسّر؟
ضحك الدكتور بلُطف وقال:
بالظبط، بس إنتِ مش لوحدك. فيه حالات كتير بتعيش سنين، أهم حاجة الهدوء والمراقبة. وطبعًا… الدعم النفسي.
ياسر شكر الدكتور، وهو بيحاول يخبي رعشة صوته. ولما الباب اتقفل ورا الطبيب، سارة قالت بهدوء:
كل ما الدكتور يتكلم عنّي، بحس كأني برواز بيتكلم عن نفسه، من برّه باين سليم، وجوّاه بيتفتّت.
ياسر قعد جنبها، مسك إيدها بحنان وقال:
طالما النفس طالع، يبقى لسه فيه معركة، ولسه فيه أمل.
إبتسمت بخفة:
وأنا حاسة إنك بتتعلم تقول الكلام اللي كنت أنا دايمًا بقوله.
بعد الظهر، كانت سارة قاعدة لوحدها في أوضتها. النوت بوك مفتوح قدامها، والقلم في إيدها. بس المرة دي ما كتبتش “وصيّة” ولا “حكاية”. كتبت سطر واحد:
“كان نفسي أعيش عادي… مش بطلة، ولا مريضة. بس ستّ بتحب وتتحب.”
دموعها نزلت على الورق، فمسحتها بسرعة كأنها خايفة الحبر يبوح بسرها. سمعت صوت خفيف، كانت “ملك” واقفة على الباب، ماسكة عروستها في إيدها:
ماما، هو الوجع بيروح لما نبصّ للسما؟
سارة ضحكت رغم الدموع:
أوقات السما بتفكرنا إن فيه ناس فوق مستنيانا، بس كمان بتفكرنا إن لسه فيه عمر تحت لازم نعيشه.
ملك قالت ببراءة:
مش فاهمه يا ماما يعني مش هتمشي؟
– لا يا حبيبتي، مش دلوقتي… لسه عندي حكايات ليكِ.
حضنتها، والعروسة وقعت منهم على الأرض. بس الحضن فضل ثابت، زي وعد بين قلبين صغيرين.
المساء نزل، ومعاه خطوات روان. الباب خبط خبطتين خفاف، ولما فتحت سارة، شافتها واقفة ووراها ورد أبيض.
– إيه ده يا روان؟ تاني ورد؟
– المرة دي مش عشانك.. عشان البيت يفتكر ريحة السلام.
دخلت، والهدوء اتكسر شوية. سارة ضحكت وقالت:
أنا بقيت بخاف لما أشوفك داخلة، بحس إنك هتشيليني من على الأرض.
– ولا يوم من غيرك، يا سارة. قالتها روان وهي بتحاول تخبي تعبها. عيونها فيها سهَر، وشها باين عليه إنها بتنهار من جوّا ومش عايزة تبين.
سارة بصتلها لحظة طويلة. صمت.. بعده ابتسامة خفيفة:
– إنتِ بتحبيّهم بجد.
روان اتلخبطت:
– بحب مين؟
– الناس… البيت ده، ملك، حتى ياسر. نظرتك ليهم كلها حنية، وده بيطمني إن لو أنا مشيت، مش هيبقوا لوحدهم.
الكلمة وجعت روان، قامت بسرعة وقالت بحزم:
– ما تقوليش كده، مش هتمشي من هنا غير وإنتِ سليمة.
سارة هزّت راسها وقالت بهدوء مرّ:
– يا روان.. مش كل اللي بيمشي بيروح. فيه ناس بتفضل في كل زاوية، في كل نفس.
الباب اتفتح فجأة، ياسر داخل وشه مرهق، ولحيته طولت شوية، عيونه فيها سواد التعب، مش نايم من أيام. لما شافهم، حاول يضحك:
– شكل الجو هنا ناقصني.
سارة قالت له بخفة:
– وإحنا قاعدين نستناك علشان نكمل الحياة.
ضحكوا التلاتة، بس بعد دقيقة سكتوا. سارة كانت بتبصّ لهم بعين فيها حزن غريب. ياسر بقى أضعف من الأول، صوته مش واثق، حتى ضحكته بقت مكسورة.
وروّان بتتحرك بخفة حواليه، تساعد من غير ما يتكلم، كأنها بقت تفهمه من غير كلام.
سارة شايفاه، وشايفها. وشايفة حاجة جديدة بتتكوّن من بعيد، مش حب، بس رابط خفي، زي خيط من نور بين تعبهم المشترك.
وفي لحظة صمت، قلبها كلمها:
“يمكن أنا السبب… يمكن وجعي خلّاهم يقربوا من بعض، وأنا اللي علمتهم الحب الحقيقي من غير ما أقصد.”
حاولت تاخد نفسها، بس الصدر تقل فجأة. إيديها اتشبكت في بعض، والنَفَس بقى قصير.
ياسر لاحظ بسرعة:
– سارة؟ مالك؟
إبتسمت بصعوبة:
– مافيش، يمكن فرحت زيادة.
لكن عينيها قالت غير كده. الدموع لمعت، والنور في وشها بقى أضعف.
روان مسكت إيديها وقالت بخوف:
– أناديله يا سارة؟ أنادي الدكتور؟
سارة حركت راسها نفيًا:
– لأ… كل حاجة تمام. بس نفسي أقولكم حاجة قبل ما الليل ييجي.
بصت ليهم هما الاثنين، ووشها مليان طيبة وسلام:
– لو في يوم الدنيا بعدي وجعتكم، إفتكروا إن الحب مش بيخلص، هو بس بيتبدّل مكانه.
سكتت لحظة، ضحكت وهي بتبص على ياسر:
– وأنا مش هسمحلك تبطّل تحبني، حتى لو في السما.
نزلت دمعة من عينه وهو بيحاول يخبيها:
– ماقدرش أعيش من غيرك.
قالت وهي تمسح دموعه بإيديها الضعيفة:
– لأ، هتعيش، عشان أنا بحبك كفاية للعُمرين.
سكتوا الثلاثة، والليل دخل على مهل، صوت الأجهزة في الخلفية بقى شبه موسيقى هادية.
في اللحظة دي، سارة ابتسمت وهي تبص ليهم:
“أنا مطمنة… الحب لسه هنا، حتى لو جسمي تعبان.”
البيت كله نام إلا ياسر، قاعد في الصالة ماسك ورقة من النوت بوك القديم، مكتوب فيها بخط سارة المائل:
“لو جي يوم ما قدرتش أكمل، خلي الناس تعرف إن الحب الحقيقي مش بيحتاج بقاء، بيكفي إنه كان صادق.”
قراها، وبكى بصوت واطي. روان كانت بتبص عليه من بعيد، دموعها نازلة في صمت. ومن بعيد، حسّت إن البيت كله بيتنفس وجع، بس كمان بيتنفس حب.
الليل كان هادي بطريقة غريبة، زي ما تكون الدنيا كلها واقفة على نَفَس واحد. المطر بينزل خفيف على الإزاز، وصوته بيمشي في الشقة كأنه موسيقى حزينة حافظاها الجدران.
سارة قاعدة على الكنبة، ملفوفة في بطانية خفيفة، وياسر جنبها على الكرسي، مش قادر يبعد عينه عنها. كل شوية يمد إيده يطمن إنها بتتنفس، وبعدين يرجع يسند ظهره، يقول لنفسه:
"الحمد لله… لسه هنا."
هي ابتسمت وقالت بصوت واهي:
– شكلك نسيت طعم النوم.
– أنام إزاي وأنا خايف أصحى وما الاقيكيش؟
ضحكت، لكن ضحكتها طلعت معاها سُعال بسيط.
مدّ لها الكوباية بسرعة، وقال بحنية:
– إشربي يا سارة.
أخذت نفس خفيف وقالت:
– عارف يا ياسر، بقيت بحب المطر.
– ليه؟
– يمكن علشان بيغسل الحزن. كل نقطة بتنزل، كأنها بتقول: لسه فيه حياة.
قعدوا ساكتين شوية، صوت المطر بيملأ الفراغ بينهم. عين سارة كانت شايفة كل حاجة حوالين البيت: صورهم القديمة، رسمة ملك على الحيطة، وردة نشفت في فازة على الرف، بس في قلبها كان في دوشة مش قادرة تسكتها.
قالت فجأة:
– لو في يوم ما قدرتش أكمل…
قطع كلامها بسرعة:
– بلاش الكلام ده.
– إسمعني بس، أنا مش بخوّفك. بس كل واحدة بتوصل لمرحلة تبقى عارفة خلاص. مش بحس الموت.. بحس السلام.
ردّ وهو ماسك إيدها:
– لو فيه سلام من غيرك، أنا مش عايزه.
إبتسمت وقالت:
– يا مجنون، السلام مش اختيار، ده وعد من ربنا للناس اللي تعبِت كفاية.
سكتوا تاني، والمطر زاد. الضوء الخافت كان بيخلي وشها شبه ملاك نايم، صوت نفسها بقى أهدى شوية.
قالت وهي مغمضة عينيها:
– عارف، يمكن ربنا خلاني أمرّ بكل ده علشان أفهم يعني إيه حب. الحب اللي يخليك تفضل قاعد، مش مستني مقابل، ولا نهاية سعيدة، مجرد وجودك جنبي كفاية.
ردّ عليها بصوت متكسر:
– وجودي جنبك هو اللي مخليني عايش.
الصبح دخل على استحياء، ضوء الشمس إتسلل من الشباك زي خيط دفا. سارة كانت نايمة، ملامحها هادية كأنها في حلم بعيد.
ياسر ما نامش ولا دقيقة، قاعد يراقبها بخوف وامتنان في نفس الوقت.
رنّ الجرس.. قام بسرعة وفتح الباب، كانت روان واقفة، وشها قلقان وفي إيديها كيس فيه فطار خفيف:
– صباح الخير، حاولت أكلمكم امبارح وما حدش رد، خفت.
إبتسم رغم تعبه:
– كانت تعبانة شوية، بس الحمد لله أحسن دلوقتي.
دخلت بهدوء، وبصّت على سارة اللي كانت نايمة. قربت منها ولمست إيديها بلُطف:
– صباح النور يا جميلة.
سارة فتحت عينيها بابتسامة صغيرة وقالت:
– إنتِ لسه بتعرفي توقيت القلق.
ضحكت روان وقالت:
– ده أنا قلبي مربوط بيكِ، باحس بيكِ من بعيد.
قعدت جنبها، السكوت بينهم ما كانش مزعج، كان فيه دفء غريب، زي راحة مؤقتة وسط معركة طويلة.
سارة قالت بهدوء وهي تبصّ عليهم هما الاثنين:
– أنتوا الاثنين، شكل التعب غيّركم.
ياسر لحيته كبرت، والهالات سوادها زاد، وروان وشها بقى باهت من كتر السهر، بس في عينيهم نفس الطيبة اللي دايمًا كانت شايفاها.
قالت لنفسها في سِرّها:
“يا ترى أنا السبب؟ هو وجعي اللي سرق منهم الراحة؟ ولا الحب هو اللي بيخلق الوجع ده لما يبقى صادق زيادة؟”
مدّت إيدها ولمست وش ياسر بحنية:
– إوعى تسيب التعب يكسرك.
ردّ عليها بهدوء:
– إنتِ اللي علمتيني أقاوم.
إبتسمت، وبصّت ناحية روان وقالت:
– خلي بالك منه لو تعبت.
روان حاولت تضحك وقالت:
– هو اللي بيشيل الكل، مش العكس.
سارة بصتلها بنظرة عميقة، فيها أكتر من كلمة، كأنها كانت بتوصيها من غير ما تنطقها.
بعد شوية، الدنيا سكتت، سارة غفلت وهي ماسكة إيد بنتها الصغيرة. ياسر و روان قاعدين في الصالة، كل واحد فيهم تايه في تفكيره. المطر وقف، بس ريحته لسه على الشبابيك.
وفي النص، كان فيه إحساس واحد مالي المكان: حبّ حقيقي… مش كلام، ولا مشهد. حبّ ساكت بيتنفّس ما بين الخوف والوجع، وبيحاول يعيش، حتى لو العمر خلاص بيقصر.
رواية وصية حب الفصل السابع عشر 17 - بقلم نسرين بلعجيلي
النهار دخل بخيوط شمس ناعمة، بس البيت كان تقيل. سارة نايمة على الكنبة، النور بيلمس وشها الشاحب، والكهربا اللي كانت في عظمها بقت خمول في أطرافها. كل مرة تحاول تقوم، تحس إن جسمها مش بيسمع الكلام. صوابعها بتبرد، ورجليها تحسّها غريبة عنها، زي ما تكون بتتفرج على نفسها من بعيد.
ياسر كان واقف في المطبخ بيجهز القهوة، كل حركة بيعملها فيها تعب وسكوت طويل. حط القهوة على الترابيزة وقال:
– أنا قررت أرجع الشغل بكرة.
صوتها خرج واهي وهي تحاول تقوم:
– هتسيبني لوحدي؟
– لأ طبعًا، أنا هجيب بنت تساعدك في البيت.
– بنت؟
– أيوه، تنظّف، تطبخ، تفضى لك وقتك ترتاحي.
سكت لحظة وقال وهو بيهرب بنظره:
– وأنا هرجع من الشغل على طول.
سارة بصّت له، وعينيها فيها خوف صغير مش عايزاه يبان:
– يعني خلاص؟ حياتنا بقت بالورديات؟
– لأ يا سارة، بس لازم أشتغل، الدنيا مش واقفة.
– والدنيا اللي بينا؟ وقفت هي كمان؟
ياسر اتفاجئ بالكلمة، حاول يضحك:
– إنتِ بتقولي إيه؟
– بتكلم عنّنا، مش عن الشغل.
قامت بصعوبة، وقربت منه، لمست وشه بإيدها الضعيفة:
– بقالك شهور ما لمستنيش…
– سارة، بالله عليكِ، إنتِ عارفة إن ده مش وقت الكلام ده.
– وقت إيه؟ أنا عايشة على الوقت، ياسر. كل يوم بصحى مش عارفة إذا كنت هكمّله ولا لأ. مش عايزة أموت وأنا ناسيه حضنك.
ياسر مسك إيديها بحنان وقال بهدوء:
– أنا مش قادر…
– مش قادر عليّ ولا مش قادر ليا؟
– ليه تقولي كده.
– قل إنت بقى، إيه اللي مخلّيك تبعد؟ خايف أتعب؟ ولا خايف تشوفني مش زي الأول؟
صوته نزل درجة:
– أنا بحميكِ من نفسك يا سارة، جسمك مش مستحمل.
– وجسمي مش مستحمل الهجر كمان.
صرخت الكلمة، بس صوتها كان ضعيف، ضعيف زيها، بس بيطلع من وجع كبير.
– أنا ستّ، مش مجرد حالة طبية. عايزة أحس إن لسه فيا حياة، إنك لسه شايفني أنثى مش مريضة. أنا بحارب الموت كل يوم، بس نظرتك ليا هي اللي بتقتلني.
ياسر سكت، عينيه مليانة دموع، قرب منها وقال بصوت واطي جدًا:
– أنا بحبك يا سارة، بس لو حصلك حاجة وأنا السبب…
– ساعتها هاكون مبسوطة، لأني هموت وأنا حاسّة إنك لسه ليا.
سكتوا.. الهواء بينهما بقى تقيل، كأنه شاهد على حاجة أكبر من الكلام. مدّ إيده يلمس شعرها، بس سحبها تاني. دموعها نزلت على إيديها وهي تهمس:
– حتى اللمسة بقت حرام عليّا.
مشيت بخطوات متعبة للمطبخ، وقف ياسر مكانه مش قادر يتحرك، وفي ودنه صدى آخر كلمة قالتها:
“أنا لسه عايشة يا ياسر، بس لحد إمتى.”
سارة كانت قاعدة على الكرسي، إيديها متشابكة قدامها، وصوت نفسها متقطع من كتر الزعل. دخل ياسر بعد ما لفّ في الصالة عشر دقايق يحاول يهدى، لكن وشه كان بيقول كل حاجة.
قال بهدوء وهو واقف عند الباب:
– سارة، كفاية كده بقى…
– كفاية إيه؟
رفعت عينيها ليه، فيها وجع أكتر من العتاب وكملت:
– كفاية إني بقيت غريبة عنك؟ ولا كفاية إني بقيت بمد إيدي علشان حضن جوزي ومش بلاقيه؟
إتنهد وهو بيقرب منها خطوة بخطوة:
– يا سارة، بالله عليكِ إفهميني…
– أفهم إيه؟ إنك نسيتني؟ ولا إنك بطّلت تشوفني أنثى؟
صوته ارتجف، قال بحزن واضح:
– أنا مش ناسيكى، أنا بخاف عليكى.
– من إيه؟
– من نفسي...
صرخ الكلمة فجأة، وبعدين كمل بصوت مكسور:
– من نفسي لما أبوسك وأنا عارف إن ماينفعش أكمّل، من نفسي لما أقرب منك وأوجعك بدل ما أريحك، من نفسي لما جسمي يفكر وقلبك يتعب.
سكت لحظة، حطّ إيده على وشه، وقال:
– إنتِ متخيلة إحساسي لما أحبك وممنوع ألمسك؟ كل مرة بتقربي، بحس إني بخونك… بخون وجعك، بخون خوفك، بخون دعواتي إنك ترجعي سليمة.
سارة كانت بتسمع، بس دموعها كانت نازلة من غير صوت. قالت بهدوء موجوع:
– بس أنا محتاجاك، يا ياسر، محتاجاك مش كزوج، كأمان. أنا مش عايزة وجع، أنا عايزة حضن ينسّيني إني خلاص قربت أمشي. لما بتبعد كده، بتحسسني إن الموت أقرب منك.
مدّ إيده ناحيتها، بس وقّف نفسه تاني، قال بصوت مبحوح:
– يا سارة، أنا كل يوم بموت وأنا شايفك بتتألمي. بس اللي بينا مش ناقص لمسة علشان يثبت، اللي بينا خلاص بقى روحين مش أجساد.
رفعت وشها وبصت له بنظرة حادة لأول مرة:
– لأ، اللي بينا لسه جواز، ولسه حياة، ولسه حقي فيك. أنا مش هاقبل تبصلي كأخت ولا كمريضة. أنا مراتك يا ياسر… اللي بينا حب، مش رحمة.
كلامها وجعه أكتر من العتاب. قرب منها، قعد جنبها على السرير، مدّ إيده على وشها وقال بصوت رايح:
– مش عارف أعمل إيه. كل مرة تبصيلي بالشكل ده بحس إن قلبي بيتقطع، بس برضه ماقدرش أكمّل المشهد، ماينفعش ألمسك وأنا عارف إني مش هقدر أكمّله للآخر. هتبقى دي لحظة وجع، مش لحظة حب.
سكتِت، ونظرت له بنظرة فيها استسلام حزين، وقالت بخفوت وهي تبصّ في الأرض:
– يعني خلاص؟ بقيت أخاف أقرب من جوزي؟ بقيت أستأذن علشان حضن؟
ما قدرش يرد. هو نفسه كان عايز يصرخ، بس كل الكلام اتحبس في صدره.
قامت بصعوبة، وقفت قدامه وقالت آخر جملة قبل ما تدخل أوضتها:
– أنا ما طلبتش المستحيل، أنا طلبت حقي قبل ما أموت، وأنا حاسة إني مش مراتك.
دخلت الأوضة وسابت الباب مفتوح، بس اللي اتقفل فعلاً كان بين قلوبهم. كانت واقفة قدامه، عينيها فيها دموع مكبوتة وغضب مكشوف. هو كان بيحاول يهرب بنظره ناحية الشباك، لكن صوتها شدّه بالعافية:
– طب قولّي يا ياسر، هو إنت مش راجل؟ مش ليك رغبة؟ ولا خلاص؟
إتجمد في مكانه، بصّ لها بحدة:
– سارة، بلاش الأسلوب ده.
– لأ، مش هسكت المرة دي. كل يوم تبصلي كأني زجاجة هتتكسر، كأني مش مراتك، مش لحمك ودمك. هو أنا فقدت إيه بالظبط؟ أنوثتي؟ ولا نظرتك؟
مدّ إيده على شعره، وابتسم ابتسامة وجع:
– إنتِ مش فاهمة حاجة.
– لأ، فاهمة جدًا. فاهمة إنك بقيت تهرب مني كأني عيب. حتى البوسة، يا ياسر… البوسة اللي كانت بتفوقني من كل وجع، بقت مستحيلة ليك. مش عايز تبوسني ليه؟ مش بتشتهيني خلاص؟
إتنفس بصعوبة، صوته خرج عالي من كتر الكتمان:
– آه.... باشتهيكِ يا سارة، كل يوم، كل لحظة، وأنا بشوفك قدامي وبموت بالعجز. بس تعرفي إيه اللي بيمنعني؟ مش عدم رغبة.. الخوف. الدكتور قال إن الضغط عندك ممكن ينهار من أي مجهود، قاللي كلمة واحدة وأنا عمري ما نسيتها: "العلاقة خطر على حياتها."
يعني لو لمستك غلط، لو قلبك تعب، لو نفسك إنقطع… هتموتي في حضني، إنتِ فاهمة يعني إيه الكلمة دي؟
دموعها كانت نازلة، بس عنادها أقوى من الخوف. قربت منه خطوة، ومدّت إيدها على صدره:
– طيب موتني في حضنك. بس موتني وأنا حاسّة إني لسه أنثى ليك. مش عايزة أموت وأنا ناقصة حاجة.
رجع خطوتين لورا، صوته مبحوح، مليان وجع:
– بتطلبي مني إيه؟
– حقي.
– حقك؟ ولا حكم إعدامك؟
– يمكن الاثنين.. بس على الأقل أموت وأنا حاسّة إنك لسه راجلّي. مش مجرّد راعي بيمشي دوا لمريضة.
سكوت تقيل سيطر على الغرفة. كل كلمة نطقت بيها كانت زي طعنة في ظهره، بس هو كمان كان بينزف من خوف مش بيخلص.
مسك إيديها بإصرار، وقال بصوت مكسور وغاضب في نفس الوقت:
– سارة، أنا كل يوم بصحى على كابوس إنك ممكن تموتي، وانا مش ناقص كمان أكون أنا السبب. أنا بحبك… بس مش هسمح للحب ده يبقى سلاح ضدك.
قالتها وهي بتبكي:
– وأنا بحبك أكتر، بس إنت بتقتلني بالحرص ده. أنا مش هعيش كده، بين الخوف والحرمان. أنا ستّ يا ياسر، ومش هخجل من حقي.
سكت، وبصّ فيها بعينين فيها وجع ودموع وخوف وذنب في نفس اللحظة.
– يا سارة، إنتِ بتطلبي مني أختارك على حساب حياتك. وانا ماقدرش أختارك ميتة.
سكتت فجأة. الدموع على خدها، بس في عينيها كبرياء عنيد، قالت بصوت متكسر:
– يبقى خلاص، يا ياسر، ما تبصليش تاني كأنك بتحبني. اللي يحب ما يهربش.
خرجت من الأوضة وسابت وراها ريحة وجع ما بتتمسحش. هو قعد على الكنبة، دفن وشه بين إيديه وصوته خرج خافت كأنه بيكلم نفسه:
– يا رب، إزاي الحب يتحوّل لعقاب بالشكل ده؟
سكت البيت بعد صوت الباب ما اتقفل، كأن كل نفس في الحيطان وقف. الهدوء اللي نزل على المكان ما كانش راحة، كان وجع بينادي بصوت واطي.
سارة بعد ما ياسر طلع فضلت في الاوضه و قعدت على الأرض جنب السرير، صدرها بيطلع وينزل بصعوبة، دموعها بتجري من غير صوت، مش بكاء خناقة، بكاء ستّ حست إنها بتتسرق منها الحياة جزء، جزء، حتى من اللي بتحبّه.
على الناحية التانية، ياسر قاعد في الصالة، إيده على راسه، وصدره بيتهز من كتم الغضب والخوف. حاول يقنع نفسه إنه صح، إنه بيحميها، بس كل ما يفتكر نظرتها، يحس إنه هو اللي كسرها بإيده.
الدقيقة بقت ساعة، والساعة بقت وجع.
وفي نص الليل، قام بهدوء وراح عند باب أوضتها، وقف يسمع نفسها الضعيف من ورا الباب. فتح الباب على مهل، شافها نايمة على السرير، ملفوفة في بطانيتها، وشها باين عليه التعب والدموع اللي ما نشفتش.
قرب منها، قعد جنبها، مدّ إيده ومسح على شعرها بهدوء، وقال بصوت مبحوح بين بكاء ورجاء:
– سامحيني يا سارة، أنا مش عارف أكون راجل ولا ملاك، بس كل اللي عارفه، إني بحبك.
ما ردتش، بس إيديها تحركت خفيف، كأنها بتحسّه من بعيد. حطّ راسه على طرف السرير، وهي نايمة، والليل غطاهم هما الاتنين بصمت تقيل.
صوت المطر بدأ تاني على الإزاز، كل نقطة بتنزل كأنها بتعدّ وقت لحدث كبير جاي.
والسطر الأخير من الليلة دي كان بيقول:
“مافيش حب بينجو من الخوف، بس فيه حبّ بيعيش رغم الموت.”
رواية وصية حب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نسرين بلعجيلي
الصبح كان غريب… الشمس طالعة، بس نورها باهت، كأنها خجولة من الشباك.
ياسر صحي على صوت خفيف، كان صوت سارة وهي بتحاول تقوم من السرير. قام بسرعة، مدّ إيده يساعدها، بس وشها كان شاحب بطريقة خضّته.
– إستني يا سارة، كنتِ رايحة فين؟
إبتسمت بخفة، رغم التعب:
– كنت عايزة أعملك فطار، مش كل مرة تبقى إنت اللي شايل البيت كله.
مسك إيديها بسرعة وقال:
– لا، ما تتعبيش نفسك.
– هو أنا عملت إيه؟ قُمت بس.
ضحكت ضحكة صغيرة، لكنها كانت متقطعة، زي نفسها بالظبط.
حاولت تمشي للمطبخ، بس فجأة رجليها خذلتها. وقعت على الأرض بهدوء كأنها مش قادرة حتى تصرخ.
ياسر جري ناحيتها، صوته مبحوح:
– سارة!!
حط إيده تحت راسها، وشه اتغيّر، الدم راح من ملامحه:
– حبيبتي، إفتحي عينِك… سارة.
عينيها اتفتحت بشق الأنفاس، وصوتها طالع ضعيف جدًا:
– أنا كويسة بس يمكن تعبت شوية.
حطّها على السرير، ولما لمس وشها حسّه سخن قوي، نَفَسها سريع، وإيدها بتترعش. جري يجيب الترمومتر، والحرارة كانت عالية بشكل يخوّف.
إتصل بالدكتور، صوته بيترعش:
– دكتور، هي مش قادرة تقوم، نفسها بيتقطع، وحرارتها عالية.
الدكتور ردّ بسرعة:
– أنا جاي فورًا، بس لو لسه عندك جهاز أكسچين، شغّله دلوقتي.
قفل التليفون والذنب بدأ يعضّ قلبه. الكلمة اللي قالتها امبارح رجعت ترنّ في ودنه:
"نفسي مرة واحدة أحسّ إني أنثى مش مريضة."
إتكلم مع نفسه بصوت مبحوح:
– أنا السبب، كنت المفروض أتمسّك برأيي، كنت عارف إنها مش مستعدة. أنا اللي كسرتها، أنا اللي كان المفروض أخاف أكتر.
دخل الدكتور، شخص الحالة بسرعة، وبعد ما خلص، قال بصوت هادي بس فيه ثقل الحقيقة:
– واضح إنها بذلت مجهود فوق طاقتها، والجسم ردّ بعنف. ممكن يكون مجهود عضلي أو انفعال قوي.
وقف ياسر في مكانه، مش قادر يبصّ في وشّه. الكلمة “مجهود” كانت كأنها طلقة. عرف إن اللي حصل بينهم هو السبب.
الدكتور كمل:
– لازم تفضل على جهاز الأكسچين فترة، ونراقب التنفس بدقة. بس من النهارده، أي إجهاد ممنوع… تمام؟
ياسر ما نطقش. كل اللي عمله إنه أومأ برأسه. ولما الدكتور مشي، قعد على الكرسي جنب السرير، شاله بإيده، بصّ عليها كأنها جزء من روحه بيتكسر قدّامه.
سارة فتحت عينيها بهدوء وشافته بيبصّ لها بنظرة وجع ما شافتهاش قبل كده. قالت بصوت متقطّع:
– كنت عارفة.. إنك هتلوم نفسك.
هزّ راسه بعصبية:
– سارة، ليه ما سمعتيش؟ ليه؟
– أنا السبب في اللي حصل، أنا اللي كان لازم أوقفك.
مسكت إيده بإيديها الضعيفة، قالت بابتسامة شبه حلم:
– ما تندمش… أنا كنت محتاجة أحسّ إني لسه عايشة، حتى لو الثمن وجع، اللحظة دي كانت حياة… حياة تكفّي العمر كله.
إتنهد، دموعه نازلة من غير صوت. وقال بصوت مكسور:
– لأ، مش كفاية… أنا مش عايز لحظة، أنا عايزك العمر كله.
سارة لمست وشه بإيدها المرتجفة:
– العمر مش بالسنين يا ياسر، العمر هو اللي نحسه في قلبنا، وانا حسيته كله امبارح.
سكت، وفضل ماسك إيدها، وبين كل نَفَس والثاني، قلبه بيحارب، مش ضد المرض، لكن ضد الذنب اللي جوّاه.
في الليل..
قعد في الصالة، الوشوش بقت غايبة، بس صدى صوتها لسه في ودنه:
“أنا كنت محتاجة أعيش، حتى لو لحظة.”
قال في سره وهو بيبص للسقف:
– هي عاشت لحظة، وأنا هعيش ذنبها العمر كله.
البيت كان ساكت بطريقة تخوّف. سارة نايمة على جهاز الأكسيچين، صوت التنفس الإصطناعي هو اللي مالي المكان. هالة البنت الي بتساعدهم كانت قاعدة في المطبخ ساكتة… خايفة تتنفس غلط.
روان دخلت البيت بسرعة، صوت خطواتها كان مستعجل، ولما شافت سارة ووشّها باهت أكثر من أي يوم فات، دمعتها نزلت من غير ما تاخذ بالها.
قامت تبصّ حواليها، تشوف فين ياسر، لقته واقف في الصالة، ظهره للباب، إيديه في شعره، كأن الدنيا واقفة عليه.
دخلت عليه بخطوات سريعة، وقالت بصوت مليان غضب مكتوم:
– ياسر… في إيه؟ إيه اللي حصل لسارة؟ كانت أحسن امبارح.
ما ردش ولا لفّ، ولا حتى أخَذ نَفَس.
قربت أكثر، بصوت أعلى:
– بتسمعني؟ إيه اللي حصل؟ هي كانت كويسة، إزاي صحيت دلوقتي مش قادرة تتنفس؟!
لفّ ببطء، وشه كان باين عليه الذنب، عينيه حمرة وكأنه ما نامش ولا دقيقة.
قال بصوت مبحوح:
– حصل… غلط.
روان قربت أكتر، ولما شافت النظرة اللي في عينه، فهمت.
سكتت ثانيتين… وبعدين إنفجرت:
– إنت عملت علاقة معاها؟!
ياسر عضّ شفايفه، ما عرفش ينكر.
وهنا… روان انفجرت فعلًا:
– إنت مجنون؟! إنت أكثر واحد عارف إنه جسمها مش مستحمل، والدكتور وصّى مليون مرة ممنوع أي مجهود.
قربت خطوة لحد ما كانت واقفة قصاده مباشرة، عينها فيها دموع غضب:
– هو إنت… راجل ولا طفل؟! هو انت ما عملتش حساب غير لشهوتك؟ نَفذتها على حساب صحتها؟!
ياسر رفع راسه فجأة، صوته طلع عالي:
– أنا ما كنتش بفكر في نفسي، هي اللي قالت.. هي اللي طلبت.. كانت محتاجاني.
روان صرخت فيه:
لأ!! هي كانت محتاجة تحس إنها لسه عايشة، مش لسه مرغوبة، فرق كبير يا ياسر.
سكت، لكن صمته كان اعتراف. روان كملت، كلامها زي السكاكين:
– هي حست إنها بقت عبء عليك، فكانت مستعدة تجرّح جسمها، تخاطر بحياتها، بس علشان ما تخسركش، وإنت… بدل ما تحميها، سِبتها تكسر نفسها بإيدها.
ياسر اتكلم بصوت متقطع، كأنه طفل اتحشر في زنق:
– أنا… أنا ضعفت. شُفت دموعها، سمعت كلامها وماكنتش قادر أكسرها تاني.
روان مسحت دمعتها وهي تقول:
– تكسرها؟ إنت كان لازم تحميها حتى منها هي. يا ياسر، الست لما تحب، بتنكر روحها، بس الراجل لما يحب، لازم ينقذها حتى من وجعها.
سكتت لحظة…
وبعدين قالت الجملة اللي كسرت ظهره:
– إنت قتلت جزء منها امبارح، مش علشان الوجع، لأ، علشان خذلتها.
ياسر ساب راسه تنزل لتحت، نفسه خرج زي واحد اتطعن.
روان كملت، نبرتها مش غضب، بس دي كانت وجع على سارة:
– من امبارح لساعات، كانت بتحارب عشان تتنفس، وأقولك الحاجة اللي وجعتني؟ وهي بتتكلم، بتدافع عنك. كانت بتقول: “ما تلوميهوش، هو حبني…” رغم إنك السبب في الوجع ده كله.
ياسر وقع على الكنبة، زي اللي رجله مش شايلاه:
– أنا… أنا ما كانش قصدي أوجعها.
– بس وجعتها.
سكتت لحظة، وبصوت هادي لكنه قاسي قالت:
– لو بتحبها بجد، صلّح اللي اتكسر. مش بجسمك، بقلبك.
ولما رجعت تبصّ عليه، كان ماسك راسه بإيديه، وصوته بيطلع متكسر:
– أنا خسرتها يا روان؟
– لأ… بس لو ما فُوقتش، هتخسروا بعض قبل الموت ما يخسرها.
وسابت الصالة وراحت عند سارة، وباب الأوضة اتقفل وراهُم، وسابت ياسر قاعد في الصالة، شايل أكبر ذنب شافه في حياته.
المشهد كان تقيل…تقيل لدرجة إن الهوا نفسه بقى واقف.
روان خرجت من الصالة، ودموعها لسه على خدّها. دخلت أوضة سارة، لقتها نايمة على جنبها، جهاز الأكسچين بيطلع صوت هادي، بس ريحة الوجع مالية المكان.
روان قعدت على طرف السرير، مسكت إيد سارة بحنان وقالت بصوت واطي جدًا:
– يا حبيبة قلبي… اصحّي شوية.
سارة حرّكت رمشها وكأنها بتحارب علشان تفتح عينها. ولما فتحتها، لقت روان جنبها، وشها كله خوف وزعل وحب.
سارة حاولت تتكلّم و شالت الاكسجين:
– إنتِ.. كنتِ بتعيطي؟
روان هزّت راسها وقالت بابتسامة حزينة:
– مين يقدر يشوفك كده وما يعيّطش؟
سكتوا لحظة. سكون مكسور بقلبين بيوجعهم نفس الشخص.
سارة بصوت فيه بحّة:
– هو ياسر… زعلان؟
روان اتصدمت، ده أول سؤال؟مش “أنا تعبانة”، مش “إيه اللي حصل؟”لأ…سؤال عن الراجل اللي كسّرها ووجّعها.
روان قالت بحذر:
– مش زعلان… مكسور. هو حاسس إنه غلط فيكِ.
سارة نزلت دمعتها، وقالت بصوت مهزوز:
– ما غلطش… أنا اللي قلت له… أنا اللي كنت ضعيفة… أنا اللي أخذت الخطوة…
روان مسكت إيدها بقوة:
– لأ. ما تلوميش نفسك إنتِ كمان. إنتِ ستّ… قلبك مجروح، وبتدوري على أي حاجة تفكّرك إنك لسه عايشة. هو اللي كان لازم يحميكِ حتى من نفسك.
سارة بصّت لها بعمق، وكان واضح إنها بتفكّر في كل كلمة.
وبصوت ضعيف سألت:
– هو… اتخانق معاكِ؟
روان سكتت.
المشهد رجع في دماغها بكل صوته وناره. هي تصرخ… وهو بيتكسّر... والبيت يترعش.
قالت ببطء:
– آه… إتخانقنا، ويمكن… جرحته. بس كنت خايفة عليكِ.
سارة غمضت عينيها، دمعة نزلت على خدّها:
– كان لازم أكون أقوى… ما كانش لازم أضغط عليه… هو دايمًا شايلني، وأنا كنت شايفة وجعه ومطنشاه…
روان اتنهدت:
– سارة، إسمعيني كويس، إنتِ مش غلطانة، وهو مش غلطان. إنتوا الاثنين موجوعين. ووجع الحُب ساعات بيخلي الناس تعمل حاجات مش محسوبة.
سارة مسحت دموعها بإيدها المرتعشة وقالت:
– هو فين دلوقتي؟
روان بصّت ناحية الباب:
– قاعد برّة، مش قادر يدخل. شايف نفسه مجرم، بالرغم إن اللي حصل بينكم… كان حب.
سارة حاولت تبتسم، وابتسامتها كانت منكسّرة:
– طب قوليله يدخل.. لو لسه موجود.
روان قامت، وبمجرد ما فتحت باب الأوضة، لقت ياسر واقف. مش قاعد، واقف من غير نفس، مسنود على الحيطة، عايز يدخل، وخايف يدخل.عينيه أول ما شافوا روان، كانت فيها نظرة بني آدم تايه.
روان قالت له بهدوء:
– عايزاك.
ما فكرش، دخل فورًا كأنه داخل قاعة محكمة، مش أوضة مراته.وقف عند طرف السرير، مش عارف يقرب، ولا عارف يرفع عينه فيها.
سارة قالت بصوت واهي:
– ياسر… أقعد جنبي.
قرب بخوف، قعد على الكرسي، ومدّ إيده ببطء كأنه مستأذن من الهواء نفسه.
هي مدّت إيدها ولمست أصابعه. وبصوت هادي جدًا قالتة:
– ما تلومش نفسك.
هزّ راسه، دموعه نزلت، وملامحه إنكسرت قدّامها:
– أنا… دمّرتِك. أنا اللي وقعتك في الحالة دي. كنت عارف، وبرضه…برضه ما قدرتش أقول لأ.
سارة ابتسمت بحنان غريب:
– الحب مش جريمة يا ياسر. وإحنا… كنا محتاجين بعض. حتى لو لحظة واحدة.
هزّ راسه:
– بس إنتِ تعبتِ، وأنا السبب.
سارة قالت جملة كسرت البيت كله:
– التعب مش منك… التعب من المرض. اللي بيننا… ده كان حياة. وانا اللي طلبت… مش إنت.
ياسر مسك إيدها وباسها بخوف، وقال بصوت اتكسر:
– أنا وعدتك أحميكِ، وأنا اللي وجّعتك.
سارة هزّت راسها وقالت:
– لأ… إنت رجعتلي روحي. حتى لو بكرة هضعف، اللحظة دي كانت نور.وإنت مش أناني ولا ظالم. إنت راجل بيحب مراته لآخر نفس.
روان، اللي كانت واقفة عند الباب، دمعتها نزلت، وشافت حاجة محدش شافها قبل كده:حُب بيموت… بس لسه حيّ. حبّ كبير، أكبر من المرض، وأقوى من العتاب.
سارة قالت لياسر بصوت هادي جدًا:
– أقعد جنبي، بس من غير خوف. أنا مش هكسرك، وإنت مش هتكسرني.
وهنا…ولأول مرة من أيام…ياسر ساب دماغه ترتاح على كتفها، وسارة مسكت شعره بإيديها الضعيفة…وروحها قالت:
“لسه فيه عمر… ولو حتى في لحظة.”
رواية وصية حب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نسرين بلعجيلي
الليل نزل بدري اليوم ده، والبرد كان قاسي بطريقة غريبة، كأن الدنيا بتحاول تقول حاجة ومش قادرة تنطق.
البيت ساكن… سكون مش طبيعي، سكون يخوّف.
سارة كانت نايمة في سريرها، جسمها خفيف، خفيف جدًا بطريقة ما كانتش طبيعية حتى لياسر اللي اتعود على تعبها.
كان قاعد جنبها، عينه عليها مش بتفارقها لحظة. من امبارح، بعد اللي حصل بينهم وهو مش قادر ينام، مش قادر حتى يرمش.
كان شايف نفسها بيطلع بصعوبة، كأن صدرها بيتخانق مع كل شهيق.
مدّ إيده على جبينها… نار، مش سخونة، لأ… نار.
سحب إيده بسرعة، قلبه وقع في رجله:
– سارة؟
صوته كان مبحوح… وخايف.
فتحت عينيها نص فتحة، نظرة تايهة، مش مركّزة.
– ياسر…
صوتها ما كانش صوتها، كان واهي، بعيد، كأنها بتتكلم من آخر الدنيا.
– إنتِ سخنة قوي، مستحيل ده يكون طبيعي.
حاولت تتحرك… رجليها ما شالتهاش. إيدها اترعشت، وجسمها كله كان بيترجّف.
– بردانة…
همست الكلمة، بس رعشة صوتها فضحت الوجع.
غطّاها ببطانية تانية، بس جسمها كان بيترعش رغم كل الهدوم اللي فوقها.
– أنا هكلم الدكتور دلوقتي.
مسك التليفون بسرعة، لكن قبل ما يتصل سمع صوتها.
– ياسر…
لفّ ليها بسرعة. كانت بصّة في السقف، مافيش تركيز، مافيش وعي كامل.
– نفسي…
وهي بتحاول تاخذ نفس.. الصوت خرج متقطع.
– نفسي…
بيقطع.
الجملة دي كسرت قلبه. إتسمر مكانه ثانيتين وبعدين جري عليها.
– إستني.. إستني، خذي نفسك معايا، يلا، واحد… إثنين…
هي بتحاول، بس مفيش هوا، كأن صدرها مقفول. عينيها بدأت تزوّغ. وشها بقى أبيض مخيف.
– ياسر…
قالتها بنبرة فيها ذعر.. ذعر عمره ما سمعه منها قبل كده.
في اللحظة دي، رجع يشغّل جهاز الأكسچين بسرعة، ركّب لها الماسك بإيده المرتجّفة.
– يلا… إتنفّسي، بالله عليكِ خذي النفس، كده… آه… كده…
لكن جسمها كان بينهار. دي مش نوبة تعب، دي بداية انهيار.
جري على التليفون، إتصل بالدكتور بصوت متقطع:
– دكتور، حالتها مش طبيعية، بتنهار قدامي، نفسها بيقف، الحرارة فوق الأربعين، جسمها بيرتعش كله.
الدكتور رد بسرعة:
– لازم الإسعاف فورًا. دي مش مجرد سخونية، ده انهيار مناعي. ممكن يحصل هبوط في الأكسچين. إلحقها قبل ما تدخل صدمة.
كلمة صدمة خبطت في دماغه زي طلقة. جرى عليها، ركّب جهاز الضغط، لما قاس.. الرقم كان كارثة.
ضغطها هابط، قلبها بيجري. نفسها بطيييء.
– سارة!!
قالها بصوت عالي، كأنه بيحاول يصحي روحها مش جسمها.
فتحت عينيها تاني، بصّت له نظرة واحدة.. نظرة كلها خوف وكأنها بتسلّمه بنتها.
– ياسر… خذ بالك من ملك.
الجملة قطعت روحه نصّين:
– ماتقولييش كده. مافيش حاجة هتحصل، إنتِ سامعاني؟؟
دمعة نزلت من عينها، مش دمعة وجع، دمعة وداع.
الكلمة دي فجّرت الدنيا كلها. ياسر حسّ الأرض بتتهزّ تحت رجليه، مد إيده يدور على الموبايل، كل ثانية كانت عاملة زي سنة.
الضغط 112.
صوته وهو بيكلمهم مش صوته:
– مراتي مش قادرة تتنفس، لو سمحتوا بسرعة… العنوان…
قفل وبصّ لها، لقاها بتتلوّى، إيدها بتتشنج.
– لا لا لا… سارة بصّي لي، بصي لي أنا.
دمعة وقعت منه غصب عنه.
خلال 4 دقايق، الشارع تحتهم اتملّا صوت سرينة الإسعاف.
الإسعاف دخلت الشقة بسرعة، 2 مسعفين، واحدة ستّ وواحد راجل.
المسعفة قربت وقالت:
– هي بتسمعني؟
سارة حاولت تفتح عينها، لكن عينها كانت بتتقلب.
المسعف قال:
– أوكسچين فورًا.
ركبّولها الجهاز، وياسر ماسك إيدها، مش قادر يبعد ولا لحظة:
– يا جماعة بالله عليكم إلحقوها. دي مش… دي سارة… دي كل حاجة ليا.
المسعفة قالت له بهدوء:
– هننقلها دلوقتي. حضرتك تركب ورا.
الهوا اتملّى صراخ داخلي مش مسموع.
المسعف:
– تنفسها ضعيف جدًا. لازم تتحجز فورًا في العناية.
ياسر وقف زي المجنون:
– لأ… لأ… حطّوا الجهاز كويس، هي بتتنفس، بتسمعني.
لكن واحد منهم بصّ له وقال:
– لو اتأخرنا دقيقة تانية، ممكن نفقدها.
اتحطّت على النقالة، جسمها كان خفيف بطريقة تخوّف. وهما نازلين السلم، سارة فجأة فتحت عينها نص فتحة، وبصوت شبه معدوم همست:
– ياسر… ملك… خلي بالك… عليها…
وصوتها إختفى.
ياسر صرخ:
– سارة... لا لا.. ما تسكتيش يا سارة.
المسعف قال له:
– ماتتكلمش معاها، خليها ترتاح.
ركبوا الإسعاف، الباب اتقفل، والسيرينة ولّعت الشارع كله. ياسر قاعد جنبها، إيده ماسكة إيدها بكل قوته، وعينه مش شايفة غير وشّها اللي بيبعد عنه شبر بشبر.
قال بصوت مكسور:
– يا رب.. ما تاخذهاش، يا رب لا.
المسعفة بصّت له وقالت:
– ركّز معاها، كلمها، صوتك مهم.
قرب منها وهمس:
– أنا هنا، مش هسيبك، إفتحي عينيكِ. سارة لو سمعتيني، حلفتك بحبك ماتسيبينيش.
دمعة نزلت من عينها، نقطة واحدة بس.
المسعفة قالت بسرعة:
– كويس، ده معناه إنها لسه سامعة.
وصلت عربية الإسعاف باب المستشفى، دخلوها على نقالة تانية، والممر كله اتفتح.
ياسر حاول يدخل معاها، بس الممرض وقّفه:
– آسف يا فندم، لازم تستنى برا.
وقف وملامحه بتنهار. مسك في الحيطة، ونزل على الأرض وهو بيقول:
– يا رب… يا رب سترك.
باب العناية اتقفل على سارة، والممر كله اتحوّل لظلّ طويل يضرب في قلب ياسر. قعد على الأرض، ظهره للحيطة، وصوته طالع من صدره مكسور:
– يا رب.. يا رب سترك.
ماكانش شايف غير صور: ضحكتها، نفسها اللي كان بيعدّه، ولحظة انهيارها على إيده.. إيده لسه فيها ريحة بشرتها.
الوقت بقى تقيل جدًا، مافيش صوت غير الأجهزة جوّا العناية، وصوت خطوات ممرض رايح جاي من بعيد.
وبين دقيقة والتانية… كان بيطلع تليفونه، يبص فيه، مش عارف يتصل بحد، ومش عارف يستنى لوحده.
وفجأة… سمع صوت خطوات سريعة في الممر.. روان.. كانت داخلة وهي بتلهث، وشعرها مفكوك، وشكلها مرعوب كأنها لسه طالعة من حلم وحش.
أول ما شافته على الأرض، صرخت:
– ياسر!! مالك؟! سارة فين؟!
هو رفع راسه ببطء، عينيه حمرا، ووشّه باين عليه إنه مش نايم من أيام.
قال بصوت واطي جدًا:
– جوا، مش قادرة تتنفس. سارة بتضيع يا روان.
جريت عليه وقعدت جنبه على الأرض، مسكت إيده بقوة:
– لأ… لأ… ماتقولش كده. هي قوية، ودايمًا بترجع. قولّي، حصل إيه؟
ما ردش.
دمعة نزلت من عينه رغمًا عنه. هو مش من النوع اللي يبكي، بس النهارده مافيش رجولة ولا كبرياء، فيه راجل مكسور على امرأة روحه فيها.
إتنهد وقال بصعوبة:
– أنا السبب.
روان شدّت إيده:
– بطل الكلام ده، سارة محتاجاك قوي دلوقتي.
– لأ… اسمعيني، لو مش أنا اللي… لو ما كنتش… لو ما ضعفتش... ما كانتش هتوصل للّحظة دي.
روان سكتت، الكلام اللي قالته في البيت امبارح رجع يقطع قلبها. بس دلوقتي، ده مش وقت الحساب.
حطّت إيدها على كتفه وقالت:
– ياسر، سارة عمرها ما كانت تشوفك سبب وجعها،. ولو رجعت دلوقتي وشافتك كده هتزعل. قوم.. قوم وقف، إرجع تبقى سندها زي ما كنت دايمًا.
وقفوه سوا، وهي ماسكة إيده كأنها بتسنده من سقوط مش من تعب.
قدّام باب العناية، الاثنين واقفين، والخوف بينهم ساكت.
روان بصوت واطي قالت:
– ياسر، مهما حصل سارة بتحبك حب ماحدش في الدنيا يقدر يلمسه.
هو بَصّ لها بنظرة فيها شكر وندم، وحزن. ونظرة تانية جديدة، مالهاش إسم.
هو محتاجها. بس مش بالشكل اللي يخوّف. محتاج وجود، مش حب. محتاج ظهر، مش علاقة.
هي فهمت ده من غير ما يقول. مافيش كلام، بس فيه خطوة، لما قرب منها وقال:
– مش قادر، أنا مش قادر أعيش اللحظة اللي ممكن تتاخذ مني فيها.
روان اتمدت على كتفه، وقالت بهدوء:
– كلنا مش قادرين، بس هنعدّي، حتى لو بألف دمعة. الحمدالله اني اخدت ملك امبارح معايا.
قعدوا على الكراسي جنب باب العناية، روان سندت راسها على الحيطة، وياسر كان ماسك المسبحة اللي جابتهاله سارة زمان وقالت له: "دي هتربط قلبك لو يوم اتوه."
وقلبه تاه وبيدور عليها.
مرت الساعات…وكل دقيقة كان فيها خوف جديد. لحد ما الباب اتفتح، وخرج الدكتور.
ياسر وقف بسرعة، كأن رجليه مش لامسه الأرض.
– دكتور!! سارة عاملة إيه؟
الدكتور ماسك ورق، وشه جد، مالوش ملامح، لكن صوته هزّ الكوريدور:
– الحالة لسه غير مستقرة. بس عملنا اللازم. هي بين الحياة والموت، والساعات اللي جاية هي اللي هتحدد.
روان حطت إيدها على صدرها. ياسر حسّ إنه وقع من 100 دور.
الدكتور كمل:
– المريضة بتسأل عليكم بس وعيها ضبابي. لو تحب يدخل واحد دقيقة بس، لأنها تعبانة جدًا.
بصّ ياسر لروان وعنيه بتسأل: أدخل؟ ولا أخاف أشوفها كده؟
روان هزّت راسها له: أدخل، هي مستنياك.
دخل.
الغرفة كانت ظلمة ما فيهاش نور غير الجهاز اللي بيقيس نبضها.
وسارة مرمية بين الأجهزة وماسكة الماسك على وشها بإيد ضعيفة جدًا.
لما شافته رفعت رمشها، إبتسامة صغيرة طلعت رغم الألم. مدّت إيدها بصعوبة، ولما مسكها همست:
– ياسر…
– أنا هنا، أنا معاك ما تخافيش.
دمعة نزلت منها، وقالت:
– لو… لو جرالي حاجة… و... وملك… ملك…
قاطعها بسرعة:
– لأ. ما تجيبيش سيرة الكلام ده، إنتِ هترجعي، إنتِ أقوى من أي وجع.
بس هي ابتسمت ابتسامة الوداع، إبتسامة الست اللي فهمت قدَرها.
وشاورت بإيدهت، وقالت بصوت متقطع:
– عايزا… أوصّيك… بحاجة…
قرب منها، قلبه بيصرخ:
– قولي، أنا سامعك.
همست:
– ياسر… ملك… ورو… را…
لكن النفس قطعها، الجهاز صرخ. والممر كلّه جري.
وياسر اتسحب من الأوضة وصوته بيصرخ:
– سارة!!! سارة!!! إفتحوا الباب!!! سيبوني معاها!!!!
روان جريت من بعيد لما شافته كده، صرخت:
– ياسر، قولّي.. هي حصل لها إيه؟!
وهو واقع على باب العناية، إيده على قلبه وعينه مش شايفة غير سارة جوّا. قال بصوت مكسور:
– كانت بتوصّيني بس نفسها خذلها.
غمض عينه ونزلت دمعة منها، كانت بداية النهاية، ونقطة التحوّل. والباب اللي هيفتح على الوصية اللي هتغيّر كل حاجة.
"وفي اللحظة اللي اتقفل فيها باب العناية، فهم ياسر إن اللي بيحصُل مش نهايتها، ده ابتداء حسابه هو، حساب الحب، وحساب الوصية اللي اتقطعت قبل ما تكمل، ولسه معلّقة بين الحياة والموت، مستنياه."
رواية وصية حب الفصل العشرون 20 - بقلم نسرين بلعجيلي
الممر كان ساكت بطريقة تخوّف، صمت يشبه الصمت اللي قبل العاصفة، مش صمت مرض في سرير.
ياسر كان واقف قصاد باب العناية، إيده على راسه، نفسُه يطلع ويتقطع، ينزل ويتقطع، زي واحد بيغرق ومش لاقي حتة هوا.
روان واقفة جنبه، مش قادرة تسيبه، مش قادرة تقرب منه زيادة. واقفة بس بتسند وجوده.
الممرضين رايحين جايين، صوت الأجهزة جوّا، وهو مش سامع غير كلمة واحدة، الكلمة اللي اتقطعت: "ملك… ورو…"
روان قربت خطوة، بصوت هادي:
– ياسر، أقعد، إنت شكلك مش طبيعي.
ما ردش، ولا حتى بَصّ. هو كان في دنيا تانية، الدنيا اللي فيها مراته محبوسة ورا باب، ومش عارف هتتنفس ولا لأ.
بعد عشر دقايق من الجحيم.. طلع الدكتور.
ياسر جري عليه:
– طمّني يا دكتور، بالله عليك طمّني.
الدكتور مسك ورق الأشعة وهو بيقول:
– هي لسه في حالة حرجة جدًا، التنفس مش ثابت، وفي إنهيار مناعي واضح. هنحاول نثبت الأكسجين والأدوية على أعلى جرعة، وبعدين نبقى نشوف.
ياسر حاسس الأرض بتتهز تحته.
روان:
– يعني فيه أمل؟
الدكتور بص لثواني، وقال:
– إحنا عملنا اللي نقدر عليه، والباقي عند ربنا.
الجملة دي ما بتطمنش، جملة بتتقسم نصين:
نص أمل… ونص وداع.
سكت الدكتور ومشي. ياسر قعد على الكرسي اللي في الممر، جسمه كله وقع.
روان قربت منه ببطء:
– ياسر، لازم تاكل لقمة، تشرب حاجة.
هزّ راسه بلا:
– مش قادر، مش هتتبلع.
كانت لحظة صدق زيادة عن اللزوم. روان قعدت جنبه، مسكت صباع المسبحة اللي كان بيقلّبها، قالت بصوت واطي:
– سارة قوية، كانت بتدعي ربنا يسهّلك طريقك. مش معقول ربنا هيسيبك دلوقتي.
بس هو ما كانش سامع، ولا شايف، ولا قادر يفهم.
وفجأة…
رفع عينه عليها، وقال بصوت مبحوح:
– روان… هي كانت بتقول إيه؟ كانت بتوصّيني بإيه؟ كانت هتقول إيه بعد “رو”؟
روان اتجمدت، هي نفسها اتصدمت من السؤال.
قالت بحذر:
– يمكن كانت هتقول “روحي”، “روحك”، أي حاجة. ما تفسّرش الكلمة، ماتعلّقش قلبك بحاجة مش أكيد.
لكن هو قال بكسرة:
– كانت بتقول “ملك… ورو…” ورفع راسه، عينه ثابتة على نقطة مش موجودة:
– سارة عمرها ما بدأت كلمة وما كملتهاش، إلا لو اللي بعدها أهم من حياتها.
روان قلبها وقع. عارفة إن سارة طول عمرها صريحة، ولو كانت هتنطق إسم حد، كانت هتنطقه كامل. لكن دي مش لحظة نفتح فيها باب جديد.
فردّت بسرعة:
– سارة دلوقتي محتاجة دعاء، مش تحليل لكلامها. ركّز في حياتها، مش في اللي اتقطع منها.
هو بَصّ لها، وعينه لأول مرة من ساعات ترفّ دمعة فيها رجاء مش ذنب:
– إدعيلي.. إدعيلي أصبر.
روان قربت منه، حطّت إيدها على كتفه:
– ربنا كبير يا ياسر. وربنا مش هياخذ حد بيحبه بالطريقة دي.
وبين الكلمتين، باب العناية اتفتح.
الممرضة قالت:
– المريضة صحيت دقيقة، وطلبت تشوف “جوزها بس”.
ياسر وقف بسرعة، رجله بتتهز.
روان قامت وراه، لكن الممرضة رفعت إيدها:
– المريضة قالت “جوزها بس”.
ياسر دخل وروان وقفت مكانها، قلبها واقع، مش عارفة ليه دمعتها نزلت فجأة.
الظلمة ناعمة، الجهاز بيعلى ويقع، والنبض بيعد بالدقيقة.
سارة كانت نايمة، مش نايمة، لا.. متعلقة بخيط تنفّس. لما سمعت خطواته فتحت عينيها بصعوبة.
إبتسامة خفيفة، كسيفة، لكن كاملة.
مدت إيدها، عارفة إنه هيقرب.
قرب، وقعد، ومسكت إيده، حطّتها على صدرها، على نبضها الضعيف.
همست:
– ياسر…
– أيوة يا روحي، أنا هنا.
عينيها دمعت، بس ابتسامتها ما راحتش:
– هتسمعني؟ لما… لما أقولك؟
– أسمعك، ولو بنفسي.
أخذت نفس، نفس صعب، وقالت بأبطأ صوت في الدنيا:
– لو… جرالي حاجة… ملك… لازم…حد… يحبّها… زي ما إنت… بتحبّني.
قلبه وقع. دمعته نزلت على إيدها.
هي كملت:
– أمّك… هتجوزك… سلوى…بس… أنا… مش… هاسمح.
نفسها قطعها، بس مسكت إيده بقوة:
– روان… روان بنت… قلبها... نظيف… و… بتحب ملك… وخايفة… عليك.
هو اتصدم، إتصلّب، عينه اتسعت.
هي قالت آخر كلمة قبل ما الأكسچين يقطع خيط صوتها:
– جوزها... جوز… روان…
الجهاز صرخ. والدكاترة دخلوا يجَروا. وهو اتسحب برّه، عينه متسمّرة عليها، وقلبه بيقع. مش فاهم لسه، بس فاهم إن آخر كلمة نطقتها:
كانت “روان”.
الصوت العالي بتاع الجهاز رجّ المستشفى كلها، والدكاترة جريوا جوّه كأنهم في سباق مع الموت.
ياسر إتسحب برا الغرفة، رجله بتهوّش، وعينه مش شايفة غير صورة سارة وهي بتلفظ الكلمة الأخيرة:
“روان…”
مش "روحِك"
مش "روّحي"
مش "روح"
لأ…
إسم واضح زي طلقة.
إتسند على الحيطة، إيده على صدره، نَفَسه بيتقطع زيها.
روان كانت واقفة في نص الممر، وأول ما شافته اتسحب من جوّه، جريت عليه:
– ياسر! قلّي، إيه اللي حصل؟
هو مش بينطق، عينيه ثابتة، مش على روان، لأ، على الأرض، على الفراغ.
قال كلمة واحدة، بصوت مشوّه:
– قالت… إسمِك.
روان اتجمّدت، دمها برد، وشّها بقى أبيض كأنها اللي جالها انهيار:
– إسمي؟! ليه؟ قالت إيه؟!
ياسر رفع عينه عليها لأول مرة، عين راجل اتشقلبت حياته في لحظة:
– بتوصّيني إنك تبقي مراتي.
روان رجعت خطوة ورا، إتخبطت في الكرسي اللي وراها، مش مصدّقة، مش مستوعبة، مش قادرة حتى تتنفس:
– إنت… إنت بتقول إيه؟! سارة؟ سارة تقول كده؟!
هو مسك دماغه، وزعق بصوت واطي كأن نفسه خانه:
– قالت «ملك… وروان» وقالت إن أمي هتجوزّني سلوى وهي مش راضية ومش هتسامح، ومش عايزة بنتي تتربّى في بيت مش بيتي.
دموعه نزلت، وأول مرة ينهار قدّام روان بالشكل ده.
روان، رغم صدمتها، رغم رجليها اللي مش شايلينها، حطّت إيدها على بقها وهمست:
– يا رب.. يا رب دي بتموت وبتفكر في بنتها، وفيك، وفيّ أنا؟
ياسر هزّ راسه وهو بيبكي:
– قالت “اتجوزها” قبل ما صوتها يقطع. كانت بتكلّمك، بتكلّم القدَر، بتكلّم الدنيا كلها.
روان قعدت على الأرض، مش قادرة توقف من صدمتها. عيونها مفتوحة، دموعها نازلة من غير صوت:
– لأ.. دي سارة مش ممكن تقول كده، مش ممكن!
ياسر قرب منها خطوة، صوته مرّ، مكسور، مخنوق:
– أنا مش فاهم ولا عارف أعيش اللحظة. بس اللي متأكد منه إنها قالت إسمِك وهي بتموت.
روان ضربت صدرها بإيدها، مش قادرة تتحمل الشعور:
– أنا ما ينفعش، أنا ما اقدرش، أنا بحبّها زي أختي، أتجوز جوزها؟! ده جنان. سارة كانت في حالة بين الحياة والموت، يمكن كانت بتقول أي كلام، يمكن كانت بتخرف.
ياسر قرب أكثر، وصوته اتحوّل لضحكة باكية:
– سارة؟ تخرف؟
دي آخر واحدة تخرف. دي لو هتموت، هتموت وهي راكّزة ومسمعاني الكلمة اللي تقتلني بعد موتها.
روان صرخت:
– طب وبعدين؟ عايزني أعمل إيه دلوقتي؟ أدخل أشوفها؟ ولا أهرب؟ ولا أقول لملك إيه لو ماتت؟ إن ماما قالت لبابا يتجوز روان؟! ده خراب بيوت يا ياسر.
ياسر مسك دماغه، وقال بصوت مهزوم:
– أنا… أنا تايه. مش قادر أتنفس، مش قادر أفكّر، مش قادر أصدّق.
روان قربت منه، وحطّت إيدها على كتفه، وقالت بصوت من جوّا قلبها:
– ياسر، لو ده حصل، لو دي وصيّتها، يبقى القرار مش بتاعك، ولا بتاعي، ده قدَر.
سكتت ثواني، وبعدين قالت الجملة اللي قصمتها:
– بس لو هي عايشة، ما تفتحش الكلام ده. لو قامت، هتتكسر منّنا إحنا الاثنين.
ضحكة ياسر خرجت مكسورة:
– تقوم؟ دي دلوقتي بين الحياة والموت.
روان دمعتها وقعت على الأرض:
– ومافيش مستحيل على ربنا. ما ندفنش سارة وهي عايشة.
سكتوا…
والممر كان بيترعش من الصمت. وبعدين، باب العناية اتفتح فجأة.
والممرضة قالت بصوت عالي:
– المريضة محتاجة نقل دم بسرعة، الضغط بينهار.
صرخوا الاثنين في نفس اللحظة:
– يااااارب.
ياسر جري، وروان جريت وراه، والممر كله جري.
والقدَر كان واقف في النص، مجهز سيفه، ومستني ياخذ أول إسم.
صوت العجلات اللي بتتزق على الأرض كان بيخبط في قلب ياسر قبل ودانه. الممرضة بتجري، والدكتور وراها، ووراهم جهاز الضغط بيتحرّك بسرعة.
روان واقفة على جنب الممر، صدرها بيعلى وينزل بسرعة، مش عارفة تمدّ إيدها ولا تتراجع، واقفة بين خوفين:
خوف على سارة، وخوف من الكلمة اللي قلبت حياتها: “روان… جوزها.”
أما ياسر، فكان ماشي ورا النقالة زي شبح. عينيه على وشّ سارة اللي باين منه نصه بس، شفتين باهتين، وجهاز الأكسجين بيطلع بخار خفيف حوالين الماسك.
دخلوا غرفة الطوارئ الخاصة بالعناية، والممرض قفل الباب في وشّه:
– إستنى برا يا أستاذ من فضلك.
الباب اتقفل بقسوة، والحياة اتقفلت معاه.
ياسر اتكعبل وهو بيرجع خطوة، مسك الحيطة بإيده، وحسّ إن الدنيا لفت.
روان قربت بسرعة، مسكت دراعه قبل ما يقع:
– ياسر، بالله عليك إوعى تقع. خليك واقف، هي محتاجاك واقف.
ما بصّش ليها، صوته طلع واطي جدًا، زي حد بيتكلم مع نفسه:
– لو… لو جرالها حاجة، أنا خلصت، أنا مش هاعرف أربي ملك، ولا هاعرف أعيش. هي كانت روحي، كانت السبب إني راجل. أنا… أنا هضيع.
دمعة نزلت من روان، ومدّت إيديها ومسكت وشّه بين كفيها لأول مرة من يوم ما عرفته:
– لأ. إسمعني كويس، سارة عايشة لأنك جنبها. وربنا كبير. واللي بيحبّك بالشكل ده، مش هيسيبك لوحدك.
رفع عينه لها، ولأول مرة من أول الليلة، عينيه استقرت على وشّها بجد. كانت لحظة صدق، ولحظة وجع، ولحظة إعتراف بين سطور مكسورة.
لكن الباب اتفتح فجأة.
ممرضة خرجت بسرعة وقالت:
– مين منكم فصيلة دمه O- ؟
ياسر قال بسرعة:
– أنا، أنا فصيلتي O-.
الممرضة هزّت راسها بسرعة:
– تمام، إلحقني محتاجين أكياس دم فوري.
جري معاها، وروان رجعت خطوتين لورا، قلبها بيتقطع وهي شايفة الراجل اللي بتحبه سارة، واللي عمرها ما سمحت لقلبها ينظر له نظرة زيادة، داخل يديها حياته.
سندت ظهرها على الحيطة وشهقت شهقة مكتومة.
همست لنفسها وهي بتبكي:
– يا رب.. يا رب.. ما تاخذهاش.. ما تاخدهاش يا رب.
بعد نص ساعة…
ياسر خرج من غرفة التبرع، وشّه شاحب، إيده فيها قطن، بس قلبه مش في جسمه.
روان جريت نحوه:
– عملت التبرع؟ إدّيت الدم؟
ياسر هزّ راسه، واتكعبل في كرسي وقعد.
روان قعدت جنبه، وبصوت كله خوف قالت:
– طيب، قالولك حاجة؟ الدكتور قال إيه؟
هو لفّ وشه ناحيتها، عينه حمرا، وقال بصوت ضعيف:
– قالوا إن الدم لحقها قبل ما الضغط يختفي خالص. بس لسه، لسه حياتها على السطر.
روان حطّت إيديها على وشها وبكت بدموع ساخنة:
– سارة قوية، سارة هترجع، سارة مش هتسيب ملك ولا هتسيبك، ولا هتسيبني.
ياسر لفّ لها ببطء كأنه أول مرة ياخذ باله إنها مكسورة:
– إنتِ … إنتِ بتحبيها قدّي؟
روان ببكاء مكتوم:
– أكثر .. أكتر من نفسي.
الاتنين سكتوا… ودقيقة ورا دقيقة الباب اتفتح.
الدكتور خرج وشه مرهق وفيه نظرة ما يعلمهاش غير اللي اتعامل مع الموت مليون مرة.
ياسر وقف بسرعة:
– يا دكتور!! سارة عاملة إيه؟!
الدكتور أخذ نفس طويل وبعدين قال:
– المريضة فاقت.
روان شهقت:
– فاقت؟! بجد؟!
الدكتور رفع إيده يهدّيهم:
– فاقت، لكن وعيها مش كامل. هتدخل حالة تشتت وهتقول كلام من اللاوعي. ممنوع نضغط عليها. وممنوع أي حد يسألها أسئلة مؤذية أو متعبة.
بَصّ لياسر تحديدًا:
– لو دخلت، خليك ثابت. وما تجيبش سيرة وصايا ولا خوف ولا موت.
ياسر بلع ريقه، وقلبه وقع.
الدكتور بصّ على روان:
– وإنتِ، مش هينفع تدخلي دلوقتي. هي محتاجة تشوف جوزها بس.. ده الطبيعي في حالات الصدمة.
روان حسّت إن كلمة "جوزها" لسعت قلبها زي نار. هزّت راسها وقالت:
– حاضر.
ياسر قرب من الباب، إيده بترتعش، ورجليه تقيلة، لكن قبل ما يدخل، روان نادته بصوت واطي، صوت بيترعش:
– ياسر…
لفّ لها.
روان قالت بخوف حقيقي:
– لو.. لو قالت حاجة ثانية، لو قالت إسمي ثاني، لو اتكلمت عن اللي قالته قبل ما تقع...
بصّت له بعمق:
– ما تصدّقش، فما تاخذش قرار وهي بين الموت والحياة. إستنى لحد ما تبقى سارة، مش ظلّ سارة.
ياسر إتنفس وشّه في تراب الدنيا وقال:
– أنا مش داخل أدور على وصية، أنا داخل أدور على مراتي.
ودخل. وروان، أول ما الباب اتقفل، حطّت إيديها على قلبها وقالت:
– يا رب إقبض الوجع من قلبي، بس ما تقبضش روحها.