تحميل رواية «وصية حب» PDF
بقلم نسرين بلعجيلي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت الساعة خمسة العصر، ريحة أكل في البيت، وصوت فتافيت سارة في المطبخ وهي بتغني بصوت واطي أغنية قديمة. ياسر دخل من باب الشقة وهو بيقول: السلام عليكم. نبرة راجل جاي من الشغل وتعبه ظاهر في خطواته، بس صوته دافي. سارة: إيه ده؟ رجعت بدري النهارده؟ ياسر: قلت أهرب من المكتب قبل ما يدفنوني فيه. ورمى الشنطة على الكنبة وفك ربطة الكرفته. سارة: طب ياريت تهرب كل يوم كده والله. ضحكوا، وبينهم لغة حب هادية مش بتاعة صراخ وورد كل يوم، بس راحة.. راحة بيوت مرتاحة ببعض. رن جرس الباب. سارة بصّت لنفسها في المرايا الصغ...
رواية وصية حب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نسرين بلعجيلي
الهدوء جوّه العناية كان غريب، صوت الأجهزة بيعدّ نبض، والضوء خافت، والهوا فيه ريحة دوا وتعقيم وخوف.
ياسر دخل بهدوء، قلبه بيخبط في صدره. قرب من السرير، لقاها فاتحة عينيها، أهدى شوية من المرة اللي فاتت، بس التعب لسه ساكن ملامحها.
ابتسمت ابتسامة صغيرة:
– إتأخرت ليه؟
صوته اتكسر وهو بيحاول يضحك:
– كنت برّه بادعي.
قرب، مسك إيدها بحنان:
– حمد الله على سلامتك يا سارة.
بصّت له بجدية غريبة، مش شبه سارة اللي بتضحك وتهزر:
– ياسر… أنا فايقة.
قالتها كأنها بتأكد له وللدنيا كلها:
– مش بخرف، ولا بقول كلام هري. أنا عارفة كل كلمة قلتها من شوية، وعارفة اللي ناوية أقوله دلوقتي.
اتشد من جوّه:
– يا سارة، الدكتور قال إنك تعبانة، وممكن تقولي كلام من اللاوعي يعني...
قطعت كلامه:
– لأ.
نطقتها بهدوء، بس فيها قَطع:
– أنا مش مهلوسة. أنا في آخر امتحان في حياتي، ومش عايزة أغلط فيه.
سكت، قلبه بيخبط.
هي كملت، وهي بتزيح الماسك شوية عشان تقدر تتكلم:
– ناديلها.
رمش:
– مين؟
– روان.
إسمها نزل تقيل في الهوا:
– عايزاها تدخل ولو خمس دقايق.
ياسر اتلخبط:
– الدكتور قال زيارة شخص واحد بس.
سارة ابتسمت ابتسامة متعبة:
– طيب قول للدكتور إني عايزة أشوف "أختي"، مش هيمانع.
يخرج ياسر، وبعد شوية رجع ومعاه الممرضة، ووراها روان، دخلت بحذر، قلبها في رجلها، عينيها مليانة خوف ودمع منحبس.
روان بصوت واطي:
– يا روح قلبي، خوفتينا.
سارة لمست هوا إيديها بإيدها الضعيفة:
– تعالوا جنبي.. إنتم الاثنين.
أشارت ليهم يقربوا.
ياسر وقف ناحية اليمين، روان ناحية الشمال، وهي في النص، نقلة قدر.
سارة بصّت ليهم واحد واحد، وبعدين قالت بهدوء غريب:
– أنا مش هلف ولا أدور… ولا عندي وقت أضيّعه. يا ياسر… يا روان… أنا عايزاكم تتجوزوا.
روان اتجمّدت في مكانها:
– إيه؟!
كلمة واحدة خرجت، بس كانت مليانة صدمة وقهر وخوف.
ياسر فتح بُقّه ومش عارف حتى يعترض:
– سارة.. إحنا اتفقنا ما نفتحش الكلام ده..
– لأ، أنا اللي باتفق.
ردّت بسرعة رغم تعب نفسها:
– دي حياتي… وملك… ومستقبلك إنت وهي.
روان هزّت راسها بعنف، دمعتها نزلت:
– إنتِ تعبانة، الكلام ده حرام يتقال وإنتِ في الحالة دي. أنا أتجوز جوزك؟! إزاي؟! إزاي أبص في عينيك بعد كده؟!
سارة ابتسمت ابتسامة موجوعة:
– عشان تبصي في عينين بنتي وتطمني إنها في بيت أمان. بصي يا روان… سلوى وأم ياسر مش هيسيبوه في حاله. سلوى واقفة من زمان، ومستنية الباب يتفتح. وأنا… مش هاقبل إن ملك تكبر في بيت وحدة مش بتحبني… ولا بتحبها… ولا هتشيلهم زيك.
ياسر اتكلم لأول مرة بجدية:
– يا سارة، كفاية.. أنا مش هتجوز حد، لا دلوقتي ولا بعدين. مش قادر أستوعب فكرة إنك… إنك تمشي أصلاً، عايزاني أفكر في جواز؟!
سارة بصّت له، عينها لمعت بدمعة ثقيلة:
– الجواز مش خيانة ليا يا ياسر.. الخيانة إنك تسيب بنتك لناس ما يرحموهاش. أنا مش باطلب منك تحب روان زيّي… ولا إني أسيب مكانها في قلبك. أنا باطلب ستر... وظهر… وبيت ما يتخرّبش.
روان قالت وهي بتبكي:
– بس أنا مقدرش، أنا بحبّك يا سارة، أكتر ست دخلت قلبي بعد أمي. إزاي ألبس فستان جواز على خرابة قلبك؟!
سارة ضحكت ضحكة قصيرة، مكسورة لكنها دافئة:
– والله يا بنتي… لو كنت بغير، ما كنت رشحتِك. أنا مش ست ضعيفة.. ولا واحدة هتسيب جوزها لأي حد. أنا اخترتك إنتِ… عشان أنا مطمنة إنك هتحبيه "ليَّ" قبل ما تحبيه "لنفسِك".
رجعت تبصّ لياسر:
– وانت… فاكر لما قلتلك زمان : "لو جرالي حاجة، ما تسيبش ملك لوحدها"؟ ساعتها ضحكت وقلتلي : "ده كلام مسلسلات". أهو إحنا عايشين في المسلسل دلوقتي… بس من غير مؤلّف… فيه أنا، وانت، وربنا.
سكتت لحظة تاخذ نفس، صدرها بيعلى وينزل بصعوبة. المونيتور جنبها بيعلن كل نبضة.
قالت بصوت أبطأ:
– أنا مش هطلّق… أنا هفضل على ذمّتك لحد آخر نَفَس. بس الشرع محلّل إنك تتجوز… وأنا اللي باطلب… إني أكون موجودة… وأنا باسلّم قلبك بإيدي لحد أمين.
روان شهقت:
– لااا… بالله عليكِ ما تقوليهاش كده، ما تقوليش "أسلّم قلبك"… قلبه ليكِ إنتِ.
سارة مدت إيدها بصعوبة ولمست خدّها:
– قلبه ليّا… وأمانه عندك. فيه فرق.
ثم قالت بجملة قطعت الليلة نصين:
– أنا عايزة المأذون ييجي هنا.. النهارده.
ياسر اتصدم:
– إيه؟! مأذون؟! في المستشفى وإنتِ على السرير كده؟!
– أيوه.
نطقتها بهدوء تام:
– عايزاه يشهد عليّ… وعلى وصيّتي… وعلى جوازكم… قدّامي.
روان قامت من مكانها خطوة لورا، لحد ما خبطت في الحيطة:
– لا… لا يا سارة، ده ظلم لنفسِك، وظلم ليا، وظلم ليه. إزاي يتكتب كتاب وإنتِ على جهاز أكسجين؟!
سارة بصّت لها نظرة ستّ وصلت لمرحلة ما عادش فيها غير الصدق:
– عشان لو نمت… أنام وأنا مطمّنة. مش عايززكم تتجوزوا بعد ما أموت، عشان ما تقولوش: "استنينا موتها". عايزة كل حاجة تكون نور، ما فيهاش نقطة سواد. جوازكم قدّامي… هو براءتكم قدّام ربنا.. وقدّام نفسي.
ياسر قعد على الكرسي، مسك راسه:
– أنا… مش قادر. مش قادر أتصوّر نفسي واقف قدّام مأذون، وإنتِ نايمة على سرير عناية.
سارة همست:
– عشان كده… لازم تعملها. الحاجات الكبيرة ما بتتعملش وإحنا مرتاحين، بتتعمل وإحنا مرعوبين.. بس قلبنا راضي.
بصّت له بعينين مليانين حب:
– حلفتك بحبك ليا… وحبنا لملك... ما تكسرليش آخر طلب.
سكت… الدموع نزلت غصب عنه.
روان قربت من السرير، مسكت إيد سارة، حطّتها على قلبها:
– ولو أنا اللي مش راضية؟ لو قلبي مش مستحمل الفكرة؟ لو عمري ما قدرت أبصّ في المراية بعد الجواز ده؟
سارة ردّت عليها بجملة واحدة:
– لو بتحبّيني… هترضيني.
سكتت لحظة، وبعدين ضحكت ضحكة صغيرة:
– وبعدين… إنتِ أكتر واحدة كنتِ بتقولي "الحب مش بس إحساس.. ده مسؤولية". أهو… مسؤوليتك جت أهي.
الهدوء نزل على الغرفة ثواني. ياسر مسح دموعه بعنف، وكأنه بيحارب نفسه:
– طيب، لو جبت المأذون وجوزني ليها، ووافقت على كلامك، هتسبيهالي "أمانة"؟ مش ذنب؟
سارة أومأت برأسها، بعينين مطمّنين بطريقة غريبة:
– أمانة… مش ذنب. ولو ربنا كتب لي عمر… هتبقى أول مرة في التاريخ واحدة تبقى مبسوطة إنها شريكة قلبها مع صاحبتها.
دمعة ضحك نزلت من روان وسط الدموع:
– يا رب على عقلك، حتى وإنت بتتكسّري، دماغك شغّالة سخرية.
سارة همست:
– حياتنا كانت بين الضحك والوجع… خلي نهايتي كده برضه.
بصّت لياسر ثاني:
– روح… كلم الشيخ اللي في جامعنا. هو مأذون برضه. وقوله : "سارة عايزاك تشهد على جواز، قبل ما تمشي."
ياسر واقف بين أكبر قرارين في حياته. بصّ لروان… لقاها مرعوبة، بس واقفة ما هربتش.
روان مسحت دموعها، وقالت بصوت مبحوح:
– لو ربنا كتبلك عمر… هتفضلي إنتِ الأولى والأخيرة في قلبه. ولو مشيّتِ، هحاول أكون قدّ الكلام اللي قلتيه. بس ما تطلبيش مني أفرح.
سارة ابتسمت:
– مش عايزاكِ تفرحي… عايزاكِ ترضي.
سكتت لحظة، ثم همست:
– موافقة؟
روان بكت أكثر، بس هزّت راسها بنعم، نص رضا… نص انكسار… كله حب.
ياسر اتنفس نفس طويل جدًا كأنه أخذ أول قرار واعي من ساعة ما دخل المستشفى:
– هروح أكلمه.
خرج من الغرفة، وسارة فضلت لوحدها مع روان.
روان قعدت جنبها، خدها جنب خدها، وهمست:
– يا سارة، لو في يوم حسّيتي إني مش قدّ الأمانة، سامحيني.
سارة قالت بصوت ضعيف قوي، لكنه ثابت:
– أنا اخترتك عشان عمري ما هحتاج أسامحك... أنا اللي هافضل أدعيلك من هنا أو من هناك.
برّه… صوت خطوات ياسر وهو بيجري في الممر يدور على الشيخ.
وجوّه العناية… كانت في ستّ بتكتب آخر سطور في حكايتها بإيديها، وبتسلّم قلب راجل وبنت صغيرة، لوَصِيّة حب مش شبه أي حب.
ياسر خرج من غرفة العناية بعينين تايهين، إيده بتعرّق، وصدره بيطلع وينزل بسرعة مش طبعية.
الكلمة لسه بتلف في ودانه:
"جوزها… روان…"
وقف في نص الممر، مسك الموبايل بإيد مرتعشة، ودوّر على إسم الشيخ يحيى، الراجل اللي كتب كتابه على سارة من سنين. المكالمة فتحت بعد ثلاث رنّات.
ياسر بصوت مبحوح:
– يا شيخ يحيى، ماعلش سامحني على الوقت، بس سارة... سارة عايزة تشوفك دلوقتي.
الشيخ يحيى:
– خير يا ابني؟ صوتك مش طبيعي، مالِك؟
ياسر:
– بالله عليك ماتسألنيش دلوقتي، تعالى بس المستشفى، وتعالى بسرعة اوي.
صوت الشيخ اتغيّر فجأة، بقى جد:
– أنا في الطريق، دقايق وهاكون عندك.
قفل الخط، حط إيده على راسه، وحسّ إن قلبه نزل تحت رجليه.
رجع للممر…
روان كانت واقفة مستنياه، وشها شاحب وعينيها حمراء من كتر البكا.
روان:
– كلّمت مين؟
ياسر:
– الشيخ يحيى، سارة عايزاه.
روان شهقت:
– دلوقتي؟!
هزّ راسه، وملامحه مكسورة بطريقة تخوّف:
– آه، قالت إسمه وقالت لازم ييجي.
روان حسّت رجليها بتتشلّ، عارفة معنى طلب زي ده، ده مش طلب حياة… ده طلب نهاية.
قعدوا هما الاثنين على الكراسي، وكل ثانية كانت أبطأ من اللي قبلها.
بعد دقايق قليلة… ظهر الشيخ يحيى من آخر الممر. جاي بخطوات سريعة، ملامحه جد، ورحمة في عينه.
قرب منهم:
– خير يا ياسر؟ إيه اللي حصل؟ سارة فين؟
ياسر ما عرفش يرد غير بجملة:
– هي… هي اللي طلبتك بنفسها.
الشيخ فهم من غير شرح، من غير تفاصيل.
هزّ راسه، وقال بهدوء:
– دخلني ليها.
داخل غرفة العناية، سارة كانت فايقة، مش فايقة بمعنى صحي، فايقة بمعنى الروح مسنودة في آخرها. عينها وقعت على الشيخ، ابتسامة ضعيفة طلعت، ابتسامة واحدة من اللي بيقولوا: "كنت مستنياك…"
الشيخ قرب:
– الحمد لله إنك واعية يا بنتي، قوليلي.. وصّيتك إيه؟
ياسر واقف على يمينها، روان واقفة على شمال السرير، غصة في حلقها.
سارة مدت إيدها المرتعشة، لمست دراع ياسر، وبعدين لمست صوابع روان، ولمست الهوا اللي بينهم. وقالت بصوت مكسور، لكن ثابت:
– يا شيخ يحيى… أنا بطلب… تشهد… على جواز… روان…من… من جوزي… ياسر.
الكلمة نزلت في الغرفة زي الصاعقة. روان شهقت، وشها اتفتح من الصدمة:
– لا… لا يا سارة، بلاش الكلام ده، إنتِ تعبانة.
سارة هزّت راسها بصعوبة:
– أنا… مش… بخرف. أنا… أمّ… قبل ما أكون زوجة. وملك… محتاجة قلب نظيف… يدخل بيتها… مش قلب غريب.
الشيخ قرب أكتر، وقال بصوت رسمي:
– قبل ما نبتدي، هاسألك يا سارة: هل إنتِ موافقة بإرادتك؟ وبعقلك؟ ومش مكرهة، ولا مضغوطة؟
سارة أخذت نفس طويل، وطردته زي زفرة عمرها كله:
– موافقة… وعلى يقين… وبحب… وروحي راضية.
روان حطت إيدها على بؤها تبكي:
– أنا… أنا مش قد الأمانة دي… أنا مش قدّ قلبك يا سارة…
سارة مدت لها إيدها، روان مسكتها وهي بتنهار:
– إنتِ... أكتر وحدة… كنتِ بتخافي على ملك… وأكتر وحدة… كنتِ بتدعيلي أنا وياسر. إنتِ… مش غريبة.. إنتِ… من قلبي.
ياسر كان واقف زي الحجر، دموعه بتنزل، وصوته مش طالع.
الشيخ قال:
– يا ياسر… إنت موافق؟ موافق تنفيذًا لوصيّتها؟ ولا شايف غير كده؟
ياسر رفع عينه لسارة، هي بصلته نظرة فيها قلبها كله:
– لو بتحبّني… سيبني أرتاح ونفّذ... آخر طلب ليا.
دموعه نزلت غصب عنه، وقال بصوت واطي:
– أقبل، عشانك إنتِ، مش عشان الدنيا.
الشيخ لف لروان:
– وإنتِ؟ موافقة؟ ومستعدة تشيلي أمانة بالحجم ده؟
روان رفعت راسها، دموع في كل اتجاه، وقالت:
– أقبل… عشانها. سارة أكبر منّنا كلنا.
الشيخ فتح الدفتر، وقال بصوت رسمي:
– باسم الله نبتدي…
"ولما الشيخ قال: «بارك الله لكما…»، سارة قفلت عينيها بهدوء، كأن القلب أخيرًا لقى السكينة اللي كان بيدوّر عليها. اتسندت روحها بين صوت الدعاء… وصمت النهاية.
وفي اللحظة دي… عرف ياسر إن الفصل ده مش ختام حكاية، ده بداية إمتحان … هيغيّر مصير ثلاثة قلوب إلى الأبد."
رواية وصية حب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نسرين بلعجيلي
في جوّ العناية، كان فيه سكون مخيف، سكون مش صمت، سكون ما بعد آخر كلام.
سارة مسكت إيد روان وإيد ياسر مع بعض، وضمّتهم ناحية صدرها.
نظرتها هديت، بقت أغلى نظرة في حياتهم هما الاثنين.
همست بصوت بيقطع:
– روان… خلي بالك منهم… من ملك… ومن ياسر… ده… نصيبي... ووصيّتي…
إيدها ارتخت ببطء، رموشها نزلت. نَفَس طويل خرج… أطول من الطبيعي…
وسارة دخلت في غيبوبة كاملة. الجهاز دقّ إنذار، الممرضين جريوا، والدكتور دخل بسرعة.
روان صرخت:
– سارة... سارة فوقي بالله عليكِ.
بس جسم سارة كان ساكن، مستسلم زي وردة حدّ حطّها في مية ساقعة.
الدكتور بصّ لهم وقال بجديّة تقطع الروح:
– المريضة دخلت غيبوبة، غيبوبة عميقة. هنحاول نثبت التنفس، لكن محدّش يضمن هتفوق إمتى، أو هتفوق أصلًا.
روان وقعت على الكرسي، حطّت إيدها على وشّها وبكت زي اللي ظهره انكسر.
ياسر واقف مصدوم… مش قادر حتى يمدّ إيده عليها، مش قادر يبصّ في وشّها، ولا في وشّ روحه اللي نايمة على السرير.
وفجأة… افتكر جملة واحدة: "أنا عايزاك تشهد… على جواز روان من ياسر."
رفع راسه لروان، وبصوت تايه قال:
– يعني… إحنا كده بقينا جوزين؟ وروحها دلوقتي.. معلّقة؟
روان مسحت دموعها بسرعة، وبنبضة خوف ووجع:
– ما تقولهاش كده، إحنا ما فرحناش، ما لبّسناش محابس، ما عاشناش حاجة، ده كان جواز… “وصيّة”.
ياسر قعد على كرسي، دفن وشّه في إيده، وقال بصوت مرعوب:
– ربنا يشهد… أنا ما كنتش مستعد لكده. مش للوجع ده، ولا للمسؤولية دي.
روان قامت وقفت قدّام الباب، وقالت بنبرة قوية لأول مرة من ساعة ما حصل كل ده:
– ياسر، أنا رايحة البيت، هبلغ ماما. لأن اللي حصل ده، هيغيّر حياتي وحياتكم.
مدّت إيدها تمسح دموعها:
– ولما تفوق سارة هي اللي هتحدّد إحنا نكمّل ولا لأ.
خرجت من المستشفى، وسابت وراها ممر طويل، وفي آخره راجل تايه.. وست نايمة.. ونصيب مكتوب.
باب الشقة اتقفل وراء روان وهي داخلة، خطوتها تقيلة، وشّها باين عليه إنها شايلة جبل فوق ظهرها.
أمها كانت في الصالة، وبمجرد ما شافت بنتها داخلة بتتمايل وعيونها مبلولة، سألت بقلق:
– مالِك يا بنتي؟ سارة حصل لها إيه؟
روان ما قدرتش تتماسك، الدموع نزلت مرة واحدة:
– ماما… أنا… إتجوّزت.
الصمت نزل في البيت زي صوت قنبلة.
أمها اتجمدت مكانها، شَفّتها اتفتحت، وعينيها اتسعت:
– إنتِ عملتِ إيه؟؟
روان حاولت تتنفس:
– سارة… سارة طلبت وهي بتموت، وقالت لازم ... لازم أتجوز ياسر.
قبل ما تكمل، أمها صرخت:
– إخرسي!! إنتِ بتقولي إيه؟ إتجوّزتي جوز صاحبتك؟؟ روان!! إنتِ فقدتِ عقلك؟!!
روان هزّت راسها وهي بتبكي:
– ماما… كانت بتموت، أقسمت عليّا، قالت لي بالحرف "إرضيني"، كانت بتسلّمني ملك، وبتسلّمني البيت.
أمها قربت منها، وإيديها بترتعش من الصدمة:
– وإنتِ… صدّقتِ ده؟ صدّقتي إن الست اللي بين الحياة والموت، اللي مش واعية، كلامها يتحطّ على حياتك؟ روان، ده خراب… مش وصية.
روان بصوت متقطع:
– ماما، هي كانت فايقة وعارفة هي بتقول إيه.
أمها قطعتها بقسوة:
– فايقة؟ دي ست مفزوعة، شايفة روحها بتروح قدّام جوزها وبنتها، بتقول كلام عشان تطمّن قلبها، مش علشان تضيعي عمرك إنتِ.
قربت أكتر، وإيدها على راسها:
– يا بنتي إنتِ إزاي.. إزاي قِبلتِ تتكتبي على زوج صاحبتك؟! ده إسمه إيه قدّام الناس؟ قدّام ربنا؟ قدّام ضميرك؟
روان بدأت تهتز:
– ماما… بترجّعيني أندم أكثر، أنا كنت بين موتها.. وصوتها، خفت.. خفت لتروح وهي مش مرتاحة.
أمها صرخت:
– يعني ارتحتِ دلوقتي؟ ولا قوليلي، ياسر حبّك؟
روان اتصدمت من السؤال، إتسمرت:
– لأ… لا طبعًا.
أمها رفعت إيدها على وشها وقالت باستهجان:
– يبقى اتجوزتيه ليه؟ علشان إيه؟ علشان وحدة على سرير عناية قالت كلمة وهي مش واعية؟ علشان الراجل اللي باين على وشّه إن روحه راحت مع مراته يبقى جوزِك إنتِ؟!
الكلمات كانت أقسى من الضرب. روان اتنهدت تنهيدة موجوعة:
– أنا… أنا ما فكرتش، ولا حسبتها.
أمها ردّت فورًا:
– بالظبط، ولا اعتبرتِ كرامتك، ولا سمعتك ولا كلام الناس. الناس هتقول إيه؟ هنبقى سيرة على كل لسان :"روان جوزت نفسها لجوز صاحبتها وهي في المستشفى"؟!
روان حطّت إيدها على ودانها:
– أنا مش سارقة يا ماما، أنا ما خذتوش منها، ده طلبها.
أمها قربت، وبصوت أقل غضب، بس أعمق وجع:
– يا بنتي، الرجّالة مش عيال، مش هيتاخذوا وصية. ياسر بيحب مراته وبيموت فيها وشايفِك أمانة من مراته، مش حب. ولا واحدة ممكن تبقى في حضنه يوم. إنتِ فاهمة ده؟ فاهمة إنك دخلتِ معركة مش بتاعتك؟ ومش هتكسبك؟
روان انهارت:
– طب أعمل إيه؟ أسيبه؟ ولا ألوم نفسي؟ ولا ألومها؟ أنا تايهة…
أمها حضنتها أخيرًا، بس مش حضن طبطبة، حضن خوف على مصير بنتها:
– إسمعيني، من هنا ورايح خليكِ بعيدة، لحد ما ربنا يكتب لسارة تفوق، أو ربنا ياخذ أمانته. ساعتها، ياسر نفسه هو اللي هيحدد، مش إنتِ… ولا وصية.
وبصوت حاسم:
– بس لحد الوقت ده؟ ما تروحيش لبيته، ما تلمسيش بنته، وما تعتبرهوش جوزِك.
روان شدّت نفسها من حضن أمها، وقالت بصوت صغير.. مهزوم:
– وأنا أصلًا مش حاسة إنه جوزي. ولا هقدر أحس غير لما سارة تقوم وتتكلم وتقول بنفسها إنها راضية.
أمها قالت آخر جملة تقفل المشهد:
– لو كانت بتحبّك بجد، كانت هتوصّي عليك.. مش على جوزها.
سقطت الجملة على قلب روان زي حجر.
بعد خروج روان، رجع الممر هادي، لكن جوّه صدر ياسر كان فيه صراخ ما بيقفش.
مسك وشّه بإيديه وقعد دقيقة، وبعدين افتكر، ملك.. بنته.. روحه الصغيرة اللي كل اللي بيحصل ده هيحرقها لو ما عرفش يحميها.
قام بسرعة، وراح لبيت أمه علشان ياخذها. كان ماشي ومش شايف الطريق، كأنه شايل الدنيا فوق ظهره.
لما دخل، لقى ملك قاعدة على الكنبة، ماسكة لعبتها وعينيها بتدوّر على أمّها.
أول ما شافته جريت عليه:
– بابا! ماما لسه في المستشفى؟ هي كويسة؟ هترجع معانا إمتى؟
صوته اتخنق، إبتلع دموعه بالعافية:
– ماما تعبانة شوية يا روحي، بس هتبقى أحسن إن شاء الله.
ملك قربت منه، حضنته جامد:
– طب نروح لها نجيبها معانا؟ أنا عايزاها دلوقتي.
هنا.. قلبه وقع، ركع على ركبته قدّامها، مسك وشّها بين إيديه:
– ملك… إسمعيني يا حبيبتي، ماما نايمة دلوقتي، والدكتور قال لازم ترتاح.
ملك بصّت له بنظرة وجع:
– طب… هي بتحبني لسه؟ ولا زعلانة مني؟
هنا ياسر اتكسّر. دمعة نزلت غصب عنه:
– بتحبّك؟ ده إنتِ روحها يا ملك. ماما بتحبّك أكثر من الدنيا كلها.
ملك رفعت راسها، صوتها واطي وخايف:
– طب… هي هتموت؟
سؤال واحد هدّ بني آدم. حضنها بسرعة، شدّها على صدره:
– لأ… لا لا، ما تقوليش كده ثاني. ماما هترجع، ولو مش بكرة، يبقى بعده. ماما قوية، وأقوى من الدنيا كلها.
ملك دموعها غرّقت خدّها:
– طب أنا هنام عند مين النهارده؟ عند تيتا؟ ولا عندك؟ ولا عند ماما في المستشفى ولا عند طنط منى؟
ياسر اتلخبط، مش عارف يجاوب ولا يخبّي.
قال بصوت مكسور:
– هتنامي عندي علشان تبقي جنبي.
ملك مسكت إيده بخوف:
– بابا… إنت زعلان؟ ليه عينيك حمرا؟ كنت بتعيّط؟
مسح دموعه بسرعة، وحاول يرجّع صوته:
– لا… ده من التعب بس. تعالي نروح البيت ونعمل عشا سوا، ولما ماما تفوق، نقولّها إن ملك كانت شجاعة ومستنيّاها.
ملك هزّت راسها، بس الخوف لسه ماسكها.
وقبل ما يمشوا، مسكت إيده وقالت:
– بابا… ما تتجوزش واحدة ثانية وماما في المستشفى، ما تعملش كده.
ياسر اتصدم والدم اتجمّد في عروقه. سكت وماعرفش ينطق.
ملك رفعت وشّها وقالت:
– ماما قالتلي قبل كده، إن لو بابا حبّ حد ثاني قلبها هيوجعها.
الجملة دخلت صدره زي السكين. وشّه وقع، إبتسامته اختفت، وصوته طلع مبحوح:
– ملك… بابا مش بيحب حد غير ماما، ولا هيحب حد غيرها. فاهمة يا روح بابا؟
ملك ابتسمت ببساطة الأطفال:
– آه… كنت متأكدة.
مسك إيدها وخرجوا من البيت.
وهو ماشي، كان سامع صوت واحد بس: "بابا… ما تتجوزش واحدة تانية."
والكلمة دي كانت بتقطع قلب راجل لسه مش مستوعب إنه فيه ورقة جواز إتكتبت عليه من ساعات، وإن اللي جوّاه مش "زوج جديد"، ده راجل واقف بين:
قلبين… ووصيّة… وغيبوبة.
ثاني يوم..
بدري أوي، الشمس لسه ما طلعتش، والبيت ساكن، ياسر نايم على الكنبة، وملك نايمة فوق صدره، متعلقة فيه من الخوف اللي في قلبها.
طرق الباب فجأة، طرق تقيل، عنيد، زي الطرق اللي وراه مصيبة.
ياسر اتقلب، فتح عينيه بتعب، ملك اتنفضت من النوم:
– بابا… مين؟
مسح على شعرها:
– ولا حاجة يا روحي، أقعدي هنا.
فتح الباب…
ولقى أمه قدريّة واقفة، جنبها سلوى لابسة طرحه ومكمّمة شفايفها بابتسامة فاضية وقلة ذوق.
قدريّة أول ما شافته، دخلت من غير إذن:
– يا نهار أبيض، إنت لسه نايم؟ والبنت نايمة لوحدها؟! أمال مراتك فين و اخدت البنت امبارح ليه؟
ياسر شد نفسه، رجّع الباب وراه، وقال بصوت واطي:
– ماما، بلاش كلام، سارة دخلت غيبوبة.
قدريّة سكتت ربع ثانية بس. وبعدين بصوت أقرب للشماتة المتخفية:
– غيبوبة؟ يبقى ربنا يلطف، بس يا إبني ده معناه إن البيت ما ينفعش يفضل من غير ست، والبنت صغيرة، وإنت راجل بتشتغل ووراك دنيا.
سلوى قربت خطوة، وقالت بخبث ناعم:
– وأنا مش هسيب ملك لوحدها، أنا أقدر أشيل بيتك زي ما كنت دايمًا بقول.
ياسر بص لسلوى بنظرة تقطع النفس ورجع كلامه لأمه:
– ماما، أنا مش ناقص. سارة لسه عايشة وفي المستشفى.
قدريّة بصّت له باستنكار:
– عايشة إزاي؟ ما هي في غيبوبة، والغيبوبة يا ياسر، يا بتقوم، يا بتاخذ صاحبها.
ملك سمعت آخر جملة، جريت من جوّه وهي بتعيّط:
– ماما مش هتموت، سيبوها. إنتِ ستّ وحشة.
قدريّة اتصدمت، وسلوى اتكسفت وعضّت شفايفها.
ياسر أخذ ملك في حضنه بسرعة:
– ملك، أدخلي جوّه يا حبيبتي، بابا جاي.
رجعت ملك وهي بتبكي.
إلتفت ياسر لأمه، وشه اتصلّب، وصوته نزل قرار:
– ماما، لو سمحتِ، ولا كلمة زيادة عن موت سارة.
قدريّة اتكسرت ثواني وبعدين رجعت لطباعها:
– أنا جاية أكلمك في العِدل، البنت محتاجة حد، وسلوى قاعدة وجاهزة، وأنا هارجع البلد يومين وعايزة أطمن. إتجوزها، وتبقى ستّ البيت. خلاص، سارة خلاص نصيبها راح.
ياسر قرب منها، وملامحه اتغيّرت بشكل يخوّف:
– ماما، آخر مرة.. آخر مرة هقولها: سارة مراتي، وحتفضل مراتي، سواء فاقت، أو نايمة، أو حتى لو راحت.
قدريّة اتنرفزت:
– ما تعاندش نصيبك يا ابني. البنت دي – سلوى – بتحبك، ومش هتقصّر مع ملك.
ياسر قال بحزم جامد:
– سلوى مش هتبقى أم لملك. ومش هتبقى مراتي. وإنتِ يا ماما، ما تجيش هنا تاني بالكلام ده، ولا قدّام ملك، ولا في غياب سارة.
قدريّة شهقت:
– ده بدل ما تسمع كلامي؟ ده أنا أمّك.
ياسر:
– أنا إبنِك، بس جوز سارة، ومش هخونها، مش وهي في غيبوبة، ومش بعدين.
سلوى اتدخلت بصوت متكسر:
– طب… طب لو ما فاقتش؟
بصّ لها بنظرة خلّتها ترجّع خطوة ورا:
– لما نوصل للحظة دي، أنا اللي هقرر، مش إنتِ، ولا ماما.
قدريّة اتنرفزت وزعقت:
– يبقى على الله يا ياسر، ربنا يهدي دماغك. بس لما تقع ما ترجعليش.
وأخذت سلوى من إيدها وخرجت. الباب اتقفل وراهم بقوة.
ياسر وقف في مكانه، صدره طالع نازل، ورأسه على الحيطة.
ملك خرجت، مسحت دموعها وقالت بخوف:
– بابا، هما عايزين ياخذوك من ماما؟
ياسر حضنها وقال:
– ولا حد في الدنيا ياخذ بابا من ماما، ولا ياخذ بابا منك.
وهو بيقولها... كان قلبه بيقرّص:
لأن الحقيقة الوحيدة اللي مش قادر يقولها، إن ورقة جواز جديدة... إتكتبت امبارح.
رواية وصية حب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نسرين بلعجيلي
الليل كان نازل على المدينة بطريقة خانقة. هدوء غريب، لكن جوا قلبين، كانت فيه عاصفة.
ياسر قاعد في أوضة ملك. البنت نايمة جنبه، ماسكة إيده، كأنها لو سابته هتقع من العالم كله.
هو قاعد، عينيه على سقف الغرفة، وعقله واقف عند كلمة واحدة: "لو بابا حبّ حد تاني، قلبي هيوجعني."
جملة طفلة، بس كانت سكين في قلب أبوها.
وفي نص الوجع دا، رنّ الموبايل.
إسم "روان".
إتجمّد، ردّ بصوت منخفض عشان ما يصحّيش ملك:
– ألو؟ روان، في إيه؟
طلع صوت مش بكاء، صوت واحدة بتنهار من جوّا:
– ياسر… أنا مش قادرة أتنفّس.
وقف فورًا، خرج للممر على أطراف صوابعه:
– مالِك؟ حصلك حاجة؟ روان، إتكلمي.
صوتها كان بيرتعش:
– أنا.. باحس إني سرقتها، سرقت صاحبة عمري، سرقت جوزها، سرقت مكانها، سرقت حياتها. وأنا.. مش قادرة.. مش قادرة أعيش بالإحساس دا.
ياسر قعد على أقرب كرسي، إيده بترتعش:
– إهدي يا روان، ماحدّش سرق حد، دا كان طلبها.
صرخت:
– طلبها وهي بتموت يا ياسر!! وأنا.. صدّقت. كنت خايفة عليها، بس لما رجعت البيت بصّيت لنفسي في المراية، ما عرفتش البنت اللي واقفة قدّامي.
سكتت… والسكوت كان أخطر من الصراخ:
– أنا خايفة يا ياسر، من الناس، ومن نفسي، ومن اللحظة اللي سارة لو ماتت، الناس هتقولي إيه؟ "خطفتِ جوز صاحبتِك." "إستنيتِها تموت." "دي مكانتش صداقة."
الكلمات دي جرّحت صدره. قال بصوت مبحوح:
– ماحدّش يقدر يشكّ فيكِ ولا في قلبك، ولا في نيتِك.
قاطعتُه:
– ياسر، أنا مش بخاف من الناس بس، أنا بخاف إن سارة تفوق وتبصّ لي، وتحسّ إني خنتها، أو كنت مستنية تمشي علشان آخذ مكانها.
الجملة دي كسرت صوته. قال بهدوء موجوع:
– روان، سارة ما تغلطش في إسمِك، ولا قالت حاجة إلا وهي قاصداها. ولو كانت حاسة إنك غلط، كانت سكتت، ما كانتش وصّت.
ردّت بنبرة بانكسار:
– ويمكن كانت خايفة، يمكن ما كانتش مركّزة، يمكن وصيّة أمّ.. مش زوجة. يمكن قالت إسمي غلط، يمكن كانت تقصد حد تاني. أنا نِفسي أصدّق إني ما ظلمتهاش.
ياسر قال بسرعة:
– إسمعيني، سارة صحيت واعية، وبصّت في وشّك وقالت إسمِك وهي عارفة بتقول إيه.
سكتت، وبعدين قالت أقسى سؤال:
– طب لو… ماتت؟ هاعمل إيه؟ هعيش معاك إزاي؟ هربي ملك إزاي؟ هواجه ضميري إزاي؟ يا ياسر، أنا خايفة تكون نهاية سارة بداية ذنبي.
ياسر اتجمّد. دي مش روان اللي كانت واقفة قوية جنب سرير العناية. دي روان الحقيقة، اللي بتحب، وبتخاف، وبتتكسّر.
قال بصوت منخفض:
– لا أنا ولا إنتِ هناخذ خطوة واحدة، غير لما سارة تفوق. ولو قالت قدّامنا إنها مش راضية، هنبعد، لو حتى هنموت من جوا. ولو قالت إنها راضية، هنشيل الأمانة سوا.
روان انفجرت ببكاء هادي، دموع إستسلام:
– أنا مش عايزة أفقدها، ولا أخسرك ولا أخسر نفسي.
قال جملة طلعت من أعمق نقطة في قلبه:
– وأنا مش عايز أخسر حدّ فيكم. مش عايز أفقد سارة، ولا أظلمك، ولا أضيّع ملك.
سكتوا… والسكوت بينهم كان أصدق إعتراف حب ما اتقالش بصراحة.
قبل ما تقفل قالت:
– ياسر، لو سمحت، ما تسبنيش لوحدي النهارده، مش عايزة أنام والكوابيس ترجع.
غمض عينه، إتشقّ نصين:
– أنا معاكِ لو مش بجسمي، فبصوتي. إتكلمي لحد ما تنامي.
وبدأت روان تهدى، وأنفاسها تتنظم، لحد ما نامت.
أما هو؟ ما نامش. قعد طول الليل يسمع نفسين:
نَفَس روان المنهار، ونَفَس سارة على جهاز التنفس.
بين إثنين.. واحدة في غيبوبة، وواحدة خايفة تدخل غيبوبة من الذنب.
والاثنين، مش سايبين لياسر دقيقة راحة.
الساعة كانت ٣ الفجر. البيت هادي، بس قلب ياسر كان عامل دوشة لوحده. قعد في الصالة، سايب نور خافت شغّال، الموبايل جنبه، لسه عليه آخر نفس من روان قبل ما تنام.
حطّ إيده على دماغه وحسّ فجأة بثُقل في صدره، مش وجع، لا، نوع الوجع اللي ييجي من صراع بين إثنين:
الراجل… والإنسان.
وهو قاعد، سمع صوت خطوات صغيرة. ملك واقفة عند باب الأوضة، ماسكة لعبتها، شعرها منكوش:
– بابا، ليه ما نمتش؟ إنت خايف؟
ياسر فتح ذراعه لها:
– تعالي هنا يا روحي.
جريت عليه وقعدت على حجره، حطّت راسها على صدره:
– بابا، لو ماما مش هتموت، ليه بتعيّط بالليل؟
الجملة قطعت روحه نصين:
– بابا مش بيعيّط، بابا بس بيحاول يكون قوي.
ملك رفعت راسها:
– طب، أنا هبقى قوية معاك. ومش هنام لوحدي ثاني أبداً.
ضمّها أكثر، وكأن حضنها حل مؤقت لمصيبة طويلة.
بعد ثواني، ملك قالت:
– بابا، روان هتيجي بكرة؟ ولا ماما هتزعل؟
ياسر اتجمّد. دي أول مرة يسمع إسم روان من ملك. من غير قصد، ومن غير ما يبرر. رد بحذر:
– لأ يا ملك، روان مش جاية دلوقتي. لحد ما ماما تفوق، هي مش هتيجي البيت.
ملك هزّت راسها وهي مش فاهمة كل التفاصيل، بس حست إن فيه حاجة غلط:
– بابا، أنا خايفة.
– تعالي ننام سوا، وما تخافيش من أي حاجة.
نامت ملك، بس هو، لسه صاحي. قام وراح المطبخ، فتح الحنفية وشرب مية. دماغه تلفّت على كل كلمة حصلت خلال الـ ٢٤ ساعة اللي فاتوا.
وصية سارة.. الجواز.. غيبوبتها.. إنهيار روان.. خوف ملك.. ضغط أمه.. نظرة سلوى.. ورقة جواز إتكتبت غصب عنه.
حطّ إيده على الحيطة وحسّ إنه بيقع. وبصوت واطي جدًا قال:
– يا رب، لو كان ده اختبار، إدّيني قوّة. ولو كان عقاب، إغفر لي. ولو كان قدر، سهّل عليّ طريقه.
رجع للصالة، وبصّ على الموبايل. رسالة من روان إتكتبت بعد ما نامت:
"لو صحيت ولقيتني مش موجودة، اعرف إني خايفة أكمّل، ومش قادرة أهرب."
ياسر مسك الموبايل، وحسّ إن القدر بيشدّه من طرفين.
وهو بين الطرفين…
سارة كانت جوّه المستشفى بتتنفّس بأنفاس مش ثابتة، وروحها معلّقة بين دقتين.
... عدّى ٣ شهور...
سارة لسه في غيبوبة. والهروب بقى أسلوب حياة. روان بتزور ملك لما ياسر مايكونش موجود. وياسر يروح المستشفى لما روان ترجع البيت. كأنهم بيلعبوا "أستغماية" من غير ما يتفقوا.
لكن في يوم، الدنيا لخّمتهم. الممر كان هادي، لحد ما الباب اتفتح، وروّان خرجت من الشقّة وهي شايلة شنطة ملك. لفّت، ولقت ياسر واقف قدّامها.
إتصدمت.. وهو كمان وقف ثابت، ملامحه مش غضب ولا لهفة، مجرد توثر رجل مسؤول شايل حاجة ثقيلة.
قال بصوت منخفض، بس واضح:
– روان، لحد إمتى؟
ما ردّتش.
– لحد إمتى هتفضّلي تهربي؟ مرّة أكون في المستشفى، مرّة في الشغل، مرّة نايم. وإنتِ تختاري وقت ما أشوفكيش؟
بلعت ريقها:
– أنا مش باهرب أنا بحافظ على كرامتي، وعلى سارة.
هزّ راسه ببطء، وطلعت على شفايفه إبتسامة مرّة:
– لا، إنتِ بتهربي. وإحنا الاثنين عارفين السبب.
سكت لحظة.. ثم قال بوضوح:
– فيه وصيّة.. وصيّة سارة. وإحنا لازم نلتزم بيها، مش نهرب منها.
روان توثرت:
– الوصيّة كانت وهي بتموت، مش وهي فايقة. أنا مش هعيش في بيتها، ولا آخذ مكانها.
قرب خطوة، مش تهديد، لكن كلام راجل واضح:
– ماحدّش قال هتاخذي مكانها. ولا أنا هسمح بده. ولا إنتِ أصلاً قادرة تفكّري فيه.
نزلت دمعتين منها ومسحتهم بسرعة:
– طب والحل؟ عايزني أنام في بيتها؟ أقعد في أوضتها؟ أسمع بنتها تقولّي "ماما"؟
هز راسه:
– لأ، ومش هيحصل، ولا أنا طالب ده، ولا ده غرض الجواز أصلاً.
قالت بصوت خافت:
– طب غرضه إيه؟
رفع عينه ليها، وقال بثبات:
– سارة قالتلك: "خلي بالك من ملك… ومن ياسر". وجواز الوصيّة كان علشان ملك، مش علشاني. وإنتِ عارفة ده.
سكت.. وبعدين زوّد الجملة اللي كسرتها:
– وإنتِ في أمان عندي، مش هقرب منك، ولا هتسمعي مني كلمة تضايقك. لو قعدتِ في البيت، تبقي أم لملك مؤقّتًا، مش زوجة ليا.
عضّت شفايفها، ودموعها نزلت غصب عنها:
– ولو… لو سارة فاقت؟
ردّ قبل ما تكمل:
– هطلّقِك في ساعتها من غير نقاش، ومن غير ما تشيلي ذنب.
رفعت راسها فجأة:
– وإنت هتبقى كويس؟ مش هتتأذّى؟
إتنهد، وقال بصوت راجل شايل جبل:
– أنا اتكسرت من يوم ما دخلت الغيبوبة. اللي بعده، مش فارق. المهم ملك ما تتبهدلش، ولا تعيش لوحدها.
قرب منها خطوة صغيرة، خطوة كلام، مش قرب جسد:
– ملك بتتوه وبتبات لوحدها كتير، وإنتِ تهربي. ده مش عدل، لا ليها، ولا ليكِ.
اتجمّدت روان، مش قادرة ترد، بتتنفّس بسرعة، ملامحها كلها صدق وخوف.
وهو قال الجملة الأخيرة وهي واقفة مش لاقية كلمة:
– يا روان، إحنا الاثنين عارفين إن الجواز ده مش جواز، ده أمان. ولو مش قادرة تكوني في البيت، قوليلي دلوقتي عشان ألغي الورقة، ولما سارة تفوق، أحكيلها كل حاجة بنفسي.
رفعت عينيها بسرعة، مرعوبة:
– لا!!! لا يا ياسر، ما تعملش كده. سارة مش هتستحمل.
سكت لحظة، ورجع نفسه خطوة لورا:
– يبقى خلّصي الهروب، وقدّمي خطوة، ولو صغيرة.
هي ما ردّتش، ولا مشيت، ولا وافقت. وقفت، مكسورة، تايهة، بس موجودة.
وفي اللحظة دي، هو فهم إنها، لسه ما وافقتش، لكن كمان، لسه ما هربتش.
روان دخلت البيت بهدوء، هدوء يخضّ.
منى كانت في المطبخ، أول ما سمعت الباب اتفتح نادت بصوت عادي:
– جيتي يا بنتي؟ عاملة إيه؟
روان وقفت في الصالة شايلة شنطة ملك بإيد، وقلبها بالإيد الثانية.
منى لمّا شافتها، وشّها اتغيّر:
– في إيه؟ إنتِ وشّك أصفر كده ليه؟
روان قعدت قدّامها، عينيها حمرا، بس ماسكة نفسها.
قالت بصوت هادي.. هادي لدرجة تخوّف:
– ماما، ياسر قال لي لازم أنقل البيت.
منى مسكت طرف الطاولة، وشّها شدّ:
– تنقلي إيه؟؟ رايحة تعيشي هناك؟ في بيت صاحبتِك؟! مع راجلها؟!
روان هزّت راسها بسرعة:
– أنا ما قلتش إني موافقة، ولا ناوية، بس هو قال لازم، علشان ملك.
منى ضمّت دراعها على صدرها:
– ملك مالها؟ هاتيها تعيش هنا، وإنتِ اللي تروحي وتجيبيها من المدرسة. هنا بيتك، وأنا موجودة، وماحدّش يقدر يملي عليكِ تعيشي فين.
روان عضّت شفايفها، وبعدين قالت الجملة اللي رخّمت على قلبها:
– ما ينفعش يا ماما. ملك متعلقة بأوضتها وبسريرها، وبحبّة لعب في الشباك، وبطريق المدرسة، لو خذتها من عالمها هتتكسّر أكثر ما هي مكسورة.
منى قربت منها، وشّها غضب وخوف:
– يعني تروّحي بيت راجل مش جوزِك؟ راجل قلبه مربوط بمراته، وإنتِ مكانِك فين؟ في الصالة؟ في أوضة الضيوف؟ قاعدة عاملة مربية؟!
روان اتنفست بعمق:
– يا ماما، ياسر قالها بصراحة :"مش هقرب منك. مش هسمح لنفسي حتى أفكّر. وجودك للوصيّة، مش للزواج."
منى ضربت كفّها ببعض:
– وأنا مالي بيه هو، أنا بنتي مش رايحة تتحبس في بيت واحدة صاحبتها نايمة فيه، إنتِ مش وصيّة حد، إنتِ إنسانة ليكِ كرامة.
روان قربت منها وعينها مغروسة في الأرض:
– وأنا مش رايحة زوجة، ولا رايحة حدّ. أنا رايحة لملك. البنت بتبات لوحدها، ولما تصحى بالليل بتعيّط. والراجل ده، واقف ما بين الموت والحياة. وأنا…
سكتت لحظة، والجملة طلعت بصوت مش مسموع، لكن موجوع:
– وأنا ما ينفعش أسيبهم كده.
منى قربت منها، ومسكت خدّ روان بين إيديها:
– يا بنتي، أنا خايفة عليك، خايفة عليك من الناس، ومن نفسك، ومن بيت مش بتاعِك، ومن راجل مش جوزك، ومن موقف مالوش آخر.
روان دمعة نزلت من عينيها بس مسحتها:
– ماشي يا ماما، بس أنا مش هسيب ملك.
منى نفخت غصب عنها وقعدت:
– طيب، ولما سارة تفوق؟ هتقول لها إيه؟ "آسفة… كنت ساكنة مكانك"؟!
روان وقفت، وبصوت ثابت جدًا قالت:
– لو قامت، هقف قدّامها وأقول لها: "كنتِ وصيّتك… مش خيانتك."
منى مسكت رأسها:
– طب ولو ما قامتش؟
روان سكتت. ولأول مرة ما كانش عندها إجابة.
منى قالت آخر جملة، مش قاسية، لكن حقيقية:
– روان، إنتِ بتلعبي بالنار، ونفسِك أنظف من اللعبة دي. بس لو هتروحي، روحي بعقلك، مش بقلبك.
روان أخذت نفسها، وقربت من الباب. وقفت ثواني:
– ماما، أنا لسه ما خذتش قرار، بس هروّح بكرة أشوف ملك، مش البيت.
منى مسكتها من دراعها:
– إوعي.. إوعي تنقلي قبل ما تفوق سارة. إوعي يا روان.
روان هزّت راسها، بس جواها ولا كلمة كانت مؤكدة.
خرجت، وباب الشقة اتقفل وراها، والمرة دي.. اللي اتقفل مش الباب، اللي اتقفل.. طريق الرجوع.
رواية وصية حب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نسرين بلعجيلي
روان وقفت قدام باب شقة ياسر. أول مرة تخبط الباب وهي مش ضيفة، ولا صديقة، ولا زوجة. حاجة في النص، حاجة مالهـاش اسم.
إيدها كانت بتتهز، مش من البرد، من الغُربة.
اتفتح الباب، لقت ياسر واقف. ملامحه لا فيها زعل ولا راحة، مجرد صمت طويل. صمت راجل مش فاهم هو بيبدأ حياة، ولا بيكمل واجب.
ملك جريت على روان أول ما شافتها:
– روواان! تعالي شوفي السرير اللي عملتهولِك.
حضنتها ملك، بس روان وهي بترد الحضن حسّت بالبنت بتتعلق بيها، والبيت كله بيبعد عنها خطوة، خطوة.
ياسر قال بهدوء:
– دخّلي الشنط، الأوضة جاهزة.
دخلت. أول خطوة في البيت كانت ثقيلة، زي اللي واقفة على أرض مش بتاعتها.
أوضة سارة مقفولة، مفتاحها على الكومودينو ماحدش لمسها.
روان بصّت لها ثانيتين، قلبها وجعها. كملت طريقها.
دخلت الأوضة اللي ياسر جهّزها. الأوضة بسيطة: سرير، كومودينو، ترابيزة صغيرة. مكان "محايد"، لا هو أمان، ولا هو بيت.
حطّت الشنطة، وقالت بصوت خافت:
– شكراً يا ياسر.
هزّ راسه من غير ما يرد.
ملك كانت بتتنطط:
– هتنامي هنا كل يوم؟ وهافطر معاكِ؟ وهاتودينى المدرسة؟
روان ابتسمت بس جواها حاجة اتقطمت:
– أيوه يا حبيبتي، كل يوم.
ملك جريت تجيب لعبتها.
فضلت روان واقفة في النص، في نص الأوضة، في نص البيت، في نص حياتين، مش قادرة تنتمي لأي واحدة.
ياسر قرب خطوة، لا هو قريب أوي، ولا بعيد. وقال بصوت منخفض:
– لو في حاجة ناقصة قوليلي. الأوضة، تقدري تغيّري فيها براحتِك.
هزّت راسها. عينها في الأرض.
هو حاسس.. حاسس إن وجودها "مش راكب"، زي قميص مقاسه غلط، زي كلمة طالعة من غير إحساس.
بعد لحظة سألها:
– إنتِ، مرتاحة؟
ردّت أسرع من اللازم:
– آه.. آه طبعًا.
جملة، واضح إنها كذب. هو ماعلّقش، بس عينه قالت كل حاجة: هي مش مرتاحة، وأنا مش مرتاح، والبيت نفسه حاسس بالغربة.
بعد دقايق، ملك صاحت:
– تعالوا نتعشّا.
ياسر قال لها:
– إنتِ أقعدي، أنا هعمل عشا.
روان ارتبكت:
– لا… لا… أنا هساعد.
هزّ راسه:
– مش لازم، إنتِ لسه داخلة.
دخل المطبخ، وهي وقفت وراه من بعيد، بتتفرّج على ظهره.. مش ظهر زوج، ده ظهر راجل شايل مصيبة، ومش عارف يشيل غُربتها فوقها.
كانت عايزة تقول له: أنا خايفة. بس لسانها مربّط.
وكان عايز يقول لها: أنا مش مستوعب. بس كبرياءه شدّه.
البيت كان مليان ثلاث أنفاس: نَفَس ياسر، نَفَس روان، ونَفَس ملك اللي بتحاول تجمعهم.
بينما سارة لسه معلّقة بين الحياة والغيبوبة.
وفي أول ليلة ليها في البيت، روان نامت، بس نامت "غريبة".
وهو.. قعد برّا يبصّ في الباب، وحاسس إن البيت اتغيّر.
الصبح دخل على البيت من غير ما يستأذن. دافئ شوية عن امبارح، لكن جوا البيت، كان فيه برد… برد نفسي.
روان صحيت بدري، مش عارفة تنام قوي، ولا تصحى قوي. الأوضة غريبة عليها، الحيطان غريبة، حتى السرير، رغم إنه مريح، كان بيقول لها إنها مش من هنا.
لبست، وطلعت من الأوضة بهدوء.
ياسر كان واقف في المطبخ، لابس تيشيرت رمادي وبنطلون ترينينج، بيحضّر ساندويتش لملك.
صوت الكوبايات كان خافت، وكأن البيت بيمشي على أطراف صوابعه معاهم.
لمحها، وقف. حركة بسيطة، لكنها قالت كثير.
– صباح الخير.
قالها من غير ما يبصّ عليها.
روان ردّت:
– صباح النور.
وسكتوا.
ملك دخلت بعد ثواني، شعرها منكوش وبتفرك عينيها:
– روواان! صباح الخير.
جريت عليها وحضنتها. الحضن ده كان الوحيد اللي حسّس روان إنها موجودة بجد.
ياسر قال:
– أقعدوا هفطرّكم.
روان بسرعة:
– لا، أنا هعمل الأكل.
بصلّها، نظرة قصيرة، بس ثقيلة:
– مش لازم، أنا متعود.
الجملة دي جرحتها من غير ما يقصد. عاش ٣ شهور لوحده هو وملك.. والغياب.
قعدوا يفطروا. ملك كانت بتتكلم، روان بتحاول ترد، بس هي وياسر بينهم صمت.. صمت مش عادي، صمت ناس مش عارفة تقرّب ولا تبعد.
بعد الفطار، ملك راحت تلبس. روان وقفت تساعدها. وبعدما خلّصت، لقت ياسر واقف عند باب الأوضة مستني.
قال لها:
– أنا هروح المستشفى بعد ما أودّي ملك. لو احتجتِ حاجة، إبعتيلي.
روان بصوت هادي:
– تمام.
كان ماشي وبعدين وقف. رجع وبصّ عليها لأول مرة من غير ما يهرب بعينه:
– روان.. لو مش مرتاحة، قولي.
جملتها طلعت أسرع من المتوقع:
– أنا.. غريبة.
هزّ راسه وقال:
– وأنا كمان.
الكلمتين دول كانوا أول اعتراف حقيقي بينهم. مش حب، ولا قرب، اعتراف إن الاثنين مش عارفين يعيشوا في نفس البيت، ولا يعرفوا يبقوا بعيد.
بعد ما خرج البيت رجع هادي، بس كان هدوء من النوع اللي يخوّف، النوع اللي قبل التغيّر، النوع اللي بيقول إنه فيه حاجة جاية.
بعد خروج ياسر من البيت كان ساكت ساكن زيادة عن اللزوم. روان حاولت ترتّب الأوضة، تمسح الترابيزة، تطوي هدوم، لكن كل حركة كانت بتحسّسها إنها "بتلمس حياة مش بتاعتها".
بعد شوية، دخلت أوضة سارة. الأوضة المقفولة بقالها ٣ شهور. فتحت الباب بحرص، زي حد داخل مكان مُقدّس.
الريحة القديمة، ريحة عطر سارة كانت لسه موجودة. كل حاجة مكانها: الإسورة، الشنطة، السكارف، كتاب مفتوح على الصفحة 17، وكأنها هترجع دلوقتي تكمل السطر اللي وقف عنده.
روان لمست طرف السرير، حطّت إيدها عليه ببطء، وحسّت بقشعريرة تمشي في جسمها.
همست لنفسها:
– يا سارة، أنا مش جاية آخذ مكانك، ولا جاية أعيش حياتك، أنا جاية أحافظ على اللي بتحبيه، بس والله.
الغُربة بتوجّع. قعدت على الكرسي اللي جنب السرير، بالظبط في نفس المكان اللي كانت قاعدة فيه يوم الغيبوبة. نفس وضع الإيد، نفس الدعاء، بس المرة دي الدعاء اتغيّر:
– يا رب.. رجّعها. أرجوك رجّعها. أنا مش قادرة أشيل البيت ده لوحدي.
دمعتين نزلوا، مسحتهم بسرعة، وخرجت قبل ما تنهار.
الساعة كانت ١٢ الظهر. الباب اتفتح بهدوء، ياسر داخل تعبان، عينيه حمرا من قلة النوم. كان راجع من المستشفى وحاسس إن الغُصّة اللي في صدره بتكبر.
شاف روان واقفة في الصالة مش لابسة خروجة ولا متزينة، بس ملامحها هادية بطريقة تخوّف.
قال:
– عاملة إيه؟
ردّت ببساطة:
– كويسة.
سكت لحظة وبعدين رمى الجملة اللي وقّفتها مكانها:
– دخلتِ أوضتها؟
إتجمّدت، قلبها وقع، مش من الخوف، من الذنب. قالت بصوت واطي:
– آه.. كنت باطمّن.
هزّ راسه، لا زعلان ولا مرتاح، مجرد صوت راجل موجوع:
– الأوضة دي ما يدخلهاش حدّ غير لما ترجع.
روان كتمت نَفَسها وقالت:
– حقك. أنا آسفة.
قرب خطوة، خطوة محسوبة، وقال بصوت أقل حدّة:
– أنا مش قصدي أجرحِك، بس المكان ده لسه ريحتها فيه.
روان نزلت راسها، قالت بهدوء:
– وأنا، لسه مش لاقية ريحتي في البيت.
الجملة خبطت صدره. طلعت من غير قصد، بس خلت قلبه يضيق.
حاول يغيّر الموضوع:
– ملك كانت أحسن النهارده. سألت عليك في الطريق.
روان ابتسمت إبتسامة صغيرة:
– وأنا كمان كنت مستنياها ترجع.
ياسر وقف، بصّ لها بتركيز لأول مرة، وشافها بجدّ. مش الزوجة اللي على الورق، ومش الغريبة اللي نايمة في أوضة لوحدها، شاف واحدة جايّة تشيل حمل مش بتاعها، ومش بتشتكي.
قال بحذر:
– روان، لو حسّيتِ في أي لحظة إن وجودك هنا بيجرحك، قولي.
رفعت عينها عليه، نظرة قصيرة، لكن صادقة:
– كل حاجة هنا بتوجّع يا ياسر. بس ملك تستاهل.
سكت.. وبصوت شبه مسموع قال:
– وإنتِ كمان تستاهلي حدّ يحس بيكِ.
إتجمّدت، هي وهو، إتصدموا من الجملة، كأنها خرجت من غير ما يفكر.
الهوى في البيت اتغيّر. قبل ما اللحظة تكبر دخلت ملك من وراهم:
– بابا، روان، تعالوا نلعب.
واتقطعت اللحظة.. بس، إتساب أثر. أول شرخ صغير في الغُربة، أول خيط رفيع بينهم، خيط هادي، لكنه حقيقي.
وأول مرة من أول الغيبوبة، البيت حَسّ إن فيه روح جديدة بتحاول تعيش.
عدّت أيام، وبعدين أسابيع، وبعدين شهور صغيرة، والبيت بدأ ياخذ شكل جديد، مش شكل "بيت"، ولا شكل "حياة"، لكن شكل هدنة، هدنة بين إثنين كل خطوة بينهم محسوبة.
ياسر بدأ يتعوّد يشوف روان بتصحى بدري، تحضّر فطار بسيط، تسرّح شعر ملك، وتضحّكها قبل المدرسة، ومن غير ما يقصد، حسّ إن البيت بدأ يتنفّس.
وروان… بدأت تاخذ بالها من حاجات بسيطة: مكان فوط ياسر، الكوباية اللي بيشرب فيها الشاي، القميص اللي دايمًا بيعلقه غلط، وتعدّله من غير ما ياخذ باله.
مافيش كلام كثير، مافيش قرب، بس وجودها بقى هادي، وجود يشيل، ما يتقلش.
وفي يوم… اليوم اللي حصل فيه أول "قرب من غير قصد".
الصبح — الساعة 7:15
روان كانت في المطبخ بتحضّر سندوتش لملك. ملك كانت بتدوّر على الشنطة.
ياسر دخل تعبان من ليلة صعبة في المستشفى، عيينه مقفلة، وكتفه واجعه، وواضح إنه ما نامش ولا ساعة.
حاول يفتح كباية المربّى، بس الغطا كان ناشف ومتنشن. لفّ الغطا، لف ثاني، لف ثالث، ما اتفتحش.
روان من غير ما تبصّ فيه، قالت:
– إدّيني.
هو اتفاجئ، إزاي هي واخذة بالها من غير ما تلتفت؟ قدّم لها البرطمان، روان مسكته، مسحت الغطا بإيدها، لفته لفة خفيفة جدًا، و"طَقّ"، إتفتح.
سلّمتهوله من غير ما تبصّ:
– الغطا ده بيحتاج حركة يمين بسيطة مش بقوة.
ساعتها، لأول مرة من شهور، ياسر إبتسم إبتسامة صغيرة، بس طالعة من مكان موجوع.
قال:
– واضح إني كنت بحاول غلط.
ردّت ببساطة:
– عادي، بتحصل.
عينه وقعت على إيديها، أول مرة ياخذ باله إن صوابعها فيها خدوش صغيرة من الشغل في البيت، ومن ترتيب أوضة ملك، ومن وجودها اللي بيتعب وما بيشتكيش.
هي حطّت البرطمان وكملت تجهيز السندوتش كأن ما حصلش حاجة.
هو فضل واقف ثواني، مش عارف ليه اللحظة الصغيرة دي وجعته، ولا ليه ريّحته.
كإن البيت، ولأول مرة قال: "إثنين.. بيشيلوا سوا."
ملك فجأة صرخت:
– روان! الشراب بتاعي مش لاقياه.
جريت روان بسرعة، إتزحلقت على السجادة الصغيرة اللي عند باب الأوضة. ياسر مدّ إيده بسرعة، مسكها من دراعها قبل ما تقع.
ثانية واحدة بس، إيده على دراعها. عينهم في بعض. هي اتلبّخت، وهو اتوتر.
سابها بسرعة ولفّ وشه:
– خلي بالك، السجادة دي بتتزحلق.
قالتها هي وهي مكسوفة:
– حاضر.
بس قلبها كان بيخبط، مش من لمس الإيد، من إنها أول مرة يحسّها موجودة، مش مجرد "وصيّة".
وهو، عمل نفسه بيعدّل في شنطة ملك، بس الحقيقة إنه كان بياخذ نَفَس عميق، يحاول يهدّي حاجة إتحركت جواه من غير إذنه.
ملك نامت، البيت هادي، روان قاعدة في الصالة، تقلب في قناة عشوائية، مكسوفة تقعد في أوضتها بدري.
ياسر عدّى، شافها، إتردّد ثانيتين، وبعدين قال:
– الشاي…؟ تشربي؟
إتصدمت، هو عمره ما عرض عليها حاجة من يوم ما دخلت البيت.
قالت بخفوت:
– آه، لو مش هاكدب عليك كان نفسي في كوبايه شاي.
ردّ عليها وهو بيحاول يخبي الابتسامة:
– ما إنتِ أصلًا بتكدبي عليّا من ساعة ما دخلتِ.
رفعت راسها مصدومة:
– إزاي؟
– بتقولي "أنا كويسة"، وإحنا الاثنين عارفين إننا لسه غُرب.
جملة بسيطة، لكنها أول جملة صادقة بينهم من غير خوف.
هو دخل يعمل الشاي. وهي قلقانة، بس دافيانــة لأول مرة من شهور.
وأول تقرّب غير مباشر.. حصل من غير كلمة حب، ولا نظرة غلط، مجرد لحظات إنسانية.
لحظات بتقول: "إحنا لسه تايهين، بس مش لوحدنا."
رواية وصية حب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نسرين بلعجيلي
ياسر دخل البيت متوتر، باين عليه التعب والغضب. روان كانت بتطبق هدوم ملك، ولما شافته قالت بهدوء:
– الحمد لله على السلامة.
ماردش، عدّى ادّامها وهو يتنَفَس بضيق.
وقفت بصوت ممسوك:
– في حاجة؟
لفّ عليها من غير ما يبصّ:
– ملك فين؟
– في أوضتها، بتلعب.
قال بنبرة فيها لوم غريب:
– وسايباها لوحدها ليه؟
روان اتكهربت:
– يا ياسر، أنا في الصالة وباب أوضتها ادّامي، هي مش لوحدها.
رد بعصبية عالية:
– من إمتى وهي بتقعد لوحدها بالساعات؟ إنتِ جاية تعيشي هنا ولا تزوري؟
الكلمة جرحتها زي السكينة.
– ساعات؟ إنت عارف أنا بعمل إيه طول اليوم؟ بشيل بيت مش بيتي، وبشيل بنتك، وبحاول أثبّت نفسي في مكان كل حاجة فيه بتصرخ إني غريبة.
قرب منها خطوة:
– لأنك غريبة ما بتحاوليش تبقي جزء من البيت. كل حاجة بتعمليها وهربانة.
صرخت:
– وأنا أهــرب ليه؟ علشان ده مش مكاني؟ علشان دي حياة واحدة غيري؟ علشان أنا ورقة جواز مش مفهومة؟!
هو شدّ صوته أكتر:
– إنتِ اللي اخترتِ البُعد، كل مرة تقعدي في أوضتك بالساعات، وتجاوبي كلمة وتختفي ملك هي اللي بتحاول تقرّبنا مش إنتِ.
الصدمة طلعت في صوتها:
– ملك؟
ليه؟ هو إحنا إيه أصلاً يا ياسر؟
أنا إيه؟ مربية؟ غريبة؟ ولا وصيّة واقفة تتنفّذ وخلاص؟
قرب أكتر.. قرب اوي لدرجة خلتها تحبس نَفَسها:
– إنتِ مش فاهمة حاجة. أنا راجل. وعندي إحتياجاتي وحياتي متوقّفة، نصها مع واحدة نايمة، ونصها مع واحدة واقفة قدّامي ومش عارف أتعامل معاها.
الجملة خرجت منه زي الطيش، زي الغضب، زي الوجع.
وهي؟
كانت واقفة مصدومة، عينيها إتسعت.. إتسعت للدرجة اللي تخلي أي راجل يحس إنه غلط مليون مرة.
ملك خرجت في اللحظة دي، شايلة رسمة، وببراءة:
– بابا، شوف رسمت.....
صرخ ياسر من غير ما يقصد:
– ملك! أدخلي أوضتك.
وقفت ملك مصدومة، دموعها نازلة.
روان صوتها إتهزّ من القهر:
– براحتك، اتعصّب عليّ زي ما أنت عايز، بس على البنت لأ، ملك مالهاش ذنب.
ياسر لفّ وشه عنها، إيده على راسه، واضح إنه ندم. ندم على الكلمة، على العصبية، على إنه وجّع إثنين في لحظة.
قال بصوت مكسور لأول مرة:
– أنا آسف، الكلمة طلعت غلط.
روان رجعت خطوة لورا، صوتها هادي لكن موجوع:
– غلط؟ دي كلمة واحدة هدمت كل هدنة كنا بنبنيها. إنت راجل ليك احتياجات؟ طب وأنا؟ أنا واحدة ولا ظلّ؟ ولا وصيّة ماشية؟ ولا أيّ حاجة والسلام؟
حاول يقرب، بس لما شاف دمعتها، وقف مكانه.
هي قالت بهدوء مرعب:
– أنا مش جاية أكمّل حياة حدّ. ومش جاية أبقى بديل. ولو يوم الجملة دي اتكررت، هاروّح، ومش هارجع.
ملك بكت أكتر:
– ماما روان، ما تمشيش.
روان حاولت تهديها وياسر واقف، وشه مصدوم وراسه نازل، وكأنه واخد صفعة. لأنه فعلاً كلمة واحدة بس، كانت ممكن تخسره كل حاجة.
هو تمتم بصوت مخنوق:
– أنا آسف، أنا ندمان، ما كانش قصدي أقولها.
روان ما ردّتش، دخلت أوضتها وقلبها بيوجعها. وياسر وقف برّة، إيده على بابها، بس عاجز يطرقه. لأن اللي خرج من بقه ماكانش غضب، كان إعتراف هو نفسه مش مستعد يشوفه.
روان قفلت باب أوضتها بهدوء، الهدوء اللي بيأذي أكتر من الصراخ. سندت ظهرها على الباب، ونفَسها بيطلع متقطع، مش من الخوف، من القهر.
جوا الأوضة…
العتمة كانت أرحم من التفكير. مسحت دموعها بعنف، كأنها بتحارب نفسها مش بتحارب كلمة.
برّا…
ياسر واقف ادّام الباب، مش قادر يخبط، مش قادر يبعد، ومش قادر يواجه. حطّ إيده على الباب، وقال بصوت واطي:
– روان، أنا آسف أنا غلطت.
بس الصوت ما وصلهاش، ولا هي سمعت، ولا حتى كانت عايزة تسمع.
إتنهد.. إتنهد جامد وكإن الندم طالع من ضلوعه مش من صدره.
بعد دقايق…
باب أوضة ملك إتفتح. البنت الصغيرة خرجت عنيها لسه فيها دموع، وبتفركهم بإيدها:
– بابا، هي ماما روان زعلانة مني؟
الجملة كسرت ظهره. ركع ادّامها، حضنها، وقال وهو بيحاول يثبّت صوته:
– لأ يا روحي، إنتِ مالكيش ذنب. أنا اللي غلطت.
ملك خبّت وشّها في صدره:
– طب هي هتمشي؟
الجملة دي كانت خنجر.. خنجر في قلبه، خنجر في الباب المقفول اللي وراه روان بتعيط.
قال بحزم ضعيف:
– لأ، هي مش هتمشي، ولا هسمح إنها تمشي.
ملك رفعت راسها، صوتها مرتعش:
– طب صالِحها.
شدّ نفسه، وبصّ ناحية باب روان اللي لسه ساكن:
– هحاول يا ملك، بس يمكن تحتاج وقت.
الليل نزل على البيت بدري… بدري للدرجة اللي تخوّف. ياسر كان قاعد في الصالة مش قادر يدخل أوضته ولا قادر يبص ناحية أوضة روان، ولا قادر ينسى جملة “أنا راجل… وليا احتياجات”.
مسك راسه بإيده وقال لنفسه:
– إنت غبي، غبي ومتهور وبتدوّر عن اللي يوجعك.
حاول يقوم، يخبط عليها، يصلّح، يشيل كلمة ويجيب بدالها مية. لكن رجليه ما ساعدتوش، كأن البيت نفسه بيقول له:
“سيبها تهدأ، وإنت كمان إهدا، لأن الكلمة اللي بتتقال غلط، ما بتتصلحش بسهولة.”
جوا أوضتها.....
روان كانت قاعدة على السرير، حضنة ركبها، بتتنفّس بصعوبة. مش بسبب الكلمة بس، لكن علشان إكتشفت إنها لأول مرة من سنين اتوجّعت من راجل مش المفروض يوجعها. وشعرت إنها مش بديلة، مش ضيفة، مش وصيّة، لكن إنسانة، وإن الكلام بيوجعها زي أي حد.
مسحت دموعها وقالت بصوت خافت لنفسها:
– لو الكلام ده اتكرر هاروّح. ومهما ملك إتعلّقت مش هفضل مكان بيتوجع منّي ومنه.
قامت فتحت نور خفيف، وبصّت في المراية، وشّها كان متعب لكن عينيها، قوية.. زعلانة، بس قوية.
همست لنفسها:
– مش هسيب حد يكسرني، ولا كلمة تكسّرني.
في الصالة، ملك نامت على الكنبة، راسها على رجل ياسر، وهو قاعد ساكت ماسك إيدها الصغيرة وبيفكّر.
بعد ساعة، وقف. راح ناحية أوضة روان، وقف ادّام الباب، مدّ إيده وبعدين سحبها. وقال بصوت يكاد يكون نفس:
– سامحيني، أرجوكِ سامحيني.
وما خبطش. رجع لورا ودخل أوضته، وأول مرة من سنين قفل الباب عليه.
الفصل ينتهي على:
روان في أوضتها.. ياسر في أوضته..
ملك نايمة بينهم زي جسر مكسور. وبيت كامل، واقف على كلمة واحدة غلط. لكن اللي جاي مش نهاية، لأن الخناقة دي كانت أول شرارة بتفتح باب مشاعر، مش باب فراق.
تاني يوم…
الجو في البيت كان بارد، مش برد هوا. برد زعل.
روان خرجت من أوضتها بدري، لابسة فستان بسيط ، وشها هادي، هادئ من برّه، لكن جواها فيه ارتجاف خفيف ماحدش شايفه.
ياسر كان واقف في الصالة، لابس هدومه، واضح إنه ناوي يروح المستشفى، لما شافها وقف، مش عارف يقول "صباح الخير" ولا "إمبارح آسف" ولا يبتدي منين.
روان قالت بهدوء:
– لو رايح المستشفى، أنا جاية معاك.
الكلمة نزلت عليه زي مفاجأة، ما عارضش وما وافقش، بس هز راسه بس.
ملك جريت عليهم:
– هاتروحوا تشوفوا ماما؟ خدوني معاكم.
ياسر مسك بنتُه:
– لأ يا ملك، إنتِ روحي المدرسة الأول، هنيجي نجيبك بعدين.
روان نزلت لملك على ركبتها حضنتها:
– هنبقى نروح سوا بعد كده لما تبقي مستعدة.
ملك بصّت في عينها، وفجأة مسكت خدّ روان بإيديها الصغيرة:
– ما تزعليش يا ماما روان، بابا كان زعلان، بس هو بيحبّك.
الجملة جرحت قلبين في نفس اللحظة.
المستشفى.....
الطريق كان ساكت، ولا كلمة، ولا نظرة، بس صوت عربيات ونَفَس تقيل بين إثنين مش عارفين يبدأوا منين. وصلوا، دخلوا غرفة سارة.
الغرفة كانت نفسها، البياض، جهاز التنفس، صوت "بيب… بيب" ثابت، وريحة المستشفى اللي بتوجّع.
الذكريات.
روان أول ما شافت سارة اتجمّدت، وشها شاحب، شعرها على جبينها، جسمها هادي بطريقة تخوّف. قربت خطوة.. إثنين، لحد ما وقفت جنب السرير.
ياسر واقف وراها مش قادر يقول حاجة، مش قادر حتى يتنفس كويس.
روان مدّت إيدها، وحطّتها فوق إيد سارة. الدفا كان ناقص، والنبض ضعيف تحت الجلد.
روان بصوت رخيم، هادي، لكن صادق:
– سارة، أنا جيت، روان.. صاحبتك. لسه فاكرة آخر كلمة قولتيها لي، فاكرة "خلي بالك من ملك".
نَفَسها اتقطع لحظة وبعدين كملت:
– ووالله مش هسيبها، ولا هسيب البيت يتكسر. ملك بتكبر وبتضحك، وبتسأل عليكِ كل يوم وبتقوللي "ماما مش هتموت… صح؟"
صوت روان اتكسر، لكنها مسكت نفسها:
– وأنا بوعدك لو صحيتِ هسلمك بيتك، وهسلمك بنتك، وهسلمك جوزِك وهبعد. بس لو ما قمتيش، صدقيني مش هخلّي ملك تحس ولا يوم إنها وحيدة.
ياسر واقف وراها، عينه دمعت من غير ما يحس، مش من الكلام، من الصدق اللي طالع من واحدة مش مضطرة، لكن بتوفي بوصية واحدة نايمة.
روان مسحت على شعر سارة:
– ملك كويسة، بقت أشجع وأحنّ، وبتتكلم عنك كتير، وبتستنى اليوم اللي تصحي فيه.
وبصوت أضعف:
– وأنا مش جايّة آخد مكانك، ولا آخد حياتك، أنا بس بحاول أشيل اللي وقع منك لحد ما ترجعي.
لحظة إهتزاز...
الجهاز فجأة زوّد صوت "البيب" رمشة بسيطة، مش خطيرة، لكن حركة.
روان شهقت:
– ياسر!
ياسر اتصدر ادّام السرير، بص للجهاز وبص لسارة.
والاتنين شافوا نفس الشيء:
رموش سارة، اهتزّت هزّة خفيفة زي نَفَس جديد، زي روح بتحاول ترجع.
ممرضة دخلت بسرعة:
– ده شيء إيجابي، لكن مش معناها فاقَت، ممكن يكون رفلِكس عصبي.
روان وقفت مكانها، إيدها على إيد سارة وعنيها بتلمع.
ياسر واقف جنبهم، بين الأمل.. والرعب.. والذنب.. والحياة اللي واقفة بين الثلاثة.
الممرضة خرجت.
وروح الغرفه اتغيّرت.
ياسر قال بصوت هادي، مكسور، لكنه صادق:
– روان، شكراً.
ما بصتش ناحيته، لكن قالت:
– ده واجبي، ووصيتها.
سكت لحظة، وبعدين قال كلمة وقفت قلبها:
– مش بس وصيتها.
رفعت راسها، بصّت له، ولأول مرة من أول الجواز هو كان بيبصّ لها بجد مش كغريبة، ولا وصيّة، ولا بديلة، لكن كإنسانة واقفة قدّامه بتشيل وجعه ووجع بنتُه من غير ما تطلب حاجة.
وهنا، أول مرة من أول ما دخلت البيت روان حسّت إنها "مش لوحدها".
رجعوا البيت بعد زيارة المستشفى، كل واحد فيهم شايل وجعه لوحده.
ملك رجعت من المدرسة، ولما شافت روان، جريت عليها وحضنتها كأنها كانت غايبة سنين.
الجو كان هادي، هدوء غريب بعد العاصفة اللي حصلت امبارح.
على بالليل…
الساعة كانت 9 ونص، روان كانت لابسة "لبس بيت بسيط و محترم"، قاعدة في الصالة مع ملك بتلّون رسمة. ياسر قاعد في الناحية التانية، شايفهم، ومش فاهم ليه الجو بقى “عيلة”، بس قلبه بيخاف يعترف.
وفجأة…
دَقه قويّة على الباب، ملك قامت تجري، بس ياسر بصوت واضح:
– أقعدي يا ملك، أنا هفتح.
فتح الباب، ولقّى قدريّة واقفة وشها نار، وجنبها سلوى متزيّنة ومستنية حاجة.
بصوت عالي أول ما دخلت:
– هو إيه ده؟
إيه اللي أنا شايفاه ده؟
بصّت على روان من فوق لتحت، روان ارتبكت، وقامت بسرعة تقف، ملمومة على روحها.
قدريّة رفعت صوتها أكتر:
– صاحبتك مرمية في المستشفى بين الحياة والموت وإنتِ جاية تقعدي هنا في البيت بـ"لبس بيت"، جوزها قاعد، وإنتِ على حل شعرك؟ عيب، عيييب.
روان وشها إحمر، مش من الخجل، من القهر.
سلوى وقفت جنب أم ياسر، وقالت بنبرة سمّ:
– والله يا طنط أنا اتفاجئت، ما كنتش فاكرة إن فيه حد يقدر يعيش في بيت واحدة صاحبتُه كده.
روان فتحت بُقها، بس الصوت ما طلعش.
قدريّة كملت:
– وعايشة هنا كأن البيت بيتك، تطبخي، وتخرجي وتدخلي تلعبي مع البنت، وإنتِ إيه أصلاً؟ مربّيّة؟ ولا واحدة لاقية بيت تتلمّ فيه؟ ده إسمه إيه غير انك.
عابشه في الحرام ؟
وكانت هتزود، لكن صوت ياسر فجأة قطع كل شيء. صوت قوي، ثابت، واضح:
– ماما، كفاية، روان مراتي.
الصمت وقع زي الطوبة. قدريّة اتجمدت:
– إيييه؟ إنت بتقول إيه يا ياسر؟!
سلوى وشها ولع، عيونها دمعت من الغيظ.
ياسر بصّ في عينين أمه:
– بقول اللي سمعتيه، روان مراتي، وبوجودِك، ادّام الناس، وادّام الدنيا كلها.
قدريّة صرخت:
– إنت اتجننت؟ تسيب مراتك في المستشفى وتجيب صاحبتها هنا؟
ياسر شدّ نَفَسه:
– ماما، سارة هي اللي وصّت، سارة اللي طلبت، وسارة اللي اختارت روان، مش أنا.
قدريّة اتلخبطت:
– وصّت بإيه؟
ياسر قالها بحدة مخلوطة بالحزن:
– وصّت إن روان تبقى مع ملك، وتكون معايا وتبقى في البيت. وأنا نفّذت كلامها.
سلوى بزعل ومرارة:
– يعني خلاص، مافيش نصيب بينا؟
ياسر بصّ لها نظرة واضحة:
– يا سلوى، لمّا يبقى فيه وحدة بينك وبين قدر الله، يبقى مافيش. نصيب من الأول.
روان كانت واقفة ورا ياسر، إيديها بتترعش، مش مصدقة إنه قال الكلمة، و ادّام مين؟
قدريّة استوعبت الكلام، وبمزيج غضب وصدمة:
– يعني أنت اخترت دي على بنت خالتك؟ على سلوى؟ على أهلك؟!
ياسر قال بثبات:
– أنا ما اخترتش، اللي اختارت هي سارة، وأنا بحمي وصيّتها.
ثم بصّ لروان، وولأول مرة قالها بوعي كامل:
– وبحميها هي كمان.
الكلمة كسرت كل الحواجز. قدريّة مسكت شنطتها وقالت:
– يبقى ربنا يسهّل، إنت بقيت ماتسمعش كلام حد، لكن افتكر الجواز ده مش ادّامي وانا مش راضيه عنه .
ياسر ردّ بهدوء:
– ومش محتاج يكون ادّام حد غير ربنا وكتاب الله.
قدريّة خرجت وسلوى وراها، باكية ومكسوفة. باب البيت اتقفل، وورا الباب بدأ عصر جديد.
روان واقفة، مش عارفة تتنفس ولا تتكلم. ياسر إتقدم خطوتين ناحيتها، وقال بصوت أهدى من الهمس:
– آسف، بس ماكنتش هسمح لحد يهينك في بيتي.
روان بصوت مرتعش:
– بيـتـك؟
ردّ وعينه ثابتة عليها:
– لأ، بيتنا.
وهنا ولأول مرة الغربة اللي بينهم اتشقّت.
رواية وصية حب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نسرين بلعجيلي
البيت تاني يوم كان غريب، مشهد صامت، فيه حرارة خفيفة من أثر الخناقة، وبرودة من أثر الحقيقة اللي اتقالت قدام الناس.
روان خرجت من أوضتها بدري وهي لابسة لبس بسيط ومرتب، عينيها منتفخة من النوم المتقطّع، بس ملامحها ثابتة.
ياسر كان واقف في المطبخ، عامل نفسه بيظبط غلاية الشاي، لكن الحقيقة إنه مش عارف يرفع عينه من الأرض.
ملك دخلت عليهم وهي فرحانة:
– صباح الخييييير.
روان ابتسمت:
– صباح العسل يا روحي.
ياسر ردّ بصوت منخفض:
– صباح الخير.
طاولة الفطار كان عليها كل حاجة، بس الجو حواليها كان مش مرتاح. ملك قعدت تاكل، تكلمهم هما الاثنين، وهما بيردّوا بكلمتين ويفضل الصمت بينهم.
لكن.. في لحظة صغيرة، حصلت حاجة محدش خطّط لها. روان كانت بتقطع رغيف لملك، والسكينة وقعت من إيدها، إنحنت بسرعة، وساعة ما قامت، اتخبطت في كتف ياسر، حركة بسيطة، لمسة مش مقصودة، لكن كانت أول تقارب من غير ما حد يقصد.
ياسر اتلبّخ:
– آسف…
روان بصوت واطي:
– لا، أنا اللي آسفة.
ملك ضحكت:
– إنتم زي العيال، بتخبطوا ببعض.
الاثنين بصوا لها، وبعدين بصّوا لبعض. ولأول مرة بعد الخناقة، إبتسامة صغيرة حاولت تطلع، لكن اختفت بسرعة، لكنها حصلت، و دي أول شق صغير في الحاجز اللي بينهم.
الساعة 11…
زائرة غير مرغوب فيها، باب الشقة خبط، روان راحت تفتح، متخيلة إنها الجارة اللي فوق، لكن أول ما الباب اتفتح، وشّها اتغير، كانت “أم وجيه” ست ما بتحبش الخير لحد، ولسانها أطول من عمرها وحده من سكان العماره.
بصّة واحدة على روان من فوق لتحت، وقالت بصوت عالي:
– هااا.. إنتِ لسه هنا؟!
روان اتشدّت، وقفت وقفتها:
– اتفضلي؟ فيه حاجة؟
دخلت الست من غير ما تستأذن، وبصوت مليان سخافة:
– هو صحيح يا بنتي؟ الكلام اللي ماشي، إنك أخذتِ مكان صاحبتك؟
ياسر طلع من الصالة، وشه اتغير أول ما شافها:
– فيه إيه يا طنط؟
ردّت وهي عاملة نفسها حزينة:
– الناس كلها بتتكلم يا ابني، بيقولوا إزاي مراتك في المستشفى وصاحبتها قاعدة هنا ولابسة لبس البيت، وبتاكل وتشرب معاكم؟؟
جملة بعد جملة. كانت بتوجع روان.
روان عضّت على شفايفها، مش عايزة ترد رد يضايق ياسر.
الست كملت:
– ده حتى البنات تحت بيقولوا إنك…
ياسر قطع الكلام:
– طنط.. لو سمحتِ، الكلام ده مش مقبول ومافيش مكان ليه هنا.
الست اتفاجئت:
– ده أنا بكلمك لمصلحتك يا ابني.
ياسر قال بوضوح:
– وأنا بقولك روان مراتي، ومحدش ليه دعوة بيها، ولا ببيتنا.
الست اتخضّت، والكلمة جرّت الأرض من تحت رجل روان:
– مراتك؟! بتعملوا كتب كتاب من ورا الناس؟
ياسر قرب خطوة، عينه ثابتة وقوية:
– كتب كتاب، ولا مش كتب كتاب، ده مش موضوعك. لكن إسمعي دي :حد يجيب سيرة روان تاني، أنا اللي مش هسمح.
الست اتكهربت، ولقت الباب بيتقفل قدّامها قبل ما تكمّل كلام.
روان واقفة، إيديها بتترعش من الصدمة.
ملك حضنت رجلها:
– ماما روان، بابا خاف عليكِ.
روان مش قادرة تتكلم، وشها سخن، وقلبها مضروب من الكلمة اللي اتقالت قدّامها.
لكن ياسر اتقدّم ناحيتها، وقف على بعد خطوة وقال بصوت منخفض:
– أنا آسف إنك إتضايقتِ، بس كان لازم أوقفها.
روان بصوت مكسور:
– ليه؟ ليه قلت “مراتي”؟
إتنفّس وقال وهو بيبص في عينيها:
– علشان دي الحقيقة قدام الناس، و علشان إنتِ ما تستاهليش حد يهينك.
سكتت، لكن قلبها كان بيخبط. لأول مرة هي مش عارفة تهرب من الإحساس اللي جواها.
ولأول مرة هو مش عارف يرجّع الكلام اللي قاله.
زيارة جديدة لسارة…
بعد العصر، ياسر قال:
– نروح نشوفها؟
روان هزّت راسها:
– نروح.
ملك راحت عند منى. والاتنين راحوا المستشفى. الغرفة نفسها، النور نفسه، البيب نفسه..
لكن لما روان مسكت إيد سارة، كانت أدفى شوية.
همست:
– سارة.. خلي بالك الناس برا بتاكل بعض وأنا واقفة في النص.
ياسر سمع الكلام، لكن ما علّقش. وفجأة، إيد سارة اتحركت حركة خفيفة جدًا، زي تشنج، زي محاولة.
روان صاحت:
– ياسر! بصّ!
ياسر قرب، وعينيه وقفت على صباع سارة اللي بيتهزّ.
ممرضة دخلت:
– ده تطور إيجابي، لكن مش معنى دا إنها فاقَت، ده يعني المخ بدأ يستجيب.
روان دمعت، وياسر مسك طرف السرير، مش قادر يثبت رجليه.
الغرفة كانت مليانة خوف، ومليانة أمل. أمل ممكن يبني حياة أو يهدّ حياة.
الليل… والمواجهة الصغيرة...
رجعوا البيت. ملك نامت بسرعة. روان طلعت من أوضة ملك، ياسر واقف في الصالة، بيشرب مية، واضح إنه بيفكّر.
روان عدّت قدّامه، كانت هتروح أوضتها.
لكنه قال:
– روان…
وقفت، ما التفتتش.
– ماتزعليش من اللي قلته الصبح، ولا من اللي قلتُه قدّام الناس، أنا كنت لازم أحميكِ.
روان التفتت نص لفة بس:
– حميتني، ولا حميت نفسك من كلام أمك والناس؟
ما عرفش يرد. سكت.
هي قالت بصوت هادي، لكن موجوع:
– ياسر، أنا مش لعبة تتشال لما تتزنق، وتترمي لما تهدى.
وبدون ما تستنى الرد، دخلت أوضتها وسابته واقف، مش قادر يقول كلمة ولا يصدّق إن الكلام وجعه.
قبل ما ياسر يدخل أوضته، تلفونه رن: رقم المستشفى.
فتح، وصوته اتغيّر:
– ألو؟!
– إيه؟
– دلوقتي؟
– إحنا جايين.
قفل الخط بسرعة وبصوت مرعوب:
– روان… قومي، فيه حاجة حصلت لسارة.
ياسر وقف في النص، وشه شاحب، موبايله بيترعش في إيده وعينيه على باب أوضة روان.
– روان… قومي، المستشفى كلمتني. فيه حاجة حصلت لسارة.
الصوت كان مرعوب، مش صوت راجل قوي، صوت حد بيحبّ وعايش على طرف خيط.
روان فتحت الباب بسرعة:
– في إيه؟ إيه اللي حصل؟!
– قالوا إن الأجهزة سجلت تغيّر مفاجئ في الإشارات العصبية، ومحتاجة حد من أهلها دلوقتي.
روان اتجمدت، ثم جريت تلبس طرحتها. ملك كانت نايمة، فروان بسرعة بصت لياسر:
– نخلي ملك مع حد من الجيران أو نسيبها نايمة ونقفل الباب.
هزّ راسه بسرعة:
– نسيبها نايمة، وهنرجع بسرعة.
قفلوا الشقة، ونزلوا السلم بسرعة، كأن الأرض مولّعة وراهم.
المستشفى.. – الساعة 11:40 بالليل
جوّ المستشفى كان مرعب، مش بسبب الصوت، لكن بسبب الهدوء الزيادة.
الدكتور طلع لهم وهو ماسك ورق:
– إنتوا أهل المريضة سارة يونس؟
ياسر قرب خطوة لقدّام:
– أيوه انا جوزها ، إيه اللي حصل؟
الدكتور قال بنبرة طبية لكن فيها لمعة غريبة:
– فيه إستجابة جديدة ظهرت، الدماغ بيرجع يتفاعل، لكن لسه مش في وعي كامل.
روان قلبها وقع:
– يعني.. فاقت؟
– لا، لكن فيه تغيّر من النوع اللي قبل الإفاقة، وده تطوّر بنشوفه قبل ما المريض يصحى بوقت قصير أو طويل، ما نقدرش نحدد.
ياسر سأل:
– طب نقدر ندخل؟
– آه، واحد بس في المرة.
روان بصتلُه فورًا:
– أدخل إنت الأول.
ياسر بصّ لعينيها، لحظة صافية وبعدين هزّ راسه، ودخل.
روان وقفت قدام الباب، بتتنفس بصعوبة، بتحس إن السقف هينزل عليها. بعد دقيقة إتسندت على الحيطة، لأن الحقيقة الكبيرة كانت قدامها: لو سارة فاقِت، كل حاجة هتتغير.
وهي؟ مكانها مش مضمون، مش مكتوب، مش ملك لأحد.
بس رغم كل ده، في لحظة نادرة
روان دعت:
– يا رب صحيها، حتى لو رجوعي أنا يبقى صعب، بس ملك تستاهل أمّها، وياسر يستاهل راحته.
دمعة نزلت ومسحتها بسرعة.
جوا الغرفة....
ياسر كان واقف جنب سرير سارة، مش قادر يمد إيده، مش قادر يقرب، قال بصوت مكسور:
– يا سارة، ياريت تفوقي، ياريت تسمعيني دلوقتي، أنا تعبت، تعبت على ملك، وتعبت على البيت، وتعبت من الغُربة اللي سايباني فيها.
قرب إيده ولمس إيدها،:
– فيه حد شال اللي وقعتيه، حاول يلمّ البيت وشال الوجع معايا: روان،مش مجرد وصية، دي إنسانة وشايلة الحمل كله. وإنتِ لو كنتِ قادرة تشوفي كنتِ هتحبي اللي هي بتعمله.
إيده كانت بتترعش، وصوته كان طالع من كتمة:
– بس لو فقتِ دلوقتي، أنا راضي، حتى لو ده هيبعدني عنها، المهم إنتِ ترجعي.
سارة ما اتحركتش، لكن الجهاز زوّد نبضة واحدة. نفس واحد… صغير.
كأنه ردّ.
ياسر اتخض، وبعدين وقف بسرعة:
– روان… ادخلي.
---
روان دخلت الغرفة..
دخلت بخوف، قلبها بيخبط في صدرها.
ياسر قال وهو واقف جنب السرير:
– صباعها اتحرك، تفاعل تاني، لازم تكوني هنا.
روان قربت، إيدها امتدت بهدوء:
– سارة، أنا هنا، ملك كويسة وبتحلم باليوم اللي تاخديها فيه حضنك، و…أنا مش هاسيب البيت يقع، بس لو رجعتِ، هارجع خطوة ورا، ده وعد.
الجهاز عمل صوت أعلى، زي "بيب" طويلة خفيفة.
الدكتور دخل بسرعة:
– ده كويس، ده معناه إن المريضة بتستجيب للأصوات القريبة.
روان شهقت:
– يعني سامعانا؟
– بنسبة بسيطة، المخ بيفتح إشارات، إستمّروا، كلموها.
ياسر وقف جنب روان، جنبه مش بعيد. قال بصوت واطي:
– يا سارة، لو فقتِ هتلاقي ملك بخير، وهتلاقي وصيّتك ماشية. وهتلاقي روان عاملة كل حاجة عشان بيتك.
روان بصت له بنظرة طويلة، وجديدة مليانة حاجة بين الشكر والتمزّق.. والخوف.
الجهاز استقر.
الدكتور قال:
– ده أحسن يوم مرّ على حالتها.
وخرج.
---
في الممر
ياسر وقف بعيد شوية وركز على الأرض.
روان كانت بتقفّل طرحتها. واضح على وشّها إنها قوية من برّه، لكن جواها فيه هزة كبيرة.
بعد ثواني.. ياسر قال بصوت منخفض:
– روان، اللي حصل جوّا بيأكد إنها بتحاول ترجع.
روان هزّت راسها:
– وأنا مع ده، مهما كان هيجرالي أنا مع ده.
نظر لها نظرة مختلفة، نظرة راجل شاف قوة مش موجودة عند حد.
قال:
– لو رجعت، هنتصرّف مع بعض، من غير ما حد يتظلم.
الجملة وقفت قلبها، لأنها أول مرة يحطّها في جملة فيها "مع بعض".
---
العودة للبيت
الوقت كان بعد نص الليل. ملك نايمة، والبيت هادي قوي.
روان قالت وهي شايلة شنطتها:
– هادخل أغير هدومي وأنام.
– روان…
وقفت.
– شكراً على كل كلمة قولتيها لها.
هي محتاجاكِ، وإحنا كمان.
ماردتش. عينها لمعت ودخلت أوضتها.
وياسر وقف في الصالة، مش عارف ياخد نفسه، لأنه لأول مرة خايف من بكرة، خايف سارة تفوق، وخايف ما تفوقش، وخايف على روان أكتر من خوفه على نفسه.
البيت كان ساكت.. ساكت بطريقة مش مريحة، كأن الباب بعد ما اتقفل ساب صدى للخناقة جوّا الجدران.
روان واقفة في مكانها، مش عارفة تتحرك، مش عارفة حتى تتنفس بعمق. كلمة ياسر “بيتنا” لسه بترن جوا ودانها، بس لسه مُرعبة، ولسه مش مفهومة.
ملك طلعت تدور على عشاها، وأول ما شافت روان، جريت عليها:
– ماما روان، العيلة الشريرة مش هتيجي تاني؟
ضحكت غصب عنها:
– لأ يا قلبي، خلاص.
ياسر كان واقف بيتابعهم، مش عارف يدخل في اللحظة ولا يستنى.
قرب خطوة، وقال بصوت واضح:
– روان، تعالي، لازم نتكلم شوية.
الجملة خوّفتها بس راحت. قعدوا في الصالة، ملك كانت قاعدة قريبة، بتلوّن، بس ودانها معاهم.
ياسر بدأ:
– أنا آسف على كل اللي حصل، وخاصة اللي قلتُه الصبح.
روان بصوت ثابت:
– خلاص، عدّت.
هزّ راسه:
– لأ ماعدّتش، الكلمة كانت غلط، وأنا ما قصدتش أجرحك بيها. كنت متلخبط، زعلان وخايف.
رفعت عينها بسرعة:
– خايف من إيه؟
سكت… لأول مرة من قبل الغيبوبة، ياسر ظهر كأنه بيحاول يلاقي نفسه:
– خايف من البيت، ومن الوحدة، ومن سارة، ومنك.
روان اتوترت:
– مني أنا؟
– أيوه، لأن وجودك بقى مهم، وأنا مش مستعد أعترف بده، ولا عارف ده صح ولا غلط، ومش عايز يبان إني بخون سارة.
الجملة ضربتها في قلبها، لكنها حاولت تكون هادية:
– إنت ما بتخونش حد، أنا جاية عشان ملك.
ردّ بسرعة:
– وأنا عارف بس وجودك مريح ومؤلم في نفس الوقت.
سكتت. كانت عايزة تهرب، بس رجليها تقيلة. عايزة تقوله “ماينفعش تقول كده” بس لسانها مش قادر.
هو كمل بهدوء:
– أنا قلت لأمي إنك مراتي علشان محدّش يهينك، مش علشان أي معنى تاني.
هزّت راسها تفهم، لكن قلبها ما كانش فاهم حاجة.
---
قبل ما يكملوا… خبط خفيف على الباب.
ياسر استغرب:
– مين تاني الساعة دي؟
فتح الباب… وظهر شخص ماكانوش عاملين له حساب: عماد، أخو سارة من الرضاعة. وشه باين عليه زعل، غيرة ودهشة.
– مساء الخير. أنا كلمت قدريّة من شوية قالتلي إن فيه واحدة ساكنة هنا مع ياسر، جيت أتأكد.
روان اتجمدت، ياسر نزل وشه، واضح إنه كان ناسي إن عماد ده موجود أساسًا.
عماد دخل من غير استئذان، وبص لروان بحدة:
– إنتِ مين؟ وليه ساكنة في بيت أختي؟ وبأي حقّ؟
روان اتلخبطت، لسانها اتشلّ. ملك جريت عليها وخبّت وشّها في صدرها.
ياسر اتدخل فورًا:
– عماد، إتكلم كويس، روان هنا بناءً على وصية سارة نفسها.
عماد ضحك بسخرية:
– وصية؟ ولا هواك؟ ولا الظروف لعبت معاك؟!
روان حسّت الكلمة كسرت ظهرها. وياسر وشه قلب أحمر من الغضب:
– آخر مرة يا عماد، إهانة واحدة ليها وإنت اللي هتمشي.
عماد قرب خطوة من روان وعينه فيها غلّ غريب:
– أنا مش فاهم إيه اللي بينكم أصلاً؟
روان لأول مرة قررت تردّ بصوت ثابت رغم الخضة:
– اللي بينّا مسؤولية بيت وبنت إسمها ملك وعيلة بتحاول ماتقعش.
عماد هزّ راسه باستهزاء:
– ده كلام ما يدخلش عقلي، وأنا مش هسيب البيت ده لحد غريب، خصوصًا لوحدة زيّك.
الجملة دي كانت هتولّع الخناقة من جديد. ياسر مسك عماد من إيده بقوة:
– برا قبل ما أغلط غلطة مش هقدر أصلّحها.
عماد اتصدم من الشدة اللي في عينيه، وأخيرًا خرج، بس وهو خارج قال:
– بكرا لما سارة تفوق، هنشوف مين مكانه في البيت ومين لأ.
وخرج، والباب اتقفل.
---
البيت اتجمد.
روان وقفت ثابتة، ملك بتعيط في حضنها. ياسر لفّ، وبباله ألف كلمة، بس قال الجملة اللي قدرت تطمنها:
– محدّش.. محدّش هيديكِ إحساس إنك برّا. طول ما أنا موجود.
روان بصوت مكسور:
– عماد عنده حق في كلامه، أنا مش من البيت.
– لأ… إنتِ من البيت ومش هسمح لحد يشكّك في ده.
ملك شدت على إيد روان:
– ماما روان، إنتِ مش هتمشي، صح؟
روان بصت لياسر، وتوقّعت يقول: "مش هتمشي".
لكنه قال:
– مش هتمشي إلا لو هي اللي قررت.
الجملة فتحت باب كبير، باب خوف، باب مشاعر، باب اختيار هيتحطّ قدّامهم قريب جدًا.
وهو…كان عارف، وعماد فرش لهم بداية الصراع الأكبر.
سارة قربت.. والكل هيستعد
رواية وصية حب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نسرين بلعجيلي
الليل كان تقيل.. تقيل لدرجة إن كل حاجة في المستشفى كانت بطيئة، حتى عقارب الساعة.
روان قاعدة على مقعد قصاد باب غرفة سارة، إيديها معقودة في بعض والقلق عامل زي إيد بتخنق صدرها.
ياسر واقف جنب الشباك، مش قادر يقعد، مش قادر يهدى. كل شوية يرفع عينه على الجهاز جوه الغرفة كأنه مستني معجزة.
وفجأة…
الجهاز عمل صوت مختلف، مش “بيب… بيب” العادي. كان في رفعة، نبرة أعلى، كأن حد بيحاول يرجّع نَفَس قديم.
الممرضة جريت:
– استنّوا برة لحظة.
روان مسكت إيد ياسر من غير ما تقصد، هو حسّ بنفسه اتشدّ ناحيتها.
والباب اتقفل.
دقايق… نصف دقيقة… ثواني تقيلة… وبعدين الممرضة فتحت الباب، عينيها واسعة:
– هي فاقت، بس بوعي ضعيف. حد منكم يدخل حالًا.
ياسر مشي جوه الغرفة رجليه بتترعش، كأن كل خطوة بترجّع سنين لورا.
سارة كانت فاتحة عينيها، نصّهم، بس مفتوحة. مش سارة اللي كانت بتضحك، ولا اللي بتحضن، ولا اللي عندها مليون كلمة. كانت سارة الضعيفة، بس واعية.
وعينيها، أول ما شافت ياسر، نزلت دمعة واحدة.
قرب، مسك إيدها وقال بصوت مكسور:
– يا سارة، يا حبيبتي أنا هنا.
سارة بحروف متقطعة ونَفَس ضعيف جدًا:
– يا… يا… سر…
عينه دمعت، حطّ جبينه على إيدها:
– الحمد لله، الحمد لله.
سارة حاولت تحرك شفايفها:
– ملك… فين…؟
روان اللي كانت واقفة على الباب قربت شوية.
ياسر قال بصوت واطي:
– ملك في البيت، هجيبها بكرة. إنتِ لسه تعبانة.
سارة هزّت راسها “لأ” بصعوبة:
– عايزاها... دلوقتي.
الممرضة قالت:
– ممكن تشوفوها دقيقة مش أكتر. بس بسرعة.
ياسر خرج يجري ورجع بعد نص ساعة شايل ملك نايمة على كتفه. دخل بيها وقربها من سارة.
سارة مدّت إيدها الضعيفة ولمست خد بنتها.
ملك صحيت من اللمسة:
– ماما…؟ إنتِ صحّيتي؟!
سارة دمعت:
– حبيبتي… بابا… و… روان… هيفضلوا معاكِ… على طول.
ملك حضنتها، وسارة اتألمت بس ما قالتش حاجة.
ياسر قاعد جنبها وروان واقفة الناحية التانية، مش لاقية نفسها.
سارة لفت عينها ناحية روان، نظرة واضحة، نظرة ستّ فاهمة كل اللي حصل، نظرة موافقة.
سارة مدّت إيدها لروان، روان قربت ومسكتها بحرص.
سارة قالت بصعوبة:
– روان… أمانة… خلي بالك… من بنتي.
دمعة نزلت من روان غصب عنها:
– حاضر، والله حاضر.
سارة بصّت لياسر:
– خلّي… بالك… من… من بعض.
ياسر اتجمّد، روان اتصدمت. النظرة كانت "عارفة"… "مسامحة"… "مبارِكة".
وبعدين قالت أهم كلمة:
– ده… قدر… مش خيانة.
روان غطّت بقها بإيدها تبكي، وياسر دموعه نزلت من غير صوت.
سارة تنفّست بصعوبة، نَفَس إتنين، وبعدين همست:
– ملك… أنا… مش… راجعة.
ملك صرخت:
– لأ!! لا يا ماماااا!!
سارة جمعت آخر قطرة قوة من جسمها وبصت للثلاثة معًا:
– حافضو على وصيّة… حب.
ونزلت دمعة هادية… والجهاز عمل صوت طويل:
"بييييييييييب——"
الممرضة جريت، الدكتور دخل، ياسر وقف مذهول، ملك بتصرخ وروان ماسكة إيد سارة بتحاول تهزّها، لكن… كان خلاص. كانت النهاية. نهاية هادية، ومختارة، نهاية أم سلّمت بيتها.. وحُبها.. وقدَرها.. ومشِيت.
الغرفة كانت فجأة واسعة، واسعة أوي، لكن ولا نفس بيعلى فيها.
الممرضة بتوقف جهاز التنفس والدكتور قال كلمات محدش سمعها. كل اللي اتسمع، هو صرخة ملك، وانهيار ياسر، وصوت قلب روان وهو بيتقطع.
روان كانت أول واحدة تقع على الأرض، ركبها ما استحملتش الوجع. مسكت طرف السرير وانهارت عليه:
– سارة… قومي… قومي بالله عليك… قومي.
صوتها كان مبحوح، مكسور، ضعيف زي وحدة فقدت ركن من روحها مش صاحبتها بس.
ملك كانت بتخبط في ياسر:
– بابا.. صحّيها، إنت بتعرف تصحيّني، صحّيها بقاااا.
ياسر وقع على الارض، خدّه على طرف السرير، وعينه ما بترمش. إتكلم بصوت ماكانش صوته:
– يا سارة… لا… لا… مش دلوقتي… مش كده… ده مش معادك… ده مش معادك يا سارة… قومي.
إيده كانت ماسكة إيدها اللي بدأت تبرد، وبيحاول يدفيها بنَفَسه كأنه بيحاول يرجّع الروح للجسد.
روان مسكت ملك، قربتها لحضنها. ملك اترفعت عنها وضربت صدرها:
– لاااا… ما تسبينيش، إنتِ السبب، إنتِ السبب.. لو ماكنتيش هنا ماما كانت هترجع.
الصوت ده طعن روان في قلبها. ما حاولتش تدافع. ما حاولتش تهدي، سابت الطعنة تخترق، لأن الطفلة موجوعة ومش عارفة حق ولا كلمة توجع.
روان بصوت مرتعش:
– عندك حق، هاتي كل اللي جواكِ، أنا مش هزعلك.
ملك فضلت تضرب فيها، تشدّ في هدومها وتعيّط بقهر:
– روحي من هنا، رجّعيني لماماااا.
ياسر ما قدرش يستحمل، قام وهو بيترنّح وأخد ملك من حضن روان:
– ملك، تعالي.. تعالي يا روحي أنا هنا، بابا معاكِ.
ملك وقعت على صدره، بتعيط زي النار. وهو قاعد يطبطب عليها، لكن عينه كانت على روان.
روان وقفت، تحس إن رجليها واكلة الأرض، قلبها بينزل، وعينها على سرير سارة اللي خلاص فاضي.
مسكت طرف السرير، وبكت بصوت مكسور:
– أنا ماجيتش آخد مكانها، يا ريت كانت رجعت حتى لو أخدت قلبي معاها.
الدكتور قال بهدوء:
– لازم نخرج من الغرفة، لازم نجهّز الجثمان.
الجملة دي كسرت الدنيا.
ياسر وقف بالعافية وشايل ملك اللي جسمها بيتهز من العياط. روان ماقدرتش تتحرك، فضلت ماسكة طرف ملاية السرير مش قادرة تسيب إيد سارة في خيالها.
الممرضة قربت:
– معلش لازم تطلعي.
روان بصت لها وقالت كلمة مكسورة:
– دقيقة… دقيقة بس.
قربت من سارة وهمست جنب ودنها:
– سامحيني.. سامحيني لو ضايقتِك يوم، سامحيني لو حسّيتِ إني شبعت من مكانك، أنا عمري ما كنت غير واحدة بتحاول تحمي بنتك وتحافظ على بيتك. متخافيش بنتك في امان معايا.
لمست شعرها وقالت بأضعف صوت:
– روحي في سلام، روحي وإنتِ مطمنة، أنا ماقدرتش أرجعك، بس هحافظ على كل اللي بتحبيه وكل اللي وصّيتِ عليه.
وقفت، وخرجت. رجليها كانت بتخونها، بتتهز، قلبها بينزف، بس دموعها خلصت.
في الممر.....
ياسر كان واقف شايل ملك، ملامحه مش راجل، ملامحه حدّ اتكسر، حدّ اتسحبت روحه من صدره.
روان وقفت قصاده، بينهم متر بس، لكن المسافة كانت زي جبل.
ملك نامت من كتر البكاء، راسها على صدر ياسر وإيده بتربّت عليها تلقائيًا.
روان قالت بصوت ضعيف:
– هي كانت بتحاول، كانت بتحاول ترجّع نفسها عشان تشوفكم.
ياسر رفع عينه لها، ولأول مرة من يوم ما دخلت حياته، كان شايفها بوضوح، شايف إنها موجوعة زيه. شايف إنها ما كانتش عايشة حياة، كانت عايشة حرب. و قالها:
– شكراً.
كلمة بسيطة، بس طالعة من آخر نقطة صدق في قلبه.
روان هزّت راسها:
– ماتشكرنيش، أنا فشلت، ماقدرتش أرجعها.
– لأ، ما فشلتيش.
قرب خطوة، وجسمه كله بيترعش:
– إنتِ كنتِ سند لملك، وللبيت وليا.
إنزلقت دمعة مفاجئة من عين روان.
هو بصوت خافت:
– ماكنتش أقدر أعدّي ده لوحدي.
روان اتنفست بوجع:
– وأنا كمان، بس ده وجعها هي، مش وجعنا.
قرب خطوة كمان، لكن وقف فجأة. بصّ في الأرض:
– روان، إحنا.. إحنا دخلنا مرحلة جديدة. مرحلة مش مفهومة ومش سهلة، بس لازم.. لازم نعدّيها.
هي قالت بصوت يقطع القلب:
– ياسر، أنا مش عايزة أكون بديلة. ولا عايزة حد يحس إني السبب، ولا عايزة ملك تكرهني، ولا عايزة الناس تقول كلام.
قرب نظره منها، نظرة هادية بس محروقة:
– وإنتِ مش بديلة ولا هتبقي.
رفعت عينها والدموع رجعت:
– طيب إحنا إيه؟
سؤال واحد، بس وقع على صدره زي الحجر:
– مش عارف، مش قادر أقول حاجة غلط، ولا أوعدك بحاجة، ولا أظلمك، ولا أظلم سارة، بس إحنا لازم نكمّل علشان ملك، وعلشان وصيتها، وعلشان إحساس مش قادر أتجاهله.
القلبين اتكسروا.. لكن اتقرّبوا.
لحظة مليانة خوف، ومليانة صدق، ومليانة بداية لشيء أكبر من الخوف نفسه.
عربية الإسعاف..جهزوا سارة، غطّوا وشّها،وخرجت عربية الموت.
ملك كانت نايمة، ما شافتش، بس روان وقفت ورا الزجاج بتبكي من غير صوت. وياسر وقف جنبها مش عارف يحضنها، ولا يبعد، بس حسّ إن وجودها جنبه الشيء الوحيد اللي مانعه ينهار.
روان قالت:
– هتصعّب عليّا ده، لما ملك تصحى وتسأل.
ياسر مسح دموعه:
– هنقول سارة ارتاحت.
روان هزّت راسها:
– هتكرهني.
– لأ، مش طول ما أنا واقف.
الصبح ما طلعش، إتسلّل زي يوم مابيحبّش يبان. البيت كان كأنّ الموت قاعد فيه، مش لأن سارة ماتت بس، لأن كل روح جوا البيت اتشقّت من النص.
ملك صحيت عينيها منفخة وشعرها لسه فيه ريحة حضن سارة اللي ماودّعتهاش.
أول كلمة قالتها:
– بابا، هنروح لماما؟
ياسر اتجمّد وروان وقفت في المطبخ، ماسكة الكوباية بإيد بتترعش.
البنت قربت:
– ماما فين؟
روان ماقدرتش ترد، بصّت لياسر كأنها بتسأله: "قول… ولا أهرب؟"
ياسر قعد على ركبته قدّام ملك، صوته كان مش صوت، كان وجع:
– ماما راحت عند ربنا يا ملك.
ملك اتسمرت، بقت تمثال صغير بيتنفس بصعوبة:
– يعني… مش هترجع؟
– لأ، مش هترجع يا حبيبتي.
ملك صرخت صرخة تخوّف البيت:
– لاااااااااا! إنت بتكذب، إنت دايمًا تقول إنها هترجع، إنت كذاب.. كذاب يا بابا، رجّعهااااا.
فضلت تضرب في صدره وهو سايبها، وكل ضربة بتخبط في قلبه.
روان جريت تشيل البنت من حضنه، لكن ملك صرخت فيها:
– إبعديييي، إنتِ السبب، لو ماكنتيش هنا ماما كانت هترجع.
الكلمة كانت خنجر، خنجر حقيقي. روان وقفت ساكتة عينيها اتغرقت دموع، بس ما ردّتش.
ياسر صرخ لأول مرة:
– ملك، ما تقوليش كده، روان ماعملتش حاجة، روان ساعدتنا.
ملك رجعت تبكي:
– ماما ماتت.. ماما ماتت ومش هترجع، وإنتم بتسيبوني لوحدي.
وقعت على الأرض زي ورقة شجر اتقطعت من جذورها.
روان قعدت جنبها، قريبة، لكن مش لامساها:
– ملك، أنا هنا يا روحي وهفضل هنا حتى لو زعلتِ، حتى لو ضربتيني، حتى لو كرهتيني، أنا مش هسيبك.
ملك بكت بصوت عالي، بصوت يوجع السما نفسها. وياسر مسح دموعه وقرر وقتها:
– لازم نروح الدفنة سوا.
السماء كانت رمادي كأنها حزينة معاهم. المقابر ماكانتِش زحمة، سارة كانت وحيدة في الدنيا مالهاش حد غيرهم.
حتى عماد مكانش موجود.
عربية الإسعاف وصلت، والتابوت نزل. ياسر وقف، مش راجل ولا زوج، كان طفل كبير فقدّ أول حب في حياته. إيده كانت على التابوت مش قادر يشيله، ولا قادر يسيبه.
ملك كانت حضناه من وسطه بتعيّط وبتقول:
– بابا، قل لها ترجع، قل لها ماتسبنيش، قل لهااا!
ياسر نزل لجنبها وحضنها جامد:
– أنا، أنا مش قادر يا ملك، هي راحت بس مش هتسيبك، ربنا هيحفظك.
روان كانت واقفة بعيد مش متدخلة، مش عايزة تبقى جزء من وداع مش بتاعها، لكن قلبها كان بينزف عليهم هما الاتنين.
بعد الدفن…
الناس بدأت تمشي. فضل ياسر واقف عايز ينزل معاها. ملك ماسكة إيده ورجليها مش ثابتة، وروان بتبص لهم ومش قادرة ترفع رجلها خطوة.
حد من الناس قال بصوت عالي متعمد يسمّع:
– عيب اللي بيحصل، مراته ماتت وصاحبتها عايشة معاه. يا ناس! ده زمن وحش.
ناس تانية بصّت لروان بنظرات كلها شك وغلّ.
وحدة قالت:
– دي اللي كانت معاه في المستشفى؟ أهو كله باين.
التريقة.. الشك.. الكلام السخيف.
روان اتسمرت، عينيها دمعت. سابت راسها لتحت. لكن قبل ما أي كلمة تكمّل، ياسر قرب منها، وقف جنبها، مسك إيد ملك وقال بصوت عالي:
– روان جزء من وصية سارة، ومحدّش ليه كلام علينا، ولا هي هتمشي ولا أنا هسمح لحد يعيّرها. روان مراتي وساره هي اللي جوزتنا قبل ماتموت الله يرحمها.
الناس سكتت، والمقابر نفسها سكتت.
روان بصّت له، مش مصدّقة إنه أعلن كده قدّام الناس. ملك مسكت إيد روان أخيرًا، ولأول مرة من غير رفض، وقالت بصوت صغير مكسور:
– ماما روان ما تسيبينيش.
بعد الدفنه
الشقّة كانت مليانة ستات ريحة بخور، ريحة قهوة مرة وأصوات بكا مكتوم، وأصوات همس عالي.
ملك قاعدة في حضن روان، رأسها مدفونة في كتفها مش بتبصّ لحد. كل شوية شهقة صغيرة بتطلع منها، وتسكت.
روان كانت قاعدة ساكتة، ملامحها هادية بس عيونها بتهرب من الناس.
الستات بقى؟
كانوا قاعدين يقطعوا زي السكاكين.
وحدة قالت وهي تبص ناحيتها:
– دي؟ هي دي اللي كانت قاعدة في بيته؟ مش عارفة تستحي.
والتانية ردّت:
– أصل الزمن اتقلّب، الرجالة بقت تتجوز صاحبات مراتاتهم وهما لسه عايشين.
ضحكات خبيثة.. همسات حقيرة.. وكلام زَيّ السم.
روان سمعت والكلمة جرحتها، بس ما ردّتش.
قدريّة دخلت بصّت على روان من فوق لتحت وبصوت عالي متعمّد:
– الله يرحمك يا سارة، كان قلبك أبيض. لو كنتِ شايفة اللي بيحصل في بيتك ما كنتيش رضيتِ.
سلوى جنبها، قاطعة في الكلام:
– وأنا مالي؟ أنا انظلمت، اترمى بيا عشان الغريبة دي، يستاهلوا بعض.
الكلام كله كان رايح ناحية روان. الستات اتجمّعوا حوالين بعض، عيونهم بتاكلها أكل.
ياسر واقف، وشه بيولّع غضب، لكنه ماسك نفسه علشان العزاء.
ملك بدأت تبكي تاني بصوت عالى:
– ماما روان، انا خايفه ، الناس بتبصّ لي وحش.
روان حضنتها وبصوت خافت:
– ماتخافيش، أنا معاكِ.
اللحظة دي كسرت قلب ياسر، بس قبل ما يفتح بقه، الباب اتفتح فجأة.
الشيخ “عبدالمنعم” إمام المسجد، والشخص اللي كتب الكتاب دخل بخطوة تقيلة وشه فيه غضب واضح.
الناس كلها سكتت.
بصّ حواليه ثم بصّ على ياسر، ثم على روان. وقال بصوت عالي وواضح:
– محدش يجيب سيرة الست دي تاني إلا بالخير. اللي ما يعرفش يعرف دلوقتي.
النسوان اتجمّعوا حواليه:
– ليه يا شيخ؟ مش حرام اللي حصل؟
رفع إيده وقال بحزم:
– أنا اللي كتبت كتاب ياسر وروان. وكتبت الكتاب بوصية واضحة من المرحومة سارة.
القعدة كلها اتصدمت.
الشيخ كمل:
– المرحومة سارة قبل ما تدخل الغيبوبه الأخيرة نادتني، وقالت: “يا شيخ، لو حصلّي حاجة، عايزة بنتي ملك ما تترباش مع حدّ غريب، وتعيش مع واحدة بتحبّها بجد. ووصّيت جوزي إنه يتجوز صاحبتي روان. أمانة، كمل الجواز.”
الستات اتسمروا. سلوى صوتها خرج متقطع:
– يعني… هي اللي قالت يتجوز صاحبتها؟
الشيخ قال بحزم:
– أيوه. أنا شاهد ومعايا العقد، ومعايا وصيتها الصوتية. ولو حدّ هيفتري أو يتكلم بالباطل، يبقى بيفتري على واحدة ميتة، وعلى وصية أم لطفلة يتيمة.
قدريّة اتلخبطت، اتوترت وبصت لياسر:
– الكلام ده… صحيح؟
ياسر رفع راسه:
– أيوه… صحيح.
الشيخ كمل:
– وبعدين، عيب في عزاء تتكلموا على ستّ شايلة بيت مش بيتها وتربي طفلة مش بنتها، وتسهر في المستشفى أكتر من أهلها؟
سلوى بصت للأرض وقدريّة وشها احمرّ من الخجل.
الشيخ قال:
– لو ليكم كلام غير كده خلوه عندكم. دي وصية سارة، وده جواز شرعي، وهما تحت ستر الله. والله ما يرضاش بالغيبة والافتراء.
العبرة مسكت المكان كله. روان دمعت، مش من الحزن، من الإنصاف من أوّل مرة حدّ يشيل عنها كلمة ظُلم قالتها الناس.
ملك رفعت وشّها. ومسحت دمعها بإيدها الصغيرة وقالت بصوت خافت:
– ماما… كانت بتحبّك يا ماما روان.
روان حضنتها وكل اللي في العزاء اتلخبط، لأن الحقيقة إعلنت قدّام الكل.
وسارة… حتى وهي ميتة، كانت لسه بتحمي روان.
العزاء بعد كلام الشيخ إتحوّل. الوشوش اللي كانت بتاكل في لحم روان من شوية اتلمّت، الهمسات اختفت، والكلام البايخ وقف فجأة كأنه اتحشر في زُور الناس.
سلوى بصت في الأرض، قدريّة مسكت طرحتها، مش لاقية تبرير. الستات اللي كانوا بيغيظوا، بقوا ساكتين زَيّ الأطفال اللي اتكشف كذبهم.
الشيخ بص على روان وبصوت هادي:
– ربنا يعينك ويعين البيت ده. اللي بتعمليه مش سهل، واللي شيلتيه مش أي حد يقدر يشيله.
روان نزلت عينيها، مش قادرة تبصّ له من التأثر.
ملك مسكت إيدها بقوة، ومن غير ما حد يلاحظ قربت راسها على كتفها.
أول مرة من موت سارة، تحس بالأمان شوية.
بعد ما الناس بدأت تمشي وقدريّة وسلوى خرجوا من غير ولا كلمة، فضل الجو هادي، هدوء تقيل، بس مش مؤذي زي الأول.
الشيخ قبل ما يمشي، بصّ لياسر:
– يا بني، الوصية مش كلمة، الوصية مسؤولية وربنا اختارك واختارها، فخلي بالك من البيت، وخلي بالك من القلوب اللي جواه.
ياسر هزّ راسه باحترام وصوته منخفض:
– حاضر يا مولانا.
الشيخ مشي. والباب اتقفل.
السكون اللي بعد العاصفة.
ملك راحت أوضتها تعيط شويّة، وترسم شويّة، لحد ما نامت. الطفلة اللي كبرت يوم كامل في ساعة.
ياسر وقف في الصالة، مبسوط؟ لأ، مكسور؟ كمان لأ. كان واقف كأنه بيحاول يفهم نفسه ويفهم اللي حصل.
روان كانت في المطبخ بتشيل كوبايات العزاء وبتلمّ المكان لوحدها. مش من واجب، من عادة ومن هروب.
ياسر مشي ناحيتها، قرب خطوة وبعدين وقف، مش عارف يروح ولا يرجع:
– روان.
وقفت، ما لفتّش بس الصوت وضّح إنها سامعة:
– نعم؟
– شكراً على اللي وقفتيه وعلى اللي استحملتيه. والكلام اللي اتقال في العزاء ما تستاهليهش.
روان قالت بصوت هادي، هادئ لدرجة توجع:
– مش مهم. إتعودت الناس تفهم غلط وتتكلم غلط.
ياسر قرب أكتر ورفع صوته شوية:
– لأ، مهم، لأنهم جرحوكِ وأنا واقف، جرحوكِ وملك بتعيّط، وإنتِ ما قلتيش ولا كلمة.
سكت ثواني.. وبعدين قال جملة خرجت منه من غير حساب:
– وإنتِ ما تستاهليش حدّ يوجعك ولا كلمة تكسر قلبك.
روان اتجمدت، إيديها اللي كانت ماسكة الكوباية وقفت في الهوا، لفّت عليه ببطء وعينيها كانت فيها دمعة، بس دمعة قوية مش ضعيفة:
– أنا.. مش عايزة أكون حمل عليك. ولا عبء في وسط وجعك ولا سبب كلام لحد، أنا هنا بس لو وجودي بيأذيك أمشي.
الجملة وقفت قلبه كأنها ضربته بشيء ما توقعهوش:
– تمشي؟ روان، مافيش تمشي. إنتِ جزء من البيت، سارة اختارتك، وملك محتاجاكِ، وأنا…
سكت.....
الكلمة الأخيرة وقفت في زوره كأنها تقيلة، ولا لسه مش جاهز يقولها.
روان حسّت وقطعت الصمت:
– وإنت…؟
هو رفع عينه فيها لحظة صدق كاملة، مالهاش هروب.
– وأنا… محتاج وجودك حتى لو مش عارف أقول ده بصوت عالي، حتى لو خايف، بس وجودك مش عايز يخوّفك.
روان قلبت نظرها بعيد، دمعة نزلت، هي مش عايزة تنزل:
– ياسر.. إحنا لسه خارجين من موت، مش وقت الكلام اللي يكسر حدّ فينا.
قرب خطوة.. خطوة بس، قريبة كفاية يبان الصدق في صوته:
– مش هكسرك ولا هسمح حد يكسرِك، ولا هسمح ليكِ تفكّري تمشي.
الجملة كانت زي وعد، ومافيهاش صوت غصب.. كان فيها خوف.. وخسارة وأول بداية للاعتراف.
روان مسحت دمعتها وقالت بصوت مكسور:
– خلّينا نعدّي الليلة وميحصلش حاجة تانية.
هزّ راسه:
– زي ما تحبي، بس إوعي تفكري تمشي من البيت ده، إوعي.
وبعدين سابها ترتّب الكوبايات وهو راح يطّمن على ملك. بس قبل ما يدخل أوضتها وقف ثواني وبص عليها من بعيد، هي وهو… إثنين موجوعين،. بس قدرهم اتربط من جديد.
وهو كان عارف: اللي جاي، أقوى بكثير.
رواية وصية حب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نسرين بلعجيلي
الليلة نزلت بدري…
والبيت حسّ بيها قبل ما تدخل.
الهدوء كان تقيل… تقيل لدرجة إن النفس نفسه بقى صعب.
روان خلّت ملك تنام بالعافية… بعد ما فضلت تبكي لحد ما صوتها راح.
والصالة كانت فاضية… إلا من ظلّ ياسر.
مش واقف… ولا قاعد… هو "واقع واقف".
قاعد على الكنبة… وشّه في الأرض… وإيده ماسكة كوفيّة سارة اللي لقاها في دولابها.
ماكانش بيعيّط… الرجالة اللي بتتكسّر قوي… دموعهم ما بتنزلش بسهولة.
بس صوته؟ كان نفسيّته متكسّرة كلها في نفس واحد.
روان وقفت من بعيد… مش عارفة تقرّب ولا تبعد.
قربت خطوة… خطوتين… لحد ما وصلت عند طرف الكنبة.
كانت هتتكلم… بس ياسر سبقها.
قال بصوت مبحوح… صوت مايشبهش صوت راجل اتعرفت عليه يوم:
– أنا… مش قادر.
رفعت عينها عليه:
– عارفه… ومتوقعة ده.
هزّ راسه… بحركة بطيئة… تقيلة:
– مش قادر أعدّي اليوم.
ولا اللي بعده.
ولا اللي بعد بعده.
ولا قادر أدفن ريحتها من البيت… ولا من قلبي.
مسك الكوفيّة أكتر… شبّكها في صوابعه:
– كانت… ستري.
كانت ضهري…
كانت أول بني آدم حبّني بجد.
الصمت خنق الغرفة.
روان قربت كرسي صغير… وقعدت جنبه… من غير ما تلمسه.
قالت بهدوء:
– محدّش يقدر يا ياسر… محدّش بيتجاوز موت حد كان روحه.
هزّ راسه… عينيه بدأت تلمع:
– أنا… خايف.
خايف من البيت من غيرها.
خايف أقعد على السرير…
خايف أشوف هدومها…
خايف حتى أنام.
روان غمضت عينيها من شدّة الوجع اللي سامعاه:
– الخوف طبيعي… بس البيت مش هيفضل زي ما هو… وملّك محتاجاك.
قلبه اتوجّع أكتر من جملتها.
بصّ لها… ولأول مرة من يوم ما ماتت سارة… عينيه دمعت بجد.
– ملك؟
ملك لما بتقولي “ماما”… بحسّ روحي هتطلع.
وبحسّ إني… خُنت سارة… لما خليت الكلمة تطلع.
روان عضّت على شفايفها… وقلبها وقع.
– ياسر… ملك اتعلّقت بيا لأن سارة نفسها وصّتني عليها.
وانت… ما خُنتهاش.
انت بتكمّل اللي هي طلبته.
هو هزّ راسه بعنف:
– بس أنا… مش جاهز.
مش جاهز أبقى راجل… ولا أبقى زوج… ولا أبقى حتى واقف على رجلي.
سكت لحظة.
بعدين قال جملة كسرت قلبها:
– ومش عايز أظلمِك.
ولا أظلم نفسي.
ولا أظلم سارة… اللي لسة ريحتها في البيت.
روان دمعت… مش من الكلام… من صدقه.
– وأنا… مش عايزة منك أي حاجة دلوقتي.
ولا بكرة.
ولا بعده.
بصّ لها… نظرة ضعف… وخوف… وتوهان:
– طب… انتي عايزة إيه؟
قالت بهدوء:
– عايزة نعدّي الحزن.
وبعدين نعرف هنوقف فين.
سكت.
قربت جملة صغيرة… هدّت حاجة جواه:
– وأنا هنا… مش علشان أخد مكان حد.
أنا هنا… علشان البيت مايقعش.
وبعدها… ربنا يكتب اللي فيه خير.
ياسر غمض عينه… ونَفَسه اهتزّ:
– أنا… مش مصدّق إنك واقفة جنبي بعد كل اللي اتقال عليكى النهارده.
– لو كنتِ مشيّتى من البيت… كنت هبقى لوحدي بجد.
والبيت كان هيقع.
روان قامت… غطّت ملك كويس… وبعدين رجعت تقف جنبه.
قالت له آخر جملة الليلة:
– الحزن ده… مش ضعف.
ده وفاء.
بس الوفاء الحقيقي… إنك تكمّل.
عشانها… وعشان بنتها.
ياسر حطّ إيديه على وشّه… وانفجر في أول بكا حقيقي من يوم موتها.
وروان… ما قربتش.
ما حضنتهوش.
ما لمستوش.
كل اللي عملته… إنها فضلت واقفة جمبه.
ساكتة.
صامدة.
ومن غير ما تاخد مكان حد.
وكان ده أعظم دعم… وأصدق حب… من غير كلمة.
الليل نزل أكتر… الساعة عدّت 2 بعد نص الليل… والبيت بقى شبه قبر كبير بس من غير تراب.
روان كانت في أوضتها… قافلة الباب نص قفلة… مش نايمة… ومش قادرة حتى تقعد.
كانت حاسة إن البيت بيصرّخ من الوجع… والصمت مش سايبها تتنفس.
وفجأة… اتسمع صوت.
مش صوت زعيق… ولا حاجة وقعت… ده كان صوت بكاء راجل.
بكاء مكتوم… لكن واضح… جاي من أوضة ياسر.
روان اتلبخت… وقفت.
إيدها على الباب.
قلبها بيخبط.
تردّد؟ تسيب؟ ولا تخبط؟
بس الصوت زاد… وصار يكسر الحيطان.
كان بكاء حدّ اتحرّمت روحه… بكاء وجع مش طبيعي… مش دموع… ده انهيار.
روان فتحت بابها بهدوء… مشيت على أطراف صوابعها… كل خطوة كانت بتوجعها أكتر.
وقفت قدّام أوضته.
الباب مفتوح شق صغير.
النور خافت… وهو قاعد على الأرض… ضهره للسِّرير… ووشّه مدفون في كفّه.
إيده التانية ماسكة صورة قديمة لسارة… صورة هما الاتنين… واقفِة في يوم جوازهم… وهي بتضحك.
الصورة كانت بتترعش مع يده.
صوته طالع متقطّع:
– يا سارة… ليه… ليه سبتيّني؟
أعمل إيه من غيرك؟
أقول إيه لملك؟
أعيش إزاي… وانتي كنتّي حياتي كلها؟
دموعه كانت نازلة… مش دموع راجل قوي… ده بكاء طفل… طفل فقد أمه، زوجته، ضهره، ستره.
روان حسّت قلبها بينفطر جوا صدرها.
عجز… وجع… رحمة… ومكان مش من حقها.
كانت هتمشي… كانت هتسيب له خصوصيته…
لكن ملك فجأة فتحت باب أوضتها وهي نايمة نص نوم… ماشية نايمه… وفركت عينيها لحد ما شافت باب ياسر مفتوح.
ملك همست:
– بابا…؟
روان بسرعة راحت تركع قدام ملك… حضنتها من غير ما تصحّيها:
– تعالي… تعالي يا روحي… بابا تعبان.
لكن ملك قالت بصوت خفيف:
– بابا بيعيّط؟
روان قلبها وقع:
– شوية بس… تعالي عندي.
لكن ملك نزلت من حضنها… وراحت ناحية الباب… بهدوء الطفل اللي فاهم الوجع رغم سنه.
قربت من ياسر… قعدت جنبه… حطّت راسها على كتفه.
وقالت أجمل جملة… وأقسى جملة في نفس الوقت:
– بابا… أنا هنا.
ماتخافش.
ياسر اتشلّ.
اتجمّد.
وبعدين حضنها… حضن طفلته… حضن روحه اللي فضِلت.
وبكى أكتر.
روان وقفت بعيد… دموعها نازلة… بس مش بتدخل.
كانت شايفة مشهد بين أب وبنته… مشهد مكسور… لكن فيه بداية لعلاج… ولو صغير.
بعد دقايق… ملك نامت على كتفه.
وهو شايلها… شالها بحنان عمره ما استخدمه قبل كده.
روان قربت تساعده:
– أساعدك؟
هو هزّ راسه بهدوء:
– لأ… أنا… قادر.
دخل أوضة ملك… غطّاها… باس راسها… وخرج.
ولما خرج… لقى روان واقفة في النص.
واضح إنها كانت مستنياه.
عينه كانت حمرا… وشّه منهار… وصوته مش صوت راجل… كان صوت واحد اتكسرت روحه نصين.
قال لها بصوت ضعيف… أضعف مرة في حياته:
– أنا… مش هعرف أعدّي ده لوحدي.
هي ما ردّتش.
قربت خطوة صغيرة… مش حضن… ولا لمسة… ولا كلمة زيادة.
وقالت:
– وأنا… مش هسيبك تعدّيه لوحدك.
بس من غير ما نستعجل… ومن غير ما نجرح حد… ومن غير ما ننسى مين كانت سارة.
اتنفس… نَفَس طويل… موجوع… بس كان أول نَفَس صادق من يوم ما ماتت.
قال:
– شكراً… يا روان.
الجملة كانت بسيطة… بس وراها كل حاجة: حزن. حيرة. امتنان. خوف. و… بداية صغيرة… مش حب. لكن ارتباط. ارتباط روحه بروح حد شايفاه… وبتقف جنبه… من غير ما تاخد مكان حد.
وهو… لأول مرة… سمح لحد يشوفه وهو من غير قوة.
وسابها.
ودخل أوضته.
وروح البيت… اتغيرت.
قليلاً.
ببطء.
لكنها اتغيرت.
ست شهور عدّوا… مشيوا ببطء شديد، زي واحد ماشي شايل جبل على ضهره.
ست شهور من غير سارة.
ست شهور كان البيت فيهم… عايش بس مش حيّ.
ياسر ما اتغيّرش… ولا عدى الحزن.
ولا حتى حاول.
يرجع من الشغل يقعد في أوضته، يقفل الباب، يسيب النور مطفي، ويفتح الشباك على الهوا البارد… كأنه محتاج يعاقب نفسه شوية.
ملك كبرت سنة كاملة في 6 شهور.
الطفلة اللي كانت بتجري وتضحك… بقت هادية… بتتكلم قليل… وبتنام في حضن عروستها بدل حضن أمها.
ولسه… كل ليلة تسأل:
– بابا… ماما راحت الجنة؟
وهو يرد بإيماءة… يخاف يفتح بقه عشان لو اتكلم، هينفجر.
أما روان؟ كانت أكتر حد اتغيّر.
دخلت البيت ده بـ"وصيّة".
دلوقتي… بقت "وحدها".
الأوضة اللي كانت بتقعد فيها بقيت ضيقة عليها.
كل ما تبصّ على سريرها… تفتكر سارة.
كل ما تشوف طبق ملك… تفتكر سارة.
حتى صوت ضحكة قديمة في ودنها… بيخلي قلبها يتخنّق.
هي عايشة في بيت… بس مش ليها.
وسط ناس… بس مش منهم.
بتضحك مع ملك، تطبخ، تشيل البيت، تحافظ على النظام… بس جواها؟ غريبة.
غريبة جدًا.
كأن الست اللي وصّت بيها… ماتت وسابت لها حمل أكبر من طاقتها.
ياسر ما قربش منها.
ولا هي قربت منه.
مش زعل… ولا جفاء… لكن "حزن بينهم".
حاجز سميك… اسمه: سارة.
روان كانت بتحاول تعيش طبيعي… بس كل يوم تصحى تسأل نفسها:
– أنا لسه هنا ليه؟
خايفة أسيب ملك.
وخايفة أكمل.
وخايفة أقرب.
وخايفة أعيش حياتي كبديلة.
وأسوأ شعور؟ هي بتحس إنها قريبة من ياسر… لكن مش قريبة بما يكفي.
وبعيدة… بس مش بعيدة بما يكفي.
هي في منطقة رمادية… توجع أكتر من السواد نفسه.
ياسر من ناحيته… شايفها.
شايف إنها بتتعب… وبتشيل… وبتحاول… بس كل يوم يفتح عينه… يشوف الفراغ اللي جنب السرير، يشم ريحة سارة اللي لسه ما راحتش، يسمع ضحكتها اللي محفورة في ودنه… ويقول لنفسه:
– أي قرب… خيانة.
– وأي بُعد… موت.
– أعمل إيه؟
البيت بقى "حيطة واقفة على حيطة".
ملوش روح.
مفيهوش بداية… ولا نهاية.
هو مجرد وقت… وقت تقيل… بيتمدّ.
لحد ما في يوم… الحاجة اللي كانت مخبيّة جوا كل واحد فيهم… هتطلع.
وهنا… هيبدأ قلب ياسر يتحرك لأول مرة من موت سارة.
وهيبدأ قلب روان يخاف لأول مرة… من حقيقة مشاعره.
النهار ده ماكنش شبه الست شهور اللي فاتوا.
النهار ده كان في زائر… زائر هي الوحيدة اللي روان مش مستعدة تتعامل معاه.
منى… أمها.
ياسر فتح ليها الباب وراح اوضته.
دخلت البيت باندفاعها المعتاد، من غير ما تحسّ بالدنيا المتشققة تحت رجلين بنتها.
– السلام عليكم…
وبصّت حوالينها بقلق ودهشة:
– إيه ده؟ البيت كئيب كده ليه؟!
روان طلعت من المطبخ وهي ماسكة فوطة، صوتها هادي… أهدى من الطبيعي:
– وعليكم السلام يا ماما… اتفضّلي.
منى قربت منها، بصّة واحدة على شكلها… على الهالات… وعلى الهدوم الواسعة… كانت كفيلة تكشف التعب.
– إنتي مالِك؟ خسّيتي ليه؟ وشّك أصفر ليه؟ هو البيت ده مافهوش شمس ولا إيه؟
روان حاولت تبتسم:
– كله تمام يا ماما… أنا بخير.
منى رفعت حاجبها:
– بخير إيه؟ ده انتي باين عليكي نايمة لوحدِك في أوضة… ومفهمة انتي لسه هنا بتعملي إيه أصلاً!
الكلمة جرحت. قوية… سريعة… زي إبرة دخلت في مكان لسه ملتهب.
روان أخدت نفس واطي:
– أنا موجودة علشان… ملك.
منى ضحكت ضحكة مستفزة:
– ملك؟ يعني إنتي جاية تربي بنات الناس؟ ده انتي لسه في عزّك يا بنتي! ليه الحوارات الغم دي؟ ليه الجواز اللي مافيهوش جواز؟ ليه تعيشي في بيت راجل مش جوزِك أصلًا؟
روان اتوترت:
– ماما… مش وقته.
منى قربت ووشّها شدّ:
– لأ… وقته! ست شهور وانتي لسه نايمة في أوضتك؟ وهوه نايم في أوضته؟ وبتعملي شاي وأكل وغسيل… ومستنية إيه؟ يقولّك “شكراً”؟ يكتب لك شهادة تقدير؟
روان حسّت قلبها بيتخنّق:
– ماما… إحنا في بيت فيه حد مات… مش معقول نتكلم كده.
منى رفعت صوتها:
– هى ماتت؟ آه… الله يرحمها. بس إنتي؟ هتفضّلي ميتة معاها؟ ما تفوقي! الناس كلها بتتكلم! وبيقولّوا إنك ساكنة في بيت راجل… ومن غير جواز حقيقي… ولسه “بتبيتي” لوحدِك! واللي حصل بعدها… كان بالصدفة.
باب أوضة ياسر اتفتح. واقف… بيسمع كل كلمة. وشّه اتغير. إيده اتشدّت. وعينيه ولّعوا غضب.
منى كملت ومش شايفة إنه واقف:
– والنبي بقى… انتي بنتي! مش هسيبك تعيشي خدامة عند حد! لو هو راجل… كان بصّلك من بدري! ولا الجواز كان “كلام على ورق” علشان البنت؟!
روان اتجمّدت… مش عارفة ترد.
لكن صوت ياسر قطع الجو:
– منى.
صوته واطي… بس فيه تهديد صريح.
منى اتفزعت، اتلفتّت عليه:
– هى! إزيك يا ياسر… أنا بهزر!
هو مشي خطوة… واحدة بس… لكن كفاية ترجّعها لورا:
– بهزر؟ إوعي تهزّري في بيت فيه حرمة… وفيه جنازة لسه ريحتها موجودة.
منى قالت بعصبية:
– أنا أمها! وبخاف عليها! مش عاجبك؟
ياسر رد ببرود مخيف:
– الكلام اللي اتقال… مايتقالش. لا هنا… ولا برّه. وروَان… مش خدامة. ومش غريبة. ومش قاعدة عندي بجميل حد. ده بيتها. وزي ما سارة قالت قبل ما تموت… هي أمانة.
منى رفعت صوتها:
– أمانة؟ طب والأمانة دي نايمة لوحدِها ليه؟ وإنت نايم لوحدك ليه؟ وهي عايشة وسطكم كده ليه؟ الناس تقول إيه؟ ده لعب عيال!
روان قالت بسرعة:
– ماما بس خلاص!
ياسر بصّ لروان… ثم لأمها… وقال الجملة اللي سكّت منى:
– اللي بيني وبين روان… مش لعب. ومش من حقك تفسريه. ومش هقبل كلمة عليها. ولو تاني دخلتي أو ضايقتيها… مش هتدخلي البيت ده.
منى اتصدمت… واتجرحت… لكن ماقدرتش ترد.
بصّت لروان:
– خلاص… أنا ما جيتش.
وخدت شنطتها… وخرجت.
الباب اتقفل.
روان واقفة… عينها في الأرض… وشّها أحمر… ويديها بترتعش.
ياسر فضل يبصلها… مش عارف يقترب… ولا يبتعد.
وقال بصوت واطي… أقرب لاعتذار… وأقرب لاعتراف:
– آسف… إنك اتوجعتي بسببي… حتى من أمك.
روان رفعت عينيها له… نظرة وجع… ونظرة خوف… ونظرة حاجة جديدة بتتولّد جواها:
– مش ذنبك يا ياسر… بس… أنا تعبت.
هو قرب خطوة صغيرة… وقال بحزن واضح:
– وأنا كمان… تعبت يا روان.
المسافة بينهم؟ اتتقلّصت لأول مرة من ست شهور.
وبداية التغيير… بدأت من لحظة غضب أمّك.
رواية وصية حب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نسرين بلعجيلي
اليوم كان مايل… يوم ريحته بتقول إن وجع جديد داخل البيت.
روان كانت بتكنّس الصالة، وملك بتلوّن في الكراسة… لما فجأة جرس الباب رنّ.
روان فتحت… وبصوت عالي وراحة مفاجئة:
– إزيكم يا ولادي؟ أنا جيت!
قدريّة… أم ياسر.
دخلت البيت وهي شايلة شنطة كبيرة، وبصّت لروان من فوق لتحت… بالنظرة اللي فيها حكم وإدانة واتّهام… وكل ده من غير كلمة.
– اتفضلي يا طن… قصدي يا ماما.
ردّت بحدّة:
– ماما؟ أنا مش أمّك يا بنتي. أنا أمّ سارة… وأمّ ياسر.
سكتت ثواني… وبعدين رمت جملتها التقيلة:
– وجاية أقعد فترة… لحد ما أفهم إيه اللي بيحصل في البيت ده.
روان اتكتم صوتها، وحست الأرض تهتزّ تحت رجلها.
ياسر طلع من أوضته على صوتها:
– أهلاً يا أمي… خير؟
قدريّة رمت الشنطة جنب الكنبة:
– خير؟ ده بيت بقى فيه اتنين… واحد وواحدة… ومحدش فاهم هما إيه لبعض!
الجملة دخلت قلب روان زي مسمار.
وياسر خد نفس طويل… واضح إنه بيلمّ أعصابه بالعافية.
قدريّة قعدت وقالت:
– يا ابني… انت راجل! والبيت له حرمة! والله لو كانت سارة عايشة… ما كانتش هترضى اللي بيحصل ده.
ياسر قال بهدوء متحفّظ:
– أمي… روان في البيت بوصية سارة… وانا مسؤول عنها وعن البنت.
قدريّة زفرت بضحك مستفز:
– مسؤول؟ دي كلمة جديدة. طب ما المسؤولية دي ليه ما عملتش منها زوجة؟ ليه لسه كل واحد في أوضته؟ ولا هي قفلته؟ ولا انت اللي مش قادر تبُصّ لها كستّ؟
روان اتسمرت. ماتحركتش. بس وشّها ولّع… وحست قلبها الإجابة لوحده:
“فعلاً… هو مش شايفني ست؟”
ملك قربت من روان… مستخبية في رجلها… وروح البيت بقيت أتقل من الهوا.
قدريّة كملت:
– وبعدين؟ عايشين كده لحد إمتى؟ يا تتجوز واحدة تانية زي سلوى… يا ترتّب أمورك… يا البيت ده هيفضل معلق!
ياسر شدّ نفسه:
– أمي… رجاءً… مش قدام ملك… ولا قدام روان.
ردّت بصوت عالي:
– روان إيه؟ هي اللي ماشيّة في النص… لا متجوزة… ولا مطلّقة… ولا أم… ولا ضيفة… وعايشة كأنها “ممنوعة اللمس”!
روان سابت الكوباية اللي في إيدها… ووقفت ثابتة… مش قادرة ترد. كل كلمة كانت نار.
ملك قربت منها زيادة… وبصوت خافت:
– ماما روان… انتي زعلانة؟
روان طلعت ابتسامة مش ابتسامتها:
– لأ يا روحي… أنا بخير.
لكن الحقيقة؟ كانت بتتكسّر.
الليل… وأول ليلة بوجود قدريّة.
قدريّة قررت من دماغها:
– أنا هنام في أوضة روان. وهي تنام في أوضة ياسر. لحد ما ربنا يفرّجها.
الجملة خلت قلب روان يقع.
روان حاولت تعترض:
– بس أنا…
قدريّة قطعتها:
– مفيش بس. ده الصح. ده البيت لازم يترتب… مش يفضل هنا وهنا.
اضطرت روان تنفّذ. ودخلت أوضة ياسر… أوضة ريحتها سارة… وجدرانها شايلة ذكريات مش بتاعتها. وقفت في نص الأوضة… زي غريبة.
دخل ياسر بعدها بخمس دقايق. وشه مش مفهوم… صمت تقيل… عينه مش قادرة تبصّ عليها.
– آسف… على كلام أمي.
روان قالت بصوت هادي… مكسور:
– حقها… من حقها تقول اللي هي شايفاه.
– لأ… مش حقها. هي جرحتك.
روان بصّت للأرض:
– أنا مش فارق معايا… فارق إنها… اتوقفت. مش قادرة تكمل.
هو قرب خطوة… مش قريب قوي… بس مش بعيد.
– روان… أنا… مش عارف أتعامل. الليل… وجودك هنا… ملخبطني.
روان قلبها وقع من الجملة.
قالت بهدوء:
– ممكن… أنام على الكنبة.
– لأ. انتي تنامي على السرير.
الجملة طلعت من غير قصد… لكن فيها حماية… وفيها توتر.
روان نامت على طرف السرير… وهو على الطرف التاني… ظهرهم لبعض. لكن الحقيقة؟ ولا واحد نام.
ياسر كان بيحاول… كان بيحاول يقرب… يشعر… يستجيب… كان بيحاول يكون “راجل طبيعي”… زي ما أمه قالت. لكن… إيده اتشنجت، قلبه اتقل، نَفَسه وقف.
“مش قادر.”
مش قادر ينسى سارة.
مش قادر يشوف حد غيرها.
مش قادر يكون مع امرأة تانية.
حتى لو قلبه بيتحرّك ناحية روان… جسمه مش قادر.
هو بعد شوية قال بسمة وجع:
– أنا… آسف. مش قادر… مش دلوقتي.
الجملة دي… كسرت روان. مش لأنها كانت عايزه حاجة. لأ. لكن لأنها… اتأكدت. هو مش شايفها “ستّ”. ولا شايف إنوثتها. ولا شايف وجودها. شايفها… “مسؤولة عن بنت”. “أمانة”. “ظلّ حد تاني”.
روان وشّها ولّع… دمعتها نزلت على المخدة… بسرعة خبّتها. وهمست:
– ولا أنا جاهزة… ولا كنت عايزة ده. بس… شكراً إنك قلت.
هو لفّ ضهره أكتر. كأنه بيهرب من الحقيقة.
روان نامت؟ لأ. كانت بتبكي في سكات… على شعور جديد: إنها رغم قربهم… لسه بعيدة. بعيدة أوي.
تاني يوم… الصبح ماكانش صبح. كان “وجع جديد” داخل البيت.
ياسر صحى وأول كلمة طلعت منه:
– يا رب… ليه؟
كان باين عليه الزعل من بعيد، وشّه تعبان وعينه حمرا وصوته متكسّر كأنه قضّى الليل كله بيحارب حاجة جواه.
روان صحيت هي كمان… مش عارفة تبصّ في المراية. حست إنها غريبة في جسمها… وغريبة في البيت… وغريبة قدّام نفسها. النوم الليلة اللي فاتت ماكانش نوم. كان “طعنة”.
قدريّة كانت في الصالة، قاعدة على الكنبة… وبصّالتهم بعين أمّ فاهما، شايفة الغضب في وشّ ياسر، وشايفة الانكسار في وشّ روان.
قربت من ياسر وسألته:
– في إيه يا ابني؟ مالك؟ وشّك مش مظبوط.
هو ردّ بحدة متضايقة:
– مافيش… صباح الخير وخلاص.
قدريّة بصّت لروان:
– وانتي؟ عاملة زي اللي باتت تبكي. فيه إيه حصل بينكم؟
روان اتحرّكت على طول لجوه المطبخ:
– هعمل الفطار.
هربت… لأن عينيها ما كانتش تستحمل حدّ يشوفها.
قدريّة قالت لياسر بصوت خافت:
– انتو لسه زي ما انتو؟ ولا… الدنيا لسه بتتقلب؟
ياسر ردّ بنفَس غاضب:
– سيبيني يا أمي… بالله عليك سيبيني.
قدريّة فهمت إن مافيش “حاجة حصلت”… وسكتت.
الليل… اللي البيت كله كان مستنّيه.
قدريّة قضّت طول اليوم كلام… تلمّح… وتضغط… وتهوّي على نفس الفكرة:
– البيت لازم يستقر.
– البنت مش هتعيش طول عمرها تشوفكم متغربين.
– أصل الجواز مسؤولية ومشاركة.
– انتي ستّ يا روان… مش حِرمة معلّقة.
– وهو راجل… لازم يعيش حياته.
الكلام كان داخل زي المسامير في روح روان.
وياسر… كان بيهرب من الكلام بس مش قادر يهرب من أمه.
ولما الليل دخل… قدريّة قالت:
– خلاص… كل واحد على أوضته. وأنا مش طالعه من البيت غير لما أتطمن إن الدنيا رجعت تتظبط.
الجملة دي كانت زي الباب اللي اتقفل على الاتنين جوه أوضة واحدة.
عدّت الأيام و روان و ياسر بنامو في نفس الغرفة اتعودو شوية.
اللحظة اللي اتكسّر فيها الاتزان.
روان دخلت الأوضة… ماشية بطيئة زي واحدة داخلة على حُكْم مش على سرير.
ياسر دخل بعدها. سكت. قعد على طرف السرير. نَفَسه كان مضطرب… مش مبسوط… مش مشتاق… ده كان راجل تايه بين ألم قديم… ووجود جديد.
روان قالت بصوت هادي:
– لو مش مرتاح… أنا ممكن… أنام مع ملك.
هزّ راسه:
– لأ.
سكت… وبعدين قال جملة غريبة:
– أمي عندها حق… البيت لازم يقف. ملك لازم تشوفنا… مش كده.
روان قلبها وقع. حست إن الجملة مش رغبة… دي “تأدية واجب”.
وبعد لحظات… اللي حصل حصل.
من غير مشاعر. من غير نبض. من غير دفء.
كان اقتراب صامت… ثقيل… زي واحد بيحاول يعبر حفرة وهو مغمّي عنيه.
وبعد ما خلص… أول كلمة قالها:
– إنتِ… إزاي وافقتي؟ إزاي؟؟
روان اتصدمت. اتلخبطت. سكتت لحظة طويلة.
هو وقف فجأة… زي اللي لقى نفسه في كابوس:
– ليه… وافقتي أقرب منك؟ ليه ما قلتيش لأ؟ ليه ما بعدتيش؟ إزاي… إزاي تعملي كده؟ ده… ده خيانة لسارة! خيانة! إزاي انتي قبلتي تبقي جزء من ده؟!
الكلام نزل عليها زي الرصاص. زي حد بيجلدها. زي حد بيقول لها: “إنتِ غلط… وإنتِ مش ست محترمة.”
روان وقفت… رجلها بتترعش. عينها اتملت دموع من غير ما تنزل.
قالت بصوت مكسور، أهدى من إنها تصرخ:
– أنا؟ أنا اللي خنت؟ إنت اللي قربت يا ياسر… مش أنا. إنت اللي مددت إيدك… مش أنا. إنت اللي… كنت بتدور على هروب… مش على حب.
دمعة نزلت… فنزل معاها كل جرح السنين.
– وأنا؟ كنت حسابات؟ كنت “حلّ”؟ كنت “بديل”؟ ولا كنت ستّ سهلة يتقال عليها إنها السبب؟
ياسر قرب منها بسرعة… مش غضب… صدمة:
– لا! ما قصدتش كده!
لكن الجملة اللي بعدها قتلتها:
– أنا… حاسس بذنب… وإنتي قبلتي الذنب ده. ومش عارف… مش عارف أتعامل مع اللي حصل.
روان عضّت شفايفها عشان صوتها ما يتهزش:
– وأنا؟ أنا مش عارفة أتعامل مع اللي قلته. ولا مع نظرتك. ولا مع إحساس إنك بعد كل ده… لسه مش شايفني “ستّ”. مش شايفني إنسانة تستحق احترام.
لفّت… وباب الأوضة اتفتح بإيدها المرتعشة.
– ياسر… أنا مش غلط. ومش رخيصة. ومش بديلة. لكن اللي قلته… خلّاني أحس إني… ولا حاجة.
خرجت. وما استنّتش يبصّ لها. ولا سمع وراها إلا نَفَس تقيل… وباب اتقفل عليها من جوّا.
وهي… باتت تبكي لحد ما صوتها راح.
وهو… بات يكره نفسه لحد الفجر.
البيت بعد خناقة الليلة اللي فاتت… مكانش بيت. كان “ساحة حرب” هادية… لكن كل ركن فيها بيصرّخ.
روان ما نِمتش. قعدت في أوضة ملك تبكي لحد الفجر. الكرامة اتكسرت… القلب اتقطع… والصوت اللي جواها كان بيقول: "أنا إزاي قبلت ده؟ أنا إزاي سمحت لنفسي أتوجّع بالشكل ده؟ أنا رخيصة؟ ولا أنا ستّ محترمة اتاخد منها حقها؟"
قبل ما الشمس تطلع… كانت لابسة هدومها، ماسكة شنطتها، وخرجت من البيت… من غير ما تبصّ وراها.
قدريّة كانت صاحية… وشافت روان ماشية. ابتسمت ابتسامة صغيرة… النوع اللي يخوّف.
– ماشي يا بنتي… أهو ربنا بيسهّلها… يمكن دي علامة إنك تطلّعي من حياة ابني بقى… وأهو اجوزه لسلوى ونرتاح.
وقالت بصوت مسموع:
– ياسر! روان مشييييت!
ياسر فتح باب أوضته بسرعة… وشّه كان متلخبط… وعنيه باينة فيها ليلة كاملة من عذاب:
– رااااحت فين؟!
قدريّة قالت ببرود:
– الله أعلم. بس بصراحة؟ كان لازم تمشي من زمان.
انتهينا.
ياسر ما سمعش كلمة. قام بسرعة… بس متأخر. روان كانت سابت البيت بالفعل.
روان… في حضن أمه.
منى أول ما فتحت الباب وشافت بنتها… اتخضّت:
– يا نهار أبيض! إيه اللي حصل؟! عيّانة؟! اتضربتي؟!
روان ماقدرتش تمسك دموعها… قعدت على الأرض عند رجل أمها:
– يا ماما… أنا… أنا اتكسرت… حاسّة إني قليلة… حاسّة إني مش ستّ نظيفة… حاسّة إنه… إنه شافني غلط.
منى حضنتها جامد:
– هو قالّك كلمة؟ هو قلّل منك؟ ده أنا … أعلّمه الأدب!
روان تبكي:
– لأ… بس… قالِّي: “إزاي وافقتي تقربي مني؟ إزاي ما رفضتيش؟ ده ذنب… وخيانة… وإنتي قبلتي الذنب."
حطّت وشّها في حضن أمها:
– يا ماما… أنا مش قليلة… صحّ؟
منى مسحت على راسها:
– قليلة إيه؟! ده راجل موجوع وبيطلع وجعه في أي حد. انتي ستّ محترمة… وما عملتيش حاجة غلط… ده جواز… مش خطيّة.
روان هزّت راسها:
– طب ليه حاسّة إني وحشة؟ إني غلط؟ إني… أقل؟
منى قالت كلمة كسرت مشاعر روان:
– لأنه لسه بيحب مراته. وانتي… جرّحتي قلبك مع حد لسه قلبه مش ملكه.
ياسر… قرر يروح عند الشيخ عبدالمنعم.
ياسر ما راحش شغله. لبس هدومه وطلع على المسجد. الشيخ كان بيقفل بعد صلاة الضهر.
– يا مولانا… ممكن دقيقة؟
الشيخ بصّله:
– تعالَ يا ياسر… شكلك شايل همّ.
ياسر قعد قدّامه… وحكى. حكى كل حاجة… وجُمله كانت بتقطع:
– أنا… قربت من روان… وبعدها حسّيت بذنب… صرخت فيها… جرحتها… كسّرتها.
الشيخ سأل سؤال واحد:
– هي أجبرتك؟
– لا… أنا اللي قربت… هي ما قالتش كلمة… ما طلبتش… ما تكلمتش… كانت محترمة… وبعدها أنا… اتهمتها إنها “قبلت الذنب”.
الشيخ نفخ نفس ضيق:
– يا ياسر… إنت ظلمتها.
ياسر رفع عينه بسرعة:
– ظلمتها؟
– أيوه. باسم الدين كمان… وده أخطر ظلم.
ياسر اتشدّ:
– بس دي… كانت ليلة غلط.
الشيخ بصّله بحدة طيبة:
– غلط؟ ده جواز يا ياسر. دي مراتك. وحقّك الشرعي… وحقّها هي كمان.
وسكت لحظة… وبعدين قال الجملة اللي ضربت قلب ياسر:
– إنت اتعصّبت… مش لأنها غلطت… لكن لأنك حسّيت مع روان بحاجة أكتر من اللي كنت بتحسه مع سارة. وده رعبك.
ياسر اتجمد. الكلمة كانت صاعقة.
الشيخ كمل:
– إنت خايف من السعادة. فاكر إن لو حبيت روان… تبقى خنت ذكرى سارة. وآديك بتعاقبها… وبتعاقب نفسك.
– يا مولانا… أنا… أنا مش قادر أحب حد بعد سارة.
– ومين قالّك إن الحب الثاني خيانة؟ يا ياسر… سارة ماتت وهي راضية. كانت شايفة الخير في روان. وانتي… بتاخد وصيتها وترميها في الأرض.
– أنا… جرحتها. جرحت روان جامد. قولتلها كلام… حرام ينقال.
– يبقى قوم… قوم وخد خطوة الرجولة: تروح تعتذر. تعالج اللي كسرتُه. الست دي ما عملتش حاجة غلط. انتا اللي جرحت قلبها… وبعدين شيلتها و شيلت نفسك ذنب مش موجود نهائي.
ياسر دموعه نزلت:
– أعمل إيه طيب؟
الشيخ قرب منه:
– قول لها الحقيقة. مش حقيقة كلامك… حقيقة قلبك. قول لها إنك خوفت… وتلخبطت… وإنك… حسّيت بيها. وحسّيت إنك لسه عايش.
ياسر قام… وقف قدّام الشيخ:
– هروح. مش هسيبها زعلانة.
الشيخ ابتسم ابتسامة كلها رضا:
– روح… وافتكر: روان مش بديلة. روان اختيار قدر… وسارة كانت فاهمة ده قبلك.
الطريق من بيتهم لبيت منى… كان أطول طريق مشي فيه ياسر في حياته. إيده كانت بتترعش… وصدره مقبوض… وكل خطوة كان يحس إنه رايح يشوف “الغلطة اللي عملها بإيده”.
وهو واقف تحت بيت منى… وقف ثواني قبل ما يخبط. اتجمّد. لو ما فتحتش؟ لو رفضت تسمعني؟ لو ماتت جواها الكلمة اللي قولتها؟
“تنفّس… وخبط.”
منى فتحت الباب… ولما شافته، وشّها اتقفل فورًا:
– إنت عايز إيه؟
ياسر بلع ريقه:
– عايز روان.
– مش هتشوفها.
– لو سمحتي يا منى …دا موضوع لازم يتقال قدامها.
– لأ. مش لازم. بنتي اتكسرت بسببك… وانا مش هسلّمها لحد يكسّرها تاني.
ياسر نزل راسه. ما حاولش يرد. ما حاولش يزق. قال بس بصوت هادي… صوت مش راجل… صوت إنسان مكسور:
– حقّك تزعليني… بس بالله عليك… قولى لها إني هنا. مش هروّح… إلا لما تقبل تسمعني.
منى كانت هتقفل الباب… بس صوت خافت جالهم من جوّه الصالة:
– مين…؟
روان خرجت. عينها حمرا… وشّها باين عليه ليلة كاملة بكاء.
ياسر لما شافها… وقف كأن الهواء اتسحب من صدره.
روان وقفت ورا أمها… ما قرّبتش. ما قالتش كلمة.
ياسر بصّ مباشرة ليها:
– روان… لو دقيقة بس… دقيقة واحدة. أشرحلك.
هي ما ردّتش. بس منى قالت:
– ما فيش شرح… كفاية اللي حصل.
روان رفعت إيدها لأمها… إشارة بسيطة: سيبيني.
منى اتنحت… واترجعت ورا شوية.
روان خرجت لباب الشقة… وقفت قدّامه. مش قريبة… ولا بعيدة.
وقالت بصوت مكسور… بس ثابت:
– عايز تقول إيه يا ياسر؟
هو خد نفس طويل… نَفس واحد هزّ صدره كله… وقال:
– أنا غلطت. غلطت جامد. وأنا عارف. وأنا… مش هسامح نفسي بسهولة.
سكّت ثانية… وكمل:
– أنا… ما كنتش شايف. ما كنتش قادر أفهم مشاعري. كنت خايف… خايف من اللحظة اللي حسّيت فيها إني… إني عايش. إني راجل… مع ستّ مش أي ستّ. معاك إنتِ.
روان دمعت… بس ما كلّمتش.
ياسر قرب خطوة… ووقف:
– لما قربت منك… ما كنتش شايف غير إنتي. وده خوّفني… لأن دي أول مرة أحس بحاجة زي دي بعد سارة. فبدل ما أعترف… بدل ما أفرح… هاجمتك. وجرحتك. وقلت كلام… عمري ما كنت أقصده.
صوته اتكسر:
– إنتي مش رخيصة. وما غلطتيش. وما وافقتيش على حاجة غلط. إحنا متجوزين… وإنتي مراتي… وملّك أمانة في رقبتنا… وسارة… وصّت عليكي قبل ما تموت.
دموع روان نزلت… والكلمة اللي حرّكتها كانت:
– طب… ليه صرخت فيّا؟ ليه حسّستني إني وحشة؟
ياسر مسك راسه بإيده:
– علشان… حسّيت بحاجة جديدة. حاجة خوفتني. حسّيت إني… لو بصّيتلك ثانية… مش هعرف أوقف. وحسّيت إني بخون ذكرى سارة. مع إن الحقيقة؟ إني ما خنتش حد. ولا إنتي خنتي حد. إحنا… اتلخبطنا.
روان سابت دموعها تنزل:
– أنا… حسّيت إني قليلة يا ياسر.
هو قرب خطوة… وقال بصوت هادي وصادق:
– وانتي… أغلى ستّ في الدنيا. وآخر واحدة تستاهل تتكلم عليها كلمة وحشة. وأنا… جاي النهارده أقولك: سامحيني. وأوعِدي نفسك إنك مش هتشوفي نفسك بعيوني وأنا مكسور… لكن بعيوني وأنا فايق.
روان بصّت في عينه… ولأول مرة من أول يوم ماتت سارة… شافت “الراجل” اللي كان موجود زمان. مش المكسور. مش المجروح. لكن ياسر الحقيقي.
قال لها:
– لو رجع الزمن… كنت هحضنك… مش هصرخ. ولو الزمن هيكمّل… عايزه يكمّل وإنتي جنبي. بس… وقت ما تبقي جاهزة. مش أنا.
روان مسحت دموعها بإيديها المرتعشة:
– أنا… محتاجة وقت.
هزّ راسه فورًا:
– تاخديه كله. كله يا روان. وأنا… مش هبعد. ولا هسيبك تتكسّري بسببي تاني.
منى قالت من جوه:
– ها ترجع معاه ولا لأ؟
روان اتلفتّت لياسر… وبعدين قالت:
– هرجع… بس مش النهارده. ولازم… نعيد حساباتنا.
ياسر ابتسم ابتسامة صغيرة… أول ابتسامة صدق تطلع منه من شهور:
– زي ما تحبي. بس أهم حاجة… ما تبعديش عني أوي.
روان نزلت راسها… ودخلت الشقة.
وياسر… وقف قدام الباب دقيقة كاملة… ثم مشي. بس كان ماشي وهو أخفّ… وكأن كلمة “سامحتك”اتقالت له من غير صوت.
رواية وصية حب الفصل الثلاثون 30 - بقلم نسرين بلعجيلي
البيت كان ساكن… ساكن لكن مش مكسور زي قبل.
فيه هدوء يشبه نهاية عاصفة، وهدوء بعدها الدنيا بتتنفّس من جديد.
عدّى يومين بعد ما ياسر اعتذر لروان. رجعت البيت… مش لأن الجرح اختفى، لكن لأنها حسّت إن ربنا بيقول لها: "لسه في حكاية ناقصة."
ملك أول ما شافتها، جريت وحضنتها… حضن طفلة لقت أمّها التانية. دموع روان نزلت، وملك مسحتها بإيدها الصغيرة:
– انتي زعلتي من بابا؟
– لأ يا روحي… أنا زعلت من الدنيا شوية.
– متروحيش تاني.
– مش هروح… وعد.
ياسر كان واقف في الباب، شايف المشهد… ولأول مرة من شهور ظهر في عينيه لمعة أمل. بس ما قربش… ادّى المساحة، والوقت، والحق.
روان دخلت المطبخ تعمل شاي. ده دايمًا أول شيء بتعمله لما تحاول تهدّى. ياسر دخل بعدها بخطوة هادية… ما قالش "صباح الخير"… قال جملة أعمق وأصدق:
– أنا… نفسي أبدأ صح.
روان رفعت نظرها، مدهوشة:
– تبدأ إزاي؟
قرب منها… مسافة محسوبة، محترمة:
– أبدأ إني أكوّن بينا كلام… مش واجب، ولا وصيّة، ولا خوف. عايز أكون راجل… مش مجروح. وعايز أشوفِك… زي ما لازم أشوفك. ستّ… مش ظلّ حد.
قلب روان خبط بخوف وراحة مع بعض. قالت له:
– وأنا… عايزة أشوفك إنسان… مش ذكرى حدّ تاني.
الكلام وجّعه… لكنه قوّاه.
– تقدري… تديّني فرصة؟
– أديك… وقت.
والوقت… هو اللي هيقول الحقيقة.
ليل اليوم ده، ملك نامت بسرعة، والبيت كان فيه هدوء يشبه السكوت. ياسر قعد في الصالة، قدامه صور سارة… مش علشان ينسى، لكن علشان "يودّع صح". روان قربت، وقعدت قصاده.
قال ياسر:
– كل يوم… كنت بصحى أدور عليها. حتى بعد ما راحت. لكن النهاردة… حاسس إن طيفها مش غضبان مني. حاسس إنها… بتسامح.
روان دمعت:
– اللي بيحب حد… ما يحبّش يشوفه ميت وهو عايش.
ياسر مسك راسه:
– أنا كنت ميت بجد. وإنتي… رجّعتي جزء مني.
روان قالت بهدوء:
– وأنا… كنت بحس إني زيادة في البيت. بس يمكن ربنا جابني مش عشان أكون بديلة… لكن عشان أكون حماية. ليك… ولملك… ولذكرى سارة.
سكتت ثم تابعت:
– الجرح مش هيتنسي… بس مش لازم يقتل اللي بعده.
قبل ما تقوم، مدّ ياسر إيده… بس ما مسكهاش، وقفها في النص:
– أقدر…؟ مش هلمس إلا بإذنك.
اتصدمت روان من طلبه. الراجل اللي انفجر من أيام… دالوقتي بيسألها إذن. هزّت راسها. مسك إيدها… مش مسكة حب… مسكة عهد.
– أنا مش طالب نسامح بسرعة. ولا ننسى اللي حصل. ولا نكمّل الليلة اللي وجعتنا. أنا طالب… بداية. بداية حقيقية: من غير بديل… ولا ظلّ… ولا ذنب.
دمعة روان نزلت:
– وأنا… موافقة. بس وحدة وحدة. من غير استعجال ولا خوف… ولا مقارنة.
عدّى أسبوع. يوم جمعة هادي. ملك ماسكة إيد روان وهما رايحين المسجد. وياسر ماشي قصادهم… ثلاث خطوات ماشية على خط واحد لأول مرة.
الشيخ عبدالمنعم شافهم، ابتسم:
– الظاهر إن الوصيّة… كملت.
روان بصّت لياسر، وقالت:
– لأ… الوصيّة ما كملتش.
ياسر ارتبك:
– لأ؟
روان ابتسمت:
– الوصيّة… بدأت. وبدايتها مش لسارة بس. دي لينا… ولملك… وللبيت ده. علشان نتعلم… إن الدنيا بتكسر… بس بتجبر. وإن الحب مش اللي ييجي بسرعة… الحب اللي يتبني على وجع… ويرجع يزهر.
ملك رفعت عينيها:
– ماما روان… هتفضّلي معانا طول العمر؟
روان بصّت لياسر… وياسر بصّ لها… والإجابة خرجت من لسانه:
– طول العمر… لو ربنا كتب.
روان ابتسمت… ابتسامة كانت ناقصة من أول كلمة في الرواية. ابتسامة امرأة… موجوعة، قوية، متصالحة، وبدأت تحب بوعي… لا بضعف.
خمس سنين عدّوا… مش بسرعة… لكن بالهدوء اللي بيجي بعد عاصفة كبيرة. خمس سنين كانت كفاية إن البيت يتبني من جديد… على حبّ، وراحة، ونضج. ملك بقت 12 سنة… بقت بنت كبيرة، عقلها سابق سنها، وعيونها لسه فيها لمعة الطفلة اللي اتربت على يد اتنين حَبّوها بصدق. سارة؟ سارة بنت روان وياسر… عندها سنتين، عنيدة، شقية، وضحكتها شبه ملك وهي صغيرة. والبيت؟ بقى دافي… بقى مليان حياة… مش شبه البيت اللي كان زمان.
صباح جمعة جلسة عائلية. الشمس داخلة في السفرة، الريحة ريحة فطار بيتي… بيض، عيش سخن، عصير برتقال فلافل وطعميه سخنين. روان قعدت على الكرسي، سارة في حضنها، تضحك وهي بتشدّ خصل شعرها:
– لأ يا سارة… هتخربيلي شعري والله.
ملك دخلت من المطبخ… طولها زاد، شخصيتها بقت أقوى، لكن لسه بصة لروان نظرة أمّ تانية:
– ماما روان… انتي شكلك تعبانة شوية.
روان ابتسمت بخفوت:
– عادي يا ملك… يمكن من السخونية امبارح.
ملك قربت منها:
– مش سخونية… ده وش واحدة حامل!
روان فتحت عينيها بدهشة:
– ملك! استغفر الله العظيم… مين قال كده؟
ملك ضحكت:
– يا ماما أنا عندي 12 سنة… مش عيلة. وبعدين… بابا كان بيبتسم طول الليل امبارح. أكيد قلتي له حاجة!
ياسر دخل في اللحظة دي… شايل طبق جبنة… ولما سمع الجملة… وقف مجمّد. روان احمرّت:
– ملك… اقعدي بس وما تقوليش كلام زي ده!
ملك بصوت عالي متحمس:
– يعني صح؟! يعني احنا هنجيب بيبي؟؟
ياسر بصّ لروان… ضحكة صغيرة ظهرت… ضحكة راجل فاهم اللحظة كويس:
– قولي لها يا روان… ولا أقول أنا؟
روان مسكت وشها من الخجل:
– خلاص خلاص… أيوة… احتمال… أكون حامل.
ملك صرخت فرحانة:
– ياااااااه! أنا هبقى أخت كبيرة… مرتين!
سارة وقفت على رجلينها الصغيرة على حجر روان، وصوت ضحكتها سبق الكلام. روان حضنتها:
– وهي هتبقى أختك برضه… بس اختك الصغيرة دي هتتجنن لو ظهرت واحدة تانية تاخد لعبها.
ياسر قعد… ومدّ إيده ولمس إيد روان بخفة:
– مبروك يا روان. ربنا يرزّقنا البيبي ده بالسلام. زي ما رزقنا بيكي.
روان نظرت له نفس النظرة اللي كان زمان مستحيل يبصّ لها بيها… نظرة "مراته" مش "وصيّة". وابتسمت:
– وإحنا هنستقبل البيبي ده… بقلب جديد… وحياة جديدة.
ملك قالت بضحكة:
– طب هنسميه إيه؟ لو بنت نسميها إيه؟ ولو ولد؟ ارحمونا وقولوا!
ياسر ضحك:
– يا بنتي اهدي شويّة الأول… ده لسه في بطن أمّك هوا لسه بدري.
ملك مسكت سارة اللي وقعت على رجلها:
– مش مهم… المهم البيت بقى عيلة جد! وأنا أكبر واحدة… وأكتر واحدة هتدلّع البيبي.
روان بصّت لياسر وقالت:
– شايف؟ هي دي اللحظة اللي استنيناها. لحظة البيت لما يضحك… من القلب.
ياسر ردّ بكل هدوء:
– ولحظة… سارة تبقى مبسوطة فوق. لأن وصيتها… اكتملت.
روان دمعت… دمعة رضا… دمعة حب… دمعة امرأة اتعذبت… واتحبت… واتبنت من جديد. سارة الصغيرة قربت على خد روان وباستها بوسه صغيره:
– ماااااااام!
ملك صرخت:
– شوفتي؟ هي عارفة إن في بيبي جاي يزاحمها.
ضحكوا التلاتة… ضحك هادي… صادق… مليان حياة.
الليل نزل بدري… البيت هادي، وصوت سارة الصغيرة نايمة كان عامل زي موسيقى خفيفة. ملك نامت بدري… والبيت بقى هادي… روان كانت واقفة في البلكونة، الهوا البارد بيضرب ضهرها والليل مفيهوش غير صوت قلبها. سمعت خطوات… التفتت. ياسر واقف… مش زي كل يوم، كان في نظرته حاجة جديدة… طمأنينة يمكن… أو قرار. قرب خطوة… خطوتين… وقف جمبها من غير ما يلمس، لكن حضوره لوحده كان لمس.
قال بصوت منخفض:
– عندك وقت… نِتكلّم؟
روان شدّت نفس بطيء:
– عندي.
سكت… بصلها… وبعدين قال جملة هي ماكنتش مستعدة لها:
– إنتي عارفة… إن حياتي اتقسمت نصين؟ نص قبلِك… ونص بعدِك؟
قلبها وقع للحظة… بس سكتت… مستنية. قرب أكتر… وصوته بقى أعمق:
– زمان… كنت فاكر إن سارة… آخر قلبي. وإن بعد موتها… مفيش حياة… مفيش حب… مفيش نفس.
غمض عينه لحظة… ثم فتحها:
– لكن إنتي… رجّعتيلي نفسي. مش فجأة… ولا بسهولة… لكن بالتدريج… بحنانك… بالعقل… بالصبر… وبالوجع اللي شاركتيني فيه.
روان حسّت دمعة تتحرك… بس مسكتها.
– ياسر…
هو قطع كلامها:
– اسمعيني بس. لو في كلمة لازم تتقال قبل ما نبقى أب وأم للمرة التانية… هي دي.
قرب لدرجة إنها حسّت دقّات قلبه:
– أنا… بحبّك يا روان. حبّ نضيف… حبّ راجل شاف موت… وشاف حياة… واختارك إنتي تكمله معاه.
الجملة نزلت عليها زي نور… زي حاجة بتتقال لأول مرة ومعاها راحة. عينها دمعت… لكن الدموع دي ماكنتش وجع… كانت صدق.
– ياسر… أنا كمان… بحبّك. مش حبّ طفلة… ولا اندفاع… ده حبّ بني على خوف… واحترام… ومواقف… وكمية وجع ما يتحملهاش بشر. وأكتر حاجة بحبها فيك… إنك صادق. بتغلط… وبترجع تعتذر. بتتكسّر… بس بترجع تتصلّح.
ياسر أخد نفس طويل… كأنه مستنّي الجملة دي من سنين. قرب أكتر… قال بصوت أوطى:
– في سؤال كان لازم يتسأل… وانا خايف أسأله.
روان قربت خطوة… إشارة إنها مستعدة:
– اسأل.
– ليه سارة ماتت يا روان؟ ليه ربنا أخدها؟ هل كان مكتوب لها العذاب؟ ولا كان ليها نصيب تاني فوق؟
روان مسكت إيده… أول مرة تمسكه بمبادرة منها. إيده بردانة… كأنه طفل بيسأل عن حاجة موجعة. قالت بلطف… بإيمان… بصدق معرفش يطلع غير من قلب موجوع اتداوى:
– ياسر… ربنا ما بياخدش حد علشان يعذّبه. ولا بموت حد علشان يعاقبه. اللي بيموت… بيكمل نصيبه فوق… وإحنا بنكمل نصيبنا تحت. سارة… لو كانت هتتعذّب هنا… ربنا سترها من تعب يمكن ما نقدرش نشيله. ولو كانت حياتها قصيرة… يبقى عمرها اللي اتكتب. اللي يحبّ ربنا… يعرف إن الموت مش نهاية… ولا فراق… ده انتقال.
دمعة نزلت من عينه… أول دمعة من بعد سنين. روان كملت:
– وسارة… ما ماتتش وسابتك. سارة… سابتلك ملك. وسابتلك وصيّة. وسابتلك أنا. ده مش عقاب… ده ترتيب من فوق. علشان لما قلبك يتكسّر… تلاقي حد يلمّه. ولما أنا أضيع… ألاقي حد يلقطني. وإحنا الاتنين… نكمل اللي هي بدأت.
ياسر قرب… وحط ايده على خدها… مش بحزن… لكن بحنان راجل اختار.
– ربنا كبير يا روان… وأنا… شاكر إنك في حياتي.
– وإنتَ… جبر خاطر يا ياسر. جبر ربنا بعتهولي.
ضحك بخفوت… ولأول مرة قلبه ارتاح لفكرة إن السعادة مش خيانة… لكن قدر. قال بابتسامة هادية:
– ممكن… أحضنك؟
هزّت راسها… وهو حضنها. مش حضن شغف… ولا هروب… ولا خوف. حضن… "اتنين لاقوا بعض بعد ضياع كبير."
وفي اللحظة دي… كانت سارة الصغيرة بتبكي في أوضتها. ملك خرجت تضحك:
– يا جماعة… بنتكم بتصحّي البيت كله!
ضحكوا الاتنين… اتحسّ إن الحياة رجعت، إن الوصيّة اكتملت، وإن القدَر ما كانش موت… كان حُب.
بعد أسبوع من اعتراف الحب… قرر ياسر وروان إن في حاجة ناقصة. حاجة لازم تتعمل… علشان القلب يستقر تمامًا. كان يوم هادئ، السماء صافية، والهواء فوق التربة ليه ريحة دفا غريبة. مسك ياسر يد روان، وملّك من يدها التانية، وسارة الصغيرة نايمة في عربة الأطفال. وصلوا للمقابر… المكان اللي شهد آخر وجع، والنهارده… جاي يشهد أول سلام.
وقف ياسر قدّام القبر، دمعته نزلت من غير مقاومة… لكن ما كانتش دمعة كسر، كانت دمعة حنين. قال بصوت منخفض:
– يا سارة… أنا جيت. وجبت معايا الناس اللي وصّيتي عليْهم. ملك كبرت… وروان؟ روان حافظة وصيتك أكتر مني.
روان قربت… ركعت على الأرض، ولمست الحجر بحنان:
– يا سارة… أنا مش واخدة مكانك، ولا اخدت حقك. أنا هنا… علشان أكمل اللي قلبك بدأه. ملك أمانة… وياسر أمانة… وإنتِ… ليكِ دعوة في كل سجدة.
ملك قالت بصوت طفلة بريئة:
– ماما سارة… أنا كبرت أهو. ويا رب تكوني فرحانة بيا.
ياسر ابتسم وهو يبكي… ابتسامة فيها امتنان وألم وراحة. بصّ للسماء:
– يا رب… زي ما جمعت بينا على خير… اجمع روحها بالرحمة، وخلّي ذكراها نور في البيت… مش وجع.
روان قالت جملة خلت قلبه يرتعش:
– ياسر… الحب مش واحد. الحب رزق. وسارة كانت رزقك الأول… وأنا كنت رزقك الثاني. وإحنا الاثنين… مش ضد بعض. إحنا امتداد لبعض.
ياسر مسك يدها… مسكة كانت عهد… مش مجرد لمسة. وقال:
– لو كانت سارة شايفة دلوقتي… كان هتبتسم. لأنك… الرحمة اللي ربنا بعتها لقلبي.
ملك قالت وهي تبوس القبر:
– ماما سارة… إحنا بنحبك… وهنفضل نزورك كل جمعة.
طلعوا يمشوا بهدوء… وروان شايلة عربة سارة الصغيرة… ياسر بص للبنت وقال:
– الحمدالله اننا سميناها سارة… مش علشان ننسى، لكن علشان نفتكر… إن اللي راح… ساب أثر جميل في حياتنا.
روان ابتسمت:
– وربنا يبارك في اللي جاي… ويجمعنا كلنا على الخير.
ومشيو الثلاثة… مع بعض… على طريق واحد… يسيبوا وراهم وجع قديم، وياخدوا معاهم حب جديد، ومستقبل مكتوب بقدر أحنّ.
في آخر صفحة من الحكاية… وفي آخر نفس من رحلة طويلة بدأت بالوجع وانتهت بالسلام… نطلع بكلمة وحدة: الحب رزق… والرزق ما بيغلطش. سارة… مشيت من الدنيا، بس ما سابتش الأرض فاضية. سابت أثر… سابت بنت… سابت راجل بيحب من غير ما يعرف إنه لسه قادر يحب… وسابت وصيّة صادقة… وصيّة غيرت شكل بيت كامل… وشكل قلوب كانت مكسورة. روان… ما كانتش بديلة، ولا مسحوبة على وجع، ولا ستّ اتشالت من مكانها. كانت الطريق اللي اختاره القدر… الطريق اللي مشى عليه القلب، حتى وهو مرعوب… حتى وهو بيقاوم. وياسر… اتعلم إن الراجل مش اللي ما يعيطش، ولا اللي يدفن ذكرى… الراجل هو اللي يعترف… ويرجع… ويحارب… ويصلّح اللي اتكسر بإيده. وملّك… البنت الصغيرة اللي فقدت أول أم… وبقت جزء من يدين أم تانية… كبرت وهي فاهمة إن الأم مش بس اللي تولدك… الأم… اللي تحبك كأنك أول وآخر هدية من ربنا. سارة الصغيرة، اللي اتسمّت على اسم أمّ عمرها ما شافتها، هتكبر وتسمع الحكاية… وتعرف إن فيها قلبين اتحبّوا مرتين… مرة على الأرض… ومرة بعد الرحيل.
الحكاية دي قالت لنا حقيقة واحدة: القلوب اللي تتكسر… ممكن تتلحم. والبيوت اللي تتهد… ممكن تقوم من جديد. والحياة اللي توقف… ربنا يبعث لها باب تاني. مش كل نهاية موت… ولا كل بداية جواز. في ناس بتمشي علشان ناس تعيش، وفي حب بيموت علشان حب أحلى يتولد، وفي وجع… بيكون هو السبب إنك تشوف نور محدش شافه غيرك.
هذه ليست نهاية الرواية… ولا نهاية الحب… ولا نهاية الرحمة… دي بداية جديدة… كتبتها سارة بدمعتها الأخيرة، وكمّلها ياسر وروان بقلبين اتخلقوا من وجع… بس عاشوا بصدق.
وصيّة حب… مش قصة. وصيّة حب… معجزة صغيرة حصلت في بيت صغير، لكن هزّت حياة كاملة. وإحنا نغلق الكتاب… نقول: اللهم ارزق كل قلب مكسور… رحمة زي روان، وحب زي ياسر، وسلام زي سارة.