نظر مروان بصدمة و هو لا يعلم ماذا حدث، بينما جاء الجميع بعده و هم ينظرون بصدمة. كان المكان أشبه بمستودع من الفوضى التى عمت المكان، و الجميع مقيد الإيدي و الأرجل، و تلك الغمامة حول أعينهم باتت ظاهرة. نظر مروان بغضب لما حدث فى غيابهم، و كور يداه. بينما ريم ركضت لتفك عنهم تلك الحبال المكبلين بها، تبعتها ملك و يوسف و ليلى. نظر الجميع لهم و هم لا يصدقون ما حدث. بينما صفية ظهر عليها ملامح الخوف و لم تستطع كبت دموعها.
اقتربت منها ريم فابتعدت هى عنها بخوف على غير عادتها هاتفة: -أبعدي عني، متقربيش، محدش يقرب مني، أبعدوا عني، ماتوا، قتلهم، قتلهم. وضعت يداها على أذنها و هى تردد تلك الكلمات. بينما سارة كانت صامتة لأبعد حدود، لم تبدي أي ردة فعل، و كذلك سعاد و خديجة. و سامر الذى أخذ ركن و حاوط نفسه و هو يآس. لم يبقى سوى عمر الذى كان الشرار يخرج من عيناه و هو لا يعرف ماذا يفعل؟ نهض بهدوء و توجه إلى غرفته.
حاولت ليلى التحدث مع أحدهم و لكن الفشل كان حليفها، و كذلك ملك و ريم، التى كانت تحاول من جديد. نظر مروان لهم بغموض، و رمقهم بنظرة غريبة. صعد إلى غرفة عمر و لكنه قد كسر كل شيء حوله بغضب. اقترب منه ليهدئه، و لكنه لكمه بقوة. نظر لفمه وجد الدماء تهبط منه. تقدم منه و لكمه هو الآخر، فوقع على الأرض. أمسكه من ملابسه بغضب و هتف بصوت عالي: -أنتَ كنت فين و دة بيحصل؟ احنا سايبينك هنا لية؟ مش فاهم.
نفض يداه و هو ينقض عليه و يخرج ذلك الغضب هاتفًا هو الآخر بغضب: -مكنش ليا ذنب فى كل دة، أنتو عايشين ازاى؟ العربية ولعت، أنتَ مش حقيقي أنتً وهم، أبعد عني. ضربه مروان بعنف و هو يحاول أن يقظه من تلك الحالة، يبدو أنه فى واقع آخر و لا يود أن يخرج منه. هزه و هو يحاول إفقاقته، صاح به بغضب أكبر: -فوق يا عمر، فوق أنا موجود، و محصلناش حاجة، و محدش منا حصله حاجة، فوق و فهمني أية إلِ حصل، و كله لية على الحالة دي، فهمني.
للحظة نظر له و هو لا يصدق أذاك حقيقة أم سراب؟ نظر له بأمل و لحين فاق من تلك الصدمة أمسك يده بفرحة قائلا: -أ..أنتَ ... ع ..عايش، أنتَ مموتش. تبدلت ملامحه للإستغراب الشديد و هو لا يدري ماذا به؟ علامات من الإستفهام احتلت عقله، فاق من شروده و هو يتحدث: -فى أية؟ أية إلِ حصل؟ و أنتَ كان شكلك غريب كدة لية؟ و كلهم تحت حالتهم حالة، مش شايف شكلهم. أسود وجهه لوهلة، و رمقه بنظرة خوف على غير عادته.
نظر له بحزن خيم على وجهه، و من ثم جلس على السرير و هو يتنهد بتعب هاتفًا: -هقولك على إلِ حصل. صرخت و هى تطالعه بخوف قائلا: -عاا .... الحقني. التفت بخوف فوجد صرصار على الأرض. طالعها بملل قائلا: -ما هى ليلى مش هتصاحب غير إلِ زيها، الهبل وراثة و هى بتوارثه عبر الأجيال. وضعت يداها فى خصرها و هى ترمقه بغضب: -نعم! مين دي إلِ هبلة؟ ضحك بسخرية و هو يجيب: -أنتِ، يلا اركبي. ركب السيارة و لكنها ظلت واقفة. هبط و هو
يتقدم منها بإستغراب قائلا: -يلا أركبي، أنتِ عايزاهم يجوا هنا ولا أية؟ تبدلت ملامحها للحزن و جلست على الأرض و هى تبكي. نظر لها بصدمة فهو لم يقم بإفتعال أي شيئًا لها. هبط لمستواها قائلا بهدوء: -أنا عملتلك حاجة؟ حركت رأسها برفض فأكمل هو: -طيب بتعيطي لية؟ ضحكت بسخرية وسط تلك الدموع قائلة: -على حظي، و شكرًا لحضرتك جدًا على إنك أنقذتني، يمكن تسيبني بقا دلوقتي و تروح عشان أكيد وراك حاجات أهم. أردف بهدوء مخلوط بالمزاح:
-بصي أنا أنقذتك اه من باباكِ و إلِ كان عايز يعمله، بس دة كان عشان خاطر ليلى، و بالنسبة ليكِ، لازم تيجي معايا البيت؛ عشان أولا: ليلى هتقتلني لو مجتيش معايا، و ثانيا بقا و دة الأهم: بردوة هتقتلني أنتِ عارفة ليلى. ضحكت و هى تزيل دموعها قائلة: -ماشى، بس هقعد شوية معاهم و بعد كدة أمشي تمام. ابتسم لها قائلا: -تمام، يلا أركبي العربية. ركبت بجواره و استندت برأسها على الشباك. لا تعلم ماذا تخفي لها تلك الحياة من جديد.
أغمضت عيناها و هى تتذكر والدتها و تتذكر ما حدث لها فى الصغر. تركض و تلعب و تمرح كالأطفال، ممتنة كثيرًا لأمها، و لكن فجأة نظرت لوالدتها وجدتها ملقاة على الأرض. تقدمت منها و هى تبكي، و لكن تلك الصدمة كانت شديدة جدًا عليها. نقلت إلى المشفى فى ذاك الوقت، و العيون تملأ عيناها تلك الطفلة الصغيرة. نظرت لوالدها الذى طالعها بقرف و أبتعد عنه. نادت عليه عدة مرات و فى أخر مرة، دفعها على الأرض، و أردف بصوت عالي ملئ بالغضب:
-متلحقيش بيا، و متقوليش تاني أني باباكِ فاهمة، و أمك ماتت و أنا هوريكِ الويل، داهية فيكِ و أنتِ شكلها. رمقته بنظرة من الصدمة، لا تعلم ماذا تفعل؟! ركضت فى الممر و لكنها تعثرت. رأت تلك اليد أمامها، مدت يدها و هى تمسح دموعها. ابتسمت لها ذاك الطفل برفقة والدته. مدت والدته المنديل لها و هى تمسح دموعها بخفة قائلا بنبرة مرحة: -فى قمر يزعل، لية كدة يا حبيبتي. نظرت لها ببراءة و تحدثت ببكاء:
-بابا قالي أن ماما ماتت، و ماما هنا، هو يعني أية ماتت. تغيرت تعابير المرآة للحزن مرة واحدة، و أردفت بحزن: -يعني راحت عند ربنا يا حبيبتي، راحت عند ربنا زي ما كلنا فى يوم هنروح. ردت عليها ببراءة: -ينفع أروح عند ربنا دلوقتي. ابتسمت بهدوء قائلة: -لا يا حبيبتي، كل واحد بيروح عند ربنا فى وقت محدد، متزعليش بقا. أعطاها ذاك الطفل الحلوى، فنظرت له ببسمة قائلة: -دي ليا شكرًا. ابتسم ذاك قائلا و هو يعطي لها سوار عليه حرف أسمه:
-خدي دة بقا و خليه معاكِ، و أنا كمان معايا واحدة زيها. ابتسمت و هى تنظر له، و لكن لا تعلم أن ما ينتظرها ليس سوى عالم ملئ بالظلمات الكثيرة. أفاقت على صوته و هو يسألها بهدوء: -هو أنتِ تعرفي ليلى ازاى؟ ردت بهدوء: -اتعرفنا على بعض فى أول سنة، و كنت بجيب ليها المحاضرات عشان ساعات مكنتش بتعرف تنزل القاهرة. أردف بتفهم: -تمام. كان الصمت هو اللحظة الفاصلة بينهم، ظلوا طوال الطريق صامتين. تنهد عمر و هو يتحدث:
-كنت فوق فى الأوضة بأخد شور و لما خلصت و نازل سمعت صوت حد بيصوت تحت، قولت أكيد سارة بتتخانق مع سامر أو مع أي حد، و أنا نازل حد حقني بحاجة من غير ما أحس، بعد شوية... هبط ليري من يصرخ بصوت و عالي، و سرعان ما هبط حتى شعر بشخص يمسكه بإحكام و يحقنه بمادة مخدرة. استيقظ و هو يشعر بألم فى رأسه و من ثم أنه مكبل الأيدي. نظر حوله وجد الجميع مكبلين بتلك الطريقة، حاول فك نفسه و لكن دون جدوي. ظهر أمامه مدحت و هو يبتسم بخبث.
صاح به بغضب شديد: -و الله يا مدحت الكلب لأوريك، على إلِ ....... قاطعه و هو يتحدث بنبرة مستفزة: -تؤ تؤ، كدة غلط يا حبيبي، هى سعاد معلمتكش تتعامل ازاى و لا أية؟ نظر لسعاد التى ظهر على ملامحها الخوف الشديد، فاقترب منه قائلا بهدوء مريب: -متتعاملش غلط مع إلِ مش قدك، و الثمن هيكون كبير، ممكن سعاد و ممكن صفية و خديجة بردوة، و .... أكمل بخبث و هو يتقدم من سارة و يتلامس وجهها: -و لا حبيبة القلب سارة.
عيناه كانت تنفجران من الغضب و هو يحاول أن يفك تلك الحبال و لكن بدون فائدة. صاح به بغضب: -أقسم بالله لو ما سيبتهاش لأكون ....... قاطعه بإستفزاز: -تعمل أية؟ تعمل أية فهمني، أنتَ مش هتعرف تعمل حاجة، بص كدة على الشاشة إلِ قدامك. نظر الجميع على تلك الشاشة المظلمة، التى ظهر فيها صور الجميع و كل شخص فى سيارته. أردف مدحت بخبث: -الحبايب قدامكم، حتى شوفوا كدة، و ممكن بقا بإشارة واحدة أقتلهم، و بصراحة أقدر أعمل كدة.
صرخت صفية ببكاء: -ما تقتلهمش، هما مالهمش ذنب، محدش قرب منك، لية عاوز تأذيني و تأذيهم؟ عايزة تنتقم من حد أنتقم مني أنا، أنا موجودة أهوة قدامك. ضحك بسخرية قائلا: -أنتقم منك؟ بعد أية، بعد كل إلِ عملتيه فى حياتي، أنا هقتلهم ليكِ و هريحك، مش كنتِ السبب فى إنك دمرتيني و أتجوزتيه، دوقي بقا. أردف ببكاء و هى تنظر له بشر:
-دوقته، دوقته متخافش، دوقته لما عرفت أنك أنتَ إلِ قتلته، و السبب فى إلِ حصل لريم، دوقته لما بقا يجلها حالة نفسية و منعزلة عن الناس، دوقته لما أنتَ جيت يوم وفاته و قولتلي بدم بارد أنك إلِ قتلته و عايز تتجوزني، بس عارف مش هتجوزك و لا هبقى يوم واحد على ذمتك، أنا بحبه هو، بالرغم أنه مات بس بردوة بحبه، و مش هحب غيره، و مش ندمانة خالص على أي حاجة عملتها فى حياتي غير أني عرفت واحد ندل و جبان زيك.
أمسك شعرها بإحكام و عيناه تحولت للون الأحمر القاتم قائلا: -أنتِ ليا، فاهمة؟ ليا مهما أتغيرت كل حاجة، هتلف الدنيا و ترجعي ليا تاني، و عارفة أنا أقدر أقتلهم لو موفقتيش. تحدثت ببكاء: -لا مش هتجوزك، و لا هخليك تفكر يوم إني ليك، و بقولهالك تاني، أنا بحبه هو و مش هحبك مهما حصل. أبتعد عنها قائلا بشر: -يبقى خلاص، أنتِ حكمتي و أنا هنفذ. أمسك جهاز التحكم، و نظر لتلك الشاشة التى باتت ظاهرة أمامهم قائلا:
-آخر نظرة عشان تودعوا ولأدكم. ضغط على الزر و ظهر إنفجار السيارة و موت الجميع. صرخت سارة بقوة، و صفية ظلت صامتة لا تبدي أي رد. أم عن سعاد فقد كانت منهارة لأبعد حدود و هى لا تعلم ماذا حدث للسانها. فجأة أختفى كل هذا و لا يعلموا ما حدث. نظر له عمر قائلا: -مش عارفين أية إلِ حصل بعد كدة، و أية إلِ جابنا هنا. كور يداه و هو يهبط إلى الأسفل، وجد والدته فى حالة لا يرثى لها. اقترب منه و هو يمسك وجهها بيديه قائلا:
-و الله أنا موجود، بصيلي بس، بصيلي أنا مروان، و يوسف هناك، متخافيش مفيش حاجة حصلت، و عمر موجود كلنا حواليكِ. فاقت قليلا و هى تنظر له قائلا بهستيريا و كلام غير متزن بالمرة: -مروان، مروان محصلش حاجة صح، أنتَ كويس، أنا متأكدة. أردف بهدوء و هو يحاول تهدئتها: -بس، أنا كويس أهوة و مش حصلي حاجة، كانت خدعة منه متقلقيش، أنا كويس.
بكت و هى تنظر له و تتلمس وجهه ببكاء بينما صفية كانت تضع يداها على أذنها، و هى لا تلفظ كلمة سوى بأنه قتلهم، خائفة لأبعد الحدود مما حدث. تتقدم منها ريم و لكن بدون أي نتيجة. حاولت شد يدها، و لكن هى كانت تضمها بإحكام لأذنيها، و تردد كلماتها المعتادة. أمسكت ريم يدها تلك المرة و هى تحاول أن تطمئنها و لكن تلك المرة أغمى عليها. نظرت لها ريم بصدمة و من ثم حاولت إفاقتها و هى تصرخ بإسمها.
فى ذاك الوقت استدعوا ذاك الطبيب و قام بفحصها. خرج إلى الخارج قائلا بجدية: -المدام جالها إنهيار عصبي، أتمنى تريحوا أعصابها، و تبعدوها عن كل حاجة تضايقها. كانت تقف ريم و هى تحتضن ليلى، و سارة التى تبكي و معالم وجهها جامدة لحدٍ كبير. اقترب مروان منها قائلا بهدوء: -أهدي مفيش حاجة، و هتبقى كويسة إن شاء الله. اندفعت نحو أحضانه و هى تعلم الآن أنه مسكنها، ردت ببكاء: -أنا خايفة، خايفة أوي يا مروان. مسح دموعها بحنان قائلا:
-متخافيش يا حبيبتي أنا معاكِ، و دايمًا هتلاقينا واقف جنبك، متخافيش. فى ذاك الوقت كان أحمد قد دخل إلى المنزل و معه هند التى كانت تشعر بالحرج، و سرعان ما رأت ليلى و حالتها المزرية، حتى اقتربت منها و هى تشعر أنها تود البكاء. أردفت هند بخوف: -مالك يا ليلى؟ أية إلِ حصل يا حبيبتي. بينما نظر له أحمد بإستغراب من حالتها تلك، صعد إلى الأعلى و علم ما حدث، توجه إلى ملك و هو ممسك يدها بغضب قائلة:
-عاجبك كدة، طلع كانت لعبة عشان يعمل فيهم كدة، و فى كل مرة تقولي عمار كويس، هو مش كويس ولا عمره هيكون كدة، ياريت يكون عندك دراية، كل دول ذنبهم برقبتك و من إلِ أنتِ عملتيه. نظر له و هى تبكي قائلة: -أنا ... أنا ........ و من ثم ركضت على غرفتها، شاهد الجميع ذاك الموقف، فشدد هو على شعره و هو يتقدم بإتجاه غرفتها. طرق الباب و دخل إلى غرفتها، وجدها تحتضن نفسها، و شعور الحزن بات فى قلبها.
اتجه لها و ابتسم بهدوء و هو يمسك يدها. سحبت يداها فتحدث هو: -على فكرة كلنا خايفين عليكِ، كلنا كلنا بلا إستثناء، و مش عايزين يحصلك حاجة، عايزينك كويسة، و تبقى دايما كدة، عمار مش كويس زي ما بتقولي، و مويس ان يوسف احترمك و احترمني لما متكلمش على إلِ أنتِ عملتيه، أنتِ كنتِ بتدمري العيلة، و بإلِ حصل الصبح دة خالتو صفية كان هيحصلها حاجة، على العموم هسببك تراجعي أفكارك و أبقى أجي تاني.
مر شهر دون أحداث جديدة تذكر سوى علاج صفية و بدأت حالتها تستقر، و أفاقة سارة من صدمتها بمساعدة عمر، و هند التي بجوار ليلى كل تلك الفترة. كان الجميع يجلسوا على طاولة الإفطار، و ذاك أول تجمع لهم منذ شهر. طرقات على الباب صدرت، تبعها دخول شخص. نظر له الجميع بذهول، و أردف مروان بإستغراب: -أنتَ مين؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!